هل ان محاكمة صدام، محاكمة جنايات عادية ؟
د. مهند البراك
فيما ترى غالبية العراقيين ان محاكمة صدام ورهطه تشكّل تحدياً كبيراً، للظروف الشاقة القائمة وللأطراف غاية التنوع المعنية بها . . فان الغالبية الساحقة انتظرتها وتراها على اساس كونها بداية لطريق هام يجري شقّه لأنصاف بنات وابناء العراق ولتوضيح ماهية حقوقهم الطبيعية المفقودة كبشر في زمان الدكتاتورية، تلك الحقوق التي داسها الدكتاتور المنهار وشلل مجرميه بوحشية وحطّموها بشكل غير مسبوق وحطّموا بذلك واقع حياتهم وآمالهم المشروعة واحلامهم، الأمر الذي ادىّ بالتالي ـ اضافة لأمور اخرى لاحقة ـ الى تكوّن واقع المجتمع المؤلم الحالي قياسا على ما كان عليه قبل تسلّط صدام وشقاواته على مقدّراته . . وبالتالي لتحديد الضحية لأنصافها وتحديد الجلاد لمعاقبته وفق جريمته او فعلته، والبدء بصياغة ضمانات لعدم تكرارها مستقبلاً .
من ناحية اخرى فان الجرائم المطروحة الآن على المحكمة والمنقولة صورة وصوتاً للعراقيين وللعالم، لايراها العراقيون بكونها جرائم عادية كجرائم مجرمين صغار ان صحّ التعبير، ممن يقومون بجرائم فردية من قتل وتهديد اوسرقة منزل ما بالقوة . . وانما بكونها جرائم استهدفت، وراحت ملايين شعب العراق ضحايا متنوعة لها، وكانت نتائجها مقتل وضياع آثار مئات الآلاف من خيرة شابات وشباب البلاد ومن كلّ اطيافها بابشع الوسائل، لأنهم حالوا قول حقيقة ماكان يجري ولأنهم حاولوا توضيح الحقوق وسعوا للدفاع عنها بالكلمة او دفاعاً عن نفس . . انها جرائم اشتعلت بفعلها حروب وسقطت بفعلها ملايين من ابناء العراق والمنطقة . . انها جرائم لم تعد ولم تحصر بعد وتتطلب مؤسسات تعمل لسنوات لذلك . . انها جرائم سكت عنها العالم المتحضّر ان لم يكن قد ساهم في تشجيع مجرميها، طيلة اكثر من ثلاثين سنه !!
وفيما يعدّ متخصصون تلك الجرائم، بكونها جرائم (عادية) استخدمت السياسة والحزبية والأعلام والديماغوجيا والكذب على الرأي العام وخداعه، كوسيلة للسيطرة الشريرة على البلاد والمنطقة . . حين كانت الجرائم العادية وسيلة للوصول والسيطرة على الحكم. فانهم يرون انها من الجرائم الجنائية العظمى لأنها ليست بحق افراد وانما بحق المجتمع باسره، ولأنها تسببت بازهاق وتضييع مئات آلاف الأفراد من كل الأجناس والأعمار،وتسببت بتشويه مجتمع كامل بملايينه، وتشويه حقوقه وواجباته وتسميم تفكيره ومنطقه . . في الوقت الذي يرى فيه علماء جريمة وقانونيون، بانها من جرائم (مافيات السياسة) . . المافيات الأجرامية التي تحصل على الأرباحً الأسطورية، باستخدام وبممارسة الجريمة اللامحدودة بعد مفاعلتها وتنظيمها بغطاء السياسة اوباهداف سياسية.
وعلى ذلك فان المواطن العراقي اي مواطن لاينظر الى اولئك المجرمين كمجرمين عاديين ـ كما كانوا مدوّنين في السابق في ملفات شرطة بغداد في حادثة مقتل راقصة، عام 1956 ـ لأن ادواتهم الجرمية هذه المرة ليست سكين او سلاح ناري او غيرها، وانما هي اجهزة الدولة والجيش والقوات الخاصة المتنوعة، الأمر الذي يجعل المواطن يراهم كشئ مخيف يصعب عليه وصفه، شيئاً كان ماسكاً بحياته ومصيره، بشرفه و روحه . . شيئاً مخيفاً بلازمته (وحدة حرية اشتراكية)، التي كانت تقرع في الدماغ ليلاً ونهاراً، ومن مختلف الأجهزة الأعلامية المسموعة والمرئية ومن كل وسائل الرعب والخوف . انه يريد بكل جوارح الضحية وعواطف الأنسان الشرقي وقيمه، ان يراهم مُذلّون على الأقل، مذلّون من قبل السلطة التي تريد ان تحوز على ثقته ورضاه عن طريق الأنتخابات.
وبالرغم من ان جو الطمأنينة الذي استطاع خلقه السيد القاضي رزكار امين للمتهمين بصبره وبجهده غير قليل، واستطاع به كشف المعدن الحقيقي لسلوك صدام وكبار رجاله، وكشف غطرساتهم وتعاليهم وتجاوزهم حتى من قفص الأتهام، على ضحاياهم من اصحاب دعاوي الحق، وبالتالي كشفها امام الكاميرات وامام الرأي العام وللعالم . . اثرارتياعهم (في جو الطمأنينة المذكور) من قوة صمود الضحية وقوة ومنطقية طرحها شهادتها وبالأخص الضحية الشاهد السيد احمد الدجيلي والضحية السيدة أ. من اهالي الدجيل .
الاّ ان كثيرين يرون، ان شخصية المحكمة الأساسية وهيبتها، لكونها تمثل القضاء العراقي والشعب العراقي قد ضعفت للأسف بنظر اهل البلاد، بنظر العراقيين المراد اشراكهم وكسبهم لصالحها، لأنها تشكّلت من اجل احقاق حقوقهم . . بسبب ضعف الأجراءات الأنضباطية المقرة في لوائح القضاء الدولي والعراقي، التي ضاعفها على الهواء، سلوك وادعاءات افراد هيئة دفاع صدام و السيدين رامزي كلارك والوزير القطري السابق . . الأمر الذي ادى الى ظهور المتهم صدام بمظهر كما لو كان متسيّداً لعموم سير الجلسات، وحيث اظهر ضحكه وسخريته منها، واستخدامه لعبارات مثل ( اريد منّك) و(عليك) مع القاضي، رغم انها انتهت في الجلسة الأخيرة بتعبير المتهم عن احترامه للسيد القاضي وعن اعترافه به كقاضي اعلى، رغم ما عبّره عن عدم اعترافه بالمحكمة ؟! وبالرغم من وضوح واستمرار السلوك العدواني المنفلت للمتهم المتمارض بالسرطان برزان !
ويرى محللون ومتابعون ان صدام يمكن ان يكون قد استفاد ايضاً من منبر المحكمة العلني، لمحاولة اعادة تأهيله، وبثه لأشارات وايحاءات، عن قوته وخبراته ومدى خدمته للبلاد والدفاع عنها امام الطامعين على حد وصفه، متناسياً هول جرائمه وخراباته وسرقاته الفلكية. اضافة الى تلميحات يفهم منها انها قد تكون تعبيراً عن استعداده للمشاركة بدور جديد لأنه لايزال ضرورة ؟! بتقديره . . الأمر الذي قد يدعو الى مزيد من مواصلة عقد عدد من الجلسات بشكل سريّ، او مغلق، ووفق الأصول القانونية.
6 / 12 / 2005 ، مهند البراك
* مراجع
ـ الجريمة المنظمة / وثائق المعهد الأتحادي لمكافحة النازية والعنصرية، المانيا.
ـ وثائق معهد ابحاث المافيات / مخاطر المافيات السياسية في ايطاليا، وثائق ومقابلات فلمية عن المافيات الصقلية / قناة ارتي الفرنسية باللغة الألمانية، تموز / 2005 .[/b][/size][/font]