شعبنا...إلى أين؟
يوسف يلدالقد ترددت كثيراً قبل الشروع في الكتابة عن: أغنيتنا... إلى أين؟!
بلى، أغنيتنا، وليس شعبنا، كما جاء في عنوان كلمتي هذه. صبراً، التوضيح آتٍ. وأما التردد، فلم يكن مرده عدم الدراية المطلوبة بالموضوع المطروح، فلي تجربة ومعايشة طويلة عريضة مع الموسيقى والأغنية، وقد رافقتها على مدى ثلاثة عقود، وربما أكثر. وكم تمنيت في قرارة نفسي أن لا أقف مكتوف الأيدي، أخرساً، حيال ذلك، غير أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه!
الألفية الثالثة والعولمة ونهاية الحرب الباردة، وما رافق ذلك من تغييرات طرأت على توجهات وطموحات وأفكار الناس في أيامنا هذه، كان لها الدور الكبير في التوقف ملياً قبل الولوج في عالم أغنيتنا، ومن ثم طرح السؤال التالي: أغنيتنا...إلى أين؟
الآراء والأفكار المتناثرة بين السطور هذه مستنبطة من حالة معاشة للأغنية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، كما أسلفت، ولا تنطلق من أرضية جاهزة وجمل تقال في مدح فلان أو علان من الفنانين، من مطربين وملحنين ومؤلفي الأغاني.
فكرة الكتابة عن أغنيتنا كانت مطبوخة في رأسي، الأمر الذي دفعني للبحث عن العنوان اللائق والمناسب لمحتوى ما سأطرحه في كلمتي عن هذه الأغنية. وعندما هممت بالكتابة، توقفت قليلاً قبل أن أخط حرفاً واحداً. وسألت نفسي عن العنوان الذي ستطل تحته كلماتي، لأنني لم أكن قد خططت لعنوان (أغنيتنا...إلى أين؟). إحترت في أمري، وشعرت بأنها مهمة عسيرة وليست كما كنت أتصور في بادئ الأمر، إذ عليّ أن أُرضي جميع أذواق القراء الذين غرفوا من معرفة الألفية الثالثة. فهل أكتب: الأغنية الأشورية...إلى أين؟، أم : الأغنية الكلدانية السريانية الأشورية...إلى أين؟ أم أقدم الأول على الثاني، أم الثاني على الثالث، أم ماذا؟!
بدت مهمة إختيار العنوان جد شاقة، بسبب من علاقاتي الطيبة مع كل من عرفني وعرفته، إلتقيته وإلتقاني في جلسة سمر، أو ماشابه ذلك. إذن، ما العمل؟ قلت أحدّث نفسي. سريعاً جاءني الرد كطلقة نارية، أنا المعروف عني سرعة بديهيتي في إتخاذ المواقف السلمية في أكثر المواقف حرجاً، إذ غالباً ما يزورني الوحي حاملاً معه أحلى باقات الورد، والتي تدخل النشوة والسلام في قلب كل نفسٍ عصبية، بحيث لا تلحق الأذى به، بل تدخل الفرحة!
تلقفت الفكرة حالاً ورحت أبحث في الشبكة العنكبوتية عن ما يعينني وينتشلني من دوخة الرأس هذه والتي أصابتني وأنا بصدد البحث عن العنوان المفقود. زرت أغلب المواقع الإلكترونية المنتشرة في الإنترنيت، بحثاً عما يرضيني ويرضي الآخرين، وعما يجنبني شتائم البعض وغضب البعض الآخر. قرأت العديد من المقالات السياسية والإجتماعية، والتي سطرتها أقلام تنتمي الى مختلف أطياف شعبنا، أقلام رجال السياسة والإجتماع والفن والأدب وغيرها الكثير. ولم أخرج منها إلاّ وفي جعبتي العديد من المشاحنات والمطاحنات والشتائم والألفاظ البذيئة، إلى جانب الحوار الهادئ الرزين، والنقاش الفكري والعلمي. قرأت التسميات التي أطلقت على شعبنا الكلداني السرياني الأشوري، مع التقديم والتأخير فيما بينها. رأيت كل واحد يبحث عن مراده، كما لو لم نكن ننتمي إلى أمة واحدة، كما لو لم نكن نتحدث بلغة واحدة، ونؤمن بكتاب واحد، وتعود جذورنا إلى حضارة واحدة لا يختلف عليها إثنان. كما لو كنا نحمل جنسيات من كواكب أخرى، لكن القدر لفظنا وجمعنا في أرض الرافدين بالصدفة!
حال خروجي من المعمعة التي وضعت نفسي فيها، داخلني إحساس بالغربة، وشعرت بالتيه في صحراء لا بداية لها ولا نهاية ، لا أصول لي ولا جذور ولا وطن. بدا كل شئ من حوالي في غاية الغرابة، وكأنني لم ألتق إنساناً من قبل. ورأيت في أصدقاء العمر جوني وميخائيل وسمير وعماد وبطرس، وغيرهم ممن أعرفهم مخلوقات لا صورة واضحة لها، كما لو قد نزحت من كواكب أخرى، مجهولة الهوية، كواكب لا أسماء لها.
في نهاية الأمر، تيقنت و بصورة أكيدة، لا أدنى شك فيها، أنه ليس بمقدوري إرضاء الجميع، ولأنني إنسان دائم البحث عن السلام والوئام ومحبة الغير، إرتأيت أن أركن مسألة الكتابة عن (أغنيتنا) جانباً، والتفكير في تأجيلها حتى إشعار آخر، لحين توفر الوقت المناسب، الوقت الذي يكون فيه الجميع قد إتفق على تسمية واحدة، لا غيرها، تطلق على شعبنا الصبور.
سيدني - استراليا
ibrahimyousif@hotmail.com