السياسي الماجور والمثقف المتسول.
متى يكون السياسي او المثقف حرا وخارج حدود التاثر ويعبر عن قناعاته وايمانه العملي بالقضية وليس النظري البحت ويدافع عن هذه القناعات ويتحمل تبعاتها دون تكليف من احد حيث انه في حالة التكليف لايمكن ان يعبر عن كامل قناعاته بشكل كبير من الحرية .
وهناك السياسي والمثقف الحر والسياسي والمثقف الذاتي فالاول هو الذي يدافع عن قضايا شعبه وبكل امانة والثاني يدافع عن همه ومصلحته الذاتية متخذا الهدف الاول كجسر عبور لتحقيق مصالحه الشخصية وهذه الفئة تعمل بالمبدا( وعندما تحقق ما تريد تكف عن التمرد والمطالبة) وفي بيئة مثل بيئتنا العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص وهي البيئة التي تنظر الى الماضي بقداسة ولايمكن لاية كائن من ان يمسها او يناقشها حتى ولو كانت السبب في البؤس والتخلف والتراجع الحضاري الذي نعاني منه. وان هذه القيود التي تجعل السياسي والمثقف مكبلا باغلال ثقيلة تمنعه من النهوض واللحاق بالنهوض الحضاري وكلما حاول هذا السياسي او المثقف الاقتراب من الاصول واسباب هذا التخلف كلما زادت هذه القيود قوة وصلابة وكم نلاحظ هذا في الكثير من المقالات والطروحات لدى مثقفينا وسياسينا المتنورين وتجد هذه القيود والمعاناة بين السطور حيث هناك الكثير من الذي يريد هذا السياسي او المثقف قوله ولكن بسبب هذه القيود والحواجز والممنوعات لايمكنه اظهاره الى ارض الواقع وكم يبذل من جهد ومعاناة من اجل ان يزوق ويتحايل على الكلمات كي يوصل فكرته ومشروعه باقل الخسائر.وان هذه القيود سوف تمنعنا من الوصول الى التحرر والنهضة.
وان مسالة عزل الدين عن الدولة من خلال الدين لله والوطن للجميع وخاصة في المجتمعات ذات التعددية القومية والدينية والمذهبية كمجتمعنا العراقي هي مسالة في غاية الاهمية واود الاشارة هنا الى قيام بعض الاحزاب والتكتلات العراقية بالمطالبة برفع صورة اية الله السيستاني في الحملة الاعلامية لانتخابات المحافظات ومحاولة كسب اصوات الناس البسطاء من خلال هذه الممارسة فبالله عليكم لاتحشروا هولاء الناس المحترمين في امور السياسة التي تتغير فيها المواقف والسلوكيات بتغير درجات الحرارة وان استخدام هذه الرموز قد تنفع في هذه الايام لان التجربة العراقية لازالت في طور النظوج وان النتائج السلبية في الانتخابات لهذه التكتلات قد تترك اثرا سلبيا لمكانة ودور هذه الرموز الدينية وان التكتلات التي تنتهج النهج الديني سيرا على خطى التجربة الايرانية والتي تشير جميع التكهنات بانها تجربة في طريقها الى الزوال ولن تجلب الى المجتمع الايراني سوى المزيد من التعاسة والتخلف وقد شعرت بعض الاحزاب الدينية في العراق بخطورة النهج الذي يبتعد عن الواقع العراقي والوطني وان هذا النهج سوف ينحصر ويتقلص وذلك من خلال الانقسامات والقصور الناتج من التطبيق العملي للبرامج السياسية والاقتصادية على الارض وهذا ملاحظناه من الانشقاق الذي قاده الدكتور الجعفري من حزب الدعوة وهي حركة ذكية وذات بعد نظر وتاتي قبل الانتخابات القادمة واختياره لاسم تيار الاصلاح اختيار موفق مبتعدا عن التسميات الدينية الضيقة التي مهما حاولت ان توسع قاعدتها فسوف لن تنال الا جزء الجزء من مكونات واطياف شعبنا العراقي.اضافة الى ذلك ان شعار الاصلاح شعار وطني لايمكن ان يختلف عليه اثنان وذو دلالات وطنية عراقية بدل من الدعوة(الدعوة لماذا) وخاصة ان الزمن هو اجلا ام عاجلا سوف يكون مع التوجهات الوطنية العراقية الخالصة والتي تدفع بالمواطن نحو الانتماء الى الوطن وليس للطائفة او القومية او الدين.. ونظرة سريعة على بعض تجارب الدول ذات التاريخ الطويل في تطبيق الديمقراطية سوف لن نجد اسماء دينية لاحزابها بل اسماء تتسم بالشمولية كحزب الاحرار وحزب العمال .......
فما هو المطلوب من التكتلات العراقية عامة والدينية خاصة فالتكتلات التي سوف ترفع شعار العراق ثم العراق ثم العراق اولا والتي تعرض برامجها الاقتصادية والسياسة وليس برامجها الدينية هي الاحزاب والتكتلات التي سوف تثبت في الساحة العراقية اما الاحزاب الدينية التي تعتمد على التاثير العاطفي على الطبقة البسيطة من الشعب مستغلين الدين كشعار يمنحهم الحق في السلطة بتفويض الهي( متبنين الخاصية اللاهوتية المتمثلة في الغيبية المطلقة) فعمرها قصير وان الانتخابات البرلمانية القادمة سوف تظهر استحقاقات وتكتلات عراقية وطنية خالصة..
وعلى البرلمان والبرلمانين ان يعوا دورهم الوطني وخاصة عند تعلق الامور بالحريات وفي حالة تجاوز البرلمان الحقوق المدنية للاقلية فتكون للمحكمة الدستورية الحق في اسقاط مثل هذه القوانين والتشريعات وان صوت لهذه القررات بالاغلبية . ومن هذه القوانين التي تتعلق بالحريات الشخصية كالقوانين التي تلزم النساء بالحجاب كالامر الصادر من رئاسة جامعة بغداد بالزام الطالبات لبس الحجاب فلا نعرف ماهية الاسباب التي من اجلها يفرض الحجاب فاذا كان هدفها زيادة الوازع الديني لدى النساء فقد اشارت الدراسات والبحوث التي شملت الدول التي فرضت الحجاب فيها بالقوة وبظمنها الجمهورية الاسلامية في ايران بعدم ملاحظة او تسجيل اية اشارات ايجابية لا بل على العكس كان وقعها من خلال الاحصائيات سلبيا حيث الفساد الخلقي واعداد بائعات الهوى قد ازداد بشكل ملفت وقد تجاوز العدد ال300 الف وانتشار ظاهرة اللقطاء لتمثل مشكلة عصيبة تقدرها بعض المنظمات الدولية بأكثر من نصف مليون لقيط . او بمنع الناس من شرب الكحول وتداولها كالامر الصادر من مجلس محافظة البصرة وقد اثبتت الدراسات ايضا بان الدول التي تمنع الكحول او لاتوفره باسعار تكون في متناول المواطنين تنتشر وتستشري ظاهرة المخدرات بشكل واسع ومدمر للمجتمع وهذا مااكدت عليه بعض المصادر في هذه الدول اضافة الى ذلك ومنذ سقوط النظام البائد في العراق قد دخلت انواع مختلفة من المخدرات الى العراق اضافة الى قيام بعض المزارعين بتحويل مزارعهم من زراعة محاصيل اقتصادية كالرز الى زراعة المخدرات ونفس الشئ ينطبق على القرارات والتجاوزات الاخرى كمنع الموسيقي وقوانين اخرى ذات علاقة بالحريات الشخصية.
وحيث ان الكثير من السياسين والمثقفين العراقيين المتنوريين يعيشون مرحلة يعجز الواقع من اللحاق بافكارهم حيث الفكر متقدم والواقع متخلف وان استمر هذا الواقع على ماهو عليه فسوف لن يطول هذا الواقع لينتفظ ويثور كما حصل للتنويريين الاوربيين في عصر النهضة عندما مهدوا للثورة الفرنسية وكما هو حاصل الان في الجمهورية الاسلامية فصحيح ان التنبوء بما تحمله الايام القادمة لهذه الجمهورية ليس بالامر السهل ولكن التغيير قادم لامحال وخاصة لشعب مثل الشعب الايراني يمتلك خزين حضاري وحراك سياسي واجتماعي مستمر وان الاجيال التي لم تشهد الثورة لم تعد تحتمل الاجندات الدينية المتزمتة بل تطالب بحل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية والقضاء على الفساد الذي بدا ينخر في جسد الدولة. .
وعلى الاحزاب الطائفية والدينية العراقية ان تعي هذه الحقائق حيث ان التمسك بالماضي وخاصة مايتعلق منه بالجوانب المعطلة للعقل سوف لن يزيدنا الا المزيد من التخلف والانحدار متخذين من الماضي كخزان بؤسنا الحضاري.
وعلى السياسين والمثقفين ان يدركوا دورهم الوطني والتاريخي وحيث ان الاحداث التي مر بها العراق بعد السقوط افرزت الكثير من من السياسين والمثقففين المتسولين والماجورين اللذين يبحثون عن المال والشهرة.
د.عامر ملوكا
استاذ جامعي
ملبورن/استراليا