كتاب التعليم المسيحي


المحرر موضوع: كتاب التعليم المسيحي  (زيارة 30956 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
كتاب التعليم المسيحي
« في: 11:20 29/06/2008 »
كتاب التعليم المسيحي


 كتاب التعليم المسيحي سينشر في اجزاء ليتسنى لنا ان نقراءه بتاني لما له من غنى روحي . وهذا الكتاب ما تعلمه كنيسة الام لابنائها ، وهو مناسبة لنا من ان نعرف ما تعترف وتحتفل به الكنيسة وما تحياه وتصليه في حياتها اليومية. وفي هذا العرض نفسه ايضاح لواجب كل شخص في الاسهام الفعلي، حتى يصبح من الممكن أن يقدم لعالم اليوم الايمان المسيحي الذي يلخص هذا الكتاب تعاليمه الجوهرية بالطريقة الأشد ملاءمة. بهذا الاسهام المتعدد والمتكافئ لدى أعضاء الكنيسة .


محبتي واحترامي للجميع


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .


غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #1 في: 11:28 29/06/2008 »
التّعْليمُ المسِيحي للكِنيسة الكاثوليكية


 

عربّه

عن الطبعة اللاتينيّة الأصليّة

 

المتروبوليت حبيب  باشـا      المطران يوحنّا منصور

المطران كيرلّس سليم بسترس       الأب حنّـا الفاخـوري

 

 

 

لائحة الاختزالات

 

آ ك ل، آ ل
 مجموعة آباء الكنيسة اللاتينيّة
 
آ ك ي، آ ي
 مجموعة آباء الكنيسة اليونانيّة
 
إ إ
 إعلان الإنجيل (بولس السادس 8/12/1975)
 
أ ر
 الأسّرفتوره رومانو
 
إ ش إ
 الأهتمام بالشأن الإجتماعي (يوحنا بولس الثاني 30/12/1987)
 
أ فا
 أم الفادي (يوحنا بولس الثاني 25/3/1987
 
أ ك ر
 أعمال الكرسي الرسولي
 
إ م
 الإكرام المريمي (بولس السادس (2/2/1974)
 
إ ن ك
 «الإنكيريديون الفاتيكاني»
 
أ و م
 أمٌّ ومعلمة (يوحنا الثالث والعشرون 15/5/1961)
 
ت ح ر
 التجديد الملائم للحياة الرهبانية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ت ر
 التعليم المسيحي الروماني
 
ت ش
 ترقي الشعوب (بولس السادس 26/3/1967)
 
ت ك
 التنشئة الكهنوتية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ت م
 التربية المسيحية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ح ب
 الحياة ابشريّة (بولس السادس 25/7/1968)
 
ح ق ل
 الحقُّ القانونيُّ اللاتينيّ
 
ح د
 الحريّة الدينيّة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ح م
 الحركة المسكونية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
خ ك
 خدمة الكهنة الرعوية وحياتهم (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
د
 دنتسنغر – شونمتسر
 
د ت ع
 دليل التعليم المسيحي العام
 
ر ت
 رتبة التثبيت
 
ر ت ب
 رتبة التنشئة المسيحية للبالغين
 
ر ت ع
 رتبة تكريس العذارى
 
ر ج
 رتبة الجنازات
 
ر س ت
 رتبة سر التوبة
 
ر س ز
 رتبة سر الزواج
 
ر ع
 رسالة العلمانييّن (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ر ف
 رسالة الفادي (يوحنا بولس الثاني 14/7/1990)
 
ر م
 الربُّ المحيي (يوحنا بولس الثاني 8/5/1986)
 
ر م أ
 رتبة معمودية الأطفال
 
ر م ب
 رتبة معمودية البالغين
 
س إ
 سر الإيمان (بولس السادس 3/9/1965)
 
س أ ع
 السلام على الأرض (يوحنا الثالث والعشرون 11/4/1963)
 
س م
 السنة المئة (يوحنا بولس الثاني 1/5/1991)
 
ش ع
 الشراكة العيليّة (يوحنا بولس الثاني 22/11/1981)
 
ع ك أ
 علاقة الكنيسة بالأديان غير امسيحية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ع م
 العلمانيّون المؤمنون بالمسيح (يوحنا بولس الثاني 30/12/1988)
 
غ ر
 الله الغني بالرحمة (يوحنا بولس الثاني 30/\1/1980)
 
ف إ
 فادي الإنسان (يوحنا بولس الثاني 4/3/1979)
 
ف ب
 في البركات
 
ف ق
 فرض القراءات
 
ق ر
 كتاب القداس الروماني
 
ق ش
 قانون إيمان شعب الله (بولس السادس 30/6/1968)
 
ق ك ش
 قوانين الكنائس الشرقية
 
ق م م
 قرارات المجامع المسكونية
 
ك
 في الكنيسة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ك ش
 في الكنائس الشرقيّة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ك ع
 الكنيسة في عالم اليوم (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ك م
 كرامة المرأة (يوحنا بولس الثاني 15/8/1988)
 
ل
 الليترجيا المقدّسة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ل س
 ليترجيّا الساعات
 
م أ
 مهمة الأساقفة الرعويّة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
م ت
 المصالحة والتوبة
 
م ع
 مزاولة العمل (يوحنا بولس الثاني 14/9/1981)
 
م ع إ
 مجمع العقيدة والإيمان
 
م ع ك ق
 مقدمة عامة لكتاب القداس
 
م ع ل س
 مقدمة عامة لليترجيا الساعات
 
م ف اً
 المجمع الفاتيكاني الأول
 
م ك ك ل
 مجموعة الكتّاب الكنسييّن اللاتين
 
م م
 المصادر المسيحيّة
 
م م ل
 مجموعة المسيحيين (السالسة اللاتينيّة)
 
م م ي
 مجموعة المسيحيين (السلسة اليونانية)
 
ن ر
 نشاط الكنيسة الإرساليّ (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ن ك
 نقل الكرازة (يوحنا بولس الثاني 16/10/1979)
 
و إ
 وسائل الاتصال الإجتماعيّ (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
و ل
 الوحي الإلهي (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
 
 اختزالات أخرى
 
إ ز
 ما يوزيه من النصوص . par
 
رَ
 Cf.
 
م
 ملحق ad.
 
مج
 مجمع c.
 
م س
 المرجع السابق Ibid.
 
م ن
 المرجع نفسه Id.
 
و غ
 وغيرها من النصوص et alt. et alibi
 


الدستور الرسولي: وديعة الإيمان، لأجل نشر تعليم الكنيسة الكاثوليكية
الدستور الرسولي

«وديعة الإيمان»

لأجل نشر

تعليم الكنيسة الكاثوليكية

الذي وضِع في عَقِب المجمع الفاتيكانيّ الثاني

 

 إلى إخوتنا الأجلاَّءِ الكرادِلة، والبطاركة، ورؤساء الأساقفة، والأساقفة، والكهنة، والشمامسة الإنجيليّين، وإلى سائر أعضاء شعب الله

يوحنَّا بولس الأسقف،

خادم خُدَّام الله

لِذكرى خالدة

الحفاظُ على وديعة الإيمان، تلك هي الرسالةُ التي عهدَ فيها الربُّ الى كنيسته، والتي تقوم بها في كل زمان. والمجمع الفاتيكاني الثاني، الذي افتتحهُ منذُ ثلاثين سنةً سلفُنا يوحنّا الثالث والعشرون السعيد الذكر، كان هدفهُ ورغبتُه أن يُبرز رسالة الكنيسة الرَّسوليّةَ والرَّاعوية، وأن يقود جميع البشر، بألَق حقيقة الانجيل، إلى تطَلُّب وقبول محبة المسيح التي هي فوق كل شيء (رَ: أف3/19).

وكان البابا يوحنا الثالث والعشرون قد حدَّد لهذه الجلسات المجمعية مهمتها الرَّئيسيَّة في أن تحافظ على وديعة العقيدة المسيحية الثمينة حفاظاً أفضل، وفي أن تفسرها تفسيراً أوفى، بحيث تصبح أقرب إلى متناول مُؤمني المسيح، ومتناول سائر البشر ذوي الإرادة الصالحة. وهكذا لم يكن من شأن المجمع أولاً أن يندد بأضاليل العصر، بل كان عليه قبل كل شيء أن يُبين بصفاءٍ قوة عقيدة الإيمان وجمالها. وكان (ذلك البابا) يقول: «ستكونُ أنوارُ هذا المجمع للكنيسة ينبوع غنًى روحيٍّ، وإنها إذا نهت منه طاقات جديدة ستتطلَّعُ إلى المستقبل بغير خوفٍ ... يجبُ علينا أن نكِب، في فرحٍ وفي غير خشيةٍ، على العمل الذي يقتضيه عصرنا، سالكين الطريق التي نهجتها الكنيسةً منذُ نحو عشرين قرناً».

لقد استطاع آباء المجمع بعون الله أن يُعدوا، في سني العمل الأربع، طائفةً كبيرةً من العروض العقائدية والتوجيهات الرَّاعوية، ويقدّموها للكنيسة كلها جمعاء. فيها يجد الرُّعاةُ والمؤمنون ما يهديهم في هذا «التجدُّد الفكريّ والحركيّ والأخلاقيّ، وتجدُّد القوة الأدبيّ والفرح والرجاء التي كانت وحدها غاية المجمع»[ii].

ومازال المجمع، منذ افتتاحه، ينفح الحياة الكنسية بوحيه. وكان بإمكاني في سنة 1985 أن أعلن وأقول:«أن المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أتيح لي، نعمةٍ خاصة، أن أكون عضواً من أعضائه، وأن أشترك اشتراكاً فعلياً في مجرى أعمه، كان بالنسبة إليّ في كل آن، ولا سيما في سنوات حبريتي، المرجع المتواصل لعملي الرَّاعوي كله، أعملُ بوعيٍ على ترجمة ارشاداته بتطبيقٍ واقعيٍ وأمين، على مستوى كل كنيسة وكل الكنيسة جمعاء. يجب أبداً الرجوع الى هذا الينبوع»[iii].

في هذه الروح طلبت، في 25كانون الثاني 1985، انعقاداً غير عادي لسينودس الأساقفة، وذلك بداعي الذكرى العشرين لاختتام المجمع. وكان هدف هذا المجلس الاحتفال بنِعَم المجمع الفاتيكاني الثاني وثماره الروحيّة، والتعمُّق في تعاليمه في سبيل اتباعه اتباعاً أفضل، والتشجيع على معرفته وتطبيقه.

بهذا الداعي أعرب آباء السينودس عن رغبتهم «في أن يُوضَع تعليم مسيحيّ، أو خلاصةٌ للعقيدة الكاثوليكية كلها، سواءٌ كان في موضوع الإيمان أو في موضوع الآداب، فتكون هذه الخلاصة نصَّا مرجعياً لكتب التعليم المسيحي أو الخلاصات التي توضع في شتّى البلاد. ويجب أن يكون عرض العقيدة كتابياً وليترجياً، مقدماً تعليماً ثابتاً وفي الوقت نفسه متمشياً وحياة المسيحيين الحاضرة»[iv].

ومنذ اختتام السينودس تبنَّيتُ هذه الرغبة، مقدرًا «أنها تلبي حاجة حقيقيَّةً في الكنيسة الجامعة وفي الكنيسة الخاصة»[v].

كيف لا نؤدي الشكر من أعماق القلب الى الرب الإله، في هذا اليوم الذي أصبح فيه بإمكاننا أن نقدم للكنيسة كلها جمعاء، هذا النص المرجعيّ، بعنوان تعليم الكنيسة الكاثوليكية، في سبيل تعليم ديني يستقي تجدُّده من ينابيع الإيمان الحيّة!

بعد تجديد الحياة الليترجيا وبعد صدور الحق القانوني الجديد للكنيسة اللاتينيّة ومجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية، سيكون لهذا التعليم المسيحي إسهامٌ بالغُ الأهمية في تجديد الحياة الكنسية الذي أراده وطبقه المجمع الفاتيكاني الثاني.

مسيرة تَهييءِ هذا النصّ وروحُه

تعليم الكنيسة الكاثوليكية ثمرة جهودٍ كثيرة متضافرة؛ لقد أُنضِجَ طوال ستِ سنواتٍ من العمل الحثيث في روح انفتاح واع وفي نشاط مضطرم.

في سنة 1986 عهدتُ إلى لجنةٍ مؤلَّفةٍ من اثنى عشر كردينالاً وأسقفاً، يرئسها السيد الكردينال جوزيف راتسنغر، في تهييءِ تصميم للتعليم المسيحي الذي طلبه آباء السينودس. وقد رافقت عمل اللجنة هذه لجنة صياغة مؤلَّفةٌمن سبعةِ أساقفةٍ أبرشيّين خُبراء في اللاهوت والتعليم الدينيّ.

وقد تابعت اللجنة المكَّلفة بتقديم التوجيهات والسهر على سير الأعمال، تابعت بتيقُّظٍ جميع المراحل في صياغة النُّسخ التّسْع المتعاقبة. وأما لجنة الصّياغة فتولَّت مسؤولية كتابة النص مع التعديلات التي طلبتها اللجنة المكلفة، والنَّظَر في ملاحظات عددٍ كبيرٍ من اللاهوتييّن، وشُرّاح الكتاب المقدس، ومعلمي التعليم الدينيّ، ولا سيما أساقفة المسكونة كلها، وذلك في سبيل تحسين النص. وهكذا كانت لجنة الصياغة مركز تبادل مُثمرٍ ومُغنٍ لأجل تأمين وحدة النصّ وتجانس أجزائه.

كان هذا المشروع موضوع تشاور واسع بين جميع الأساقفة الكاثوليكيين، ومجالسهم الأسقفية أو سينودساتهم، ومعاهد اللاهوت والتعليم الديني. وقد لقيَ في مجمله ترحيباً واسعاً لدى الهيئة الأسقفية. ومن الحق أن يُقال إن هذا التعليم ثمرة اسهام لكل الهيئة الأسقفية في الكنيسة الكاثوليكية، تلك الهيئة التي تقبلت بسخاء دعوتي إلى حمل ما يقع عليها من مسؤولية في مبادرةٍ شديدة اللُّصوق بالحياة الكنسية. وهذا الجواب يُثير فيَّ شعورَ فرح عميقاً، لأن اتفاق هذا العدد الكبير من الأصوات يُعبر في الحقيقية عما نستطيع أن نسميه «سمفونيا» الإيمان. وتحقيق هذا التعليم يعكس هكذا الطبيعة الجَماعيّة للهيئة الأسقفية؛ إنه يُثبت كاثوليكية الكنيسة.

توزيع المادّة

لابدَّ للتعليم الدينيّ من أن يُقدِمَ بأمانةٍ وبطريقةٍ عضويةٍ تعيم الكتاب المقدَّس وتقليد الكنيسة الحيّ، والسلطة التعليمية الأصلية، وكذلك التراث الروحي الذي خلّفه آباءُ الكنيسة وقديسوها وقديساتها، وذلك لكي يُتاح فهمُ اسر المسيحي فهماً أفضل وإنعاش الإيمان عند شعب الله. ولابدَّ لهذا التعليم من أن يأخذ بعين الاعتبار تصريحات العقيدة التي أُحى بها الروح القدس إلى الكنيسة على مرّ الأيّام. وعليه أيضاً أن يساعد على أنْ يجلوَ بنور الإيمان الحالات المستجدة والمسائل التي لم تكن بعدُ قد طُرِحت في الماضي.

وهكذا فالتعليم ينطوي على جديد وعلى عتيق (رَ: متى 13/52)، على أن الإيمان هو هو أبداً، وإنه مصدر أنوار أبداً جديدة.

ولكي يسدَّ تعليم الكنيسة الكاثوليكية هذه الحاجة المزدوجة فهو يستعيد من جهة النهج "القديم" التقليدي الذي اتبعه تعليم القديس بيوس الخامس، موزعاً مادَّته على أربعة أقسام: قانون الإيمان، الليترجيا المقدَّسة وفي طليعتها الأسرار؛ السلوك المسيحي معروضاً ابتداءً من الوصايا؛ وأخيراً الصلاة المسيحية؛ إلا أن هذا المحتوى سيُعبَّر عنه غالباً بطريقةٍ "جديدة"، كما يُجيب عن تساؤلات عصرنا.

الأقسام الأربعة يرتبطُ بعضُها ببعض: السرُّ المسيحيُّ هو موضوع الإيمان (القسم الأول)؛ إنه محتفلٌ به ومنقولٌ في أعمال الليترجيا (القسم الثاني)؛ وهو حاضر لتنوير أبناء الله ومساعدتهم في تصرُّفهم (القسم الثالث)؛ وهو في أساس صلاتنا وعبادتها المفضلة "أبابنا"، ويكون موضوع طلبتنا، وحمدنا، وتضّرعنا (القسم الرابع).

والليترجيا في ذاتها صلاة؛ فالاعتراف بالإيمان يجد مكانه في احتفالات العبادة. والنعمة، ثمرة الأسرار، هي الشرط الذي لا بديل منه في السلوك المسيحي، كما أن الاشتراك في ليترجيّا الكنيسة يقتضي الإيمان. وإذا لم ينتشر الإيمان بالأ‘مال يبقى ميتاً (رَ:يع2/14-26) ولا يمكنه أن يٌؤتي ثمار حياة أبدية.

بمطالعة تعليم الكنيسة الكاثوليكية يمكن الوقوف على وحدة سرّ الله العجيبة، وعلى تدبيره الخلاصي، كما يمكن ادراك المكان المركزي ليسوع المسيح، ابن الله الوحيد، الذي أرسله الآب، وصار إنساناً، بالروح القدس، في حشا العذراء مريم الكلّية القداسة، لكي يكون مخلِّصنا. لقد مات، وقام، وهو أبداً حاضرٌ في كنيسته ولا سيما في الأسرار؛ إنه ينبوع الإيمان، ونموذج السلوك المسيحي، ومعلّمُ صلاتنا.

قيمة النصّ العقائديّة

إن تعليم الكنيسة الكاثوليكية الذي وافقت عليه في 25 حزيران الماضي، والذي آمرُ بنشره اليوم، بحكم سلطتي الرسوليّة، هو عرضٌ لإيمان الكنيسة وللعقيدة الكاثوليكية، يُثبتُهما أو يوضحهما الكتابُ المقدس والتقليدُ الرسوليُّ وسلطةُ الكنيسة التعليميّة. إني أعتبره أداةً صحيحةً وموثوقاً بها في خدمة الشركة الكنسية، وقاعدةً ثابتةً لتعليم الإيمان. عساهُ أن يكون عاملاً في التجدُّد الذي لا يزال الروح القدس يدعو إيه كنيسة الله، جسد المسيح، في مسيرة الحجّ الى نور الملكوت الذي لا يشوبه ظِلّ!

إن في الموافقة على تعليم الكنيسة الكاثوليكية وفي نشره خدمةً يريد خليفة بطرس أن يؤدّيها إلى الكنيسة الكاثوليكية المقدَّسة، إلى جميع الكنائس الخاصة التي هي في سلامٍ وفي شركةٍ مع كِرسيّ رومة الرسوليّ: أي أن يساند ويثبت إيمان جميع أتباع السيد يسوع (رَ:لو22/32)، وأن يوثِقَ كذلك رُبُط الوحدة في الإيمان الواحد الرسوليّ.

وإني، والحالةُ هذه، أطلب من رعاة الكنيسة ومن المؤمنين أن يتقبلو هذا التعليم في روح شركةٍ، وأن يثابروا على استعماله وهم يقمون برسالتهم في التّبشير بالإيمان والدعوة إلى الحياة الإنجيلية. لقد أُعطوا هذا التعليم لكي يكون نصّاً مرجعيّاً أميناً وأصيلاً لتعليم العقيدة الكاثوليكية، وبنوع أخص لوضع تعاليم دينية محلية. وهو مقدَّمٌ أيضاً إلى جميع المؤمنين الذين يرغبون في أن تكون لهم معرفة أفضل لكنوز الخلاص التي لا تستقصى (رَ: أف3/8). إنه يريد أن يقدم عوناً للجهود المسكونية التي تُحرّكها الرغبةُ المقدسةُ في وحدة جميع المسيحيين، مظهراً بدقةٍ مُحتوى الإيمان الكاثوليكي وتناسقه المتناغم الأجزاء. وتعليم الكنيسة الكاثوليكية مقدمٌ أخيراً إلى كل إنسان يسألُنا حُجج الرجاء الذي فينا (رَ: 1بط 3/15)، والذي يرغب في معرفة ما تؤمن به الكنيسة الكاثوليكية.

لا يهدف هذا التعليم إلى أن يقوم مقام التعاليم المحلية التي وافقت عليها السلطات الكنسية، والأساقفة الأبرشيون، والمجالس الأسقفية، ولا سيما تلك التي نالت موافقة الكرسيّ الرسوليّ. إنه يهدف إلى التشجيع والمساعدة في وضع تعاليم محلية جديدة تراعي الحالات والثقافات المختلفة، ولكنها تحرص شديد الحرص على وحدة الإيمان وعلى الأمانة للعقيدة الكاثوليكية.

الخاتمة

في ختام هذه الوثيقة التي تقدّمُ تعليم الكنيسة الكاثوليكية أطلب إلى العذراء مريم الكلية القداسة، والة الكلمة المتجسد، وأمّ الكنيسة، أن تساعد بشفاعتها القديرة عمل الكرازة في الكنيسة كلها على جميع المستويات، في هذا الزمن اذي تُدعى فيه الكنيسة إلى جُهدٍ تبشيريٍ جديد. عسى نور الإيمان الحقيقي أن يُنقذ الإنسانية من الجهل ومن عبودية الخطيئة لكي يقودها إلى الحرية الوحيدة الجديرة بهذا الأسم (رَ:يو 8/32): حرّية الحياة في يسوع المسيح بقيادة الروح القدس، هَهُنا على هذه الأرض وفي ملكوت السماوات، في ملء سعادة رؤية الله وجهاً لوجهٍ (رَ:1كو13/12؛2كو5/6-8).

أُعطيَ في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 1992، في الذكرى الثلاثين لافتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وفي السنة الرابعة عشرة لحبريّتنا.

يوحنا بولس الثاني



--------------------------------------------------------------------------------

يوحنا 23ً، خطاب افتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في 11ت1 1962: أ ك ر 54(1962)، 788-791.

[ii] بولس 6ً، خطاب افتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في 8ك1 1965: أ ك ر58 (1966)، 7-8 .

[iii] خطبة 25ك2 1985: الأسرفتوره رومانو، 27 ك2 1985.

[iv] التقرير الختامي للسينودس غير العادي، 7ك1 1985، إ ن ك9 2ً ب، أ، الرقم4: ، ص1758، الرقم 1797.

[v]  خطبة اختتام السينودس غير العادي، 7ك1 1985، الرقم6: أ ك ر 78 (1986)، 435



الرسالة الرسولية

«يسرّنا جداً»

(LAETAMUR MAGNOPERE)

لأجل الموافقة على الطبعة اللاتينيّة الرسمية

للتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ونشرها

 

إلى إخوتنا الأجلاَّءِ الكرادِلة، والبطاركة، ورؤساء الأساقفة، والأساقفة، والكهنة، والشمامسة الإنجيليّين، وإلى سائر أعضاء شعب الله

يوحنَّا بولس الأسقف،

خادم خُدَّام الله

لِذكرى خالدة

يسّرنا جدًّا أن تصدر الطبعة اللاَّتينيّة الرسميّة للتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية التي نوافق عليها وننشرها بهذه الرسالة الرسولية، والتي تصبح النص النهائيّ لهذا التعليم المسيحي. يجري هذا الحدث نحو خمس سنوات بعد إعلان الدستور الرسولي «وديعة الإيمان» ف 11 تشرين الأول سنة 1992، الذي رافق النص الأوَّل باللغة الفرنسية ذلك التعليم، وذلك بداعي الذكرى الثلاثين لافتتاح المجمع الفاتيكاني الثاني. لقد زادنا سروراً ما تبين لنا من حسن استقبالٍ عامّ لهذا العمل، ومن انتشاره الواسع خلال هذه السنوات، ولا سيما في الكنائس المحلية التي أكبّت على ترجمته إلى لغاتٍ مختلفة، وجعلته أقرب منالاً لدى شعوب العالم المختلفي اللغات. وهذا ما يثبت الطابع الإيجابي للتقرير الذي قدَّمته لنا جمعيّة الأساقفة السينودسيّة غير العادية سنة 1985، وطابت فيه بوضع تعليم مسيحي، أو بخلاصة لكل العقيدة الكاثوليكية في ناحيتيها الإيمانية والأدبيّة.

قامت بهذا المشروع جنة من الكرادلة والأساقفة سنة 1986، فوافقنا عليه وأعلنّا التعليم المسيحي في الدستور الرسولي المذكور آنفاً، والذي لا يزال يحافظ اليوم على قيمته وعلى حاليّته، ويجد تحقيقه بصيغته  النهائية في هذه الطبعة اللاتينيّة الرسميّة.

أعدَّت هذه الطبعة لجنة من شتّى التيّارات أنشأناها لهذه الغاية سنة 1993، وعلى رأسها الكردينال راتسنغر، فأكبّت على العمل بلا هوادة لبلوغ الهدف الذي أنشئت له. وقد اهتمت اهتماماً شديداً لتفحص اقتراحات التبديل الكثير التي أُجريت على محتوى النص، والواردة في شتّى اقطار العالم، كما اهتمت للمطالب المختلفة التي تقدّم بها الاكليروس العالمي على مرّ هذه السنوات.

وهذا العدد الكثير من عروض التحسين يدل، قبل كل شيء على اهتمام العالم كله بهذا التعليم، حتى في الأوساط غير المسيحية، وهو إلى ذلك يُثبت غائيّته، في عرضٍ كاملٍ وغير منقوص، للعقيدة الكاثوليكية، يُتيح لكل واحد أن يعرف ما تعترف وتحتفل به الكنيسة، وما تحياه وتُصلِّيه في حياتها اليومية. وفي هذا العرض نفسه إيضاح لواجب كل شخص في الإسهام الفعلي، حتى يصبح من الممكن أن يُقدَّم لعالم اليوم، الإيمان المسيحي الذي يلخص هذا الكتاب تعاليمهُ الجوهرية، بالطريقة الأشد ملاءمةً. بهذا الإسهام المتعدد والمتكافئ لدى أعضاء الكنيسة، يتمّ أيضاً ما قلناه في الدستور الرسولي «وديعة الإيمان»: «ان تضافر هذا العدد الكبير من الأصوات يُعبّر في الحقيقة عما نستطيع أن نسميه «سمفونية الإيمان» (الرقم2).

ولهذه الأسباب اخذت اللجنة بعين الاعتبار الاقتراحات الواردة وتفحّصتها بدّقة وفي دوراتٍ مختلفة، وقدمت لنا النتائج التي توصلت اليها لنوافق عليها. فإذا أتاحت هذه النتائج فهماً أفضل لمضمون التعليم المسيحي بالنسبة إلى وديعة الإيمان الكاثوليكي، أو بسبب أنها تسمح بصياغة بعض حقائق الإيمان أكثر ملاءمةً لمقتضيات التعليم الحالي، وافقنا عليها شخصياً فأُدرجت في مضمون هذه الطبعة اللاتينية الرسمية، وهكذا فهذه الطبعة تكرر بأمانة التعاليم العقائدية التي قدمناها رسمياً للكنيسة وللعالم في كانون الأول سنة 1992.

فنَشْرُ هذه الطبعة اللاتينية الرسميَّة اليوم يَحتِم مراحل إعداد التعليم المسيحي التي بدأت سنة 1986، ويُتوج نجاح رغبة جمعية الأساقفة السينودسية غير العادية. فلدى الكنيسة اليوم هذه النشرة الجديدة للإيمان الرسولي الواحد والأزلي وهي الكلمة الفصل التي ستكون «الارادة الحقيقية والمعترف بها لدى الجماعة الكنسية»، «والنص الأصيل» الذي يُرجع اليه في كل وضع كتب التعليم المسيحي المحليّة (راجع وديعة الإيمان، 4).

في هذا العرض الأصيل والمنسق للإيمان وللعقيدة الكاثوليكية سيجد التعليم الديني طريقاً سوية لتقديم كل وجه من وجوه الرسالة المسيحية، لإنسان اليوم، باندفاع جديد ونشاطٍ متجدد. سيجدُ كل عامل في حقل التعليم الديني ما يساعده في هذا النص على نقل وديعة الإيمان الوحيدة والأزلية الى بيئته ومجتمعه، عاملاً، بعون الروح القدس، على الجمع ما بين وحدة السّر المسيحي العجيبة وتعدُّد متطلبات وحالات من يوجه اليهم بشارته. ومن شأن نشاط التعليم الديني كله أن يكتسب اندفاعاً جديداً واسع النطاق لدى شعب الله، اذا استطاع ان يُحسن استعمال هذا التعليم المسيحي ويكتشف قيمته الحقيقية.

وهذا كلّه أشدّ أهميّةً اليوم ونحن نُطِلّ على الألف الثالث للميلاد. فلابُدّ من عملٍ تبشيريّ عاجل وواسع، حتى يستطيع الجميع أن يعرفوا ويتقبلوا رسالة الإنجيل، وينمو كل واحد «الى ملءِ اكتمال المسيح» (أف4: 13).

اننا ندعو بإِلحاح إخوتنا الأجلاء في الأسقفية، الذين يتوجه اليهم تعليم الكنيسة الكاثوليكية بنوع خاص، الى أن يضاعفوا نشاطهم، وهم يتلقَّون هذه الطبعة اللاتينية، لنشر نصها على مجال أوسع، والعمل على تقبله على وجه إيجابيّ، على أنه هبةٌ ثمينة للجماعات المؤتمنين عليها، تتيح لها ان تكتشف، من جديد، غنى الإيمان غير المحدود.

فنأمل أن تتضافر جميع قوى شعب الله، ويتعاون جميع أفراده، ليصل الجميع الى معرفة هذا التعليم المسيحي ويتقيدوا بما فيه، حتى تتقوى وتمتد الى أقاصي الأرض هذه الوحدة في الإيمان التي تجد لها مثالاً ومبدأً في وحدة الثالوث.

إننا نستودعُ مريم أم المسيح هذه الآمال ونحن نحتفل اليوم بصعودها الى السماء، جسداً وروحاً، حتى تتحقق لخير البشرية الروحي.

 

من كاستلغندلفو، في 15 آب 1997

السنة التاسعة عشرة لحبريتّنا

                                                                        + يوحنا بولس الثاني


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #2 في: 14:21 29/06/2008 »

الجزء الأوّل

الاعتراف بالإيمان

 

القسم الأوّل

«أُؤمِنُ» - «نُؤمِنُ»

 

26- عندما نعترف بإيماننا نبدأ القول:«أُؤمن» أو «نُؤمن». فقبل أن نعرض إيمان الكنيسة كما يُعترف به في قانون الإيمان، ويُحتفل به في الليترجيا، ويُعاش في العمل بالوصايا والصلاة، فلنتساءل ما معنى «آمَنَ»؟ الإيمان إجابة الإنسان لله الذي يكشف له عن ذاته ويهبها له، وهو في الوقت نفسه يُؤتي الإنسان نوراً فيّاضاً في بحثه عن معنى الحياة الأخير. ونحن من ثمَّ ننظر أولاً في بحث الإنسان هذا (الفصل الأول)، ثم في الوحي الإلهي الذي يُلاقي فيه الله الإنسان (الفصل الثاني)، وأخيراً في جواب الإيمان (الفصل الثالث).

 

الفصل الأول

الإنسان «قادرٌ» على [الإتصال] بالله

1ً . تطلُّب الله

27- تطلّثبُ الله رغبةٌمنقوشةٌ في قلب الإنسان، لأن الإنسان خيقةً من الله ولله؛ واله يجتذب الإنسان اليه اجتذاباً متواصلاً، والإنسان لن يجد الحقيقة والسعادة اللتين يسعى إليهما دائما إلا في الله:

«إن في دعوة الإنسان هذه الى الاتصال بالله لأسمى مظهر من مظاهر الكرامة البشرية. ودعوة الله هذه التي يوجهها إلى الإنسان ليقيم معه حواراً تبدأ مع بدء الوجود البشري. ذلك أن الإنسان إذا وُجد فإن الله خلقه بمحبة، وهو بمحبةٍ يمنحه الكينونة على الدوام؛ والإنسان لا يحيا حياة كاملة بحسب الحق إلا إذا اعترف اعترافاً حُراً بهذه المحبة وسلم أمره لخالقه»[1].

28- عمد البشر، على مدى تاريخهم وإلى اليوم، إلى طرائق متعددة للتعبير عن تطلبهم الله بعقائدهم وسلوكهم الديني (صلوات، ذبائح، عبادات وطقوس، تأملات، إلخ). وعلى ما قد يكون في هذه الطرائق التعبيرية من ملابسات، فإنها عامة إلى حدّ أننا نستطيع أن نسمي الإنسان كائناً متديناً:

إن الله «صنع من واحدٍ كلَّ أمةٍ من البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً [لهم] مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم؛ لكي يطلبوا الله، لعلهم يجدونه متلمسين، مع أنه غير بعيدٍ من كل واحدٍ منا، إذ به نحيا ونتحرك ونوجد» (أع17: 26-28).

29- ولكن هذه «العلاقة الحميمة والحيوية التي تجمع بين الإنسان والله[2]» قد ينساها الإنسان ويتجاهلها أ؟و قد يتوصل الى رفضها رفضاً صريحاً. وقد يكون لمثل هذه المواقف أسباب شديدة التنوع[3]: الثورة على الشر في العالم، الجهل أو اللاإكتراث في الدين، هموم العالم وهموم الغنى[4]، سلوك المؤمنين السيئ، التيارات الفكرية المعادية للدين، وأخيراً هذا الموقف الذي يقفه الإنسان الخاطئ فيختبئ، خوفاً، من أمام وجه الله[5]، ويهرب من دعائه[6].

30- «الابتهاج لقلوب ملتمسي الله» (مز105: 3). إذا كان بإمكان الإنسان أن ينسى الله أو يرفضه، فإن الله لا يفتأ يدعو كل إنسان الى التماسه لكي يحيا ويبلغ السعادة. إلا أن هذا الإلتماس يقتضي من الإنسان جهد عقله الكامل، واستقامة إرادته، و"قلباً مستقيماً"، كما يقتضي أيضاً شهادة الآخرين الذين يعلمونه كيف يلتمس الله.

«إنك عظيم يارب، وأهل لأسمي مديح: عظيمةٌ قدرتك وليس لحكمتك حد. والإنسان، هذا الجزء الصغير من خليقتك، يَدَّعي مدحك، هذا الإنسان ذاته، في تلبُّس حاله القابلة الموت، يحمل في ذاته شهادة إثمه، والشهادة على أنَّك تقاوم المتكبرين. مع ذلك كله، يريد الإنسان، هذا الجزء الصغير من خليقتك، يريد أن يمدحك. أنت نفسك تحضه على ذلك، إذ تجعله يجد متعةً في تسبيحك، لأنك خلقتنا لك، ولأن قلبنا لا يجد الراحة إلا عندما يستقر فيك»[7].

2ً . المداخل إلى معرفة الله

31- الإنسان الذي خُلق على صورة الله، ودعي الى معرفة الله ومحبته، يجد عند التماسه الله بعض "السُّبل" للدخول في معرفة الله؛ وهي تُدعى أيضاً "شواهد على وجود الله"، لا بمعنى البراهين التي تطلبها العلوم الطبيعية، بل بمعنى "الأدلة المتلاقية والمُقنعة" التي تتيح الوصول الى حقائق ثابتة. هذه "السُّبل" لِمُقاربة الله تنطلق من الخليقة: العالم الماديّ والشخص البشري.

32- العالم: انطلاقاً من الحركة والصَّيرورة، من إمكان الحدوث، من نظام العالم وجماله، تصبح من الممكن معرفة الله مبدأً وغايةً للكون.

القديس بولس يثبت في شأن الأمم: «ما قد يُعرف عن الله واضح لهم، إذ إن الله [هو نفسه] قد أوضحه لهم،. فإن صفاته غير المنظورة، ولا سيما قدرته الأزلية وألوهيته، تُبصر منذ خلق العالم، مُدركةً بمبرؤاته» (رو1: 19-20)[8]. والقديس أوغسطينوس يقول:«سائِل جمال الأرض، سائِل جمال البحر، سائِل جمال الهواء الذي يتمدَّد وينتشر، سائل جمال السماء، (...) سائل هذه الحقائق كلها. فتُجيبك كلّها: أنظُر، نحنُ جميلات. وجمالها اعتراف. هذه الجمالات القابلة التغير، هل صنعها إلا الجميل الذي لا يقبل التغير؟» [9].

          33- الإنسان: مع انفتاح الإنسان على الحق والجمال، ومع تحسسه للخير الأدبي، وحريته وصوت ضميره، ومع توقه إلى ما لا ينتهي وإلى السعادة، فهو يتساءل عن وجود الله. وهو في كل ذلك يلمح إشارات من نفسه الروحانية. «إن زرع الخلود الذي حمله في ذاته، والذي لا ينتهي في المادة»[10]، إن نفسه لا يمكن أن يكون مبدأها في غير الله وحده.

34- العالم والإنسان يثبتان أن ليس لهما في ذاتهما مبدأهما الأول ولا غايتهما الأخيرة، ولكنهما يشتركان في الكائن بذاته الذي لا مبدأ له ولا نهاية. وهكذا يستطيع الإنسان بهذه "السُّبل" المختلفة أن يدخل في معرفة وجود حقيقة هي المبدأ الأول والغاية الأخيرة لكل شيء، وهي «التي يسميها الجميع الله» [11].

35- إن قوى الإنسان تجعله قادراً على معرفة وجود إله شخصي. ولكن لكي يتمكن الإنسان من الدّخول في ألفة الله، أراد الله أن يكشف له عن ذاته، وأن يمنحه النعمة التي تمكنه من تقبل هذا الوحي في الإيمان. وعلى كل حال، فالأدلة على وجود الله من شأنها أن تُعدَّ للإيمان وأن تُساعد على النَّثبُّت في أن لا خلاف بين الإيمان والعقل البشري.

3ً . معرفة الله في رأي الكنيسة

        36- «إن أُمنا الكنيسة المقدسة ترى وتُعلمُ أنه من الممكن أن يُعرف الله، مبدأ كل الأشياء وغايتها، معرفة يقين بنور العقل الإنساني الطبيعي انطلاقا من الأشياء المخلوقة[12]». وبدون هذه المقدرة لا يستطيع الإنسان أن يتقبَّل وحي الله. وهو ينعم بهذه المقدرة لأنه مخلوقٌ «على صورة الله» (تك1: 27).

        37- والإنسان، في الحالات التاريخية التي يوجد فيها، يُعاني صعوباتٍ كثيرةً في اعتماده على نور العقل وحده لمعرفة الله:

«وإن كان في استطاعة العقل البشري- نقول ذلك في بساطة- أن يتوصَّل، بقواه الطبيعية ونوره الطبيعي، الى معرفة إله شخصي معرفة حقيقية وثابتة، إله يصون العالم ويسوسه بعنايته، والى معرفة ناموس طبيعي جعله الخالق في نفوسنا، فهنالك مع ذلك عقبات كثيرة تحول دون أن يستعمل هذا العقل نفسه طاقته الطبيعية استعمالاً ناجعاً وذا فائدة، لأن الحقائق التي تتعلق بالله وبالبشر تفوق، على وجه مطلق، نظام الأشياء الحسية، وإذا كانت في سبيل الحصول على مثل هذه الحقائق تعاني النفس البشرية صعوبات من قِبَل الحواس والمخيلة، كما من قبل الميول الشريرة بعدم صوابية الأشياء التي يتمنون لها عدم الصّوابية، أو على الأقل عدم ثباتها»[13].

          38- ولهذا فالإنسان بحاجة إلى أن ينيره وحي الله، ليس في ما يفوق إدراكه وحسب، ولكن في أمر «الحقائق الدينية والأخلاقية أيضاً التي لا يعجز العقل عن إدراكها، وذلك لكي تصبح، في الوضع الحالي للجنس البشري، معروفة لدى الجميع في غير عُسر، معروفةً معرفةً أكيدة ثابتة ولا يشوبها ضلال»[14].

4ً . كيف التكلُّمُ على الله

       39- مع الدفاع عن مقدرة العقل البشري على معرفة الله، تُعبر الكنيسة عن ثقتها في إمكان التكلم على الله لجميع البشر ومع جميع البشر. وهذا الاقتناع هو منطلق حوارها مع سائر الأديان، ومع الفلسفة والعلوم، وكذلك مع الكفرة والمُلحدين.

40- وإذ كانت معرفتنا لله محدودةً، فكلامُنا على الله محدودٌ أيضاً. إننا لا نستطيع أن نسمي الله إلا انطلاقاً من المخلوقات، وعلى طريقتنا البشرية المحدودة في المعرفة والتفكير.

41- في جميع المخلوقات بعض الشبه بالله، ولا سيما الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. فالكمالات المتعددة في الخلائق (حقيقتها، وصلاحها، وجمالها) تعكس إذن كمال الله اللامتناهي. ولنا من ثمَّ أن نسمي الله انطلاقاً من كمالات خلائقه، «فإنه بعظم المبروءات وجمالها يُبصر ناظرها على طريق المقايسة» (حك13: 5).

42- الله يسمو على كل اخليقة. فيجب علينا من ثمَّ وعلى الدوام تنقية كلامنا من كل ما فيه من محدود، ومُتخيل، وناقص، حتى لا نخلط الله «الذي لا يفي به وصفٌ، ولا يحده عقلٌ، ولا يُرى ولا يُدرك»[15] بتصوراتنا البشرية. إن أقوالنا البشرية تظلُّ أبداً دون سرّ الله.

        43-  عندما نتكلم هكذا على الله، يُعبر كلامنا تعبيراً بشرياً، ولكنه في الحقيقة يصل إلى الله نفسه، وإن لم يتمكن مع ذلك من التعبير عنه في لانهاية بساطته. ومن ثمّ يجب أن نتذكر أنه «مهما كان من شبهٍ بين الخالق والمخلوق، فالاختلاف بينهما أعظم أيضاً»[16]، وأننا «لا نستطيع أن نعرف من الله ما هو، بل ما ليس هو فقط، وكيف تقع الكائنات الأُخرى بالنسبة إليه»[17].

بإيجاز

        44- الإنسان بطبيعته وبدعوته كائن متدين. وإذ كان الإنسان آتياً من الله وذاهباً نحوه، فهو لا يحيا حياةً بشرية كاملة إلا إذا عاش حرًّا في صلته بالله.

        45- الإنسان مصنوعٌ لكي يعيش في شركة مع الله وفيه يجد سعادته: «عندما أَصيرُ بكليّتي فيك أُصبح أبداً في نجاةٍ من الغم والشدة؛ وعندما تصير حياتي مليئةً بك، تكون قد بلغت غايتها»[18].

        46- عندما يُصغي الإنسانُ الى شهادة المبروءات والى صوت ضميره، يستطيع أن يبلغ الى اليقين في ما هو من وجود الله، مصدر كل شيء وغايته.

        47- الكنيسة تعلم أن الله الواحد والحقيقي، خالقنا وربنا، تُمكن معرفته معرفةً أكيدة عن طريق صنائعه بنور العقل البشري الطبيعي[19].

        48- نستطيع في الحقيقة أن نسمي الله انطلاقاً من الكمالات المتعددة في الخلائق، تلك المُماثلات لله في لانهاية كماله، وإن قصَّر تعبيرنا المحدود عن استيعاب سرّه.

        49- «الخليقة تتلاشى بدون الخالق»[20]. ولهذا فالمؤمنون يستشعرون في ذواتهم محبّة المسيح تحضهم على أن يحملوا نور الله الحي الى الذين يجهلونه أو يرفضونه.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] ك ع 19.

[2] ك ع 19

[3] رَ: ك ع 19-21

[4] رَ: متى13: 22

[5] رَ: تك3: 8-10

[6] رَ: يون 1: 3

[7] القديس أوغسطينوس، اعترافات 1، 1، 1.

[8] رَ: أع 14، 15، 17؛ 27-28؛ حك 13: 1-9.

[9] عظات 241، 2: آ ك ل 38، 1134.

[10] ك ع 18، مقطع 1؛ رَ: 14، مقطع 2.

[11] توما الأكويني، خ ل، 1، 2، 3.

[12] المجمع الفاتيكاني الأول، دستور عقائدي «ابن الله»، ق2: 3004؛ رَ: في الوحي، ق2: د3026؛ و ل6.

[13] بيوس 12ً، «الجنس البشري»: د3875

[14] م س: د3876؛ رَ: م ف1ً، المرجع المذكور، ق2: د3005؛ و ل6؛ توما الأكويني، خ ل، 1، 1، 1.

[15] ليترجيا القديس يوحنا الذهبي الفم، الأنافور.

[16] مجمع لاتران الرابع، فصل2، في ضلال الأباتي يواكيم: د806.

[17] توما الأكويني، ضدَّ الوثنيين 1، 30.

[18] القديس أوغسطينوس، اعترافات 10، 28، 39.

[19] رَ: م ف1ً، دستور عقائدي «ابن الله»، في الوحي، ق2: د3026.

[20] ك ع 36.



الفصل الثاني: الله في مُلاقات الإنسان من 50-73
50- الإنسان يستطيع بالعقل الطبيعي أن يعرف الله معرفةً يقينية انطلاقا من صنائعه. إلا أن هنالك نظام معرفة آخر يعجز الإنسان عن بلوغه بقواه الطبيعية، هو نظام الوحي الإلهي. فإن الله، بقرارٍ منه حُرٍ تماماً، يكشف عن ذاته ويهبها للإنسان. إنه يقوم بذلك عندما يوحي بسره، بقصده العطوف الذي عقده في المسيح منذ الأزل لصالح جميع البشر. إنه يكشف عن قصده كشفاً كاملاً بإرساله ابنه الحبيب، سيدنا يسوع المسيح، والروح القدُس.

 

المقال الأوَّل

وَحْيُ الله

1ً. الله يوحي بـ «قصده العطوف»

       51- «لقد حُسن لدى الله، فرط حكمته ومحبته، أن يوحي بذاته ويُعلن سرَّ مشيئته من أن البشر يبلغون الآب، في الروح القدس، بالمسيح، الكلمة المتجسد، فيُصبحون شركاءه في الطبيعة الإلهية»[ii].

        52- إن الله الذي «يسكن نوراً لا يدنى منه» (1تي6: 16) يريد أن يُشرك البشر في حياته الإلهية الخاصة، البشر الذين خلقهم بحرية، لكي يجعل منهم، في ابنه الوحيد، أبناء بالتبني[iii]. فعندما يكشف الله عن ذاته يريد أن يجعل البشر قادرين على الاستجابة له، وعلى أن يعرفوه ويحبوه أكثر من كل ما قد يستطيعونه بقواهم الذاتية.

        53- إن قصد الوحي الإلهي يتحقق في الوقت نفسه «بأعمال وأقوال وثيقة الارتباط في ما بينها، وموضح بعضها للبعض الآخر»[iv]. إنه يقدم على «نظام تربوي إلهي» خاص: الله يتصل بالإنسان تدريجياً، يُعده مرحليا لتقبل الوحي الفائق الطبيعة الذي يكشف فيه عن ذاته والذي سيبلغ أوجه في شخص الكلمة المتجسد، يسوع المسيح، وفي رسالته.

كثيرا ما يتكلم القديس إيريناوس أسقف ليون على هذا النظام التربوي الإلهي في شكل تعوُّدٍ متبادل بين الله والإنسان: «كلمة الله سكن في الإنسان وصيَّر ذاته ابناً للإنسان لكي يعود الإنسان على إدراك الله، ويعود الله على الحلول في الإنسان، وفاقاً لما يرتضيه الآب»[v].

2ً. مراحل الوحي

منذُ البدء يُعرفُ الله بذاته

        54- «الله الذي خلق ويحفظُ بالكلمة جميع الأشياء، يقدم للبشر في الأشياء المخلوقة شهادة على ذاته لا تنقطع؛ وإذ أرادَ فوق ذلك أن يفتح الطريق نحو الخلاص أسمى، أظهر أيضاً ذاته، منذ البدء، لأبوينا الأولين»[vi]. لقد دعاهما الى شركة جميمة مع ذاته مُلبساً إياهما واستقامة متألقتين.

        55- هذا الوحي لم ينقطع بسبب خطيئة أبوينا الأوَّلين، فإنَّ الله، «بعد عثرتهما، وعدهما بقداءٍ، وبعث فيهما الشجاعة عندما أحيا فيهما الأمل بالخلاص؛ وبغير انقطاع أظهر اهتمامه بالجنس البشري، حتى يمنح الأبدية لجميع الذين يلتمسون الخلاص بثباتهم في الصلاح»[vii].

«عندما خسِر صداقتك بانحرافه عنك، لم تُسلمه لسلطان الموت. (...) لقد عدَّدت معهم العهود»[viii].

العهد مع نوح

        56- بعدما تمزّقت بالخطيئة وحدة الجنس البشري، سعى الله أولاً في تخليص البشرية معالجاً أجزاءها كُلاً على حِدتَه. فالعهد مع نوح، بعد الطوفان[ix]، تعبير عن مبدأ التدبير الإلهي في شأن "الأمم"، أي في شأن البشر الذين عادوا الى التجميع «بحسب بلدانهم، كلٌّ بحسب لغته وعشائره» (تك10: 5)
  • .


        57- هذا النظام الكوني والاجتماعي والديني معاً في تعددية الأمم[xi]، هو مُعَدٌّ للحد من كبرياء بشرية عاثرة تودُّ، وهي غارقة بمجملها في الفساد[xii]، لو تصنع بنفسها وحدتها على طريقة بابل[xiii]. ولكن، وبسبب الخطيئة[xiv]، لا يفتأ الشّركُ وتعبّد الأمة ورئيسها للأصنام، يُهددان هذا التدبير الموقت بفسادٍ وثنيّ.

        58- العهد مع نوح قائمٌ مادام زمن الأمم[xv]، إلى أن يعمَّ إعلان الإنجيل. والتوراة تُشيد ببعض الشخصيات العظيمة في "الأمم" من أمثال "هابيل الصديق"، والملك الكاهن ملكيصادق[xvi]، صورة المسيح[xvii]، أو اصدّقين "نوح ودنيال وأيوب" (حز14: 14). وهكذا فالكتاب المقدس يُعبر عن أي مستوى رفيع من القداسة يستطيع أن يصل إليه مَن يعيشون على حسب العهد مع نوح في انتظار أن «يجمع المسيح أبناء الله المتفرقين الى واحد» (يو11: 52).

الله يختار إبراهيم

        59- إن الله يختار أبرام لكي يجمع البشريّضة المشتتة، داعياً إيَّاه «إلى خارج أرضه وعشيرته وبيت أبيه» (تك 12: 1)، حتى يجعل منه إبراهيم أي «أبا جمهور أُمم» (تك17: 5): «يتبارك بك جميع عشائر الأرض» (تك12: 3)[xviii].

        60- الشعب سلي إبراهيم المؤتمن على الوعد المقطوع للأجداد، الشعب المختار[xix]، المدعوَّ لإعداد جميع أبناء الله يوماً في وحدة الكنيسة[xx]؛ سيكون الجذر الذي يُغرس فيه الوثنيون المُهتدون[xxi].

        61- الأجداد والأنبياء وأشخاص آخرون من العهد القديم كانوا وسيكونون أبداً موضوع إجلالٍ كقديسين في جميع تقاليد الكنيسة الليترجية.

اللهُ ينشّئ شعبه إسرائيل

        62- الله نشأ، بعد الأجداد، إسرائيل شعباً له عندما خلصه من عبودية مصر. فعقد معه عهد سيناء، وأعطاه، على يد موسى، شريعته، لكي يعرفه ويخدمه إلهاً واحداً، حياً وحقيقياً، أباً ذا عناية وقاضياً عادلاً، ولكي ينتظر المخلص الموعود به[xxii].

        63- إسرائيل هو شعب الله الكهنوتي[xxiii]، الذي «ألقي عليه اسم الرب» (تث28: 10). إنه شعب أولئك الذين «تكلم الله إليهم أولاً»[xxiv]، شعب "الإخوة الأبكار" في إيمان إبراهيم[xxv].

64- بالأنبياء نشأ الله شعبه على رجاء الخلاص، على انتظار عهدً جديد وأبدي مُعدٍ لجميع البشر[xxvi]، ومكتوب على قلوبهم[xxvii]. والأنبياء يبشرون بفداء جذري لشعب الله، بتطهيره من جميع مخالفاته[xxviii]، بخلاص يشمل جميع الأمم[xxix]. وسيكون البؤساء ودعاء الرب[xxx] أكثر من يحملون هذا الرجاء. النساء القديسات من أمثال سارة، ورفقة، وراحيل، ومريام، ودبوره، وحنّة، ويهوديت، وإستر، هؤلاء حافظن على رجاء خلاص إسرائل حياً. ووجه مريم هو أشد الوجوه نقاء[xxxi].

 

3ً. المسيح يسوع «وسيط كل الوحي وكماله»[xxxii]

الله قال كلَّ شيء في كلمته

        65- «إن الله بعد إذ كلم الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدةً وبشتى الطرق، كلمنا نحن، في هذه الأيّام الأخيرة، بالابن» (عب1: 1-2). فالمسيح، ابن الله الذي صار إنسانا، هو كلمة الآب الوحيدة والكاملة والتي لا يمكن أن يفوقها شيء. فيه يقول كلَّ شيء، ولن تكون كلمة أخرى غير هذه. والقديس يوحنا الصليب، بعد كثيرين غيره، يعبر عن ذلك بطريقة نورانية وهو يفسر عب1: 1-2:

«إذ أعطنا الله ابنه، الذي هو كلمته، لم يبقَ لديه كلمة أخرى يعطيناها. لقد قال لنا كل شيء معاً ودفعةً واحدةً في هذه الكلمة الوحيدة، وليس له شيء آخر يقوله (...)؛ لأن ما كان يقوله أجزاءً في الأنبياء قاله كاملاً في ابنه، عندما أعطانا هذا الكلَّ الذي هو ابنه. ولهذا فمن يودُّ الآن أن يسأله، أو يَرج رؤيا أو وحياً، فإنه لا يركب مركب جنونٍ وحسب، بل يهين الله لكونه لا يُلقي بنظره على المسيح وحده، غير ملتمسٍ أمراً آخر، أو أمراً جديداً»[xxxiii].

لن يكون وحيٌ آخرَ

        66- «إذ كان التدبير المسيحيُّ هو العهد الجديد والنهائي، فهو غير زائل أبداً، ولن يُرتقب بعده وحيٌ آخرُ عنيُّ جديد، إلى أن يتجلى ربُّنا يسوع المسيح في مجده»[xxxiv]. ومع ذلك، وإن أتى الوحي على تمامه، فهو لم يتمّ الإفصاح الكامل عن مضمونه؛ فيبقى على الإيمان المسيح أن يُدرك عبر الأجيال وتدريجياً ما ينطوي عليه من فحوى.

        67- شهدت الأجيال حالات وحي دُعيت "خاصة"، واعترفت سُلطة الكنيسة ببعض منها، إلا أن هذا البعض لا يُعدُّ من وديعة الإيمان. وليس من شأنه أن "يُحسن" أو "يُكمل" وحي المسيح النهائي، بل أن يساعد على الحياة فيه بطريقةٍ أوفى في مرحلةٍ من مراحل التاريخ. وبقيادة سلطة الكنيسة التعليمية يعرف حسُّ المؤمنين أن يميز ويتقبل ما يكون في حالات الوحي هذه دعوةً صحيحة للكنيسة من المسيح أو من قديسيه.

        إن الإيمان المسيحي لا يستطيع أن يتقبل "وحياً" يدّعي أنه يفوق أو يُصحح الوحي الذي كان الكسيح نهايته. تلك حال بعض الأديان غير المسيحية وكذلك حال بعض البدع الحديثة التي تقوم على مثل هذا "الوحي".

 

بإيجاز

        68- بدافع المحبة كاشف الله بنفسه وأعطاه ذاته. وهو يقدم بذلك جواباً نهائياً ومستفيضاً عن الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه في موضوع معنى حياته وغايتها.

        69- كاشف الله الإنسان بنفسه وهو يُلقي إليه بسرّه الخاص تدريجياً وذلك بأعمالٍ وأقوال.

        70- بالإضافة الى الشهادة التي يقدمها الله عن ذاته في الأشياء المخلوقة، كاشف أبوينا الأولين بنفسه. لقد خاطبهما، وبعد العثرة، وعدهما بالخلاص[xxxv] وقدم لهما عهده.

        71- أبرم الله مع نوح عهداً أبدياً ما بينه وبين كل نفس حي[xxxvi]؛ ولسوف يدوم ما دام في العالم.

        72- اختار الله إبراهيم وقطع عهداً معه ومع نسله. ومن إبراهيم ونسله أنشأ شعبه الذي أوحى إليه بشريعته بوساطة موسى. فأعده بالأنبياء لتقبل الخلاص الذي خُصت به البشريَّة كلها جمعاء.

        73- وقد أوحى الله بنفسه الوحي الكامل عندما أرسل ابنه الخاص الذي أقام فيه عهده الى الأبد. وهو كلمة الآب النهائية، بحيث لا يكون بعده وحيٌ آخر.



--------------------------------------------------------------------------------

رَ: م ف 1ً، دستور عقائدي "ابن الله"، ق4: د3015 .

[ii] و ل 2

[iii] رَ: أف1: 4-5

[iv] و ل 2

[v] الردّ على الهرطقات 3،20، 2؛ رَ: مثلاً م س 3، 17، 1؛ 4، 12، 4؛ 4، 21، 3.

[vi] و ل 3

[vii] و ل 3

[viii] ق ر، صلاة إفخارستية 4، 118

[ix] رَ: تك9: 9

  • رَ: تك 10: 20-31
[xi] رَ: أع17: 26-27

[xii] رَ: حك10: 5

[xiii] رَ: تك11: 4-6

[xiv] رَ: رو1: 18-25

[xv] رَ: لو21: 24

[xvi] رَ: تك14: 18

[xvii] رَ: عب7: 3

[xviii] رَ: غل3: 8

[xix] رَ: رو11: 28

[xx] رَ: يو11: 52؛ 10: 16

[xxi] رَ: رو11: 17-18، 24

[xxii] رَ: و ل3

[xxiii] رَ: خر19: 6

[xxiv] رَ: ق ر، الجمعة العظيمة13: طلبة جامعة 6ً

[xxv] رَ: يوحنا بولس الثاني، خطاب في المجمع في لقائه مع الجماعة اليهودية لمدينة رومة (13/4/1986)، 4: تعاليم يوحنا بولس الثاني 11، 1، 1027.

[xxvi] رَ: أش2: 2-4

[xxvii] رَ: إر31: 31-34؛ عب10: 16

[xxviii] رَ: حز36

[xxix] رَ: أش49: 5-6؛ 53: 11

[xxx] رَ: صف2: 3

[xxxi] رَ: لو1: 38

[xxxii] رَ: و ل2


[xxxiii] كرمل 2، 22، 3-5

[xxxiv] و ل 4

[xxxv] رَ: تك3: 15

[xxxvi] رَ: تك9: 16



الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #3 في: 14:28 29/06/2008 »



الفصل الثاني: الله في نلاقاة الانسان من 74-100
المقال الثاني

تَناقُلُ الوحي الإلهيّ

        74- الله «يريد أن جميع الناس يخلصون ويبلغون الى معرفة الحق» (1تي2: 4) أي معرفة المسيح يسوع. فيجب إذن أن يُبشَّرَ بالمسيح جميع الشعوب وجميع البشر، وأن يصل هكذا الوحي إلى أقاصي العالم:

«إن الله الذي كشف حقائق الوحي لتخلُص به جميع الأمم، عاد فمن عليهم أيضاً بترتيباتٍ ملائمة، لكي يحافظ هذا الوحي على عصمته حتى منتهى الدهور، ويتمكن من الوصول، عبر تناقله، إلى جميع الأجيال»[ii].

 

 

1ً. التقليد الرَّسوليّ

        75- «المسيح السيد الذي فيه يكتمل كلُّ وحي الله العلي، بعد أن حقق في حياته وأعلن بلسانه الإنجيل الذي مهد له الأنبياء بمواعيدهم، أمر رسله أن يبشروا الناس أجميعين بهذا الإنجيل، منبعاً لكل حقيقة خلاصية، لكل نظام خلُقي، ويسبغوا هكذا على الجميع المواهب الإلهية»[iii].

الكرازة الرسولية ...

        76- نقلُ الإنجيل، وفقاً لأمر الرب، جرى على وجهين:

        شفوياً: «على لسان الرسل الذين نقلوا، عن طريق بشارتهم الشفوية، أو سيرتهم النموذجية، أو تنظيمهم القانوني، كل ما تسلموه من المسيح من كلام سمعوه، أو عيشٍ ألِفوه، أو أعمال عاينوها. كما نقلوا أيضاً كل ما تلقنوه من إيحاءات الروح القدس».

        كتابةً: «على يد هؤلاء الرسل ومعاونيهم الذين دوّنوا بشارة الخلاص هذه، بإلهامٍ من الروح القدس عينه»[iv].

... مُواصلةٌ في التعاقب الرَّسوليّ

        77- «لكي تحافظ بشارة الإنجيل على نقاوتها وحيوتها بلا انقطاع، استخلف الرسل أساقفة»، «وقلدوهم ما كانوا يضطلعون به من مسؤولية التعليم[v]. «وهكذا، ترتب على الكرازة الرسولية التي تعبر عنها بنوع خاصٍ الأسفار الملهمة، أن تُحفظ سالمة، بتعاقبٍ غير منقطع حتى منتهى الدهر»[vi].

        78- هذا النقل الحي، الذي يتم في الروح القدس، يُدعى التقليد في كونه متميزاً من الكتاب المقدس وان كان وثيق الارتباط به. به «تواصل الكنيسة ابداً، في تعليمها وحياتها وعبادتها، وتنقل إلى كل جيل كل ما هي عليه، وكل ما تؤمن به»[vii]. «إن تعليم الآباء القديسين يشهد على حضور هذا التقليد حضوراً محيياً: فهو يتحول بثروته كلها إلى عمل وحياةٍ في الكنيسة، عند ممارستها الإيمان وإقامتها الصلاة»[viii].

        79- وهكذا فالمكاشفة التي كشف فيها الآب عن ذاته، بكلمته، في الروح القدس، هذه المكاشفة لا تزال حاضرةً وفاعلةً في الكنيسة: «إن الله الذي أسمع صوته قديماً مازال يتجاذب الحديث مع عروس ابنه الحبيب، والروح القدس الذي جعل صوت الإنجيل يدوي في الكنيسة، ومنها في العالم كله، يُدخل المؤمنين في الحقيقة كلها، ويمكن كلام المسيح من الاستقرار في قلوبهم بوفرة»[ix].

2ً. العلاقة بين التقليد والكتاب المقدس

ينبوع واحد مشترك ...

        80- «التقليد المقدس والكتاب المقدس مُرتبطان أحدهما بالآخر، ومتصلان اتصالاً وثيقاً؛ إذ انهما ينبجسان من ينبوع إلهي واحد، ولا يؤلفان، إذا صحَّ القول، إلا كُلاً واحداً، ويسعيان الى غاية واحدة»
  • . هذا وذاك يجعلان سرّ المسيح في الكنيسة حاضراً وخصباً، المسيح الذي وعد بأن يمكث مع خاصته «أبداً، إلى منتهى العالم» (متى28: 20).


... طريقتان للنقل متميزتان

        81- «الكتاب المقدس هو كلمة الله من حيث إنها مدوَّنةٌ كتابةً بإلهامٍ من الروح القدس». «أما التقليد المقدس فإنه يحمل كلمة الله التي ألقى بها المسيح السيد والروح القدس إلى الرُّسل، وينقلها بحذافيرها إلى خلفائهم، حتى إذا كرزوا بها، وهم في غمرة أنوار روح الحق، يحافظون عليها، ويعرضونها وينشرونها بأمانة»[xi].

        82- ينتج من ذلك أن الكنيسة التي أُودِعت نقل الوحي وتفسيره، «لا تقتصر على الكتاب المقدس في الوصول إلى يقينها في جميع نقاط الوحي. ولهذا فمن الواجب تقبُّلهما وتوقيرهما كليهما بنفس عاطفة المحبة والاحترام»[xii].

تقليد رسولي وتقاليد كنسيّة

        83- التقليد الذي نتكلم عليه هنا يصدر عن الرس، وينقل ما أُلقِيَ إليهم من تعليم يسوع ومثله وما لَقِنُوه من الروح القدس. فلم يكن بعد لدى جيل المسيحيين الأول عهد جديد مكتوب، والعهد الجديد نفسه يُثبت نهج التقليد الحي.

يجب أن نُميَّز منه "التقاليد" اللاهوتية، والتنظيمية، والليترجية أو التعُّدية التي نشأت عبر الأزمان في الكنائس المحلية. إنها تؤلّفُ  صِيغاً خاصة يستمد منها التقليد الكبير تعبيرات توافق الأمكنة المختلفة والعصور المختلفة. وهي لا تستطيع الدّيمومة إلا في نوره، مبدَّلةً أو مُهملةً في حكم سلطة الكنيسة التعليمية.

 

3ً. تفسير وديعة الإيمان

وديعة الإيمان معهودٌ فيها إلى كامل الكنيسة

        84- وديعة الإيمان[xiii] المحتواة في التقليد المقدس وفي الكتاب المقدس عَهِد فيها الرُّسل إلى مجمل الكنيسة. «إن شعب الله المقدس كلّه، بارتباطه به، في اتحاده برعاته، يظل شديد الأمانة لتعليم الرسل وللشركة الأخوية، لكسر الخبز وللصلوات، بحيث يقوم، بالحفاظ على الإيمان المنقول وممارسته والاعتراف به، بين الرُّعاة والمؤمنين وحدة روح فريدة»[xiv].

سلطة الكنيسة التَّعليميَّة

        85- «مهمة تفسير كلمة الله، المكتوبة أو المنقولة، تفسيراً أصيلاً، عُهد فيها إلى سلطة الكنيسة التعليمية الحية وحدها، تلك التي تمارس سلطانها باسم يسوع المسيح»[xv]، أي إلى الأساقفة الذين هم في شركة مع خليفة بطرس، أسقف رومة.

        86- «إلا أن هذه السلطة التعليمية ليست فوق كلمة الله، ولكنها في خدمتها، فلا تُعلم إلا ما نُقل، إذ إنها، بتفويض من الله وبعون الروح القدس، تُصغي لهذه الكلمة بمحبة، وتحافظ عليها بتقديس، وتعرضها أيضاً بأمانة، وتستقي من هذه الوديعة الإيمانية الوحيدة كل ما تتقدم به للإيمان على أنه من وحي الله»[xvi].

        87- وإذ يذكر المؤمنون كلمة المسيح لرسله:«مَن سَمِعَ منكم سَمِعَ مني» (لو10: 16)[xvii]، يتقبلون بخضوعٍ التعاليم والتوجيهات التي يُلقيها عليهم رُعاتهم بصيغٍ مختلفة.

عقائد الإيمان

        88- سلطة الكنيسة التعليمية تستعمل ملء الاستعمال السلطة التي تقبلتها من المسيح، عندما تُحدد عقائد إيمانية، أي عندما تعرض، على وجهٍ يُلزم الشعب المسيحي باعتناقٍ إيماني مُبرم، لحقائق يحتويها الوحي الإلهي، أو عندما تعرض بوجهٍ نهائي لحقائق لها بتلك الحقائق علاقةٌ جوهرية.

        89- توجد بين حياتنا الروحية والعقائد علاقة عضوية. العقائد أنوار في طريق إيماننا، تنيره وتوطده. وبعكس ذلك، إذا كانت حياتنا مستقيمةً كان عقلُنا وقلبنا على انفتاح لتقبل نور العقائد الإيمانية[xviii].

        90- روابط العقائد المتبادلة وتوافقهما يمكن الوقوع عليها في مُجمل وحي سرّ المسيح[xix]. إذ يجب التذكر «أن التنوع في علاقتها مع أسس الإيمان المسيحي يدل على نظامٍ أو "هرمية" في حقائق العقيدة الكاثوليكية» [xx].

الحسّ الفائق الطبيعة للإيمان

        91- لجميع المؤمنين نصيب في فهم الحقيقة الموحى بها ونقلها. لقد تقبلور مسحة الروح القدس التي تعلمهم[xxi] وترشدهم «إلى الحقيقة كلها» (يو16: 13).

92- «من غير الممكن أن تضل مجموعة المؤمنين في الإيمان، وهي تُظهر هذه الصفة بوساطة التحسُّس الفائق الطبيعة للإيمان الذي هو حسُّ الشعب بكامله عندما يُولي كلُّه، من الأساقفة إلى آخر المؤمنين العلمانيين، الحقائق المتعلقة بالإيمان والأخلاق، قبولاً شاملاً»[xxii].

93- «فبفضل حس الإيمان هذا الذي يوقظه ويدعمه روح الحق، وبإرشاد السلطة التعليمية المقدسة (...) يتمسك شعب الله تمسُّكاً ثابتاً بالإيمان المنقول إلى القديسين نقلاً نهائياً، ويدخل إلى أعماقه دخولاً أوفى، عاملاً على تفسيره كما ينبغي، ويطبقه في حياته تطبيقاً أكمل»[xxiii].

النمو في فهم الإيمان

94- من الممكن، بفضل رعاية الروح القدس، أن ينمو، في حياة الكنيسة، فهم حقائق التُراث الإيماني وأقواله:

- «بتأمل المؤمنين وتبحرهم اللذين يُجرونها في قلبهم»[xxiv]؛ ولا سيّما «البحث اللاهوتي الذي يُعمق معرفة الحقيقة الموحى بها»[xxv]؛

- «بالإدراك الداخلي للأمور الروحانية الذي يعرض للمؤمنين»[xxvi]؛ «تنمو الأقوال الإلهية والذي يقرأها معاً»[xxvii]؛

- «بكرازة أولئك الذين نالوا، مع التعاقب الأسقفي، موهبة الحقيقة على وجهٍ ثابت»[xxviii].

95- «من الواضح إذن أن التقليد المقدس، والكتاب المقدس، وسلطة الكنيسة التعليميّة، بتدبير الهي جدّ حكيم، هي على ترابط وتضامن وثيقين فيما بينهما، الى حدّ أن واحدةً من هذه الحقائق لا تثبت بدون الأخرى، وأن جميعها معاً، وكل واحدة على طريقتها، بفعل الروح القدس، تُسهم في خلاص النفوس إسهاماً فعّالاً»[xxix].

 

بإيجاز

96- إن ما أودع المسيحُ الرُّسل نقلوه بكرازتهم وبالكتابة، بإلهامٍ من الروح القدس إلى جميع الأجيال، حتى عودة المسيح المجيدة.

97- «يؤلف التقليد المقدس والكتاب المقدس وديعةً واحدةً مقدسةً لكلمة الله»[xxx] تتأمل فيها الكنيسة الرحالة، كما في مرآة، الله ينبوع جميع الثروات.

98- «كل ما تقوم عليه الكنيسة، وكل ما تؤمن به، تحتفظ به أبداً وتنقله، في عقيدتها وحياتها وعبادتها، إلى كل جيل»[xxxi].

99- لا يفتأُ شعب الله كلُّه، بفض حسه الفائق الطبيعة للإيمان يتقبَّل هبة الوحي الإلهي، ويتعمق فيها على نحوٍ أفضل، ويحيا على نحوٍ أوفى.

100- مُهمة تفسير كلمة الله تفسيراً أصيلاً عُهِدَ فيها إلى سلطة الكنيسة التعليمية وحدها، إلى البابا والأساقفة الذين في شركةٍ معه.



--------------------------------------------------------------------------------

رَ: يو 14: 6

[ii]  ول 7

[iii] و ل 7

[iv] و ل 7

[v] و ل 8

[vi] و ل 8

[vii] و ل 8

[viii] و ل 8

[ix]  و ل 8

  •   و ل 9
[xi]  و ل 9

[xii]  و ل 9

[xiii]  رَ: 1تي6: 20؛ 2تي1: 12-14

[xiv]  و ل 10

[xv]  و ل 10

[xvi]  و ل 10

[xvii] رَ: ك20

[xviii] رَ: يو8: 31-32

[xix]  رَ: م ف1ً: الدستور العقائدي «ابن الله»، ق4: د3016: (عقدة الأسرار)؛ ك25.

[xx]  ح م11

[xxi] رَ: 1يو2: 20، 27

[xxii]  ك12

[xxiii] ك12

[xxiv]  و ل 8

[xxv] ك ع 62؛ رَ: 44، 2؛ و ل 23؛ 24، ح م 4.

[xxvi]  و ل8

[xxvii]  القديس غريغوريوس الكبير، عظات في حزقيال 1، 7، 8.

[xxviii]  و ل 8

[xxix]  و ل10، 3

[xxx]  و ل10

[xxxi]  و ل8



الفصل الثاني: الله في نلاقاة الانسان من 101-141
المقال الثالث

الكتاب المقدس

1ً. المسيحُ كلمةُ الكتاب المقدس الوحيدة

101- عندما يتنازل الله في صلاحه ويُكاشف البشر بنفسه يُكلمهم بكلمات بشرية:«وهكذا فان كلام الله، وقد عبرت عنه ألسنةٌ بشرية، صار شبيهاً بكلام البشر، كما أن كلمة الآب الأزلي، عندما تلبس بوهن جسدنا صار شبيهاً بالبشر»[1].

102- في جميع أقوال الكتاب المقدس لا يقول الله إلا كلمة واحدة، كلمته الوحيدة الذي يقوول فيه كل ما هو:[2]

«أُذكروا أن كلمة الله الواحدة هي نفسها تنتشر في جميع الكتابات المقدسة، وأن كلمة الله الواحد نفسه يدوي على ألسنة جميع كتّاب الوحي. هو الذي كان في البدء الله عند الله، لم يكن من ثمَّ بحاجةٍ إلى مقاطع تعبيرية لكونه خاضعٍ للزمن»[3].

103- ولهذا فالكنيسة قد أحاطت دوماً الكتب الإلهية بالإجلال الذي تحيط به أيضاً جسد الرب. وهي لا تفتأ تقدم للمؤمنين خبز الحياة من على مائدة كلمة الله وجسد المسيح[4].

104- في الكتاب المقدس تجد الكنيسة على الدوام غذاءها وقوَّتها[5]، إذ إنها لا تتلقى فيه كلمةً بشريةً وحسب، بل تتلقاه هو في حقيقته، أي كلمة الله[6]. «ففي الكتب المقدسة يبادر الآب الذي في السماوات، بحنوٍ عظيم، إلى لقاء أبنائه والتحادث معهم»[7].

2ً. وحي الكتاب المقدس وحقيقته

105- الله هو واضع الكتاب المقدس. «إن الحقيقة الموحَى بها إلهياً، التي تحتويها وتقدمها أسفار الكتاب المقدس قد دُونت فيها بإلهام من الروح القدس».

«والكنيسة أُمنا المقدسة، من جراء إيمانها الرَّسولي، تعد جميع الأسفار في كلا العهدين القديم والجديد مقدسة وقانونية بجميع أجزائها، إذ انها دُونت بإلهام من الروح القدس، وكان الله من ثمَّ واضعها، وعلى هذا نفسه نُقلت إلى الكنيسة نفسها»[8].

106- لقد ألهم الله كتاب الكتب المقدسة البشريين. «ولكي يضع الله هذه الكتب المقدسة، اختار أُناساً استعان بهم، وهم في ملء عمل قواهم ووسائلهم، فعمِل هو نفسه فيهم وبهم، لكي يُدونوا كتابةً، كمؤلفين حقيقيين، كل ما كان متّفقاً ورغبته، وهذا فقط دون سواه»[9].

107- كتب الوحي تعلم الحقيقة. «وبما أن كل تأكيدات المؤلفين المُلهمين، أي كتّاب الأمور المقدسة، يجب اعتبارها تأكيدات الروح القدس، فلابد من الإعلان بأن أسفار الكتاب المقدس تعلم الحقيقة التي أراد الله أن يراها مدونة لأجل خلاصنا في الكتاب المقدس، تعليماً ثابتاً وأمنياً ومعصوماً من الخطأ»[10].

108- ومع ذلك فليس الإيمان المسيحي "دين الكتاب". إن المسيحية هي دين "كلمة" الله، «لا دين كلمة مكتوبة وخرساء، بل دين الكلمة المتجسد والحي»[11]. ولكي لا يبقى الكتاب المقدس حرفاً ميتاً، لابد للمسيح، كلمة الله الحي الأزلية، من أن ينفتح، بالروح القدس أذهاننا على فهم الكتب[12].

3ً. الروح القدس، مُفسِر الكتاب

109- في الكتاب المقدس يُكلم الله الإنسان على طريقة البشر. فلكي يُفسَّر الكتاب تفسيراً جيداً لابد من تدبر ما أراد الكتّاب البشريون، في الحقيقية، أن يثبتوه، وما حَسُن لدى الله أن يكشف لنا في كلامهم[13].

110- ولكي يستخلص المرء نية الكتاب الإلهيين لابد له من النظر إلى أحوال عصرهم وإلى ثقافتهم، وإلى "الأساليب الأدبية" المتبعة إذ ذاك، وإلى طرائق الشعور والكلام ورواية الأخبار الشائعة لذلك العهد. «لأن هنالك طرقاً جد مختلفة تُعرض بها الحقيقة ويُعبر عنها في نصوص تختلف تاريخياً، في نصوصٍ نبوية، أو شعرية، أو حتى في أنواع تعبيرية أُخرى»[14].

111- وإذا كان الكتاب المقدس كتاب وحي كان هنالك مبدأ آخر للتفسير الصحيح، ليس دون السابق أهمية، وقد يبقى بدونه الكتاب حرفاً ميتاً: «يجب أن يُقرأ الكتاب المقدس ويُفسَّر في نور الروح نفسه الذي جعله يُدوَّن»[15].

والمجمع الفاتيكاني الثاني يُشير إلى ثلاثة مقاييس لتفسير الكتاب المقدس تفسيراً يتفق والروح الذي أوحى به[16].

112- 1. أولاً التَّنبُّه الشَّديد «لمضمون الكتاب كله ووحدته». لأنه مهما اختلفت الأسفار التي يتألف منها الكتاب المقدس فهو واحد بسبب وحدة قصد الله الذي يكون المسيح يسوع مركزه، وقلبه المفتوح منذ فصحه[17].

«قلبُ[18] المسيح يدل على الكتاب المقدس الذي يُعرف بقلب المسيح. هذا القلب كان مُغلقاً قبل الآلام لأن الكتابة كانت غامضة. ولكن الكتابة قد تفتحت بعد الآلام، إذ إن الذين فقهوا من بعد كنهها يُقدّرون ويُميزون الطريقة التي يجب اتباعها في تفسير النبوءات»[19].

113- 2. ثم قراءة الكتاب في «التقليد الحي للكنيسة كلها». وعلى حد قول الآباء المأثور: يُقرأ الكتاب المقدس في قب الكنيسة أكثر مما يُقرأ في مواد تعبيره[20]. فالكنيسة تحمل في تقليدها مجموعة كلمة الله الحية، والروح القدس هو الذي يعطيها التفسير الروحي للكتاب المقدس «... بحسب المعنى الروحي الذي يُنعم به الروح على الكنيسة»[21].

114- 3. التّنبُّه لمناسبة الإيمان[22]. ونفهم بـ «بمناسبة الإيمان» تلاحم حقائق الإيمان في ما بينها وفي مُجمل تصميم الوحي.

معاني الكتاب المقدس

115- في تقليد قديم أنه من الممكن تمييز معنيين للكتاب المقدس: المعنى الحرفي، والمعنى الروحي، على أن يُقسم هذا الأخير إلى معنى مجازي، ومعنى أدبي، ومعنى تفسيري. والتوافق العميق للمعاني الأربعة يُثبت كل غنى القراءة الحية للكتاب المقدس في الكنيسة:

116- المعنى الحرفي. هو المعنى الذي تدل عليه ألفاظ الكتاب، ويستخرجه الشَّرح الجاري على قواعد التفسير الصحيح. «جميع معاني الكتاب المقدس تجد تأييدها في المعنى الحرفي»[23].

117- المعنى الروحي. بسبب الوحدة في قصد الله، قد لا يكون نصُّ الكتاب وحده، بل قد تكون معه الأمور والأحداث التي يُوردها علاماتٍ.

1. المعنى المجازي. نستطيع الحصول على معنى أعمق للأحداث إذا وجدنا مدلولها في المسيح؛ وهكذا فاجتياز البحر الأحمر إشارة إلى انتصار المسيح، ومن ثمَّ إلى المعمودية[24]؛

2. المعنى الأدبي. يجب أن تقودنا الأحداث الواردة في الكتاب المقدس إلى الاستقامة في العمل. لقد كُتبت "لموعظتنا" (1كو 10: 11)[25].

3. المعنى التفسيري. إنه لَمِن الممكن أيضاً أن نرى أموراً وأحداثاً في مدلولها الأزلي، تقودنا إلى وطننا. وهكذا فالكنيسة على الأرض رمز أورشليم العلوية[26].

118- مقطوعةٌ شعريةٌ من القرن الوسيط تختصر مدلول المعاني الأربعة: «المعنى الحرفي يُعلم ما يحدث وما حدث، والمجازي يُعلم ما يجب الإيمان به، والأدبي يُعلم ما يجب عمله، والتفسيري يُعلم إلام يجب الاتجاه»[27].

119- «في مهمة علماء التفسير أن يبذلوا قُصاراهم، على سَنَن هذه المبادئ، فيتوغّلوا أكثر في تفهم وعرض معنى الكتاب المقدس بحيث تكون دراساتهم، التمهيدية نوعا ما، طريقاً إلى إنضاج حكم الكنيسة. فكل ما يتعلق بطريقة تفسير الكتاب هو في النهاية خاضع لحكم الكنيسة التي تقوم بالمهمة والرسالة اللتين أُلقيِتا إليها في الحفاظ على كلمة الله وفي تفسيرها»[28].

«ما كنت لأؤمن بالإنجيل لو لم تَحَّثني على ذلك الكنيسة»[29].

4. قانون الأسفار المقدسة

120- التقليد الرسولي الذي أرشد الكنيسة إلى تمييز الكتابات التي يجب أن تُعد في لائحة الأسفار المقدسة[30]. هذه اللائحة الكاملة تُسمى «قانون» الأسفار. وهو يحتوي للعهد القديم 46 سفراً (45 إذا ضُم إرميا إلى المراثي)، وللعهد الجديد 27[31].

التكوين، الخروج، الأحبار، العدد، تثنية الاشتراع، يشوع، القضاة، راعوث، صموئيل الأول، صموئيل الثاني، الملوك الأول، الملوك الثاني، الأخبار الأول، الأخبار الثاني، عزرا، نحميا، طوبيا، يهوديت، أستير، المكابيين الأول، المكابيين الثاني، أيوب، المزامير، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد، الحكمة، يشوع بن سيراخ، أشعيا، أرميا، مراثي، باروك، حزقيال، دانيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، نحوم، حبقوق، صفنيا، حجاي، زكريا، ملاخي، للعهد القديم.

أناجيل متى، مرقس، لوقا، يوحنا، أعمال الرُّسل، رسائل بولس إلى الرومانيين، الأولى والثانية إلى أهل كورنثس، إلى أهل غلاطية، إلى أهل أفسس، إلى أهل فليبي، إلى أهل كولسي، الأول والثانية إلى أهل تسالونيكي، الأول والثانية إلى تيموثاوس، إلى تيطس، إلى فليمون، الرسالة إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، الأولى والثانية لبطرس، رسائل يوحنا الثلاثة، رسالة يهوذا، سفر الرؤيا، للعهد الجديد.

العهد القديم

121- العهد القديم جزءٌ من الكتاب المقدس لا يناله زوال. وأسفاره من وحيٍ إلهي وهي تحتفظ بقيمةٍ لا تزول[32] لأن العهد القديم لم يُنقض قط.

122- وهكذا «كان الهدف الرئيسي لتدبير العهد القديم أن يُعِدَّ مجئ المسيح مخلص العالم». وأسفار العهد القديم، «وإن احتوت أموراً ناقصةً أو صالحةً إلى حين»، تثبت كل النهج الإلهي الذي تنهجه محبة الله الخلاصية: إنها تحتوي تعاليم سامية عن الله، وحكمةً مفيدة في شأن الحياة البشرية، وكنوزاً رائعة من الصلاة؛ وفيها أخيراً يكمن سرُّ خلاصنا»[33].

123- المسيحيون يوقرون العهد القديم على أنه كلمة الله الحقيقة. والكنيسة رفضت أبداً وبشدة فكرة التخلي عن العهد القديم بحجة أن العهد الجديد أبطله (المرقيونية).

العهد الجديد

124- «إن كلمة الله، التي هي قدرةٌ إلهيةٌ لخلاصية كل مؤمن، تمثل في أسفار العهد الجديد، وقوتها تتجلى فيها على وجه فريد»[34]. إن هذه الأسفار تجعل بين أيدينا حقيقة الوحي الإلهي النهائية. أما موضوعها المركزي فيسوع المسيح، ابن الله المتجسد، وأعماله، وتعاليمه، وآلامه، وتمجيده، فضلاً عن نشأة الكنيسة بفعل الروح القدس[35].

125- الأناجيل قلب الأسفار المقدسة كلها «من حيث إنها الشهادة المُثلى على حياة الكلمة المتجسد مخلصنا وتعليمه»[36].

126- يمكن تمييز ثلاث مراحل في نشأة الأناجيل:

1. حياة يسوع وتعليمه. إن الكنيسة تؤكد بإصرار أن الأناجيل الأربعة «التي تُثبت تاريخيتها في غير تردد، تنقل بأمانة ما عمله في الحقيقة يسوع ابن الله، وما عمله، سحابة حياته بين البشر، في سبيل خلاصهم الأبدي، إلى اليوم الذي رُفع فيه إلى السماء».

2. التقليد المُتناق شفوياً. «ماقاله الرب وما عمله، نقله الرُّسل، بعد صعوده، إلى مستمعيهم، مع ما نعموا به من فهمٍ أعمق للأمور اكتسبوه من أحداث المسيح المجيدة وعلى ضوء روح الحق».

3. الأناجيل المدوَّنة. «دوّن الكُتّاب الالهيون الأناجيل الأربعة مختارين بعضاً من العناصر الكثيرة التي بلغتهم عن طريق الرواية، أو عن طريق كتابة سابقة، أو مدوّنين خلاصة لما تبقى منها، أو مفسرين لها تبعاً لأحوال الكنائس، وناهجين أخيراً النهج الإرشادي، بحيث يقدمون لنا أبداً عن يسوع أموراً حقيقية وصادقة»[37].

127- الإنجيل الرُّباعي النص يحتل في الكنيسة مكانةً فريدة، يثبتها ما توليه إياه الليترجيا من توقير، والأثر العجيب الذي تركه في نفوس القديسين على مرّ العصور.

«ما مِن عقيدة أجود وأثمن وأروع من نص الإنجيل. تأمل واحفظ ما عمله المسيح سيدنا ومعلمنا بأقواله، وما حقَّقه بأعماله»[38].

«الإنجيل هو الذي فوق كل شيء يُحدثُني في تأمُلاتي؛ فيه أجد كلَّ ما نفسي البائسة بحاجة إليه. إني أكتشف فيه دائماً أضواءً جديدة، معاني خفية وعجيبة»[39].

وحدة العهدين القديم والجديد

128- الكنيسة، في العهد الرسولي[40]أولاً، ثم في تقليدها بطريقة مستمرة، أوضحت وحدة التصميم الإلهي في العهدين عن طريق النموذجية. فهذه تلمح في أعمال الله إبان العهد القديم صوراً مُسبقة لما حَققه الله، عند اكتمال الأزمان، في شخص ابنه المتجسد.

129- فالمسيحيون يقرأون إذا العهد القديم على ضوء المسيح الذي مات وقام. وهذه القراءة على الطريقة النموذجية تُظهر مضمون العهد القديم الذي لا يُستنفذ. وهي ليس من شأنها أن تُنسي أن للعهد القديم قيمته الوحيية الذاتية التي قرّر ربنا نفسه إثباتها[41].ومن ناحية أُخرى يتطلب العهد الجديد أن يُقرأ على ضوء العهد القديم أيضاً. كانت الكرازة المسيحية الأولى دائمة اللجوء إليه[42]. وفي قولٍ عتيقٍ مأثور أن العهد الجديد مُخبَّأ في القديم، في حين يتكشف القديم في الجديد: «الجديد مختبئ في القديم، وفي الجديد يتكشف القديم»[43].

130- النموذجية تعني التحرك نحو إتمام التصميم الإلهي عندما «يصير الله كُلاً في الكل» (1كو15: 28). وهكذا فدعوة الآباء مثلاً، والخروج من مصر لا يفقدان قيمتهما الذاتية في تصميم الله، إذ إنهما في الوقت نفسه مراحل وسيطة في ذلك التصميم.

5. الكتاب المقدس في حياة الكنيسة

131- «إن كلمة الله تنطوي على قوة ومقدرة عظيمتين إلى حد أنهما للكنيسة عمادها وحيويتها، ولأبناء الكنيسة منعة إيمانهم، وغذاء نفسهم، والينبوع الصافي الثر لحياتهم الروحية»[44]. يجب «أن يُفتح المدخل إلى الكتاب المقدس واسعاً أمام المسيحيين»[45].

132- «لتكن دراسة الكتاب المقدس إذاً لعلم اللاهوت المقدس بمثابة روحه. ولتجد خدمة الكلمة أيضاً في كلمة الكتاب المقدس نفسها غذاءً سليماً، وحيوية صحيحة، سواء أكانت موعظةً راعوية، أو تعليماً دينياً منتظماً، أو وجهاً من وجوه التثقيف المسيحي حيث لابد للموعظة الليترجية من أن تحتل محلاً مختاراً»[46].

133- الكنيسة «تحرّض، بطريقة مُلِحَّة وخاصة، جميع المسيحيين (...) على تحصيل "معرفة يسوع المسيح" (في3: 8) بالمثابرة على قراءة الكُتب المقدسة. إذ إن في جهل الكتب المقدسة جهلاً للمسيح»[47].

 

بإيجاز

134- الكتابة الإلهية كلها كتاب واحد، وهذا الكتاب الواحد هو يسوع المسيح، «إذ أن الكتابة الإلهية كلها تتكلم على المسيح، والكتابة الإلهية كلها تتم في المسيح»[48].

135- «الكتب المقدسة تحتوي كلمة الله، وإذ كانت هذه الكتب من وحي الله كانت في الحقيقة كلمة الله»[49].

136- الله واضع الكتاب المقدس لكونه ألقى الوحي إلى كتابة البشريين؛ إنه يعمل فيهم وبهم. وهكذا يُثبت أن كتاباتهم تعلم الحقيقة الخلاصية بدون خطأ[50].

137- تفسير كُتب الوحي يجب أن يتنبَّه قبل كل شيء لما يريد الله أن يوحي به لخلاصنا بواساطة الكتّاب الإلهيين. «ما يأتي من الروح لا يُفهم فهماً كاملاً إلا بفعل الروح»[51].

138- كُتب الوحي المقبولة والموقّرة لدى الكنيسة هي الـ 46 سفراً في العهد القديم، والـ27 سفراً في العهد الجديد.

139- للأناجيل الأربعة محلٌّ مركزيٌّ لأن المسيح يسوع مركزها.

140- وحدة العهدين القديم والجديد من وحدة قصد الله ووحيه. العهد القديم يُهيئ الجديد، فيما يُتِم الجديد القديم؛ في الواحد منهما إيضاحٌ للآخر، وكلاهما كلمة الله الحقيقية.

141- «وقّرت الكنيسة أبداً الكُتب الإلهية كما فعلت ذلك لجسد الرب نفسه»[52]. في هذين غذاء الحياة المسيحية كلها وقيادها. «كلمتك مِصباحٌ لِقَدَمَّي، ونورٌ سبيلي» (مز119: 105)[53].



--------------------------------------------------------------------------------

[1]  و ل 13

[2] رَ:عب1: 1-3

[3] القديس أوغسطينوس، في المزمور 103، 104

[4] رَ: و ل 21

[5] رَ: و ل 24

[6] رَ: 1تس2: 13

[7]  و ل21

[8] و ل11

[9]  و ل11

[10]  و ل 11

[11] اقديس برنار، عظة في «لقد أُرسِل» 4، 11

[12]  لو24: 45

[13] رَ: و ل 12، 1

[14]  و ل 12، 2

[15]  و ل 12، 3

[16] رَ: و ل 12، 3

[17] رَ: لو24: 25-27، 44-46

[18] رَ: مز22: 15

[19] توما الأكويني، في المزامير 21، 11

[20] رَ: القديس ايلاريون أسقف بواتييه، رسالة إلى الامبراطور قسطنطين9؛ القديس إيرونيموس، في الرسالة إلى الغلاطيين 1، 1، 11-12

[21] أوريجانيس، عظات في سفر الأحبار 5، 5

[22] رَ: رو12: 6

[23] توما الأكويني، خ ل 1، 1، 10، م1

[24] رَ: 1كو10: 2

[25] رَ: عب 11: 3-4

[26] رَ: رؤ 21: 1-22: 5

[27] أوغسطينوس دي داسيا، 1

[28] و ل 12

[29] القديس أوغسطينوس، الأسس 5، 6

[30] رَ: و ل 8، 3

[31] رَ: قرار داماسيوس: د179-180؛ مجمع فلورنسا، قرار لليعاقبة: د1334-1336؛ المجمع التريدنتيني، الجلسة الرابعة، قرار في الكتب المقدسة وفي تقبل التقاليد: د1501-1504

[32] رَ: و ل 14

[33] و ل 15

[34] و ل 17

[35] رَ: و ل 20

[36] و ل18

[37]  و ل 19

[38] القديسة سيزاري الصغرى، إلى ريشيلد

[39] القديسة تريزيا الطفل يسوع، السيرة اذاتية أ 38 قفا

[40] رَ: 1كو10: 6، 11؛ عب10: 1؛ 1بط3: 21

[41] رَ: مر12: 29-31

[42] رَ: 1كو5: 6-8؛ 10: 1-11

[43] القديس أوغسطينوس، في الأسفار الخمسة 2، 73؛ رَ: و ل 16

[44] و ل 21

[45] و ل 22

[46] و ل 24

[47]  و ل25؛ القديس إيرونيموس، في أشعيا، مدخل

[48] هوغ دي سان قكتور، في سفينة نوح 2، 8؛ رَ: 2، 9

[49] و ل 24

[50] و ل 11

[51] رَ: أوريجانيس، عظة في سفر الخروج 4، 5

[52]  و ل 21

[53] رَ: أش 50: 4


الفصل الثالث: جواب الإنسان لله من 142 - 165
الفصل الثالث

جواب الإنسان لله

142- بالوحي «الصادر عن فرط المحبة يُخاطب الله الغير المنظور جماعة البشر وكأنهم أحباؤه، ويتحدث إليهم ليدعوهم إلى الدخول في شركته ويقبلهم في هذه الشركة». والجواب الملائم لهذه الدعوة هو الإيمان.

143- بالإيمان يُخضع الإنسان عقله وإرادته لله إخضاعاً كاملاً. وهون يوافق الله صاحب الوحي موافقةً كاملة[ii]. والكتاب المقدس يدعو جواب الإنسان لله المُوحي «طاعة الإيمان»[iii].

 

المقال الأول

أُؤمن

1. طاعة الإيمان

144- الطاعة في الإيمان هي الخضوع الحُر للكلمة المسموعة، لأن حقيقتها في كفالة الله الذي هو الحقيقة ذاتها. إبراهيم هو نموذج هذه الطَّاعة الذي يقدمه لنا الكتاب المقدس., والبتول مريم هي تحقيق هذه الطاعة الأشد كمالاً.

إبراهيم - «أبو جميع المؤمنين»

145- الرسالة إلى العبرانيين، في إشادتها بإيمان القدامى، تُشدد بنوع خاص على إيمان إبراهيم: «بالإيمان أطاع إبراهيم لمَّا دُعيَ إلى أن يذهب إلى الموضع الذي كان مزمعاً أن يتخذه ميراثاً، فذهب لا يدري إلى أين يتوجه» (عب11: 8)[iv]. بالإيمان عاش في غربةٍ وفي حج في أرض الميعاد[v]. بالإيمان سارة نالت أن تحبل بابن الوعد. بالإيمان أخيراً قرَّب إبراهيم وحيده ذبيحة[vi].

146- وهكذا حقق إبراهيم تحديد الإيمان الذي أعطته الرسالة إلى العبرانيين:«الإيمان هو قيام المرجوات فينا، وبرهان الغير المنظورات» (عب11: 1). «آمن إبراهيم بالله، فحُسِب له ذلك براً» (رو4: 3)[vii]، وبسبب هذه «الشدة في الإيمان» (رو4: 20) أصبح إبراهيم «أباً لجميع اذين يؤمنون» (رو4: 11، 18)[viii].

147- والعهد القديم حافلٌ بمثل شهادات الإيمان هذه. فالرسالة إلى العبرانيين تُشيد بإيمان القُدامى المثالي الذي «شُهِد لهم بذلك» (عب11: 2، 39). ومع ذلك «فإن الله دبَّر لنا تدبيراً أفضل»:  نعمة الإيمان بابنه يسوع، «مُبدئ إيماننا ومُتمِمه» (عب11: 40؛ 12: 2).

 مريم- «طوبى للّتي آمنت»

148- مريم العذراء تُحقق طاعة الإيمان على أكمل وجه. في الإيمان تقبَّلت مريم البشارة والوعد من الملاك جبرائيل، مُعتقدةً أن «ليس أمرٌ غير ممكن لدى الله» (لو1: 37)[ix]، ومُعلنةً رضاها:«أنا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك» (لو38:1). وأليصابات سلمت عليها قائلةً:«طوبى للتي آمنت بأنه سيتم ما قيل لها من قِبَل الرب» (لو45:1). ومن أجل هذا الإيمان تُطوبها جميع الأجيال
  • .


149- مدة حياتها كلها، وحتى محنتها الأخيرة[xi]، عندما مات يسوع ابنها على الصليب، لم يتزعزع إيمانها. لم تبرح مريم مؤمنةً بأن كلام الله "سيتم". ولهذا تكرم الكنيسة في مريم أصفى تحقيق للإيمان.

2ً. «أنا عارفٌ بمَن آمنتُ» (2تي12:1)

الإيمان بالله وحده

150- الإيمان هو أولاً التصاق الإنسان بالله التصاقاً شخصياً؛ إنه في الوقت نفسه، وبطريقة غير قابلة الانفصال، القبُول الحُر لكل الحقيقة التي أوحى بها الله. في كون الإيمان المسيحي لصوقاً شخصياً بالله وقبولاً للحقيقة التي أوحى بها، فهو غير الإيمان بشخص بشري. إنه عادلٌ وجيد أن يثق المرء بالله ثقةً كاملةً، وأن يؤمن بما يقول إيماناً مطلقاً. وقد يكون من العبث والخطأ أن يجعل المرء من هذا الإيمان بإحدى الخلائق[xii].

 

الإيمان بيسوع المسيح، ابن الله

151- لدى المسيحي الإيمان بالله هُو هو الإيمان بمَن أرسله، "ابنه الحبيب" الذي به سُرَّ[xiii]؛ قال لنا الله أن نستمع له[xiv].والرب نفسه قال لتلاميذه:«أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي أيضاً» (1:14). نستطيع أن نؤمن بيسوع المسيح لأنه هو نفسه الله، الكلمة المتجسد:«الله لم يره أحدٌ قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو أخبر» (يو18:1). وإذ قد «رأى الآب» (46:6)، فهو وحده يعرفه وهو يقدر أن يكشفه[xv].

الإيمان بالروح القدس

152- لا يمكن الإيمان بيسوع المسيح بمعزلٍ عن روُحه. الروح القدس هو الذي يوحي لبشر بحقيقة يسوع. «ولا يستطيع أحدٌ أن يقول أن يسوع ربٌ إلا بالروح القدس» (1كو3:12). «الروح يفحص كل شيءٍ حتى أعماق الله. (...) لا يعلم أحدٌ ما في الله إلا روح الله» (1كو2: 10-11). الله وحده يعرف الله بكامله. ونحن نؤمن بالروح القدس لأنه الله.

لا تبرح الكنيسة تعلن إيمانها بإلهً واحد، آبً وابن وروحٍ قدس.

3ً. ميزات الإيمان

الإيمان نعمة

       153- عندما يعترف القديس بطرس بأن يسوع هو المسيح، ابن الله الحي، يُعلن له يسوع بأن هذا الكشف لم يأته «من لحم ودم بل من أبيه الذي في السموات» (متى17:16)[xvi]. فالإيمان هبة من الله، فضيلة فائقة الطبيعة يبثها الله. «ولكي يعقد الإنسان هذا الإيمان، يحتاج إلى نعمة من الله تتداركه وتعضده، كما يحتاج إلى عونٍ داخلي من الروح القدس. وهذا الروح يُحرك القلب ويوجهه إلى الله، ويفتح عيني النفس ويمنح «الجميع عذوبة تقبل الحقيقة والإيمان بها»[xvii].

الإيمان فعلٌ إنسانيّ

154- لا يمكن الإيمان إلا بنعمة الروح القدس وعونه الداخلي. ومن الثابت أيضاً أن الإيمان فعلٌ إنسانيٌ أصيل. ولا يخالف حرية الإنسان ولا عقله أن يجعل في الله ثقته وأن يعتنق الحقائق التي يوحي بها. وإننا إذا نظرنا في العلاقات بين البشر نجد أنه ليس مخالفاً لكرامتنا الخاصة أن نصدق ما يقوله لنا الآخرون عن أنفسهم وعن مقاصدهم، وأن نثق في وعودهم (كما يجري ذلك مثلا عندما يتزوج رجل وامرأة)، لكي ندخل هكذا معاً في شركة متبادلة. وإنه من ثمَّ أقل مخالفةً لكرامتنا أن «نقدم الإيمان خضوع عقلنا وإرادتنا الكلي لله المُوحي»[xviii]، وأن ندخل هكذا معه في شركة حميمة.

155- في الإيمان يُسهم العقل والإرادة البشريان مع النعمة الإلهية:«الإيمان فعل عقلٍ يعتنق الحقيقة الإلهية بأمر الإرادة التي يُحركها الله بالنعمة»[xix].

الإيمان والعقل

156- ليس الدافع إلى الإيمان كون حقائق الوحي ظاهرة الصحة والمعقولية على ضوء عقلنا الطبيعي. إننا نؤمن «بسبب سلطان الله نفسه الذي يوحي والمعصوم عن الضلال والتضليل»[xx]. «ومع ذلك فقد أراد الله، لكي يكون عمل إيماننا موافقاً للعقل، أن يكون عون الروح القدس الداخلي في رفقة شواهد وحيه الخارجية»[xxi].وهكذا فمعجزات المسيح والقديسين[xxii]، والنبوءات، وانتشار الكنيسة وقداستها، وخصبها وثباتها، كل ذلك «علامات للوحي ثابتة على مستوى عقل الجميع»[xxiii]، دوافع إيمانية تُظهر أن «العقيدة الإيمانية ليست حركة للنفس عمياء»[xxiv].

157- الإيمان عقيدة ثابتة، وأشدُّ ثباتاً من كل معرفة بشرية، لأنه قائمٌ على نفس كلمة الله الذي لا يمكنه أن يكذب. نعم قد تبدو حقائق الوحي غامضةً لد\ى العقل واختبار البشريين، ولكن «اليقين الصادر عن النور الإلهي أعظم من اليقين الصادر عن نور العقل الطبيعي»[xxv]. «ليست في عشرة ألاف صعوبة ما يبعث على شكٍ واحد»[xxvi].

158- «الإيمان يسعى إلى الإدراك»[xxvii]: إنه من لوازم الإيمان أن يرغب المؤمن في معرفة أوفى لمن جعل فيه إيمانه، وإدراكٍ أشد لما أوحى به؛ ومعرفةٌ أعمق تستدعي من جهتها إيماناً أعظم يضطرم بالحب أكثر فأكثر. إن نعمة الإيمان تفتح «عيني القلب» (أف18:1) لفهم مضمون الوحي فهماً شديداً، أي مجمل تصميم الله وأسرار الإيمان، وارتباطها بعضها ببعض وبالمسيح، مركز السر الموحى به. ولكي «يجعل الروح القدس إدراك الوحي أعمق فأعمق، فهو لا يبرح يعالج الإيمان بمواهبه ليجعله أكمل»[xxviii]. وهكذا على حد قول القديس أوغسطينوس المأثور: «إني أومن لكي أدرك، وأدرك لكي أؤمن إيماناً أفضل»[xxix].

159- الإيمان والعلم. «وإن فَضَلَ الإيمانُ العقلَ، فمن غير الممكن أبداً أن يكون بينهما خلافٌ حقيقي. ذلك أن الله الواحد الذي يوحي بالأسرار ويهب الإيمان هو بعث في الروح ابشري نور العقل. فمن غير الممكن أن يُنكر الله ذاته، وأن تناقض الحقيقةُ الحقيقةَ»[xxx]. «وهكذا فمن غير الممكن، في شتى ميادين المعرفة، أن يختلف الإيمان والبحث المنهجي، إذا جرى هذا البحث مجرى علمياً صحيحاً، وتتبع النُّظم الأخلاقية، لأن لحقائق الدنيا ولحقائق الإيمان مصدراً واحد هو الله. أضف إلى ذلك أن الإنسان الذي يسعى جاهداً، في ثبات وتواضع، لاختراق خفايا الأشياء تكاد تقوده، وإن في غير وعي منه؛ يد الله التي تحفظ الأشياء كلها وتعمل على أن تكون تلك الأشياء على ما هي عليه»[xxxi].

حرية الإيمان

160- لكي يكون «جواب الإيمان الذي يقدمه الإنسان لله إنسانياً يجب أن يكون إرادياً؛ ومن ثمَّ لا يمكن إكراه أحد على اعتناق الإيمان على رُغمه. ففعل الإيمان من طبيعته ذاتها ذو طابع إرادي»[xxxii]. «والله يدعو الإنسان لخدمته في الروح وفي الحق؛ وإن ألزمت هذه الدعوة الإنسان ضميرياً فهي لا تكرهه. (...) وهذا ما ظهر في المسيح يسوع أجلى ظهور»[xxxiii]. فالمسيح دعا إلى الإيمان وإلى الهداية، ولكنه لم يعمد فيهما الإكراه قط. «لقد شهد للحقيقة، لكنه لم يشأ فرضها على خصومه بالقوة. وملكوته (...) يمتد بالمحبة التي يجذب بها إليه جميع البشر عند ارتفاعه على الصليب»[xxxiv].

ضرورة الإيمان

161- الإيمان بيسوع المسيح وبالذي أرسله لأجل خلاصنا ضروريٌ للحصول على هذا الخلاص[xxxv]. «إذ إنه «بدون الإيمان (...) لا يستطيع أحدٌ أن يُرضي الله» (عب6:11) وأن يصل إلى وضع أبنائه، وما من أحدٍ يُبرَّر أبداً بدون الإيمان، وما من أحدٍ يحصل على الحياة الأبدية إذا «لم يصبر فيه إلى المُنتهى» (متى10: 22؛ 13:24)»[xxxvi].

الثباتُ في الإيمان

162- الإيمان هبة مجانية يهبها الله للإنسان. باستطاعتنا أن نفقد هذه الموهبة التي لا تُقدر بثمن؛ والقديس بولس يحذر تيموثاوس من ذلك:«تجند التجند الحميد، متمسكاً بالإيمان والضمير الصالح الذي نبذه قومٌ فانكسرت سفينتهم عن الإيمان» (1تي1: 18-19). فلكي نحيا وننمو ونثبت في الإيمان إلى المنتهى، يجب علينا أن نغذيه بكلمة الله؛ يجب أن نتضرع إلى الله لكي يزيدنا إيماناً[xxxvii]؛ يجب أن يعمل «بالمحبة» (غل5: 6)[xxxviii]، ويُحمَل في الرَّجاء[xxxix]، ويُرسخ في إيمان الكنيسة.

الإيمان- بدء الحياة الأبدية

163- كأني بالإيمان يذيقنا مُسبقاً فرح ونور الرُّؤيا الطُّوباوية التي هي غاية مسيرتنا الأرضية. سنرى الله عند ذلك «وجهاً إلى وجه» (1كو12:13)، «كما هو» (1يو2:3). وهكذا فالإيمان منذ الآن بدء الحياة الأبدية:

«إذا كنا منذ الآن نُشاهد مباهج الإيمان وكأنها انعكاسات ضوئية في مرآة، فكأننا نملك منذ الآن الأمور الرائعة التي يؤكد لنا إيماننا أنّا سنتمتع بها يوماً ما»[xl].

164- ومع ذلك فنحن الآن «نسلك بالإيمان لا بالعيان» (2كو5: 7)، ونعرف الله «كما في مرآة على سبيل اللغز، (...) معرفةً ناقصة» (1كو12:13). والإيمان المُستنير بمن يؤمن به، كثيراً ما يسلك في الظلمة. وقد يُمتحن. فالعالم الذي نعيش فيه كثيراً ما يبدو بعيداً جداً عما يؤكده لنا الإيمان؛ وتجارب الشر والألم، والمظالم والموت، وتبدو مناقضةً للإنجيل؛ قد تستطيع أن تُزعزع الإيمان، وأن تكون له موضوع تجربة.

165- في هذه الحال تقتضي منا الضرورة أن نتوجه إلى شهود الإيمان: إبراهيم الذي آمن، «راجياً على خلاف كل رجاء» (رو4: 18)؛ والعذراء مريم التي «في رحلة الإيمان»[xli] انطلقت حتى «ليل الإيمان»[xlii]. مشتركةً في آلام ابنها وفي ليل قبره[xliii]؛ وآخرين من شهود الإيمان:«فنحن إذ يُحدق بنا مثل هذا السحاب من الشهود، فلنُلقِ عنا كل ثِقلٍ وما يشتمل علينا من الخطيئة، ولنُسابق بالصبر في الجهاد الذي أمامنا، ولنجعل نظرنا إلى مُبدئ الإيمان ومُتممه، إلى يسوع» (عب12: 1-2).



--------------------------------------------------------------------------------

و ل 2

[ii] رَ: و ل 5

[iii] رَ: رو1: 5؛ 16: 26

[iv] رَ: تك12: 1-4

[v] رَ: تك23: 4

[vi] رَ: عب11: 17

[vii] رَ: تك15: 6

[viii] رَ: تك15: 5

[ix] رَ: تك14:18

  • رَ: لو48:1
[xi] رَ: لو35:2

[xii] رَ: إر17: 5-6؛ مز5:40؛ 146: 3-4

[xiii] مر11:1

[xiv] مر7:9

[xv] متى27:11

[xvi] غل1: 15-16؛ متى25:11

[xvii]  و ل 5

[xviii] م ف1ً، الدستور العقائدي "ابن الله"، ق3: د3008

[xix] توما الأكويني، خ ل 2-2، 9؛ رَ: م ف1ً: الدستور العقائدي "ابن الله"، ق3: د3010

[xx] م ف1ً: المرجع السابق: د3008

[xxi] المرجع السابق: د3009

[xxii] رَ: مر20:16؛ عب4:2

[xxiii] م ف1ً: المرجع السابقد3009

[xxiv] المرجع السابق: د3010

[xxv] توما الأكويني، خ ل 2-2، 171، 5، اعتراض3

[xxvi] نيومن، دفاع، ق5

[xxvii] القديس أنسيلم، الملحق، مقدمة

[xxviii] و ل5

[xxix] عظات 43: 7، 9

[xxx] م ف1ً، دستور عقائدي "ابن الله" ق4: د3017

[xxxi]  ك ع 36، 2

[xxxii]  ح د101؛ رَ: ح ق ل، ق748، $2

[xxxiii] ح د 11

[xxxiv]  ح د11

[xxxv] رَ: مر16:16؛ يو36:3؛ 40:6 إلخ

[xxxvi] م ف1ً، دستور عقائدي "ابن الله"، ق3:د3012؛ رَ: مجمع ترنت، الجلسة السادسة أ، قرار في التبرير، ق8: د1532

[xxxvii]  رَ: مر24:9؛ لو5:17؛ 32:22

[xxxviii] رَ: يع2: 14-26

[xxxix] رَ: رو13:15

[xl] القديس باسيليوس، في الروح القدس، 15، 36؛ رَ: توما الأكويني، خ  2-2، 4، 1

[xli] ك 58

[xlii]  يوحنا بولس الثاني، أفا17

[xliii]  المرجع السابق، 18




الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #4 في: 18:45 01/07/2008 »
الفصل الثالث: جواب الإنسان لله من 166 - 184
المقال الثاني

نُؤْمنُ

166- الإيمان فعلٌ شخصي: إنه جواب الإنسان على مبادرة الله الذي يكشف ذاته. ولكن الإيمان ليس فعلاً مُنعزلاً. فما من أحد يستطيع أن يؤمن منفرداً، كما أنه لا يستطيع أحد أن يعيش منفرداً. وما من أحد أعطى نفسه الإيمان كما لم يُعط أحدٌ نفسه الحياة. فقد تقبل المؤمن الإيمان من غيره وهو من واجبه أن ينقله لغيره. إن محبتنا ليسوع وللبشر تحملنا على أن نُحدث غيرنا بإيماننا. وهكذا فكل مؤمن حلقةٌ في سلسلة المؤمنين الطويلة. ولا أستطيع أن أؤمن بدون أن أُحمل في إيمان الآخرين، بإيماني أنا أُسهم في حمل إيمان الآخرين.

167- «أؤمن»[1]: إنه إيمان الكنيسة يعترف به كل مؤمنٍ شخصياً، ولا سيّما إبان المعمودية. «نؤمن»[2]: إنه إيمان الكنيسة يعترف به الأساقفة المجتمعون في مجمع ، أو، على وجه أعم، يعترف به مجلس المؤمنين الليترجي. «أؤمن»: إنها أيضاً الكنيسة، أمُّنا، تجيب الله بإيمانها وتعلمنا أن نقول: «أؤمن»، «نؤمن».

1ً. «أُنْظُر، يارب، إلى إيمان كنيستك»

168- الكنيسة أولاً هي التي تؤمن، وهكذا تحمل إيماني، وتغذيه، وتدعمه. الكنيسة أولاً هي التي تعترف بالرب في كل مكان (ونحن نرنم في النشيد «أنت الله»: «أنت الذي تُعلن الكنيسة المقدسة في جميع أنحاء المسكونة أنك سيدها»)، ونحن معها وفيها محمولون على أن نعترف نحن أيضاً: «أؤمن»، «نؤمن». بالكنيسة وفي المعمودية ننال الإيمان والحياة الجديدة في المسيح. في «كتاب الرُّتب الروماني» يسأل خادم التّعميد الموعوظ: «ماذا تطلب إلى كنيسة الله؟ والجواب: الإيمان- وماذا يمنحك الإيمان؟ - الحياة الأبدية»[3].

169- الخلاص يأتي من الله وحده؛ ولكن بما اننا ننال حياة الإيمان عبر الكنيسة، فالكنيسة أُمنا: «إننا نعتقد بالكنيسة أُماً لولدتنا الجديدة، ولا نعتقد بها كما لو كانت مَصدر خلاصنا»[4]. وإذ كانت لنا أُماً كانت أيضاً مُربية إيماننا.

2َ. لغة الإيمان

170- إننا لسنا نؤمن بالصيغ، بل بالحقائق التي تُعبر عنها، والتي يتيح لنا الإيمان «مسها». «وفعل الإيمان الذي يفوه به المؤمن لا يقف عند التعبير بل عند الحقيقة المعبر عنها»[5]. ومع ذلك فإنّا نُقارب هذه الحقائق بمساعدة صياغات الإيمان. فهي تسمح بالتعبير عن الإيمان وبتناقله، والاحتفال به جماعياً، واستيعابه، والحياة به أكثر فأكثر.

171- الكنيسة، التي هي «عمود الحق وقاعدته» (1تيم3: 15)، تُحافظ بأمانة على «الإيمان الذي سُلم دفعةً للقديسين»[6]. إنها هي التي تحتفظ بمجموعة أقوال المسيح، وهي التي تنقل من جيلٍ إلى جيلٍ فعل إيمان الرُّسل. وكأُم تلقن أبناءها النطق، ومن ثمَّ الإدراك والتعامل، تلقّنُنا الكنيسة أمُّنا لغة الإيمان لتُدخِلنا في فهم الإيمان وحياته.

3ً. إيمانٌ وَاحد

172- منذُ قرونٍ، وعبر لغاتٍ وثقافاتٍ وشعوبٍ وأممٍ كثيرة لا تبرح الكنيسة تعترف بإيمان واحدٍ، آتٍ من ربٍ واحد، منقولٍ في معمودية واحدة، مغروس في الاعتقاد بأن لجميع البشر إلهاً واحداً وأباً واحداً[7]. والقديس إيريناوس، أسقف ليون، يشهد على هذا الإيمان ويُعلن:

173- «وإن كانت الكنيسة منتشرةً في العالم كلّه إلى أقاصي الأرض، فهي، بعدما تلقت الإيمان من الرسل ومن تلاميذهم (...) تحتفظ [بهذه الكرازة وبهذا الإيمان] بعناية كما لو كانت تسكن منزلاً واحداً، وهي تؤمن بهما على وجه واحد، كما لو لم يكن لها إلا روحٌ واحدة وقلبٌ واحد، وهي تكرز بهما وتعلمهما وتنقلهما على نهجٍ واحد كما لو لم تملك إلا فماً واحداً»[8].

174- «فلئن اختلفت اللغات في العالم، فمضمون التقليد واحدٌ لا يختلف. وليس للكنائس القائمة في جرمانية إيمانٌ آخر أو تقليد آخر، ولا لتلك التي عند الإيبيريين، ولا لتلك التي عند القلتيين، ولا لكنائس الشرق، ومصر، وليبية، ولا لتلك القائمة في وسط العالم»[9]. «وهكذا فرسالة الكنيسة حقيقية وثابتة، وإذ لديها طريق خلاص واحدة تظهر في العالم كله»[10].

175- «هذا الإيمان الذي نلناه من الكنيسة، نُحافظ عليه بعناية، لأنه لا يبرح، بفعل الروح القدس، كالوديعة العظيمة الثمن والمحفوظة في إناءٍ ثمين، يتجدد ويجدد الإناء الذي يحتويه»[11].

بإيجاز

176- الإيمان التصاق الإنسان بكامله التصاقاً شخصياً بالله الذي يكشف عن ذاته. إنه التصاق العقل والإرادة بالوحي الذي كشف الله عن ذاته بأعماله وأقواله.

177- للإيمان إذاً مرجعان: الشخص والحقيقة؛ الحقيقة من خلال الثقة بالشخص الذي يُثبتها.

178- ليس لنا أن نؤمن بأحدٍ سوى الله، الآب والابن والروح القدس.

179- الإيمان هبة من الله تفوق الطبيعة. ولكي يؤمن الإنسان يحتاج إلى معونة الروح القدس الداخلية.

180- الإيمان فعلٌ إنساني واعٍ وحرّ يتفق وكرامة الشخص البشري.

181- الإيمان عملٌ كنسي. إيمان الكنيسة يسبق إيماننا، ويبعثه، ويحمله، ويغذيه. الكنيسة أم جميع المؤمنين. «لا أحد يكون الله أباه ولا تكون الكنيسة أُمه»[12].

182- «نؤمن بكل ما تنطوي عليه كلمة الله المكتوبة أو المنقولة، وتدعونا الكنيسة إلى الإيمان به على أنه من وحيٍ إلهي»[13].

183- الإيمان ضروريٌّ للخلاص. الربُّ نفسه يثبت ذلك: «مَن آمن واعتمد يخلص ومَن لم يؤمن يُدان» (مر16:16).

184- «الإيمان هو تذوق مُسبقٌ للمعرفة التي ستجلُنا سعداء في الحياة الآتية»[14].

 

قانون الإيمان

 

قانون الرسل[15]
 
 قانون نيقية- القسطنطينية[16]
 
أومن بالله،

الآب الكلي القدرة،

خالق السماء والأرض.

 

وبيسوع المسيح، ابنه الوحيد ربنا،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الذي كان الحبل به من الروح القدس،

وُلِدَ من البتول مريم،

 

تألم في عهد بنطيوس بيلاطس، وصُلِب،

ومات، ودفن،

انحدر إلى الجحيم.

في اليوم الثالث قام من الموتى،

 

صعد إلى السماوات،

وهو جالسٌ إلى يمين الآب الكلي القدرة،

من حيثُ سيأتي ليقاضي الأحياء والأموات.

أؤمن بالروح القدس

 

 

 

 

 

 

بالكنيسة المقدسة الكاثوليكية،

بشركة القديسين،

 

بغفران الخطايا،

بقيامة الجسد،

بالحياة الأبدية.

آمين
 
 أومن بإله واحدٍ،

الآب الكلي القدرة،

خالق السماء والأرض،

الكون المرئي وغير المرئي.

وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح،

ابن الله الوحيد،

المولود من الآب قبل كل الدهور:

هو الله الصادر عن الله،

نورٌ مولود من النور،

إله حق صادرٌ عن الله الحق،

مولودٌ غير مخلوق،

هو والآب جوهرٌ واحدٌ

وبه صنع كل شيء،

من أجلنا نحن البشر، وفي سبيل خلاصنا،

نزل من السماء،

بالروح القدس

تجسد من البتول مريم

وصار إنساناً.

وإذ صُلب لأجلنا في عهد بنطيوس

بيلاطس،

تألم ودفن،

وقام في اليوم الثالث،

وفاقاً للكتابات،

وصعد إلى السماء،

وهو جالسٌ إلى يمين الآب،

إنه سيرجع في المجد،

ليُقاضي الأحياء والأموات؛

ولن يكون لملكه إنقضاء.

 

وبالروح القدس،

الرب وواهب الحياة،

إنه ينبثق من الآب والابن،

مع الآب والأبن،

يُعبد العبادة نفسها ويُمجَّد التمجيد نفسه،

لقد نطق بالأنبياء،

 

أؤمن بالكنيسة،

واحدةً، مقدسةً، كاثوليكيةً رسوليةً.

أعترف بمعمودية واحدةٍ

لغفران الخطايا.

أترقب قيامة الموتى

وحياة العالم الآتي.

آمين
 

 



--------------------------------------------------------------------------------

[1] قانون الرسل: د30

[2] قانون نيقية- القسطنطينية: د150 في الأصل اليوناني

[3] ر ت ب 75 و247

[4] فوستس دي رياز، في الروح القدس1، 2

[5] توما الأكويني، خ ل 2-2، 1، 2، م2

[6] رَ: يهو3:1

[7] رَ: أف 4: 4-6

[8] الرد على الهرطفات 1، 10، 1-2

[9] المرجع السابق، 1، 10، 2

[10] المرجع السابق، 5، 20، 1

[11] المرجع السابق، 53، 24، 1

[12] القديس كبريانوس، وحدة الكنيسة الكاثوليكية 6

[13] ق ش 20

[14] توما الأكويني، م ل 1، 2

[15] د30

[16] د150



القسم الثاني: الاعتراف بالإيمان المسيحي من 185 - 197
القسم الثاني

الاعتراف بالإيمان المسيحي

 

قوانين الإيمان

185- من يقل «أُؤمن» يَقل «أعتنقُ ما نؤمن به». الشركة في الإيمان تقتضي لغةً للإيمان مشتركة، ينتظم بها الجميع ويتحدون في الاعتراف الواحد بالإيمان.

186- منذ البدء عبَّرت الكنيسة الرسوليّة عن إيمانها الخاص ونقلته في تعبيرات وجيزة وضابطه للجميع[1]. ولكطن الكنيسة أرادت أيضاً منذ أقدم أيامها أن تجمع خلاصة إيمانها في مختصرات عضوية ومنسقة بوضوح، مُعدّة بنوع خاص لطالبي المعمودية:

«لم توضع ملخصات الإيمان هذه بحسب آراء البشر؛ ولكن جُمع من الكتاب المقدس كله ما هو الأهم فيه، لكي يُعطي تعليم الإيمان الوحيد كاملاً. وكما أن بذار الخردل يحتوي في حبة صغيرة جداً عدداً كبيراً من الأغصان، كذلك قانون الإيمان، فهو يحتوي كلماتٍ قليلةٍ علمَ البرّ  الحقيقي كله الذي ينطوي عليه العهدان القديم والجديد»[2].

187- تُسمى مُلخصات الإيمان هذه «اعترافات الإيمان» إذ إنها تلخص العقيدة التي يعترف بها المسيحيون. وتُسمى «أُؤمن» جرباً مع الكلمة الأولى التي تبدأ بها عادةً، أي «أُؤمن». وتُسمى كذلك «قوانين الإيمان».

188- كانت اللفظة اليونانية eumbolon (سيمبولن) تعني نصف الشيء المكسور (كالخاتم مثلاً) الذي كان يُقدمُ علامة تَعرُّف. فكانت الأقسام المكسورة تُقارب لإثبات حقيقة حاملها. وهكذا فقانون الإيمان علامة التعارف والشركة بين المؤمنين. «وسيمبولن» تعني إلى ذلك مجموعة، جدولاً، أو موجزاً. فقانون الإيمان هو مجموعة حقائق الإيمان الرئيسية وهو من ثمَّ المرجع الأول والأساسي للكرازة.

189- أوّل «اعتراف بالإيمان» يجري في المعمودية. «قانون الإيمان» هو أول القانون العمادي، وبما أن المعمودية تُمنح «باسم الآب والابن والروح القدس» (متى19:28)، فحقائق الإيمان المُعترف بها إبان المعمودية مرجعها إلى الأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس.

190- وهكذا فقانون الإيمان يُقسم إلى ثلاثة أقسام:«أولاً كلام على الأقنوم الإلهي الأول وعلى عمل الخلق الرائع؛ ثم على الأقنوم الإلهي الثاني وعلى سر فداء البشر؛ وأخيراً على الأقنوم الإلهي الثالث ينبوع تقديسنا ومَبدأه»[3]. من هنا «فصول خاتم معموديتنا الثلاثة»[4].

      191- «وإن كانت هذه الأقسام الثلاثة مترابطة فهي متمايزة. ونحن نسميها أقساماً عقائدية جرياً مع تشبيهً كثيراً ما استعمله الآباء. فكما أن في أعضائنا بعض مفاصل تميزها وتفصلها، وكذلك في قانون الإيمان فقد أُطلق بحقٍ اسم أقسام عقائدية على الحقائق التي يجب أن نؤمن بها منفردةً ومتميزة»[5]. وقد ورد في تقليد قديم، سبق القديس أمبروسيوس إلى إثباته، أن العادة جرت على إحصاء اثنى عشر قسماً في قانون الإيمان، رمزاً بعدد الرسل إلى مجمل العقيدة الرسولية[6].

192- لقد تعددت، على مر العصور، اعترافات الإيمان أو قوانينه، استجابة لحاجات العهود المختلفة: قوانين الكنائس الرسولية والقديمة المختلفة[7]، القانون «كل من» المنسوب إلى القديس أثناسيوس[8]، اعترافات الإيمان لبعض المجامع (طُليطلة[9]؛ لاتران[10]؛ ليون[11]؛ ترانت[12])، أو لبعض الباباوات، من مثل «إيمان داماسيوس»[13]، أو «قانون إيمان شعب الله» لبوس السادس (1968)[14].

193- ما من قانون من قوانين الإيمان في شتى مراحل الكنيسة يمكن عدُّه ساقطاً بمرور الزمن، أو خالياً من الفائدة. إنها تُساعدنا على أن نبلغ اليوم ونُعمق إيمان الأزمان المختلفة من خلال الملخصات المختلفة التي وُضعت لها.

بين جميع قوانين الإيمان قانونان يحتلان محلين خاصين في حياة الكنيسة:

194- قانون الرسل، المدعو هكذا لأنه يُعد بحق الملخص الأمين لإيمان الرُّسل. إنه القانون القديم للتعميد في الكنيسة الرومانية. وسلطانه العظيم يأتيه من كونه: «القانون الذي تحتفظ به الكنيسة الرومانية، حيث جلس بطرس، أوّل الرسُل، وحيث فاهَ بالحُكم العام»[15].

195- قانون نيقية- القسطنطينية يستمد قوَّته من كونه صادراً عن المجمعين المسكونيين الأوَّلين (325و381). وهو لا يزال، إلى اليوم، مشتركاً بين جميع كنائس الشرق والغرب الكبرى.

196- سنتبع في عرضنا للعقيدة قانون الرسل الذي يتألف منه نوعاً ما «أقدم تعليم مسيحي روماني». ومع ذلك سنتم العرض برجوع متواصل إلى قانون نيقية- القسطنطينية الأكثر تصريحاً وتفصيلاً.

197- وكما فعلنا في يوم معموديتنا، عندما أسلمنا كل حياتنا «إلى رسم التعليم» (رو17:6)، فلنتقبل قانون إيماننا الذي يعطي الحياة. فإن يُتلى قانون الإيمان بإيمان، إنما ذلك دخول في الشركة مع الله الآب، والابن، والروح القدس، ودخولٌ أيضاً في الشركة مع الكنيسة كلها التي تنقل إلينا العقيدة والتي بين ظهرانيها نؤمن:

«هذا القانون هو الخاتم الروحي، [...] ونجوى قلبنا، والحارس الذي لا يغيب أبدأً، وهو، ولاشك، كنز نفسنا»[16].

 



--------------------------------------------------------------------------------

[1] رَ: رو9:10؛ 1كو3:15-5؛ إلخ

[2] القديس كيرلس الأورشليمي، عظات في المعمودية 5، 12

[3] ت ر 1، 1، 4

[4] القديس إيريناوس، تبيان 100

[5] ت ر 1، 1، 4

[6] رَ: القديس امبروسيوس، قانون 8

[7] رَ: د1-64

[8] رَ: د75-76

[9] د525-541

[10] د800-802

[11] 851-861

[12] د1862-1870

[13] رَ: د71-72

[14] أ ك ر60 (1968) 433-445

[15] القديس امبروسيوس، قانون7

[16] القديس امبروسيوس، قانون 1



الفصل الأول: أُؤمن بالله الآب من 198-231
الفصل الأول

أُؤمن بالله الآب

 

198- اعترافنا بالإيمان يبدأ بالله، لأن الله هو «الأوَّل والآخر» (أش 44: 6)، بدء كل شيء ونهايته. وقانون الإيمان يبدأ بالله الآب، لأن الآب هو الأقنوم الإلهي الأول من الثالوث الأقدس؛ وقانوننا يبدأ بخلق السماء والأرض، لأن الخَلق هو البداية والأساس في جميع أعمال الله.

المقال الأول

«أُؤمن بالله الآب الكلي القدرة

خالق السماء والأرض»

الفقرة 1- أؤمن باللهِ

199- «أؤمن بالله»: هذا التأكيد الأول من الاعتراف بالإيمان هو أيضاً أساسيٌ أكثر من أي شيء آخر. القانون كله يتكلم على الله، وإن تكلم أيضاً على الإنسان والعالم، فذلك بالنسبة إلى الله. فمواد قانون الإيمان تتعلق كلها بالمادة الأولى، كما أن جميع الوصايا توضح الوصية الأولى. والمواد الأخرى تعرفنا الله تعريفاً أوسع، كما كشف عن نفسه للبشر تدريجياً. «المؤمنون يعترفون أولاً بالإيمان بالله».

1ً. «أُؤمن بإلهٍ واحد»

200- بهذه الكلمات يبدأ قانون نيقية- القسطنطينية. الاعتراف بوحدانية الله ذات الجذور في الوحي الإلهي في العهد القديم، لا يمكن فصله عن الاعتراف بوجود الله، وهو أساسيٌّ مثله أيضاً. فالله واحد: لا يوجد إلهٌ واحد: «الإيمان المسيحي يعترف أنه لا يوجد إلا إله واحد، واحدٌ بطبيعته، وجوهره، وإنيته»[ii].

201- الله كشف عن نفسه لإسرائل مختاره على أنه الوحيد: «اسمع، يا إسرائيل، إن الربَّ إلهنا ربٌّ واحد، فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك» (تث6: 4-5). بالأنبياء دعا الله إسرائيل وجميع الأمم إلى التوجه نحوه، هو الوحيد. «توجهوا إليّ فتخلُصوا ياجميع أقاصي الأرض فإني أنا الله وليس من إله آخر (...). لي تجثوا كل ركبةٍ وبي سَيُقْسِم كل لسان، يقول: بالرب وحده البرُّ والقوَّة» (أش45: 22-24)[iii].

202- يسوع نفسه يثبت أن الله هو «الرب الوحيد» وأنه يجب أن يُحب «بكل القلب وكل النفس وكل الذهن وكل القدرة»[iv]. وهو يُشير، في الوقت نفسه، إلى أنه هو ذاته «الرب»[v]. والاعتراف بأن «يسوع هو الرب». هو خاصة الإيمان المسيحي. وهذا لا يخالف الإيمان بالله الواحد. والإيمان بالروح القدس «الرب وواهب الحياة» لا يجعل في وحدانية الله انفصاماً:

«نحن نؤمن إيماناً ثابتاً، ونُثبت ببساطة أنه يوجد إلهٌ واحدٌ حقيقي، غير محدود وغير متغير، وغير مُدرك، كليُّ القدرة، وفوق كل تعبير، آب وابن وروح قدس: ثلاثة أقانيم، ولكن إنية واحدة، وجوهرٌ واحدٌ أو طبيعةٌ كلية البساطة»[vi].

2ً. الله يكشف عن اسمه

203- لقد كشف الله عن ذاته لشعبه إسرائيل وعرَّفه اسمه. الاسم تعبير عن الإنية، هُوية الشخص ومعنى الحياة. لله أسمٌ. وليس بقوة غُفل. وتسليم الاسم هو تعريف الآخرين بالذات؛ هو، على وجهٍ ما، تسليم الذات يجعلها مُمكنةً المنال، حَرِيّةً بأن تُعرَف معرفةً أعمق، وأن تُدعى شخصياً.

204- الله كشف عن ذاته لشعبه تدريجياً وبأسماء مختلفة، إلا أن الكشف عن الاسم الإلهي لموسى في ظهور العليقى المُلتهبة على عتبة الخروج وعهد سيناء، هو الكشف الذي ثبت أنه الأساسي للعهدين القديم والجديد.

الإله الحيّ

205- الله يدعو موسى من وسط عُلَّيقى تلتهبُ ولا تحترق. ويقول لموسى:«أنا إله آبائك، إله إبراهيم، وإله إسحق، وإله يعقوب» (خر6:3). فالله هو إله الآباء الذي دعاهم وقادهم في تيههم. إنه الإله الأمين والعطوف الذي يذكرهم عُهوده؛ وهو يأتي ليُحرر نسلهم من العبودية. إنه الإله الذي، في كل مكان وزمان، يستطيع ذلك ويريده، والذي يجعل قدرته غير المحدودة في طريق هذا التصميم.

«أنا هو الكائن»

قال موسى لله:«ها أنا سائرٌ إلى بني إسرائيل فأقول لهم: إله آبائكم بعثني إليكم؛ فإن قالوا لي ما اسمه، فماذا أقول لهم؟» فقال الله لموسى: «أنا هو الكائن». قال:«كذا قُل لبني إسرائيل: الكائن أرسلني إليكم. (...) هذا اسمي إلى الدهر، وهذا ذكري إلى جيلٍ فجيل» (خر13:3-15).

206- عندما يكشف الله عن اسمه العجيب يهوه، «أنا الكائن»، أو «أنا مَن هو» أو أيضاً «أنا مَن أنا»، يقول من هو، وبأي اسم يجب أن ندعوه. هذا الاسم الإلهي سريٌ كما أن الله سر. إنه في الوقت نفسه اسم مُوحى به وكرفض للاسم، وهو من ثمَّ يعبر أحسن تعبير عن الله كما هو، أي على مستوى أسمى من كل ما نستطيع إدراكه أو قوله: إنه «الإله المتحجب» (أش15:45)، واسمه عجيب[vii]، وهو الإله الذي يتقرب من البشر.

207- عندما يكشف الله عن اسمه يكشف في الوقت نفسه عن أمانته التي هي من الأبد وإلى الأزل، سارية المفعول في الماضي («أنا إله آبائك»، خر6:3) كما في المستقبل: («أنا أكون معك»، خر12:3). الله الذي يكشف عن اسمه على أنه «الكائن» يكشف عن ذاته على أنه الإله الحاضر على الدوام، الحاضر مع شعبه ليُخلصه.

208- أمام حضور الله الساحر والعجيب يكشف الإنسان صغارته. امام العُلَّيقى الملتهبة يخلع موسى نعليه ويستر وجهه[viii] مقابل القداسة الإلهية. أمام مج الإله المُثلث القداسة يصيح أشعيا:«ويل لي قد هلكت، لأني رجل دنس الشفتين» (أش5:6). أمام الأعمال الإلهية التي يعملها يسوع يصيح بطرس:«تباعد عني، يارب، فإني رجل خاطئ» (لو8:5). ولكن بما أن الله قدوس، فهو يقدر أن يغفر للإنسان الذي يكشف عن نفسه أمامه أنه خاطئ:«لا أُنفِذ وَغر غضبي (...) لأني أنا الله لا إنسان، وفيك قدوس» (هو9:11). وسيقول الرسول يوحنا كذلك: «نُقنِع قلوبنا بأن تطمئنَّ أمامه، وإن كان قلبُنا يُبكتنا، فإن الله أعظم من قلبنا وعالمٌ بكل شيء» (1يو19:3-20).

209- توقيراً لقداسة الله لا يفوه الشعب الإسرائيلي باسمه تعالي. ففي قراءة الكتاب المقدس يُستعاض عن الاسم الموحى به باللقب الإلهي «رب» (أدوناي، وباليونانية كيريوس). وبهذا اللقب ستُعلن أُلوهة يسوع: «يسوع ربٌ».

«إله الحنان والرحمة»

210- بعد خطيئة إسرائيل الذي مال عن الله إلى عبادة العجل الذهبي[ix]، يسمع الله تشفع موسى ويقبل السير في وسط شعب ناكث للعهد، مظهراً هكذا محبته
  • . وهو يُجيب موسى الذي يطلب أن يرى مجده ويقول:«أنا أُجيزُ جميع جودتي أمامك وأنادي باسم الرب يهوه قدامك» (خر18:33-19). ويمر الرب أمام موسى وينادي:«يهوه، يهوه إلهٌ رحيمٌ ورؤوفٌ، طويل الأناة كثير المراحم والوفاء» (خر6:34). فيعترف موسى حينئذٍ أن الرب إله غفور[xi].


211- الاسم الإلهي «أنا الكائن» أو «الذي هو» يعبر عن أمانة الله الذي «يحفظ الرحمة لأوف» (7:34)، على ما للبشر من نكبة الاثم ومن العقاب الذي تستحقه. الله يكشف عن كونه «غنياً بالرحمة» (أف4:2) إلى حد أنه بذل ابنه الخاص. وعندما يبذل يسوع حياته ليحررنا من الخطيئة، سيكشف أنه يحمل هو نفسه الاسم الإلهي: «إذا ما رفعتم ابن البشر فعندئذ تعرفون أني "أنا هو"» (يو28:8).

الله وحده الكائن

212- لقد استطاع إيمان إسرائيل، عبر القرون، أن ينشر ويتقصى الكنوز المنطوية في وحي الاسم الإلهي. الله واحدٌ، ولا إله سواه[xii]. وهو فوق العالم والتاريخ. وهو الذي صنع السماوات والأرض:«هي تزول وأنت تبقى، وكلُّها تبلى كالثوب (...) وأنت أنت وسنوك لن تفنى» (مز27:102-28). ليس فيه «تحوُّلٌ ولا ظلُّ تَغيُّر» (يع17:1). إنه «الكائن» منذ الأبد وإلى الأزل، وهو هكذا يبقى أبداً وفياً لذاته ولوعوده.

213- وهكذا فالكشف عن الاسم العجيب «أنا الكائن» يتضمن الحقيقة أن الله وحده كائن. وبهذا المعنى فُهم الاسم الإلهي في الترجمة السبعينية وبعدها في تقليد الكنيسة: الله هو ملء الكينونة وملء كل كمال، لا أول له ولا آخر. فيما نالت جميع الخلائق منه كل كيانها وكل ما لها، فهو وحده كيان ذاته، وهو من ذاته كل ما هو.

3ً. الله «الكائن» حقيقة ومحبة

214- الله «الكائن»، كشف عن نفسه لإسرائيل على أنه الكائن «الكثير المراحم والوفاء» (خر6:34). هذه الألفاظ تعبر تعبيراً مرصوصاً عن كنوز الاسم الإلهي. الله يُظهر في جميع أعماله عطفه، وجودته، ونعمته، ومحبته؛ كما يُظهر أيضاً وفاءه، وثباته، وأمانته، وحقيقته. «أعترف لاسمك لأجل رحمتك وحقك» (مز2:138)[xiii]. إنه الحق ، لأن «الله نورٌ وليس فيه ظلمةٌ البتة» (1يو5:1)؛ وهو «محبة»، على حد ما يعلم يوحنا الرسول (1يو8:4).

الله حق

215- «رأس كلمتك حق، وإلى الأبد كُلُّ حكم عدلك» (مز160:119). «والآن أيها الرب الإله أنت هو الله وكلامك حقٌ» (2صم28:7)؛ ولذلك فوعود الله تتحقق دائما[xiv]. الله هو الحقُّ نفسه وأقواله جلَّت عن التضليل. ولهذا يستطيع المرءُ أن يُسلم بكل ثقةٍ لحقيقة كلمته ووفائها في كل شيء. بدء خطيئة الإنسان وسقوطه كان كذبةً من المجرب الذي حمل على الشك في كلمة الله وعطفه ووفائه.

216- حقُّ الله هو حكمته التي تسوس كل نظام الخليقة ومسيرة العالم[xv].الله الذي وحده خلق السماء والأرض[xvi]، يستطيع هو وحده أن يعطي معرفة كل شيءٍ مخلوقٍ في علاقته معه معرفةً حقيقية[xvii].

217- الله حقٌّ أيضاً عندما يكشف عن ذاته: التعليم الذي يأتي من الله «تعليم حقٍ» (ملا6:2). وعندما يُرسل ابنه الى العالم إنما يكون ذلك «ليشهد للحق» (يو37:18): «نعلم أن ابن الله قد أتى وآتانا بصيرةً لكي نعرف الإله الحقيقي» (1يو20:5)[xviii].

الله محبة

218- لقد استطاع إسرائيل، على مر تاريخه، أن يكتشف أنه لم يكن لله إلا داعٍ واحد حمله على الكشف عن ذاته له، وعلى اختياره له، بين سائر الشعوب، ليكون شعبه الخاص: هو حبُّه المجاني[xix]. وقد فقه إسرائيل، بفضل أنبيائه، أنه بدافع الحب أيضاً لم يكُف الله عن تخليصه[xx]، وعن مغفرة نكيثته وآثامه[xxi].

219- يُشيه حب الله لإسرائيل بحب أبٍ لابنه[xxii]. وهذا الحب أقوى من حب أم لأبنائها[xxiii]. الله يحب شعبه أكثر مما يحب زوجٌ حبيبته[xxiv]؛ وهذا الحب يتغلب حتى على أقبح الخيانات[xxv]؛ وهو يذهب إلى درجة بذل الأغلى:«هكذا أحب الله العالم حتى إنه بذل ابنه الوحيد» (يو16:3).

220- وحب الله «أبدي» (أش8:54): «إن الجبال تزول والتلال تتزعزع أما رأفتي فلا تزول عنك» (أش10:54). «إني أحببتُك حباً أبدياً فلذلك اجتذبتك برحمةٍ» (إر3:31).

221- القديس يوحنا يذهب أيضاً إلى أبعد من ذلك عندما يعلن أن «الله محبة» (1يو8:4، 16): فكيان الله ذاته محبة. وعندما يرسل الله، بحلول ملء الأزمنة، ابنه الوحيد وروح محبته يكشف عن أخص سر له[xxvi]:إنه هو نفسه أبداً تبادل محبة: آب وابنٌ وروح قدس، وقد قدر لنا أن نكون شركاء فيه.

4ً. مدى الإيمان بالله الواحد

222- للإيمان بالله الواحد، ومحبتنا له بكل كياننا، عواقب لا حد لها في حياتنا كلها:

223- فلذلك يقتضي معرفة عظمة الله وجلاله: «إن الله عظيم فوق ما نعلم» (أيوب26:36). ولهذا وجب أن يكون الله «المخدوم الأول»[xxvii].

224- ويقتضي أن نعيش في الشُّكران: إذا كان الله هو الواحد الوحيد فكل ما نحن وكل ما نملك يأتي من لدُنه: «أيُّ شيءٍ لك لم تنلهُ» (1كو7:4). «ماذا أردُّ إلى الرب عن جميع ما كافأني به» (مز12:116).

225- ويقتضي معرفة وحدة البشر وكرامتهم الحقيقية:  جميعهم مصنوعون «على صورة الله ومثاله» (تك26:1).

226- ويقتضي حسن استعمال الأشياء المخلوقة: الإيمان بالله الواحد يقودنا إلى استعمال كل ما ليس الله بقدر ما بقربنا ذلك من الله، وإلى التجرد منه بقدر ما يميل بنا ذلك عن الله[xxviii]:

«ربي وإلهي، انزع مني كل ما يبعدني عنك.

ربي وإلهي، هبني كل ما يُقربني منك.

ربي وإلهي، جردني من ذاتي لكي أكون كلي لك»[xxix].

227- ويقتضي الثقة بالله في كل حال، حتى في الشدة. صلاةٌ للقديسة تريزا يسوع تعبر عن ذلك تعبيراً رائعاً:

«لا يُقْلِقنَكَّ شيءٌ، لا يُخيفنَّك شيء،

 كلُّ شيء يَزول، الله لا يتغير،

الصبرُ يحصل على كل شيء،

من معه الله فلا ينقصه شيء،

 الله وحده يكفي»[xxx].

بإيجاز

228- «إسمع، ياسرائيل، إن الرب إلهنا ربٌّ واحد» (تث4:6؛ مر29:12). «من الضروري أن يكون الكائن الأعلى واحداً، أي بغير شريك (...). إذا لم يكن الله واحد لم يكن الله»[xxxi].

229- الإيمان بالله يقودنا إلى أن نتوجه إليه وحده على أنه مبدأنا الأول وغايتنا القصوى، وأن لا نُؤثِرَ عليه شيئاً أو أن نستبدله بشيء.

230- الله، إذا كشف عن ذاته، يبقى سراً عجيباً. «لو كنت تفهمه لما كان الله»[xxxii].

231- إله إيماننا كشف عن ذاته على أنه الكائن، لقد عرّف بنفسه على أنه «كثير المراحم والوفاء» (خر6:34). كيانه نفسه حقٌّ ومحبّة.



--------------------------------------------------------------------------------

ت ر 1، 2، 6

[ii] م س 1، 2، 8

[iii] رَ: في10:2-11

[iv] رَ: مر29:12-30

[v] رَ: مر35:12-37

[vi] مجمع لاتران الرابع: فصل 1، في الإيمان الكاثوليكي د800

[vii] رَ: قض 18:13

[viii] رَ: خر5:3-6

[ix] رَ: خر32

  • رَ: خر12:33-17
[xi] رَ: خر9:34

[xii] رَ: أش6:44

[xiii] رَ: مز11:85

[xiv] رَ: تث9:7

[xv] رَ: حك1:13-9

[xvi] رَ: مز15:115

[xvii] رَ: حك17:7-21

[xviii] رَ: يو3:17

[xix] رَ: تث37:4؛ 8:7؛ 15:10

[xx] رَ: أش 1:43-7

[xxi] رَ: هو2

[xxii] رَ: هو11:1

[xxiii] رَ: أش 14:49-15

[xxiv] رَ: أش4:62-5

[xxv] رَ: حز16؛ هو11

[xxvi] رَ: 1كو7:2-6؛ أف9:3-12

[xxvii] القديسة جان دارك، حديث لها

[xxviii] رَ: متى29:5-30؛ 24:16؛ 23:19-24

[xxix] نيقولا دي فلو، صلاة

[xxx] قصائد، 29

[xxxi] ترتوليان، ضد مرقيون 1، 3

[xxxii] القديس أوغسطينوس، عظات 52، 6، 16


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #5 في: 18:48 01/07/2008 »


الفصل الأول: أؤمن بالله واحد، المقام الأول من 232 - 267
الفقرة 2 – الآب

1. «باسم الآب والابن والروح القدس»

232- المسيحيون يُعمَّدون «باسم الآب والابن والروح القدس» (متى 19:28). وقبل ذلك يجيبون بقولهم «أؤمن» عن السؤال المثلث الذي يطلب منهم الاعتراف بإيمانهم بالآب والابن والروح القدس؛ «إيمان جميع المسيحيين يقوم على الثالوث».

233- المسيحيون يُعمَّدون «باسم» الآب والابن والروح القدس، لا «بأسماء» هؤلاء[ii] لأنه لا يوجد إلا إله واحد، الآب الكلي القدرة، وابنه الوحيد والروح القدس: الثالوث القدّوس.

234- سر الثالوث القدوس هو السر المركزيُّ في الإيمان وفي الحياة المسيحية. إنه سرُ الله في ذاته. وهو من ثمَّ أصل سائر أسرار الإيمان، النُّور الذي ينيرها. إنه العقيدة الأساسية والجوهرية الأكثر أهميةً في «هرمية حقائق الإيمان»[iii]. «ليس تاريخ الخلاص كله سوى تاريخ الطريقة والوسائل التي اعتمدها الله الحقُّ والواحد، والآبُ والابنُ والروح القدس، ليكشف عن ذاته ويتصالح هو والبشر الذين يتحولون عن الخطيئة، ويضمهم إليه»[iv].

235- سَتُعرض بإيجاز، في هذه الفقرة، الطريقة التي جرى بها الكشف عن سر الثالوث الأقدس (1ً)، وكيف صاغت الكنيسة عقيدة الإيمان في موضوع هذا السرّ (2ً)، وأخيراً كيف حقق الله
الآب «تصميمه العطوف» في الخلق والفداء والتقديس بوساطة رسالتي الابن والروح القدس الإلهيَّتين (3َ).

236- يميز آباء الكنيسة ما بين اللاهوت والتدبير دالين باللفظة الأولى على سر الحياة الحميمة عند الله – الثالوث، وباللفظة الثانية على جميع أعمال الله التي بها يكشف عن ذاته ويبث حياته. فبالتدبير أُحي لنا باللاهوت، وبعكس ذلك، فاللاهوت يجلو التدبير كلَّه. أعمال الله تكشف عما هو في ذاته؛ وبعكس ذلك، فسرُّ كيانه الصميم يُنير معرفة جميع أعماله. وهذا ما نجده، على وجه التشبيه، بين الأشخاص البشريين. فالشخص يظهر في فعله، وكلما أحسنَّا معرفة الشخص، أحسنا معرفة فعله.

237- الثالوث سرُّ إيمان بالمعنى الدقيق، أحدُ «الأسرار الخفية في الله، والتي لا يمكن أن تُعرف إذا لم يُوحَ بها من فوق»[v]. والحقيقة أن الله ترك آثاراً لكيانه الثالوثي في عمله الخلقي، وفي وحيه طيَّ العهد القديم. ولكن صميم كيانه، ثالوثاً مقدساً، هو سرٌّ لا يستطيع أن يدركه العقل البشريُّ المجرد، ولا إيمان إسرائيل نفسه قبل تجسد ابن الله وإرسال الروح القدس.

2ً. الوحي بالله ثالوثاً

الآب يكشف عنه الابن

238- دعوة الله على أنه «أبٌ» معروفةٌ في ديانات كثيرة. فكثيراً ما تُعدُّ الألوهة «أبا الآلهة والبشر». في إسرائيل يُدعى الله أباً في كونه خالق العالم[vi]. وأكثر من ذلك فالله أبٌ أيضاً بسبب العهد وإعطاء الشريعة لإسرائيل «ابنه البكر» (خر22:4). وقد دُعي أيضاً أبا ملك إسرائيل[vii]. وهو بنوع خاص «أبو المساكين» واليتيم والأرملة الذين هم في حمى محبته[viii].

239- إذا دُعي الله باسم "أب"، فلغة الإيمان تدل  بنوع خاص على وجهين: على أن الله هو المصدر الأول لكل سلطة عُليا، وأنه في الوقت نفسه جودةٌ وعنايةٌ مُحبة لجميع أبنائه. حنان القُربى هذا في الله يمكن التعبير عنه أيضاً بصورة الأمومة[ix] التي تدل دلالة أوفى على الملازمة في الله، على العلاقة الحميمة بين الله وخليقته. وهكذا فلغة الإيمان تستقي من تجربة الوالدين البشرية الذين هم، على وجهٍ ما، أوَّل الممثلين لله عند الإنسان. ولكن التجربة تقول أيضاً إن الوالدين البشريين غير معصومين عن الخطأ، وإنهم قد يشوهون صفحة الأبوة والأمومة. فمن الموافق التذكير بأن الله فوق التمييز البشري للجنسين. فهو ليس رجلا ولا إمرأة، إنه الله. إنه أيضاً فوق الأبوة والأمومة
  • البشريتين، في حين كونه المصدر والمقياس[xi]: ما من أحد يعدل الله في الأبوة.


240- لقد كشف يسوع عن الله أنه "أب" بمعنى لا مثيل له: فلا تنحصر أُبوته في كونه خالقاً، إنه أبٌ أزلياً في علاقته بابنه الوحيد، الذي لا يكون، منذ الأزل، ابناً إلا في علاقته بالآب:«ليس أحدٌ يعرف الابن إلا الآب، ولا أحدٌ يعرف الآب إلا الابن، ومن يريد الابن أن يكشف له» (متى27:11).

241- ولهذا فالرسل يعترفون بيسوع على أنه «الكلمة الذي كان في البدء لدى الله وكان الله» (يو1:1)، على أنه «صورة الله الغير منظورة» (كول15:1)، على أنه «ضياء مجده وصورة جوهره» (عب3:1).

242- على إثر الرسل وجرياً على التقليد الرسولي، اعترفت الكنيسة سنة 325، في مجمع نيقية المسكوني الأول، أن الابن «واحد في الجوهر» مع الآب[xii]، أي أنه هو والآب إلهٌ واحد. والمجمع المسكوني الثاني، المنعقد في القسطنطينية سنة 381، احتفظ بهذا التعبير في صياغة قانون إيمان نيقية، واعترف بقوله «ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور مولود من النور، إله حق صادر عن الله الحق، مولود غير مخلوق، هو والآب جوهرٌ واحد»[xiii].

الآب والابن يكشف عنهما الروح القدس

243- إن يسوع يعلن، قبل فصحه، عن إرسال «بارقليط آخر»، (محام)، الروح القدس. غنه في العمل منذ خلق العالم[xiv]، وقديماً «نطق بالأنبياء»[xv]،وهو الآن إلى جانب التلاميذ وفيهم[xvi]، لكي يعلمهم[xvii] ويرشدهم «إلى الحقيقة كلها» (يو13:16). وهكذا فقد كُشف عن الروح القدس على أنه أقنومٌ إلهيٌ آخر بالنسبة إلى يسوع والآب.

244- الأصل الأزلي للروح القدس تكشف في رسالته الزمنية. فالروح القدس مرُسلٌ إلى الرسل وإلى الكنيسة من لدن الآب باسم الابن كما هو مُرسلٌ من لَدُن الابن شخصياً بعد عودته إلى الآب[xviii]. وإن في إرسال أقنوم الروح القدس بعد تمجيد يسوع[xix] لكشفاً كاملاً عن سرّ الثالوث الأقدس.

245- الإيمان الرسولي في شأن الروح القدس اعترف به في المجمع المسكوني الثاني
سنة 381، في القسطنطينية: «نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب»[xx]. وهكذا ترى الكنيسة في الآب «ينبوع الإلوهة كلها ومصدرها»[xxi]. ومع ذلك فليس المصدر الأزليُّ للروح القدس بغير رابط بمصدر الابن:«الروح القدس، الأقنوم الثالث من الثالوث، هو الله، واحدٌ مساوٍ للآب والابن، جوهرٌ واحدٌ وطبيعةٌ واحدة (...) ومع ذلك لا نقول إنه روح الآب فقط، بل روح الآب والابن معاً[xxii]. قانون إيمان الكنيسة الصادر عن مجمع القسطنطينية المسكوني يعترف قائلاً:«مع الآب والابن يُعبد العبادة نفسها ويُمجد التمجيد نفسه»[xxiii].

246- إن التقليد اللاتيني لقانون الإيمان يعترف بأن الروح «ينبثق من الآب والابن». ومجمع فلورنسة، سنة1438، يصرح بأن «الروح القدس يستمد ذاتيته وكيانه معاً من الآب والابن وينبثق أزلياً من هذا وذاك كما من مبدأ واحد وبانبثاق واحد ... وبما أن كل ما للآب أعطاه الآب ذاته لابنه الوحيد عندما ولده، ما عدا كونه أباً، فإن انبثاق الروح القدس ذاته عن طريق الابن يستمده أزلياً من أبيه الذي ولده أزلياً»[xxiv].

247- القول بـ «والابن» لم يكن موجوداً في القانون المعترف به سنة 381 في القسطنطينية. ولكن جرياً مع تقليد لاتيني واسكندراني قديم اعترف بع عقائدياً البابا القديس لاون سنة447[xxv]، قبل أن تعرف رومة وتتقبل، سنة451، في مجمع خلقدونية، قانون إيمان سنة 381. واستعمال هذه الصيغة في قانون الإيمان جُريَ عليه شيئاً فشيئاً في الليترجيا اللاتينية (ما بين القرن الثامن والقرن الحادي عشر). وإن إخال الليترجيا اللاتينية لـ «والابن» في قانون نيقية – القسطنطينية كان ولا يزال اليوم مبعث خلاف مع الكنائس الأرثوذكسية.

248- يعبر التقليد الشرقي أولا عن ميزة الآب كمصدر أول بالنسبة إلى الروح القدس. فعندما يعترف بأن الروح «ينبث من الآب» (يو26:15)، يُثبت أن هذا الروح منبثق من الآب بالابن[xxvi]. أما التقليد الغربي فهو يعبر أولاً عن الشركة في وحدة الجوهر بين الآب والابن بقوله إن الروح ينبثق من الآب والابن. يقول ذلك «على وجه شرعي ومعقول»[xxvii] لأن الرتبة الأزلية لدى الأقانيم الإلهية في شركتهم الأُحادية الجوهر تتضمن أن يكون الآب هو المصدر الأول للروح القدس لكونه «المبدأ الذي لا مبدأ له»[xxviii]، ولكنها تتضمن أيضاً، والآب أبو ابنه الوحيد، أن يكون معه «المبدأ الوحيد الذي ينبثق منه الروح القدس»[xxix]. هذا الاكتمال المشروع، إذا لم يُحجر، لا ينال من وحدة الإيمان في حقيقة السر عينه المعترف به.

3ً. الثالوث الأقدس في عقيدة الإيمان

تكوُّن العقيدة الثالوثية

249- حقيقة الثالوث الأقدس الموحى بها كانت منذ البدء في أصل إيمان الكنيسة الحي، ولا سيّما عن طريق المعمودية. وهي تجد عبارتها في نظام الإيمان العماديّ، مصوغةً في الكرازة، والتعليم المسيحي، وصلاة الكنيسة. مثل هذه الصياغات موجودةٌ قبلاً في الكتابات الرسولية، كما تشهد بذلك هذه التحية التي تنقلها الليترجيا الإفخارستيا: «نعمة الرب يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس معكم أجمعين» (2كو13:13)[xxx].

250- في أثناء القرون الأولى، عملت الكنيسة على صياغة عقيدتها الثالوثية صياغةً أصرح، لتعميق فهمها الذاتي للعقيدة، ثم للدفاع عنها في وجه الأضاليل التي كانت تُشوهها. ذلك كان عمل المجامع القديمة يساعدها البحث اللاهوتي عند آباء الكنيسة، ويُساندها حسُّ الإيمان عند الشعب المسيحي.

251- لصياغة عقيدة الثالوث اضطُرت الكنيسة إلى أن تتوسَّع في مصطلحات خاصة، مُستعينةً بأفكار من أصل فلسفي:«شخص» أو «أقنوم»، «علاقة»، إلخ. وفي عملها هذا لم تُخضع الإيمان لحكمةٍ بشرية، ولكنها أعطت معنىً جديداً لم يُعهد من قبل لهذه الألفاظ المدعوة إلى أن تعني أيضاً، من الآن فصاعداً، سراً عجيباً، «يسمو سمواً لا نهائياً على كل ما نستطيع تصوره في الحدود البشرية»[xxxi].

252- الكنيسة تستعمل اللفظة «جوهر» (يُعبَّر عنها أحياناً بالـ «إنية» أو «الطبيعة») للدلالة على الكائن الإلهي في وحدته، واللفظة «شخص» أو «أقنوم» للدلالة على الآب، والابن، والروح القدس في التمييز الحقيقي في ما بينهم، واللفظة «علاقة» للدلالة على واقع أن تميزهم يقوم في مرجعية بعضهم إلى بعض.

عقيدة الثالوث الأقدس

253- الثالوث واحد. إننا لا نعترف بثلاثة آلهة، بل بإلهٍ واحدٍ بثلاثة أقانيم: «الثالوث الأحدي الجوهر»[xxxii]. فالأقانيم الإلهية لا يتقاسمون الألوهة الواحدة، ولكن كلَّ واحد منهم هو الله كاملاً:«الآب هو ذات ما هو الابن، والابن هو ذات ما هو الآب، والآب والابن هما ذات ما هو الروح القدس، أي إله واحدٌ بالطبيعة»[xxxiii]. «كل أقنوم من الأقانيم الثلاثة هو هذه الحقيقة أي الجوهر، والإنية أو الطبيعة الإلهية»[xxxiv].

254- الأقانيم الإلهية متميزون تميزاً حقيقياً في ما بينهم. «الله واحد ولكنه غير متوحِد[xxxv]. «آب»، «ابن»، «روح قدس» ليسوا مجرد أسماء دالة على كيفيات للكائن الإلهي، إذ إنهم متميزون تميزاً حقيقياً في ما بينهم: «الذي هو الابن ليس الآب، والذي هو الآب ليس الابن، ولا الروح القدس هو الآب أو الابن»[xxxvi]. انهم متميزون فيما بينهم بعلاقات مصدرهم:«الآب هو الذي يلد، والابن هو المولود، والروح القدس هو الذي ينبثق»[xxxvii]. الوحدة الإلهية ثلاثية.

255- الأقانيم الإلهية ذو علاقة بعضهم ببعض. فالتميز الحقيقي القائم بين الأقانيم ولا يُقسم الوحدة الإلهية، يقوم فقط في العلاقات التي تُرجع بعضهم إلى بعض:«في أسماء الأقانيم النسبية، يُرجع الآب إلى الابن، والابن إلى الآب، والروح القدس إليهما كليهما؛ عندما يجري الكلام على هؤلاء الأقانيم الثلاثة باعتبار العلاقات، فالإيمان مع ذلك يبقى اعترافاً بطبيعة واحدة أو جوهر واحد»[xxxviii]. وهكذا «فكل شيءٍ واحد [فيهم] حيثما لا يوجد اعتراض للعلاقة»[xxxix]. «بسبب هذه الوحدة، الآبُ كله في الابن، وكله في الروح القدس؛ الابن كله في الآب، وكله في الروح القدس، الروح القدس كله في الآب، وكله في الابن»[xl].

256- لموعوظي القسطنطينية يُودع القديس غريغوريوس النزينزي، الذي يُدعى أيضاً «اللاهوتي»، خلاصة الإيمان الثالوثي هذا:

«حافظوا قبل كل شيء على هذه الوديعة الصالحة، التي لها أحيا وأقارع، ومعها أريد أن أموت، التي تجعلني أتحمل جميع الشرور وأزدري جميع المتع: أعني اعتراف الإيمان بالآب والابن والروح القدس. إني أودعكم إياه اليوم. وبه سأعمدُ بعد حين إلى تغطيسكم في الماء ثم رفعكم منه. إني أهبكم إياه رفيقاً وشفيعاً لحياتكم كلها. أهبكم ألوهةً واحدةً وقدرةً واحدةً، موجودةً واحدةً في الثلاثة، وحاويةً الثلاثة على وجه التميز. ألوهةً في غير اختلافٍ في الجوهر أو الطبيعة، في غير درجة عُليا تُعلي، أو درجة سُفلى تُدني. (...) إنها الوحدة اللامتناهية في الطبيعة لثلاثةٍ لا متناهين. الله كله كاملاً في كل واحدٍ في ذاته (...)، والله الثلاثة في الثلاثة معاً (...). ما إن آخذُ في التفكير بالوحدة حتى يغرقني الثالوث في ألَقهِ. وما إن آخذ في التفكير بالثالوث حتى تشدُّني الوحدة ...»[xli].

 

4ً. الأعمال الإلهية والرسالات الثالوثية

257- «أيها الثالوث النور السعيد، أيها الوحدة الأولية!»[xlii]. الله هو السعادة الأزلية، الحياة التي لا تموت، النور الذي لا يخبو. الله محبة: الآب والابن والروح القدس. والله يريد أن يُشرك إشراكاً حُراً في مجد حياته السعيدة. هذا هو «تصميم العطف» (أف9:1) الذي صممه منذ قبل خلق العالم في ابنه الحبيب، «محدداً أن نكون له أبناء بيسوع المسيح هذا» (أف 5:1)، أي أن نكون «مشابهين لصورة ابنه» (رو29:8) بفضل «روح التبني» (رو15:8). هذا التصميم «نعمةٌ أُعطيت قبل جميع الدهور» (2تيم 9:1)، صادرة مباشرةً عن المحبة الثالوثية. وهو شائع في عمل الخلق، في تاريخ الخلاص كله بعد الخطيئة، في رسالتي الابن والروح اللتين تمتدان برسالة الكنيسة[xliii].

258- التدبير الإلهي كله عمل مشترك بين الأقانيم الثلاثة. فكما أنه ليس للثالوث إلا الطبيعة الواحدة ذاتها، فليس له إلا العمل الواحد ذاته[xliv]. «ليس الآب والابن والروح القدس ثلاثة مبادئ للخلائق بل مبدأ واحد»[xlv]. ومع ذلك فكل أقنوم إلهي يعمل العمل المشترك وفقاً لميزته الشخصية. وهكذا فالكنيسة تعترف، في عقب العهد الجديد[xlvi]، «بالله الآب الذي منه كل شيء، وبالرب يسوع المسيح الذي له كل شيء، وبالروح القدس الذي فيه كل شيء»[xlvii]. وإن رسالتيّ تجسد الابن وموهبة الروح القدس الإلهيتين هما اللتان تُظهران خصوصاً ميزات الأقانيم الإلهية.

259- التدبير الإلهي كله، في كونه عملاً مشتركاً وشخصياً في الوقت نفسه، يُظهر ميزة الأقانيم الإلهية ووحدة طبيعتهم. لذلك الحياة المسيحية كلها شركة مع كل من الأقانيم الإلهية، من دون أن تفصلهم البتة. من يمجد الآب يمجده بالابن في الروح القدس؛ ومن يتبع المسيح يتبعه لأن الآب يجذبه[xlviii] والروح يحركه[xlix].

260- غاية التدبير الإلهي كله القصوى هي أ، تدخل الخلائق في وحدة الثالوث المجيد الكاملة[l]. إلا أننا مدعوون منذ الآن إلى أن يسكن الثالوث القدوس فينا. فالرب يقول:«إن أحبني أحد يحفظ كلمتي، وأبي يُحبه، وإليه نأتي، وعنده نجعل مقامنا» (يو23:14):

«إلهي، الثالوث الذي أعبده، ساعدني على أن أنسى ذاتي نسياناً كاملاً فأقيم فيك سكون وهدوء كا لو كانت نفسي منذ الآن في الأبدية؛ لا لشيءٍ من شأنه أن يتمكن من إقلاق سلامي، أو أن يُخرجني منك، يا مَن لا يقبلُ التغير، بل فلتذهب بي كل دقيقة إلى أبعد في عمق سرك! هدي نفسي. اجعلها سماءك، مسكنك المحبوب ومقر راحتك. هَب أن لا أدعك فيها أبداً وحدك، بل أن أكون هناك بكل كياني، يَقظةً في إيماني، عابدةً عبادةً كاملة، مستسلمةً استسلاماً كاملاً لعملك الخَلاق»
  • .

    بإيجاز

    261- سر الثالوث الأقدس هو السر الرئيسي للإيمان وللحياة المسيحية. الله وحده يستطيع أن يُعطينا معرفته بالكشف عن ذاته أباً وابناً وروح قدس.

    262- تجسد ابن الله يكشف أن الله هو الآب الأزلي، وأن الابن هو والآب جوهرٌ واحد، أي إنه فيه ومعه الإله الواحد الأحد.

    263- رسالة الروح القدس، الذي أرسله الآب باسم الابن[lii] وبالابن «من لدن الآب» (يو26:15)، تكشف أنه معهما الإله الواحد الأحد. «مع الآب والابن يُعبد العبادة نفسها ويُمجد التمجيد نفسه»[liii].

    264- «الروح القدس ينبثق من الآب على أنه الينبوع الأول، وبالموهبة الأزلية التي من هذا الابن، ينبثق من الآب والابن متحدين في الشركة»[liv].

    265- بنعمة المعمودية «باسم الآب والابن والروح القدس» (متى 19:28)، نحن مدعوون إلى الاشتراك في حياة الثالوث السعيدة، ههنا في ظلمة الإيمان، وهنالك بعد الموت في النور الأزلي[lv].

    266- «الإيمان الكاثوليكي يقوم بما يلي: عبادة إله واحد في الثالوث، والثالوث في الوحدة، بغير خلطٍ للأقانيم، وبغير تقسيم للجوهر: إذ إن للآب أقنومه، وللابن أقنومه، وللروح القدس أقنومه؛ ولكن للآب والابن والروح القدس الألوهة واحدة، والمجد واحد، والسيادة واحدة في أزليتها»[lvi].

    267- الأقانيم الإلهية غير منقسمة في ما هي عليه، غير منقسمة أيضاً في ما تعمل. ولكن في العمل الإلهي الواحد كل أقنوم يُظهر ما يختص به في الثالوث، ولاسيّما في رسالة تجسد الابن ورسالة موهبة الروح القدس الإلهيتين



    --------------------------------------------------------------------------------

    القديس سيزير أسقف أرل، في قانون الإيمان

    [ii] رَ: اعتراف إيمان البابا فيجيل، سنة552: د415

    [iii] رَ: د ت ع 43

    [iv] د ت ع 47

    [v] ق إش 16

    [vi] رَ: تث 6:32؛ ملا 20:2

    [vii] رَ: 2صم14:7

    [viii] رَ: مز6:68

    [ix] رَ: أش13:66؛ مز2:131

    • رَ: مز27: 10
    [xi] رَ: أف14:3-15؛ أش15:49

    [xii] قانون نيقية: د125

    [xiii] د150

    [xiv] رَ: تك2:1

    [xv] قانون نيقية -القسطنطينية

    [xvi]  رَ: يو17:14

    [xvii] رَ: يو26:14

    [xviii] رَ: يو26:14؛ 26:15؛ 14:16

    [xix]  رَ: يو39:7

    [xx] د150

    [xxi] رَ: مجمع طليطلة 6ً، (سنة638)، في الثالوث وابن الله الفادي المتجسد: د490

    [xxii] مجمع طليطلة 11ً، (سنة 675)، قانون الإيمان: د527

    [xxiii] د150

    [xxiv] مجمع فلورنسة، قرار لليونانيين: د1300-1301

    [xxv] رَ: د284

    [xxvi] رَ: ن ر2

    [xxvii] مجمع فلورنسة، قرار لليونانيين (سنة1439): د1302

    [xxviii]  د1331

    [xxix]  مجمع ليون2ً، دستور في الثالوث الأسمى والإيمان الكاثوليكي (سنة 1274): د850

    [xxx]  رَ: 1كو4:12-6؛ أف4:4-6

    [xxxi]  ق ش 9

    [xxxii] مجمع القسطنطينية2ً، (سنة553)، إبسالات في الفصول الثلاثة، 1: د421

    [xxxiii]  مجمع طليطلة 11ً، (سنة 675)، قانون الإيمان: د530

    [xxxiv]  مجمع لاتران 4ً، (سنة 1215)، في ضلال الأباتي يواكيم: د804

    [xxxv]  إيمان داماسيوس: د71

    [xxxvi]  مجمع طليطلة 11ً، (سنة675)، قانون الإيمان: د530

    [xxxvii]  مجمع لاتران4ً، (سنة 1215) في ضلال الأباتي يواكيم: د804

    [xxxviii]  مجمع طليطلة 11ً، (سنة675)، قانون الإيمان: د528

    [xxxix] مجمع فلورنسة، قرار لليعاقبة (سنة 1442): د1330

    [xl] المرج السابق: د1331

    [xli] خطابات 40، 41

    [xlii] ل س، نشيد الغروب

    [xliii] رَ: ن ر2-9

    [xliv] رَ: مجمع القسطنطينية 2ً، (سنة553)، ابسالات في الفصول الثلاثة، 1: د421

    [xlv] مجمع فلورنسة، قرار لليعاقبة (سنة 1442): د1331

    [xlvi]  رَ: 1كو6:8

    [xlvii] مجمع القسطنطينية 2ً، (سنة553)، ابسالات في الفصول الثلاثة: د421

    [xlviii] رَ: يو44:6

    [xlix] رَ: رو14:8

    [l] رَ: يو21:17-23

    • صلاة الطوباوية أليصابات الثالوث

      [lii]  رَ: يو26:14

      [liii] القانون النيقاوي – القسطنطيني: د150

      [liv] القديس أغسطينوس، في الثالوث 15، 26، 47

      [lv]  ق ش 9

      [lvi] قانون الإيمان «كل من» : د75



      الفصل الأول: أؤمن بالله واحد، المقام الأول من 268- 278
      الفقرة 3- الكلّي القدرة

      268- من جميع الصفات الإلهية لم يُذكر في قانون الإيمان إلا صفة واحدة هي القدرة الكلية: وللاعتراف بها مدى بعيد لحياتنا. نؤمن بأنها شاملة، لأن الله الذي خلق كل شيءٍ يسوس كل شيء، ويقدر على كل شيء؛ ومحبة، لأن الله أبٌ[ii]؛ وسرية، لأن الإيمان وحده يستطيع أن يكتشفها عندما «يبدو كمالها في الوهن» (2كو9:12)[iii].

      كل ما شاء صنع (مز3:115)

      269- الأسفار المقدسة كثيراً ما تعرف بقدرة الله الشاملة. فهو يُدعى «عزيز يعقوب» (تك24:49؛ أش24:1 وغ)، «رب الجنود»، «العزيز الجبار» (مز8:24-10). فإذا كان الله كلي القدرة «في السماوات وعلى الأرض» (مز6:135) فلذلك أنه صنعها. فما من أمر يستحيل عليه[iv] إذاً، وهو يتصرف بصنيعته كما يشاء[v]؛ إنه رب الكون الذي أقام له نظاماً يبقى خاضعاً تاماً وطوع إرادته. وهو سيد التاريخ: يسوس القلوب والأحداث وفق ما يشاء[vi]:«عندك قدرة عظيمة في كل حين، فمن يقاوم قوة ذراعك؟» (حك22:11).

      «ترحُم الجميع لأنك قادرٌ على كل شيء» (حك23:11)

      270- الله هو الآب الكلي القدرة. أُبوته وقدرته تجلو إحداهما الأُخرى. وهكذا فهو يُظهر قدرته الكلية الأبوية بالطريقة التي يهتم فيها لحاجاتنا[vii]؛ بالتبني الذي يعطيناه («أكون لكم أباً وتكونون لي بنين وبنات يقول الرب القدير»، 2كو18:6)؛ وأخيراً برحمته الغير المتناهية، إذ إنه يُظهر قدرته إلى أقصى حد عندما يغفر خطايانا غفراناً حُراً.

      271- القدرة الإلهية الكلية ليست تَعَسفيَّة البتة:«في الله القدرة والإنية، الإرادة والعقل، الحكمة والعدل، حقيقةٌ واحدة، بحيث لا شيء يمكن أن يكون في القدرة الإلهية ولا يمكن أن يكون في إرادة الله العادلة أو في عقله الحكيم»[viii].

      سرُّ عجز الله الظاهر

      272- الإيمان بالله الآب الكلي القدرة قد يوضع على محك الامتحان بتجربة الشر والألم. فقد يبدو الله في بعض الأحيان غائباً وعاجزاً عن منع الشر. والحال أن الله الآب قد أظهر قدرته كليةً على أعجب صورة بتنازل ابنه الطوعي وبقيامته اللذين تغلب بهما على الشرّ. وهكذا فالمسيح المصلوب هو «قدرة الله وحكمته؛ لأن ما هو جهالةٌ عند الله أحكم من الناس، وما هو ضعفٌ عند الله أقوى من الناس» (1كو25:1). في قيامة المسيح وتمجيده «بسط الآب عزة قوته» وأظهر «فرط عظمة قدرته لنا نحن المؤمنين» (أف19:1-22).

      273- الإيمان وحده يستطيع أن يلزم السبل العجيبة لقدرة الله الكلية. وهذا الإيمان يفخر بضعفه لاجتذاب قدرة المسيح إليه[ix]. والعذراء مريم، أسمى نموذج لهذا الإيمان، هي التي آمنت بأن «لا شيء يستحيل على الله» (لو37:1)، والتي استطاعت أن تُمجد الرب:«القدير صنع بي عظائم، فاسمه قدوس» (لو49:1).

      274- «لا شيء من شأنه أن يثبت إيماننا ورجاءنا مثل اليقين العميق المحفور في نفوسنا بأن لا شيء يستحيل على الله. فكل ما يعرضه قانون الإيمان بعد ذلك لإيماننا: أعظم الأمور، وأغلقها، وكذلك أشد الأمور تعالياً على نواميس الطبيعة العادية، فحالما تخطر لعقلنا مجرد فكرة القدرة الإلهية الكلية، يُبادر إلى تقبلها بسهولة وبدون أي تردد»
      • .


      بإيجاز

      275- مع أيوب الصديق نعترف:«علمت أنك قادر على كل أمر فلا يتعذر عليك مُراد» (أي2:24).

      276- في أمانةٍ لشهادة الكتاب المقدس، كثيراً ما توجه الكنيسة صلاتها إلى «الله الكلي القدرة والأزلي»، معتقدة اعتقاداً راسخاً أن «لا شيء يستحيل على الله» (لو37:1)[xi].

      277- يُظهر الله قدرته الكلية بتحولنا عن آثامنا وبإنابتنا إلى صداقته بالنعمة: «يا الله، الذي تُعطي البرهان الأعلى على قدرتك عندما تصبر وترحم ...»[xii].

      278- ما لم نؤمن بأن حُب الله كلي القدرة، كيف نؤمن بأن الآب استطاع أن يُخلصنا، والابن يفتدينا، والروح القدس أن يقدسنا؟



      --------------------------------------------------------------------------------

      رَ: تك1:1؛ يو3:1

      [ii] رَ: متى 9:6

      [iii] رَ: 1كو18:1

      [iv] رَ: إر17:32؛ لو37:1

      [v] رَ: إر5:27

      [vi] رَ: أش17:4 ج؛ أم1:21؛ طو2:13

      [vii] رَ: متى32:6

      [viii] توما الأكويني، خ ل1، 25، م1

      [ix] رَ: 2كو9:12؛ في13:4

      • ت ر1، 2، 13
      [xi] رَ: تك14:18؛ متى 26:19

      [xii] ق ر، صلاة الأحد السادس والعشرين[/color][/size]


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #6 في: 09:13 05/07/2008 »


الفصل الأول: أؤمن بالله واحد، المقام الأول من 268- 278
الفقرة 3- الكلّي القدرة

268- من جميع الصفات الإلهية لم يُذكر في قانون الإيمان إلا صفة واحدة هي القدرة الكلية: وللاعتراف بها مدى بعيد لحياتنا. نؤمن بأنها شاملة، لأن الله الذي خلق كل شيءٍ يسوس كل شيء، ويقدر على كل شيء؛ ومحبة، لأن الله أبٌ[ii]؛ وسرية، لأن الإيمان وحده يستطيع أن يكتشفها عندما «يبدو كمالها في الوهن» (2كو9:12)[iii].

كل ما شاء صنع (مز3:115)

269- الأسفار المقدسة كثيراً ما تعرف بقدرة الله الشاملة. فهو يُدعى «عزيز يعقوب» (تك24:49؛ أش24:1 وغ)، «رب الجنود»، «العزيز الجبار» (مز8:24-10). فإذا كان الله كلي القدرة «في السماوات وعلى الأرض» (مز6:135) فلذلك أنه صنعها. فما من أمر يستحيل عليه[iv] إذاً، وهو يتصرف بصنيعته كما يشاء[v]؛ إنه رب الكون الذي أقام له نظاماً يبقى خاضعاً تاماً وطوع إرادته. وهو سيد التاريخ: يسوس القلوب والأحداث وفق ما يشاء[vi]:«عندك قدرة عظيمة في كل حين، فمن يقاوم قوة ذراعك؟» (حك22:11).

«ترحُم الجميع لأنك قادرٌ على كل شيء» (حك23:11)

270- الله هو الآب الكلي القدرة. أُبوته وقدرته تجلو إحداهما الأُخرى. وهكذا فهو يُظهر قدرته الكلية الأبوية بالطريقة التي يهتم فيها لحاجاتنا[vii]؛ بالتبني الذي يعطيناه («أكون لكم أباً وتكونون لي بنين وبنات يقول الرب القدير»، 2كو18:6)؛ وأخيراً برحمته الغير المتناهية، إذ إنه يُظهر قدرته إلى أقصى حد عندما يغفر خطايانا غفراناً حُراً.

271- القدرة الإلهية الكلية ليست تَعَسفيَّة البتة:«في الله القدرة والإنية، الإرادة والعقل، الحكمة والعدل، حقيقةٌ واحدة، بحيث لا شيء يمكن أن يكون في القدرة الإلهية ولا يمكن أن يكون في إرادة الله العادلة أو في عقله الحكيم»[viii].

سرُّ عجز الله الظاهر

272- الإيمان بالله الآب الكلي القدرة قد يوضع على محك الامتحان بتجربة الشر والألم. فقد يبدو الله في بعض الأحيان غائباً وعاجزاً عن منع الشر. والحال أن الله الآب قد أظهر قدرته كليةً على أعجب صورة بتنازل ابنه الطوعي وبقيامته اللذين تغلب بهما على الشرّ. وهكذا فالمسيح المصلوب هو «قدرة الله وحكمته؛ لأن ما هو جهالةٌ عند الله أحكم من الناس، وما هو ضعفٌ عند الله أقوى من الناس» (1كو25:1). في قيامة المسيح وتمجيده «بسط الآب عزة قوته» وأظهر «فرط عظمة قدرته لنا نحن المؤمنين» (أف19:1-22).

273- الإيمان وحده يستطيع أن يلزم السبل العجيبة لقدرة الله الكلية. وهذا الإيمان يفخر بضعفه لاجتذاب قدرة المسيح إليه[ix]. والعذراء مريم، أسمى نموذج لهذا الإيمان، هي التي آمنت بأن «لا شيء يستحيل على الله» (لو37:1)، والتي استطاعت أن تُمجد الرب:«القدير صنع بي عظائم، فاسمه قدوس» (لو49:1).

274- «لا شيء من شأنه أن يثبت إيماننا ورجاءنا مثل اليقين العميق المحفور في نفوسنا بأن لا شيء يستحيل على الله. فكل ما يعرضه قانون الإيمان بعد ذلك لإيماننا: أعظم الأمور، وأغلقها، وكذلك أشد الأمور تعالياً على نواميس الطبيعة العادية، فحالما تخطر لعقلنا مجرد فكرة القدرة الإلهية الكلية، يُبادر إلى تقبلها بسهولة وبدون أي تردد»
  • .


بإيجاز

275- مع أيوب الصديق نعترف:«علمت أنك قادر على كل أمر فلا يتعذر عليك مُراد» (أي2:24).

276- في أمانةٍ لشهادة الكتاب المقدس، كثيراً ما توجه الكنيسة صلاتها إلى «الله الكلي القدرة والأزلي»، معتقدة اعتقاداً راسخاً أن «لا شيء يستحيل على الله» (لو37:1)[xi].

277- يُظهر الله قدرته الكلية بتحولنا عن آثامنا وبإنابتنا إلى صداقته بالنعمة: «يا الله، الذي تُعطي البرهان الأعلى على قدرتك عندما تصبر وترحم ...»[xii].

278- ما لم نؤمن بأن حُب الله كلي القدرة، كيف نؤمن بأن الآب استطاع أن يُخلصنا، والابن يفتدينا، والروح القدس أن يقدسنا؟



--------------------------------------------------------------------------------

رَ: تك1:1؛ يو3:1

[ii] رَ: متى 9:6

[iii] رَ: 1كو18:1

[iv] رَ: إر17:32؛ لو37:1

[v] رَ: إر5:27

[vi] رَ: أش17:4 ج؛ أم1:21؛ طو2:13

[vii] رَ: متى32:6

[viii] توما الأكويني، خ ل1، 25، م1

[ix] رَ: 2كو9:12؛ في13:4

  • ت ر1، 2، 13
[xi] رَ: تك14:18؛ متى 26:19

[xii] ق ر، صلاة الأحد السادس والعشرين


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #7 في: 09:15 05/07/2008 »

الفصل الأول: أؤمن بالله واحد، المقام الأول من 279-324
الفقرة 4- الخالق

279- «في البدء خلق الله السماء والأرض» (تك1:1). هذه الكلمات الاحتفالية تتصدر الكتاب المقدس. وقانون الإيمان يكرر هذه الكلمات معترفاً بالله الآب الكلي القدرة على أنه «خالق السماء والأرض»، «الكون المرئي وغير المرئي»[ii]. فسنتكلم إذاً على الخالق أولاً، ثم على خلقه، وأخيراً على عثرة الخطيئة التي أتى يسوع ابن الله ليخلصنا منها.

280- الخلق هو أساس «جميع تصاميم الله الخلاصية»، «بدءُ تاريخ الخلاص»[iii]الذي بلغ ذروته في المسيح. وبعكس ذلك، فسر المسيح هو النور الحاسم على سر الخلق؛ إنه يكشف عن الهدف الذي من أجله «في البدء خلق السماء والأرض» (تك1:1): منذ البدء كان في نظر الله مجد الخلق الجديد في المسيح[iv].

281- ولهذا نبدأ قراءات الليلة الفصحية، أي الاحتفال بالخلق الجديد في المسيح، بقصة الخلق؛ وقصة الخلق هذه تقوم بها دائماً، في الليترجيا البيزنطية، القراءة الأولى من قراءات عشية الأعياد السيدية الكبرى. وكان تعليم الموعوظين للمعمودية، على حد ما يرويه الأقدمون، ينهج النهج نفسه[v].

1ً. التعليم المسيحي في موضوع الخلق

282- للتعليم المسيحي في موضوع الخلق أهمية رئيسية. إنه يُعني بأُسس الحياة البشرية والمسيحية نفسها: إذ إنه يصرح بجواب الإيمان المسيحي عن السؤال البدائي الذي تساءله البشر في جميع العصور:«من أين نأتي؟»، «إلى أين نذهب؟»، «ما هو مصدرنا؟»، «ما هي غايتنا؟»، «من أين أتى وأين ينتهي كل موجود؟». والسؤالان، السؤال عن المصدر والسؤال عن الغاية، لا ينفصل أحدهما عن الآخر. إنهما تقريريان بالنسبة إلى معنى حياتنا وسلوكنا وتوجيههما.

283- كانت مبادئ العالم والإنسان موضوع أبحاث علمية كثيرة أغنت إغناء عظيماً معارفنا بالنسبة إلى عمر الكون وأحجامه، وصيرورة الأنواع الحية، وظهور الإنسان. هذه الاكتشافات تدعونا إلى زيادة في النظر إلى عظمة الخالق بإعجاب، وإلى حمده من أجل صنائعه ومن أجل ما يمنح العلماء والباحثين من الفهم والحكمة. هؤلاء يستطيعون أن يقولوا مع سليمان:«وَهَبني علماً يقيناً بالكائنات حتى أعرف نظام العالم وفاعلية العناصر (...) لأن الحكمة مُهندسة كل شيء هي علمتني» (حك17:7-21).

284- إن الفائدة الكبرى المعلقة على هذه الأبحاث يزيد الحاجة إلى تطلبها، زيادةً شديدة، سؤال من نظام آخر يفوق مجال العلوم الطبيعية الخاص. فالموضوع لا ينحصر في معرفة متى وكيف ظهر الكون مادياً، ولا متى ظهر الإنسان، بل بالأحرى في اكتشاف معنى مثل هذا الصدور: هل تتحكم به الصُّدفة، قدرٌ أعمى، ضرورةٌ غُفل، أو كائن أعلى، عاقلٌ وصالح، يُدعى الله. وإذا كان العالم صادراً عن حكمة الله وصلاحه، ففيمَ الشر؟ ما مصدره؟ مَن المسؤول عنه؟ وهل من تحرر منه؟

285- الإيمان المسيحي قُوبل منذ ظهوره بأجوبة تخالف جوابه في موضوع المبادئ. هكذا فإننا نجد في الأديان والثقافات القديمة أساطير كثيرة في موضوع المبادئ. فقد قال بعض الفلاسفة بأن الكل هو الله، بأن العالم هو الله، أو بأن صيرورة العالم هي صيرورة الله (حلولية)؛ وقال آخرون بأن العالم فيض حتمي من الله، جارٍ من هذا الينبوع وعائد إليه؛ وأثبت آخرين وجود مبدأين خالدين، الخير والشر، النور والظلمة، في صراع دائم (ثنائية، مانوية)؛ وفي بعض هذه التصورات أن العالم (على الأقل العالم المادي) قد يكون شريراً، ثمرة سقطةٍ، ويجب من ثمَّ نبذه أو الترفع عليه (غنوصية)؛ ويُسلم آخرون بأن العالم من صُنع الله، ولكن على طريقة الساعاتي الذي جعل حبله على غاربه بعد إذ صنعه (تأليه طبيعي)؛ ورفض أخيراً آخرون مبدأ متسام للعالم، ويرون فيه مجرد تفاعل لمادةٍ وُجدت على الدوام (مادية). جميع هذه المحاولات تشهد بتواصل مسألة المبادئ وشمولها. وهذا التحري هو من خواص الإنسان.

286- مما لا شك فيه أن العقل البشري يستطيع أن يجد جواباً عن مسألة المبادئ. فمن الممكن أن يُعرف وجود الله الخالق معرفة يقين عن طريق أعماله بفضل نور العقل البشري[vi]، وإن جعل الضلال هذه المعرفة، في أحيان كثيرة، غامضة ومشوَّهة. ولهذا يبادر الإيمان ليثبت العقل ويُنيره في تفهم هذه الحقيقة تفهماً صحيحاً:«بالإيمان نعلم أن العالم قد أُنشئ بكلمة الله بحيث إن ما يُرى صدر عما لا يُرى» (عب3:11).

287- إن حقيقة الخلق هي بهذه الأهمية للحياة البشرية كلها بحيث الله أراد، في عطفه، أن يكشف لشعبه عن كل ما معرفته خلاصية في الموضوع. وعلاوةً على المعرفة الطبيعية التي يستطيع كل إنسان أن يعرف بها الخالق[vii]، كشف الله مرحلياً لإسرائيل عن سر الخلق، هو الذي اختار الآباء، وأخرج إسرائيل من مصر، والذي، باختياره إسرائيل، خلقه ونشأه[viii]، وهو يكشف عن نفسه على أنه يملك جميع شعوب الأرض، والأرض كلها، على أنه وحده الذي «صنع السماء والأرض» (مز15:115؛ 8:124).

288- وهكذا فالوحي بالخلق لا ينفصل عن الوحي بعهد الله الواحد لشعبه وتحقيق ذلك العهد. لقد أوحى بالخلق وكأنه الخطوة الأولى نحو هذا العهد، وكأنه الشهادة الأولى الشاملة لمحبة الله الكلية القدرة[ix]. ولهذا فحقيقة الخلق يُعبر عنها بشدة متصاعدة في رسالة الأنبياء
  • ، في صلاة المزامير[xi] والليترجيا، في تأملات حكمة[xii] الشعب المختار.


289- بين جميع أقوال الكتاب المقدس في الخلق تحتل فصول سفر التكوين الثلاثة الأولى محلاً فريداً. من الناحية الأدبية قد يكون لهذه النصوص مصادر مختلفة. وقد جعلها الكتّاب الملهمون في فاتحة الكتاب المقدس بحيث إنها تعبر، بلغتها الإحتفالية، عن حقائق الخلق، عن مصدره وانتهائه في الله، عن نظامه وجودته، عن دعوة الإنسان، وأخيراً عن مأساة الخطيئة ورجاء الخلاص. عندما تُقرأ هذه الأقوال على ضوء المسيح، في وحدة الكتاب المقدس وفي تقليد الكنيسة الحي، تظل الينبوع الرئيسي لتعليم أسرار "البداية": الخلق والسقوط والوعد بالخلاص.

2ً. الخلق – عمل الثالوث

290- «في البدء خلق الله السماء والأرض»: ثلاثة أمور أُعلنت في هذه الكلمات الأولى من الكتاب: الله الأزلي بدءاً لكل ما يوجد خارجاً عنه. هو وحده خالق (الفعل «خلق»، وبالعبرانية «برا»، فاعله الله دائماً). كل ما يُوجد (المعبَّر عنه بالقول «السماء والأرض») يتعلق بالذي يمنحه الوجود.

291- «في البدء كان الكلمة (...) وكان الكلمة الله (...) به كُون كل شيءٍ وبدونه لم يكن شيئاً مما كُون» (يو1:1-3). فالعهد الجديد يكشف عن الله خلق كل شيء بالكلمة الأزلية، ابنه الحبيب:«ففيه خُلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض (...) به وله خُلق كل شيء. إنه قبل كل شيء وفيه يثبت كل شيء» (كول16:1-17). وإيمان الكنيسة يُثبت أيضاً عمل الروح القدس الخلاق: إنه «واهب الحياة»[xiii]، «الروح الخالق» («هلم أيها الروح الخالق»)، «ينبوع كل خير»[xiv].

292- إن عمل الابن والروح الخَلقي، الذي أشير إليه في العهد القديم[xv]، وكُشف عنه في العهد الجديد، الواحد مع عمل الآب في غير انفصال، وقد أثبتته بوضوح قاعدة إيمان الكنيسة:«لا يوجد إلا إله واحد (...) هو الآب، وهو الله، وهو الخالق، وهو الصانع، وهو المنظم. صنع كل شيء بنفسه، أي بكلمته وبحكمته»[xvi]، «بالابن والروح» اللذين هما بمثابة «يديه»[xvii]. الخلق هو عمل الثالوث الأقدس المشترك.

3ً. «العالم خُلق لمجد الله»

293- إنها حقيقة أساسية لا يكف الكتاب والتقليد عن تعليمها والاحتفال بها:«خُلق العالم لمجد الله»[xviii]. ويُفسر ذلك القديس بونفنتوره بقوله: لقد خلق الله كل شيء «لا لزيادة مجده، بل لإظهار ذلك المجد والإشراك فيه»[xix]. فما من داعٍ يدعو الله إلى الخلق سوى محبته وجودته: «مفتاح المحبة هو الذي فتح كفه لإنشاء الخلائق»[xx]. والمجمع الفاتيكاني الأول يشرح:

«هذا الإله الواحد الحقيقي، في صلاحه وبقوته الكلية القدرة، لا لزيادة سعادته ولا لتحصيل كماله، بل لإظهاره بالخيرات التي يوفرها لخلائقه، وفي التصميم الأكثر حرية أيضاً، خلق، منذ بدء الزمان، كلتا الخليقتين، الروحانية والجسدانية»[xxi].

294- مجد الله هو أن يتحقق هذا الظهور لصلاحه وهذه المشاركة فيه اللذين من أجلهما خُلق العالم. فأن يجعلنا «أبناء بالتبني بيسوع المسيح: هذا ما كان تصميم إرادته العطوف لتسبحه مجد نعمته» (أف5:1-6): «إذ إن مجد الله هو الإنسان الحي، وحياة الإنسان، هي رؤية الله: فإذا كان الكشف عن الله بالخلق وفّر الحياة لجميع الكائنات التي تعيش على الأرض، فكم بالأحرى يوفر ظهور الآب بالكلمة الحياة للذين يرون الله»[xxii]. إن غاية الخلق القصوى هي في أن يصبح الله «خالق جميع الكائنات»، أخيراً «كلاًّ في الكل» (1كو28:15)، «موفراً مجده وسعادتنا معاً»[xxiii].

4ً. سرُّ الخَلق

الله يخلق بحكمة ومحبة

295- نحن نؤمن أن الله خلق العالم بحسب حكمته[xxiv]. فالعالم ليس من صنع إحدى الحتميات، صنع قدر أعمى أو صدفة. نحن نؤمن أنه يصدر عن إرادة حرة لله الذي أراد أن يُشرك الخلائق في كينونته وحكمته وجودته:«لأنك أنت خلقت جميع الأشياء، وبمشيئتك كانت وخُلقت» (رؤ11:4). «ما أعظم أعمالك يارب، لقد صنعت جميعها بالحكمة» (مز24:104). «الربُّ صالحُ للجميع ومراحمه على كل صنائعه» (مز9:145).

الله يخلق «من العدم»

296- نحن نؤمن أن الله ليس بحاجة إلى شيء سابق الوجود، ولا إلى عون لكي يخلق[xxv]. والخلق كذلك ليس انبثاقاً حتمياً من جوهر الله[xxvi]. الله يخلق خلقاً حراً «من العدم»[xxvii].

«هل يكون الأمر عجيباً لو أخرج الله العالم من مادة موجودة؟ عندما يُعطي صانعٌ بشريٌ مادة مافإنه يصنع بها ما يشاء. أما قدرة الله فإنها تظهر بوضوح عندما ينطلق من العدم لكي يصنع كل ما يريد»[xxviii].

297- الإيمان بالخلق «من العدم» مثبتٌ في الكتاب كحقيقةٍ مليئةٍ بالوعد والرجاء. وهكذا فأم الأبناء السبعة تحثهم على الاستشهاد:

«إني لست أعلم كيف نشأتم في أحشائي، ولا أنا منحتكم الروح والحياة، ولا أحكمت تركيب أعضائكم؛ على أن خالق العالم الذي جبل تكوين الإنسان وأبدع لكل شيء تكوينه سيُعيد إليكم برحمته الروح والحياة، لأنكم الآن تبذلون أنفسكم في سبيل شريعته (...). أنظر، يا ولدي، إلى السماء والأرض وإذا رأيت كُلَّ ما فيهما فأعلم أن الله صنع الجميع من العدم، وكذلك وُجِدَ جنس البشر» (2مك22:7-23، 28).

298- وبما أن الله يستطيع أن يخلق من العدم، فهو يستطيع أيضاً، بالروح القدس، أن يمنح الخطأة حياة النفس خالقاً فيهم قلباً طاهراً[xxix]، والأموات وحياة الجسد بالقيامة، هو الذي «يُحيي الأموات ويدعو ما هو غير كائن إلى أن يكون» (17:4). وبما أنه استطاع بكلمته أن يُطلع النور من الظلمات[xxx]، فهو يستطيع أيضاً أن يمنح نور الإيمان لمن يجهلونه[xxxi].

الله يخلق عالماً منظماً وحسناً

299- إذا كان الله يخلق بحكمة، فخلقه يكون منظماً:«رتبت كل شيء بمقدارٍ وعددٍ ووزن» (حك11: 21). وإذ جرى الخلق في الكلمة الأزلي وبالكلمة الأزلي «صورة الله غير المنظورة» (كو15:1) فهو مُعدٌّ للإنسان ومُجهٌ إليه على أن صورة الله[xxxii]، ومدعو هو نفسه إلى علاقة شخصية بالله. وإذ كان عقلنا مشتركاً في نور العقل الإلهي، فهو يستطيع أن يُدرك ما يقوله لنا الله بخلقه[xxxiii]، ولو بجهدٍ غير يسير، وبروح اتضاعٍ واحترامٍ أمام الخالق وصنعيه[xxxiv]. وإذا كان الخلق صادراً عن الصلاح الإلهي فهو يشترك في هذا الصلاح («ورأى الله ذلك إنه حسن (...) حسنٌ جداً»: تك4:1، 10، 12، 18، 21، 31). ذلك أن الله أراد الخلق هبةً موجهةً إلى الإنسان، بمثابة إرثٍ خُصَّ به وأُودِعَه. وقد اضرت الكنيسة، مرات عدة، إلى أن تدافع، عن جودة الخلق، وفيه العالم المادي[xxxv].

الله يسمو بالخليقة ويحضر فيها

300- الله أعظم من صنائعه على وجه غير محدود[xxxvi]:«عظمته فوق السماوات» (مز2:8)، «ليس لعظمته استقصاء» (مز3:145). ولكن بما أنه الخالق المطلق والحر، والعلة الأولى لكل موجود، فهو حاضرٌ في خلائقه حضوراً حميماً جداً:«به نحيا ونتحرك نوجد» (أع28:17). وهو، على حد قول أوغسطينوس، «أعلى من كل ما هو أعلى فيّ، وأعمق مما هو أعمق»[xxxvii].

الله يصون الخليقة ويحملها

301- يخلق الله ولا يترك خليقته على ذاتها. إنه لا يكتفي بمنحها الكينونة والوجود، فيصونها في الكينونة كل حين، ويهبها أن تعمل، ويقودها إلى نهايتها. والإقرار بهذه التبعية الكاملة بالنسبة إلى الخالق هو ينبوع حكمةٍ وحرية، وفرح وثقة:

«أجل، إنك تحب جميع الكائنات، ولا تمقت شيئاً مما صُنعت؛ فإنك لو أبغضت شيئاً لم تكوّنه. وكيف يبقى شيءٌ لم ترده، أم كيف يُحفظ ما لست أنت داعياً له. إنك تشفق على جميع الكائنات لأنها لك، أيها الرب المحب الحياة» (حك24:11-26).

5ً. الله يُحقق تصميمه: العناية الإلهية

302- للخليقة جودتها وكمالها الخاصان، ولكنها لم تخرج من يدي الخالق كاملة الكمال. إنها مخلوقة في حالة مسيرة إلى كمال أقصى عليها أن تبلغه بعد، كمالٍ أعدها الله له. ونحن ندعو عنايةً إلهيةً التدابير التي يقود بها الله خليقته إلى كمالها.

«الله يصون ويسوس بعنايته كلَّ ما خلق، "بالغةً من غايةٍ إلى غايةٍ بالقوة، ومدبرة كل شيء بالرفق" (حك1:8). "فلذلك ما من خليقة مستترةٌ عنها، بل كل شيء عارٍ لعينيها" (عب13:4)، حتى الأشياء التي يأتي بها عمل الخليقة الحُرّ[xxxviii]».

303- شهادة الكتاب المقدس إجماعية: اهتمام العناية الإلهية واقعيٌ وفوري، فهي تُعني بكل شيء، من أحقر الأمور الصغيرة إلى أحداث العالم والتاريخ العظيمة. والأسفار المقدسة تشدد على سيطرة الله المطلقة على مجرى الأحداث:«إلهنا في السماء وعلى الأرض، كل ما شاء صنع» (مز3:115). وعن المسيح قيل:«يفتح فلا يُغلق أحدٌ، ويُغلق فلا يفتح أحد» (رؤ7:3)؛ «في قلب الإنسان أفكارٌ كثيرة، لكن مشورة الرب هي تثبت» (أم21:19).

304- هكذا نرى الروح القدس، وهو مؤلف الكتاب المقدس الرئيسي، كثيراً ما ينسب إلى الله أعمالاً، بدون أن يذكر لها عللاً ثانية. ليس ذلك «أسلوباً في التحدث» بدائياً، ولكنه نهج عميق في التذكير بأولية الله وسيادته المطلقة على التاريخ وعلى العالم[xxxix]، ويبعث الثقة. وصلاة المزامير هي المدرسة الكبرى لهذه الثقة[xl].

305- يسوع يطلب استسلاما بنوياً لعناية الآب السماوي الذي يُعني بأصغر حاجات أبنائه:«لا تقلقوا إذن قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب؟ (...) أبوكم السماوي عالمٌ بأنكم تحتاجون إلى هذا كله. بل أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذا كله يُزاد لكم» (متى31:6-33)[xli].

العناية والعِلَلُ الثانية

306- الله هو سيد تصميمه المطلق. ولكنه يستعين أيضاً، في تحقيقه، بعمل خلائقه. وليس ذلك علاقة ضعفٍ، ولكنه دليل عظمة الله الكلي القدرة وجودته؛ لأن الله لا يمنح خلائقه أن يوجدوا وحسب، بل يمنحهم أيضاً كرامة العمل الذاتي، وأن يكون بعضهم عِلَلَ البعض الآخر ومبادئه، ويشتركوا هكذا في إتمام تصميمه.

307- والله يمنح البشر المقدرة على الاشتراك الحر في عنايته بأن يُلقي إليهم بمسؤولية «إخضاع» الأرض والتسلط عليها[xlii]. وهكذا يُعطي الله البشر أن يكونوا عللاً عاقلة وحُرة لإتمام عمل الخلق، وتحقيق التناغم لصالحهم وصالح قريبهم. وإن كان البشر في كثير من الأحيان شركاء غير واعين في إرادة الله، فإنهم يستطيعون أن يدخلوا اختيارياً في التصميم الإلهي، بأعملهم، وصلواتهم، ثم بآلامهم أيضاً[xliii]. وهم يصبحون إذ ذاك كلياً «عاملين مع الله» (1كو9:3)[xliv] وملكوته[xlv].

308- حقيقة لا تنفصل عن الإيمان بالله الخالق: أنَّ الله يعمل في كل عمل لخلائقه. إنه العلة الأولى التي تعمل في العلل الثانية وبها:«الله هو الذي يفعل فيكم الإرادة والعمل نفسه على حسب مرضاته» (فيل13:2)[xlvi]. وهذه الحقيقة بعيدة عن أن تحط من كرامة الخليقة، فهي تُعليها. فالخليقة التي أنشأتها من العدم قدرةُ الله وحكمتهُ وجودته، لا تستطيع شيئاً إذا اجتُثت من أصلها، لأن «الخليقة تتلاشى بدون الخالق»[xlvii]؛ وهي إلى ذلك لا تستطيع أن تبلغ غايتها القصوى بدون معونة النعمة[xlviii].

العناية الإلهية ومشكلة الشر

309- إذا كان الله الآب الكلي القدرة، خالق العالم منظماً وحسناً، يعتني بجميع مخلوقاته، فلماذا الشر موجود؟ عن هذه المسألة الملحة بقدر ما هي حتمية، والأليمة بقدر ما هي سرّية، ما من جواب سريع يكفيها. الجواب هو مجموعة الإيمان المسيحي: جودة الخلق، مأساة الخطيئة، أناة محبى الله الذي يسعى إلى ملاقاة البشر بعهوده، بتجسد ابنه الخلاصي، بموهبة الروح، بتجميع الكنيسة، بقوة الأسرار، بالدعوة إلى حياةٍ سعيدة والمخلوقات الحرَّة مدعوةٌ مسبقاً إلى قبولها، كما هي قادرة أيضاً مُسبقاً، وبسر رهيب، أن تتجنبها. ما من حرفٍ في الرسالة المسيحية لا يدخل في الجواب عن مسألة الشر.

310- لماذا لم يخلق الله عالماً من الكمال بحيث لا يتمكن أيُ شر من الوجود فيه؟ الله، في قدرته غير المتناهية، يستطيع دائماً أن يخلق شيئاً أفضل[xlix]. ومع ذلك فقد أراد الله، في حكمته وجودته، واختياره أن يخلق عالماً «في حالة مسيرةٍ» إلى كماله الأقصى. وهذه الصيرورة تقتضي، في تصميم الله، مع ظهور بعض الكائنات انقراض غيرها، مع الأكمل الأقل كمالاً أيضاً، مع أعمال بناء الطبيعة أعمال هدمها أيضاً. فمع الخير الطبيعي يوجد أيضاً الشر الطبيعي ما دام الخلق لم يبلغ كماله[l].

311- الملائكة والبشر، بكونهم مخلوقاتٍ عاقلة وحُرة، يجب أن يسيروا نحو غايتهم القصوى باختيار حرّ ومحبة للأفضل. فبإمكانهم أن يضلوا. وقد خطِئوا فعلاً. وهكذا دخل الشر الأدبي العالم، وهو، وإن لم يكن له وللشر الطبيعي قياسٌ مشترك، يفوقه خطورةً. والله ليس البتة علة الشر الأدبي، ولا مباشرةً ولا بوجهٍ غير مباشر
  • . ولكنه يسمح به، مراعياً حرية خليقته، ويعرف، بطريقةٍ سرية، كيف يستخرج منه الخير:

    «فالله الكلي القدرة (...)، في صلاحه المطلق، لا يدع أبداً أيَّ شر يكون في صنائعه لو لم يكن له من القدرة والجودة ما يكفي لاستخراج الخير من الشر نفسه»[lii].

    312- وهكذا، مع الوقت، يمكن اكتشاف أن الله، في عنايته الكلية القدرة، يستطيع أن يستخرج خيراً من عواقب شرٍ، ولو أدبياً، سببته خلائقه. قال يوسف لإخوته: «لا أنتم بعثتموني إلى ههنا بل الله؛ (...) أنتم نويتم علىَّ شراً والله نوى به خيراً لكي يُحيي شعباً كثيراً» (تك8:45؛ 20:50)[liii]. ومن أعظم شر أدبي اقترف على الدهر، أي نبذ ابن الله وقتله، بسبب خطيئة جميع البشر، استخرج الله، في فيض نعمته[liv]، أعظم الخيور: تمجيد المسيح وفداءَنا. والشر لا يتحول مع ذلك إلى خير.

    313- «كلُّ شيء يسعى لخير الذين يحبون الله» (رو28:8). وفي شهادة القديسين المتواصلة ما يُثبت هذه الحقيقة:

    وهكذا فالقديسة كاترينا السيينية تقول: «للذين يتشككون ويثورون من جراء ما يصيبهم»: «كلُّ شيءٍ يصدر عن المحبة، كل شيءٍ موجه لخلاص الإنسان. الله لا يعمل شيئاً لهذه الغاية»[lv]. والقديس توما مور، قُبيل استشهاده، يقول معزياً ابنته: «لا شيء يمكن أن يحصل بغير إرادة الله. ومن ثمّ فكل ما يريده، مهما ظهر لنا سيئاً، هو مع ذلك أفضل ما يكون لنا»[lvi]. وتقول الليدي جوليان دي نورويتش: «لقد أدركت، بنعمة الله، أنه من الواجب أن أتشبث بالإيمان تشبثاً شديداً، وأن أعتقد اعتقاداً ليس دونه ثباتاً، أن الأمور كلها ستكون حسنة ... وسترى أن الأمور كلها ستكون حسنة»[lvii].

    314- نحن نؤمن إيماناً ثابتاً أن الله سيد العالم والتاريخ. ولكن سُبل عنايته كثيراً ما تخفى عنا. ففي النهاية فقط، عندما تنتهي معرفتنا الجزئية، عندما نر الله «وجهاً إلى وجه» (1كو12:13)، ستتضح لنا السُّبل اتضاحاً كاملاً، السُّبل التي، حتى في ما بين مآسي الشر والخطيئة، يقود الله خليقته عبرها إلى راحة السبت[lviii] النهائي، الذي لأجله السماء والأرض.

    بإيجاز

    315- في خلق العالم والإنسان أرسى الله الشهادة الأولى والشاملة لمحبته الكلية القدرة وحكمته، الإعلان لـ «تصميمه العطوف» الذي ينتهي بالخليقة الجديدة في المسيح.

    316- وإن كان عمل الخلق منسوباً، على وجه خاص، إلى الآب، فمن حقيقة الإيمان أيضاً أن الآب والابن والروح القدس هم المبدأ الواحد والغير المنفصل للخلق.

    317- الله وحده خلق الكون باختياره، ومباشرةً، ومن دون أية معونة.

    318- ما من خليقة تملك القدرة الغير متناهية الضرورية «للخلق» بمعناه الدقيق، أي إحداث الوجود وإعطائه لما لم يكن له قط (الدعوة إلى الوجود «من العدم»)[lix].

    319- الله خلق العالم ليُظهر مجده ويُشرك فيه. أن تشترك خلائقه في حقيقته، وجودته، وجماله، وهذا هو المجد الذي خلقها لأجله.

    320- الله الذي خلق الكون يبقيه في الوجود بكلمته، «هذا الابن الذي يضبط كل شيء بكلمته» (عب 3:1) وبروحه الخالق المحيي.

    321- العناية الإلهية، هذه هي التدابير التي يقود بها الله جميع الخلائق، بحكمةٍ ومحبة، إلى غايتها القصوى.

    322- المسيح يدعونا إلى الاستسلام البنوي لعناية أبينا السماوي[lx]، والرسول القديس بطرس يعيد القول: «ألقوا عليه همكم كله، فإنه يعتني بكم» (1بط7:5)[lxi].

    323- العناية الإلهية تعمل أيضاً بعمل الخلائق. الله يُعطي الكائنات البشرية أن تشترك في تصاميمه باختيارها.

    324- سماح الله بالشر الطبيعي والشر الأدبي سرٌّ يجلوه الله بابنه يسوع المسيح الذي مات وقام للتغلب على الشر. الإيمان يُثبت لنا أن الله لا يسمح بالشر لو لم يكن يستخرج الخير من الشر نفسه، بسبلٍ لن نعرفها معرفةً كاملة.



    --------------------------------------------------------------------------------

    قانون الرسل: د30

    [ii] القانون النيقاوي- القسطنطيني: د150

    [iii] د ت ع 51

    [iv] رَ: رو18:8-23

    [v] رَ: إيتيريا، رحلة46، 2؛ القديس أوغسطينوس، تعليم3، 5

    [vi] رَ: م ف 1ً، الدستور العقائدي "ابن الله"، في الوحي، ق1:د3026

    [vii] رَ: أع 24:17-29؛ رو19:1-20

    [viii] رَ: أش1:43

    [ix] رَ: تك5:15؛ إر19:33-26

    • رَ: اش1:43
    [xi] رَ: مز104

    [xii] رَ: أم22:8-31

    [xiii] قانون نيقية – القسطنطينية: د150

    [xiv] الليترجيا البيزنطية، قطعة غروب العنصرة

    [xv] رَ: مز6:33؛ 30:104؛ تك2:1-3

    [xvi] القديس إيريناوس، الرد على الهرطقات 2، 30، 9

    [xvii] م س4، 20، 1

    [xviii] م ف 1ً، الدستور العقائدي "ابن الله"، في الله خالق كل الأشياء، ق5: د3025

    [xix] أقوال 2، 1، 2، 2، 1

    [xx]  توما الأكويني، أقوال2؛ مدخل

    [xxi]  د3002

    [xxii] القديس إيريناوس، الرد على الهرطقات 4، 20، 7

    [xxiii]  ن ر2

    [xxiv] رَ: حك9:9

    [xxv] رَ: م ف1ً، الدستور العاقائدي "ابن الله"، ق1: د3002

    [xxvi] رَ: المرجع السابق، في الله خالق كل الأشياء، ق1-4: د30023- 3024

    [xxvii] مجمع لاتران4ً، فصل2، في الإيمان الكاثوليكي: د800؛ م ف 1ً، الدستور العاقائدي "ابن الله"، في الله خالق كل الأشياء، ق5: د3025

    [xxviii] القديس تيوفيلوس الأنطاكي، إلى أوتوليكوس 2، 4

    [xxix] رَ: مز12:51

    [xxx] رَ: تك 3:1

    [xxxi] رَ: 2كو6:4

    [xxxii] رَ: تك26:1

    [xxxiii] رَ: مز2:19-5

    [xxxiv] رَ: أي 3:42

    [xxxv] رَ: القديس لاون الكبير، رسالة Quam Laudabiliter : د286، مجمع براجا 1ً، إبسالات ضد البريسيليانيين 5-13: د455-463؛ مجمع لاتران 4ً، فصل2، في الإيمان الكاثوليكي: د800؛ مجمع فلورنسة، قرار لليعاقبة: د1333؛ م ف 1ً، الدستور العقائدي "ابن الله"، ق1: د3002

    [xxxvi] رَ: سي30:43

    [xxxvii] القديس أوغسطينوس، اعترافات 3، 6، 11

    [xxxviii] م ف 1ً، الدستور العقائدي "ابن الله"، ق1: د3003

    [xxxix] رَ: أش10: 5-15؛ 45: 5-7؛ تث39:32؛ سي14:11

    [xl] رَ: مز22؛ 32؛ 103؛ 138؛ إلخ

    [xli] رَ: متى 29:10-31

    [xlii] رَ: تك26:1-28

    [xliii] رَ: كو24:1

    [xliv] رَ: 1تس 2:3

    [xlv] رَ: كو11:4

    [xlvi] رَ: 1كو6:12

    [xlvii] ك ع 36، 3

    [xlviii] رَ: متى26:19؛ يو5:15؛ في13:4

    [xlix] رَ: توما الأكويني، خ ل 1، 25، 6

    [l] رَ: توما الأكويني، ضد الأمم 3،71

    • القديس أوغسطينوس، في الحرية 1، 1، 1؛ توما الأكويني، خ ل 1-2، 79، 1

      [lii] القديس أوغسطينوس، مختارات 11:3

      [liii] رَ: طو12:2-18 فولغاتا

      [liv] رَ: رو20:5

      [lv] حوار العناية الإلهية 138

      [lvi] رسالة

      [lvii] وحي 13: 32

      [lviii] رَ: تك2:2

      [lix] رَ: مجمع الدروس المقدس، قرار (27/7/1914): د3624

      [lx] رَ: متى26:6-34

      [lxi] رَ: مز23:55[/color][/size]


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #8 في: 09:17 05/07/2008 »


الفصل الأول: أؤمن بالله واحد، المقام الأول من 325-354
الفقرة 5- السماء والأرض

325- قانون إيمان الرسل يعترف بأن الله «خالق السماء والأرض»، وقانون نيقية – القسطنطينية يصرّح: «... الكون المرئي وغير المرئي»[ii].

326- في الكتاب المقدس يعني التعبير «سماء وأرض»: كل ما يوجد، الخليقة كلها. وهو يدل أيضاً على العلاقة، في داخل الخليقة، التي، في الوقت نفسه، تربط وتميز السماء والأرض: «والأرض» هي عالم البشر[iii]، و«السماء» أو «السماوات» يمكن أن تدل على الجَلد[iv]، وأن تدل على "المكان" الخاص بالله :«أبانا الذي في السماوات»(متى16:5) [v]، ومن ثمَّ أيضاً "السماء" التي هي المجد الإسخاتولوجي. وأخيراً تدل "السماء" على "مكان" الخلائق الروحانية – الملائكة – التي تحيط بالله.

327- إن اعتراف المجمع اللاتراني الرابع الإيماني يُثبت أن الله «منذ بدء الزّمان جمع معاً الخلق من العدم لهذه وتلك الخليقة، الروحانية والجسدية، أي الملائكة والعالم الأرضي؛ ثم الخليقة البشرية التي تشارك الطرفين، لأنها مركبة من روح وجسد»[vi].

1ً. الملائكة

وجود الملائكة – حقيقة إيمانية

328- وجود الكائنات الروحانية، غير الجسدية، التي درج الكتاب المقدس على تسميتها ملائكة، حقيقة إيمانية. شهادة الكتاب المقدس واضحة وكذلك إجماع التقليد.

مَن هم؟

329- يقول القديس أوغسطينوس في شأنهم:«ملاك يدل على المهمة لا على الطبيعة. تسأل عما تسمى هذه الطبيعة؟ - روح. تسأل عن المهمة؟ - ملاك. هو مَن حيث هو روح، روح، ومن حيث عمله، ملاك»[vii]. الملائكة، في ذات كيانهم كله، خدام الله ورسله، لأنهم يشاهدون «بلا انقطاع وجه أبي الذي في السماوات» (متى10:18)، إنهم «العاملون بكلمته عند سماع صوت كلامه» (مز20:103).

330- في كونه خلائق روحانية مجردة، هم عقل وإرادة: إنهم خلائق شخصية[viii]، وغير مائتة[ix]. ويتفوقون على جميع الخلائق المرئية كمالاً. وألَقُ مجدهم يشهد بذلك
  • .


المسيح «مع جميع ملائكته»

331- المسيح قلب العالم الملائكي. إنهم ملائكته:«متى جاء ابن البشر يمجده وجميع ملائكته معه....» (متى31:25). هم له لأنه هو الذي خلقهم وله خلقهم:«إذ فيه خُلِقَ جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، عروشاً كان أم سيادات أم رئاسات أم سلاطين. به وإليه خُلق كل شيء» (16:1). وهم له فوق ذلك لأنه جعلهم رسل قصده الخلاصي:«أوليسو جميعهم أرواحاً خادمةً، تُرسل للخدمة من أجل المُزمعين أن يرثوا الخلاص» (عب14:1).

332- إنهم ههنا منذ بدء الخليقة[xi]، وعلى مدى تاريخ الخلاص، مبشرين، من بعيدٍ أو من قريب، بهذا الخلاص، وخادمين القصد الإلهي في تحقيقه: يُغلقون الفردوس الأرضي[xii]، يُحامون عن لوط[xiii]، ينقذون هاجر وابنها[xiv]، يوقفون يد إبراهيم[xv]، يُسلم الناموس على يدهم[xvi]، يقودون شعب الله[xvii]، يبشرون بولادات[xviii] ودعوات[xix]، يواكبون الأنبياء[xx]، هذا إذا اقتصرنا على إيراد بعض الأمثلة. وأخيراً هذا الملاك جبرائيل الذي يبشر بولادة السابق وولادة يسوع نفسه[xxi].

333- من التجسد إلى الصعود كانت حياة الكلمة المتجسد تكتنفها عبادة الملائكة وخدمتهم. «عندما يُدخل الله البكر إلى العالم يقول: لتسجد له جميع ملائكة الله» (عب6:1). ونشيد تسبحتهم عند ميلاد لا يزال يدوي في تسبيح الكنيسة:«المجد لله ....» (لو14:2). إنهم يحرسون طفولة يسوع[xxii]، ويخدمونه في البرية[xxiii]، ويشددونه في النزاع[xxiv]، عندما كان بإمكانه أن ينجو على يدهم من أيدي أعدائه[xxv]، كما جرى ذلك لإسرائيل قديماً[xxvi]. والملائكة هم الذين «يبشرون»[xxvii]، مذيعين بشرى التجسد[xxviii]، وبشرى قيامة المسيح[xxix]. وسيكونون ههنا عند عودة المسيح التي يبشرون بها[xxx]، في خدمة دينونته[xxxi].

الملائكة في حياة الكنيسة

334- إلى ذلك الموعد تنعم حياة الكنيسة كلها بمساعدة الملائكة السرّية والقديرة[xxxii].

335- والكنيسة، في طقوسها، تنضم إلى الملائكة في السجود لله الثلاثي القداسة[xxxiii]؛ وهي تطلب معونتهم (كما في الصلاة: يقودك الملائكة في الفردوس .... في يترجيا الأموات[xxxiv]، أو أيضاً في «النشيد الشيروبيمي» في الليترجيا البيزنطية)[xxxv]؛ وهي تتفل بنوع أخص بعض الملائكة (القديس ميخائيل، والقديس جبرائيل، والقديس رافائيل، والملائكة والحراس).

336- من المولد[xxxvi] إلى الوفاة[xxxvii] يكتنفون الحياة البشرية بحراستهم[xxxviii] وشفاعتهم[xxxix]. «لكل مؤمن ملاك يرافقه حارساً وراعياً لكي يقوده إلى الحياة»[xl]. منذ الوجود الأرضي تشترك الحياة المسيحية، بالإيمان، في المجتمع السعيد للملائكة والبشر المتحدين بالله.

2ً. العالم المرئي

337- الله نفسه هو الذي خلق العالم المرئي في كل غناه، وتنوعه، ونظامه. الكتاب المقدس يعرض لنا مشروع الخالق بطريقة رمزية بتسلسل على مدى ستة أيام من "العمل" الإلهي، تنتهي "باستراحة" اليوم السابع[xli]. النص الملهم يعلم، في موضوع الخلق، حقائق أوحى بها الله لأجل خلصنا[xlii]، من شأنها أن تساعد على «معرفة طبيعة الخلق العميقة، وقيمته، وهدفه الذي هو مجد الله»[xliii]:

338- لا شيء موجودٌ إلا ووجوده من الله الخالق. لقد ابتدأ العالم عندما استُخرج من العدم بكلمة الله؛ جميع الكائنات الموجودة، كل الطبيعة، كل تاريخ البشر، تتأصل في هذا الحدث الرَّئيسي: إنه التكوين ذاته الذي تكون به العالم، وابتدأ الزَّمن[xliv].

339- كل خلية تمتلك جودتها وكمالها الذاتيين. ولكل من صنائع «الأيام الستة» قيل: «ورأى الله ذلك إنه حسن». «فبواقع عمل الخلق نفسه تنتظم الأشياء كلها في شتى مقوّماتها وصلاحيتها ونواميسها وأنظمتها الخاصة»[xlv]. الخلائق المختلفة، وقد أرادها الله في كيانه الخاص، تعكس، كل على طريقتها، شعاعاً من حكمته وجودته الغير المتناهيتين. ولهذا وجب على الإنسان أن يحترم لكل خليقته جودتها الخاصة، لكي يتجنب استعمال الأشياء استعمالاً فوضوياً يزدري الخالق ويجر على البشر وعلى بيئتهم عواقب وخيمة.

340- ترابط الخلائق أراده الله. فالشمس والقمر، والأرزة والزهر الصغيرة، والنسر والدوري: مشهد تنوعها وتباينها غير المحدودين يعني أن ليس لأي خليقة اكتفاء ذاتي. إنها لا توجد إلا مرتبطة بعضها ببعض، لكي تتكامل، في خدمة بعضها البعض.

341- جمال الكون: نظام العالم المخلوق وتناسقه هما نتيجة تنوع الكائنات والعلاقات القائمة بينها. والإنسان يكتشفها شيئاً فشيئاً على أنها نواميس الطبيعة. إنهما موضوع إعجاب العلماء. إن جمال الخيقة يعكس جمال الخالق غير المتناهي. فيجب أن تستدعي الاحترام والخضوع لدى عقل الإنسان وإرادته.

342- هرمية الخلائق يعبر عنها نظام «الأيام الستة»، الذي يذهب من الأقل كمالاً إلى الأكثر كمالاً. الله يحب جميع خلائقه[xlvi]، ويعتني بكل واحدة منها، حتى أصغر العاصفير. ومع ذلك فيسوع يقول:«أنتم أفضل من عصافير كثيرة» (لو7:12)، أو أيضاً: «والإنسان كم يفضل الخروف» (متى12:12).

343- الإنسان قمة عمل الخلق. والرواية المُلهمة تعبر عن ذلك مميزةً بوضوح خلق الإنسان من خلق سائر المخلوقات[xlvii].

344- بين جميع الخلائق تكافُلٌ من حيث إن لجميعها خالقاً واحداً، وإنها جميعاً موجهةٌ في سبي مجده:

«لك المديح، يارب، في جميع خلائقك،

ولا سيّما السيدة أختنا الشمس،

التي تمنحنا بها، في النهار، النور،

إنها جميلةٌ، ولها إشعاع شديد التألُّق،

وهي عنك، أيها العلي، تقدّم لنا الرَّمز ...

لك المديح، يارب، لأجل أخينا الماء،

ذي النفع العظيم والتواضع الشديد،

الثمين والظاهر ...

لك المديح، يارب، من أجل الأخت أمنا الأرض،

التي تحملنا وتقوتنا،

التي تؤتي الثمار المتنوعة

مع الأزهار المختلفة الألوان والأعشاب ...

سبحوا وباركوا ربي،

وأحمدوه وأخدموه

في كل تواضع»[xlviii].

345- السبت هو نهاية عمل «الأيام الستة». الكتابة المقدسة تقول إن «الله فرغ من عمله في اليوم السابع» و«أُكمِلت هكذا السماءُ والأرض»، وإن الله «استراح» في اليوم السابع، وبارك وقدس ذلك اليوم (تك1:2-3). في هذه الأقوال الملهمة جمٌ من التعاليم الخلاصية:

346- في الخلق أرسى الله أساساً وأنظمة لا تتغير[xlix]، يستطيع المؤمن أن يستند إليها بثقة، وتكون له علامة وضمان أمانة عهد الله التي لا تتزعزع[l]. وعلى الإنسان، من جهته، أن يظل وفيّاً لهذا الأساس، ويتقيد بالأنظمة التي نقشها فيه الخالق.

347- عُمِل عمل الخلق من أجل السبت ومن ثمَّ من أجل عبادة الله. العبادة مسجلة في نظام الخلق
  • . وقد ورد في قانون القديس بندكتوس أنه «لا يُفصل شيءٌ على عبادة الله»[lii]، مشيراً هكذا إلى النظام الصحيح في الاهتمامات البشرية.

    348- السبت هو في قلب شريعة إسرائيل. وحفظ الوصايا هو التلبية لحكم الله ومشيئته اللتين يعبر عنهما عمل الخلق.

    349- اليوم الثامن. ولكن بالنسبة إلينا قد طع يومٌ جديد: يوم قيامة المسيح. اليوم السابع يُتم الخلق الأول. اليوم الثامن يفتتح الخلق الجديد. وهكذا فعمل الخلق يرقي إلى عمل أعظم هو الفداء. الخلق الأول يجد معناه وقمته في الخلق الجديد في المسيح الذي يفوق ألَقُه الخلق الأول[liii].

    بإيجاز

    350- الملائكة مخلوقات روحانية تمجد الله بلا انقطاع، وتخدم مقاصده الخلاصية بالنسبة إلى سائر المخلوقات:«الملائكة يتضافرون على كل ما هو صالح لنا»[liv].

    351- الملائكة يحيطون بالمسيح، ربهم، إنهم يخدمونه على وجه خاص في قيامه برسالته الخلاصية تجاه البشر.

    352- الكنيسة تُكرم الملائكة الذين يساعدونها في مسيرتها الأرضية، والذين يحرسون كل كائن بشري.

    353- الله أراد تنوع خلائقه، وجودتها الخاصة، وترابطها، ونظامها. وقد وجه جميع المخلوقات المادية إلى ما هو في صالح الجنس البشري. الإنسان، ومن خلاله كل الخليقة، يسير في خط مجد الله.

    354- احترام الشرائع المكتوبة في الخليقة والعلاقات التي تصدر عن طبيعة الأشياء هو مبدأ حكمة وأساس للأخلاقيات.

     



    --------------------------------------------------------------------------------

    د. 30

    [ii] د. 150

    [iii] رَ: مز16:115

    [iv] رَ: مز2:19

    [v] رَ: مز16:115

    [vi] مجمع لاتران 4ً، فصل1، في الإيمان الكاثوليكي: د1800؛ رَ: م ف 1ً، الدستور العقائدي "ابن الله"، ق1: د3002؛ ق ش 8

    [vii] القديس أغوسطينوس، في المزامير 103، 1، 15

    [viii] رَ: بيوس12ً، رسالة عامة «الجنس البشري»: د3891

    [ix] رَ: لو36:20

    • رَ: دا 9:10-12
    [xi] رَ: أي 7:38 حيث يدعي الملائكة "ابناء الله"

    [xii] رَ: تك 24:3

    [xiii] رَ: تك 19

    [xiv] رَ: تك17:21

    [xv] رَ: تك11:22

    [xvi] رَ: أع 53:7

    [xvii] رَ: خر20:23-23

    [xviii] رَ: قض 13

    [xix] رَ: قض11:6-24؛ أش 6:6

    [xx] رَ: 1مل5:19

    [xxi] رَ: لو11:1، 26

    [xxii] رَ: متى20:1؛ 13:2؛ 19

    [xxiii] رَ: مر12:1؛ متى11:4

    [xxiv] رَ: لو43:22

    [xxv] رَ: متى53:26

    [xxvi] رَ: 2مل 29:10-30؛ 8:11

    [xxvii] رَ: لو10:2

    [xxviii] رَ: لو8:2-14

    [xxix] رَ: مر5:16-7

    [xxx] رَ: أع 10:1-11

    [xxxi] رَ: متى41:13؛ 31:24؛ لو8:12-9

    [xxxii] رَ: أع 18:5-20؛ 26:8-29؛ 3:10-8؛ 6:12-11؛ 23:27-25

    [xxxiii] ق ر "قدوس"

    [xxxiv] ر ج، 50

    [xxxv] كتاب الليترجيات

    [xxxvi] رَ: متى 10:18

    [xxxvii] رَ: لو22:16

    [xxxviii] رَ: مز8:34؛ 10:91-13

    [xxxix] رَ: أي23:33-24؛ زك: 12:1؛ طو 12:12

    [xl] القديس باسيليوس، ضد أفنوميوس 3، 1

    [xli] تك1:1-2، 4

    [xlii] رَ: و ل 11

    [xliii] ك 36

    [xliv] القديس أوغسطينوس، في التكوين 1، 2، 4

    [xlv] ك ع 36، 2

    [xlvi] رَ: مز9:145

    [xlvii] رَ: تك 26:1

    [xlviii] القديس فرنسيس الأسيزي، نشيد

    [xlix] رَ: عب3:4-4

    [l] رَ: إر35:31-37؛ 19:33-26

    • رَ: تك 14:1

      [lii] القديس بندكتوس: القانون 43، 3

      [liii] رَ: ق ر، ليلة الفصح 24: صلاة بعد القراءة الأولى

      [liv] توما الأمويني، خ ل1، 114، 3، م3[/color][/size]



الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #9 في: 09:19 05/07/2008 »


الفصل الأول: أؤمن بالله واحد، المقام الأول من 355-284
الفقرة 6- الإنسان

355- «خلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم» (تك27:1). فللإنسان محلٌّ فريد في الخليقة: إنه «على صورة الله» (1ً)؛ في طبيعته الخاصة يجمع ما بين العالم الروحاني والعالم المادي (2ً)؛ خُلِقَ «ذكراً وأُنثى» (3ً)؛ اختصه الله بصداقته (4ً).

1ً. «على صورة الله»

356- بين جميع الخلائق المرئية، الإنسان وحده «يستطيع أن يعرف خالقه ويحبه». إنه «على الأرض الخليقة الوحيدة التي أرادها الله لذاتها»[ii]. إنه وحده المدعو إلى المشاركة في حياة الله بالمعرفة والمحبة. خُلِقَ لهذه الغاية، وهذا هو سبب كرامته الرئيسي:

«ما الداعي الذي جعلك تكون الإنسان على هذه العظمة؟ المحبة العظمى التي نظرت بها إلى خليقتك في ذات نفسك، وقد شُغِفت بها؛ إذ إنك خلقتها بمحبة، وبمحبة أعطيتها كياناً قادراً أن يتذوق خيرك الأزلي»[iii].

357- بما أن الفرد البشريَّ على صورة الله فمقامه مقام شخص: فهو ليس شيئاً ما وحسب، بل هو شخصٌ ما. إنه قادر على أن يعرف نفسه، وأن يضبطها، وأن يبذل ذاته باختياره، وأن يدخل في شركة غيره من الأشخاص؛ وهو مدعوّ، بالنعمة، إلى معاهدة مع خالقه، وإلى تلبيته تلبية إيمانٍ ومحبةٍ لا يستطيع أحدٌ غيره أن يقوم مقامه فيها.

358- الله خلق كل شيء للإنسان[iv]، ولكن الإنسان خُلِقَ لخدمة الله ومحبته، ولكي يقدم له الخليقة كلها:

«فمن هو الكائن الذي سيأتي إلى الوجود في مثل هذه الهالة من التقدير؟ إنه الإنسان، الوجه الحي العظيم والعجيب، الأكرام في عيني الله من الخليقة كلها جمعاء: إنه الإنسان، ولأجله وُجدت السماء والأرض والبحر وسائر الخليقة، وخلاصه هو الذي علق عليه الله مثل هذه الأهمية حتى إنه لم يوفر ابنه الوحيد نفسه في سبيله. وإن الله ما انفك يسعى السعي كله لكي يرقى بالإنسان إليه ويُجلسه إلى يمينه»[v].

359- «إن سر الإنسان لا يفسره تفسيراً حقيقياً إلا سرُّ الكلمة المتجسد»[vi].

«القديس بولس يعلمنا أن رجُلين اثنين هما في أساس الجنس البشري: آدم والمسيح ... وهو يقول: إن آدم الأول خُلِق كائناً بشرياً نال الحياة؛ وأما الآخر فكائن روحاني يُعطي الحياة. الأول خلقه الآخر ومنه نال النفس التي تُحييه ... آدم الثاني جعل صورته في آدم الأول عندما كان يجبله. من هُنا أُلقيت عليه مهمته واسمه وذلك لكي لا يُعرض من صنعه على صورته للضياع. آدم الأول، وآدم الأخير: الأول ابتدأ، والأخير لن ينتهي؛ إذ إن الأخير هو الأول في الحقيقة، على حد ما قال هو نفسه:«أنا الأول والأخير»[vii].

360- إذا كان الجنس البشري من أصلٍ مُشترك فهو يؤلف وحدةً؛ ذلك أن الله «صنع من واحدً كل أمة من البشر» (أع 26:17)[viii]:

«إنها لرؤيا عجيبة تلك التي تجعلنا نتأمل الجنس البشري في وحدة أصله في الله؛ في وحدة طبيعته، المركبة عند جميع تركيباً واحداً من جسم مادي ونفس روحانية؛ في وحدة غايته الفورية ورسالته في العالم؛ في وحدة مسكنه: الأرض التي يستطيع جميع اللبشر، بحق طبيعي، أن يستعملوا خيراتها لكي يحافظوا على الحياة ويُنموها؛ في وحدة غايته العُليا: الله نفسه الذي يجب على الجميع أن يتوجهوا إليه؛ في وحدة الوسائل لبلوغ هذه الغاية؛ (...)؛ في وحدة الافتداء الذي قام به المسيح لأجل الجميع»[ix].

361- «نظام التضامن البشري والمحبة هذا»
  • ، فضلاً عن وفرة تنوع الأشخاص، والثقافات والشعوب، يؤكد لنا أن جميع البشر إخوة في الحقيقة.


2ً. «واحدٌ من جسدً ونفسً»

362- الشخص البشري، المخلوق على صورة الله، كائنٌ جسديٌ وروحانيٌ معاً. والرواية الكتابية تعبر عن هذه الحقيقة بكلام رمزي عندما تثبت أن «الله جبل الإنسان تُراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار الإنسان نفساً حيّة» (تك7:2). فالإنسان بكامله كان في إرادة الله.

363- كثيراً ما ترد اللفظة نفس في الكتاب المقدس بمعنى الحياة البشرية[xi]، أو كامل الشخص البشري[xii]. ولكنها تدل أيضاً على أعمق ما في الإنسان[xiii] وأثمن ما فيه[xiv]، أي ما يجعله على وجه أخص صورة الله:«نفس» تعني مبدأ الإنسان الروحاني.

364- يشترك جسدُ الإنسان في كرامة «صورة الله»: إنه جسدٌ بشريٌ لأن النفس الروحانية تبث فيه الحياة، والشخص البشريَّ بكامله مُعد لأن يصبح، في جسد المسيح، هيكل الروح[xv]:

«الإنسان واحدٌ بجسده ونفسه، وهو بوضعه الجسدي نفسه يجمع في ذاته عناصر العالم المادي، بحيث تبلغ فيه قمتها، وترفع بحرية إلى الخالق صوت حمدها. فلا يجوز للإنسان إذن أن يحتقر الحياة الجسدية، بل عليه أن يعامل جسده بالإحسان والإكرام لأنه خليقة الله ومُعدٌ للقيامة في اليوم الأخير»[xvi].

365- وحدة النفس والجسد هي من العمق بحيث يجب أن تُعد النفس «صورة» الجسد[xvii]؛ أي أن الجسد المركب من مادة يصبح بالنفس الروحانية، جسداً إنسانياً وحياً، الروح والمادة، في الإنسان، ليسا طبيعتين اثنتين متحدتين، ولكن اتحادهما يكون طبيعة واحدة.

366- الكنيسة تعلم أن كل نفس روحانية يخلقها الله مباشرة[xviii]؛ - إنها ليست من «صُنع» الوالدين-؛ وهي تعلمنا أيضاً أنها غير مائتة[xix]؛ إنها لا تتلاشى عندما تفارق الجسد بالموت، وهي تعود إلى الاتحاد بالجسد في القيامة الأخيرة.

367- يحصل أحياناً أن نُميَّز النفس من الروح. وهكذا فالقديس بولس يُصلي قائلاً:«وليحفظ كل ما فيكم أرواحكم، ونفوسكم، وأجسادكم، بغير لوم عند مجيء ربنا» (1تس23:5). والكنيسة تُعلم أن هذا التمييز لا يُدخل في النفس ازدواجية[xx]. «الروح» يعني أن الإنسان موجَّه منذ خلقه إلى غايته الفائقة الطبيعة[xxi]، وأن نفسه قادرةٌ على أن تُرقى مجاناً إلى الشركة مع الله[xxii].

368- تقليد الكنيسة الروحي يُشدد على القلب بالمعنى الكتابي لـ«عُمق الكيان» (إر33:31) حيث يُقرر الشخص أنه الله أولاً[xxiii].

3ً. «ذكراً وأنثى خلقهم»

مُساواة واختلاف أرادهما الله

369- الرَّجُل والمرأة خُلِقا أي إن الله أرادهما: في مساواة كاملة، لكونهما شخصين بشريين من جهة، ومن جهةٍ أُخرى بكيانهما الخاص رجلاً وإمرأة. أن يكون «رجُلاً» وأن تكون «امرأة» تلك حقيقة حسنة وقد أرادها الله: للرجل والمرأة كرامةٌ ثابتةٌ تأتيها مباشرةً من الله خالقهما[xxiv]. الرجل والمرأة هما، في الكرامة الواحدة، على صورة الله. وهما يعكسان حكمة الخالق وجودته في «كيان الرجولة» وفي «كيان الإنوثة».

370- يس الله على صورة الإنسان البتة. فهو ليس رجُلاً ولا امرأةً. الله روح محض ليس فيه مكان لاختلاف الجنسين. ولكن «كمالات» الرجل والمرأة تعكس شيئاً من كمال الله المتناهي: كمالات الأم[xxv]، وكمالات الأب والزوج[xxvi].

«الواحد للآخر» - «وحدة اثنين»

371- الرجل والمرأة خُلِقا معاً، وقد أرادهما الله الواحد للآخر. وكلام الله يُسمعنا ذلك بتلميحات مختلفة في النص المقدس. «لا يُحسن أن يكون الإنسان وحده فأصنع له عوناً بإزائه» (تك18:2). ما من حيوان يمكن أن يكون هذا الـ «بإزاء» الإنسان.[xxvii] المرأة التي «بناها» الله من الضلع التي أخذها من الرجل، والتي أتى بها الرجل، تبعث من الرجل صُراخ إعجاب، صراخ محبةٍ وشركة:«هوذا هذه المرّة عظمٌ من عظامي ولحم من لحمي» (تك23:2). الرجل يكتشف في المرأة «أنا» آخر، من البشرية نفسها.

372- الرجل والمرأة صُنِعا «الواحد للآخر»: لا أن الله صنعهما «نصفين» و«غير كاملين»؛ إنه خلقهما لشركة شخصين يستطيع فيها كل واحد أن يكون «عوناً» للآخر، لأنهما في الوقت نفسه متساويان لكونهما شخصين («عظمٌ من عظامي») ومتكاملين لكونهما ذكراً وأُنثى[xxviii]. وفي الزواج يجمعهما الله بحيث، وهما «جسداً واحداً» (تك24:2)، يستطيعان أن يُعطيا الحياة البشرية: «انموا واكثروا واملأوا الأرض» (تك28:1). والرجلُ والمرأة، زوجين ووالدين، عندما يُعطيان نسلهما الحياة البشرية يُسهمان إسهاماً فريداً في عمل الخالق[xxix].

373- الرجل والمرأة مدعوان، في تصميم الله، «لإخضاع» الأرض[xxx] على أنهما «وكلاء» الله. وهذه السيطرة يجب أن لا تكون تسلطاً تعسفياً وهداماً. فالرجل والمرأة مدعوان، على صورة الخالق الذي «يحب جميع الكائنات» (حك25:11)، إلى الاشتراك في «العناية الإلهية» تجاه جميع المخلوقات. من هنا مسؤوليتهما عن العالم الذي عهد الله فيه إليهما.

4ً. الإنسان في الفردوس

374- الإنسان الأول لم يُخلق صالحاً وحسب، ولكنه أقيم في صداقة مع خالقه، وفي تناغم مع ذاته ومع الخليقة التي حوله والتي لا يفوقها إلا مجد الخليقة الجديدة في المسيح.

375- الكنيسة، عندما تفسر رمزي الكلام الكتابي على نور العهد الجديد والتقليد تفسيراً أصيلاً، تعلم أن أبوينا الأولين، آدم وحواء، أقيما في حالة «قداسة وبرٍ أصلي»[xxxi]. ونعمة القداسة الأصلية هذه كانت اشتراكاً في الحياة الإلهية[xxxii].

376- بإشعاع هذه النعمة تقوت جميع أبعاد الحياة البشرية. فما دام الإنسان في صداقةٍ مع الله كان في منجى من الموت[xxxiii] ومن الألم[xxxiv]. فالتناغم في داخل الشخص البشري، والتناغم بين الرجل والمرأة[xxxv]، وأخيراً التناغم بين الزوجين الأولين وجميع الخليقة، كانت تؤلف الحالة المدعوة «برارةً أصلية».

377- «إخضاع» العالم اذي ألقى به الله إلى الإنسان منذ البدء كان يتحقق قبل كل شيء في الإنسان نفسه بالانضباط اذاتي. كان الإنسان في كامل ذاته كاملاً ومنظماً، إذ كان محرراً من الشهوات الثلاث[xxxvi] التي كانت تُخضعه لُمتع الحواس، للتجشع في الخيرات الأرضية، وإثبات الذات في وجه أوامر العقل.

378- وكانت علامة أُلفته مع الله أن جًعَله الله في الجنة[xxxvii]. فعاش فيها «يحرث الأرض ويحرسها» (تك15:2): ليس العمل مشقة[xxxviii]، ولكنه إسهام الرجل والمرأة مع الله في إكمال الخليقة المرئية.

379- هذا التناغم كُلُّه في البرارة الأصلية، الذي هُيئ للإنسان في تصميم الله، سيُفقد بخطيئة أبوينا الأوين.

بإيجاز

380- «لقد صَنعت الإنسان على صورتك، يالله، وجعلت الكون بين يديه، حتى إذا خدمك، أنت خالقه، كان سيد الخليقة»[xxxix].

381- الإنسان مُهيأ لأن ينقل صورة ابن الله المتأنس - «صورة الله غير المنظور» (كو15:1) – حتى يكون المسيح بكراً ما بين جمعٍ غفيرٍ من إخوةٍ وأخوات[xl].

382- الإنسان «واحدٌ من جسدٍ ونفس»[xli]. عقيدة الإيمان تُثبت أن النفس الروحانية والغير المائتة يخلقها الله مباشرةً.

383- «الله لم يخلق الإنسان وحيداً: منذ البدء ذكراً وأنثى خلقهم» (تك27:1)؛ وهذا الجمع بين الرجل والمرأة هو الصورة الأولى لتشارك الأشخاص»[xlii].

384- الوحي يُطلعنا على حالة القداسة والبرارة الأصليتين عند الرجل والمرأة قبل الخطيئة: كانت صداقتهما مع الله في أصل سعادة وجودهما في الفردوس.

 



--------------------------------------------------------------------------------

ك ع 12، 3

[ii] ك ع 24، 3

[iii] القديسة كاترينا السيينية، حوار العناية الإلهية، 13

[iv] رَ: ك ع 12، 1؛ 24، 3؛ 39، 1

[v] القديس يوحنا الذهبي الفم، عظات في التكوين 2، 1

[vi] ك ع 22، 1

[vii] القديس بطرس خريسولوغوس، عظات 117: 1-2

[viii] رَ: طو6:8

[ix] بيوس12ً، «الحبرية العظمى»؛ رَ: ع ك أ 1

  • م ن
[xi] رَ: متى25:16-26؛ يو13:15

[xii] رَ: أع 41:2

[xiii] رَ: متى38:26؛ يو27:12

[xiv] رَ: متى28:10؛ 2مك30:6

[xv] رَ: 1كو19:6-20؛ 44:15-45

[xvi] ك ع 14، 1

[xvii] رَ: مجمع فيينا، (سنة 1312)، دستور "الإيمان الكاثوليكي": د902

[xviii] رَ: بيوس 12، "الجنس البشري"، 1950: د3891؛ ق ش 8

[xix] رَ: مجمع لاتران 5ً، سنة1513: د1440

[xx] مجمع القسطنطينية 4ً، سنة870: د657

[xxi] م ف1ً، الدستور العقائدي "ابن الله"، ق2: د3005؛ رَ: ك ع 22، 5

[xxii]رَ: بيوس 12، "الجنس البشري"، 1950: د3891

[xxiii] رَ: تث5:6؛ 3:29؛ أش13:29؛ حز26:36؛ متى21:6؛ لو15:8؛ رو5:5

[xxiv] رَ: تك7:2، 22

[xxv] رَ: أش 14:49-15؛ 13:66؛ مز2:131-3

[xxvi] رَ: هو1:11-4؛ إر4:3-19

[xxvii] رَ: تك19:2-20

[xxviii] رَ: ك م، 7

[xxix] رَ: ك ع 50، 1

[xxx] رَ: تك28:1

[xxxi] مجمع ترنت، الجلسة الخامسة أ، قرار في الخطيئة الأصلية، ق1: د1511

[xxxii] رَ: ك2

[xxxiii] رَ: تك17:2؛ 19:3

[xxxiv] رَ: تك16:3

[xxxv] رَ: تك25:2

[xxxvi] رَ: 1يو16:2

[xxxvii] رِ: تك8:2

[xxxviii] رَ: تك17:3-19

[xxxix] ق ر، صلاة إفخارستية 4، 118

[xl] رَ: أف3:1-6؛ رو29:8

[xli] ك ع 14، 1

[xlii] ك ع 12، 4


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #10 في: 14:06 12/07/2008 »
الفصل الأول: أؤمن بالله واحد، المقام الأول من 385- 421
الفقرة 7- السُّقوط

385- الله غير متناهي الجودة وجميع أعماله حسنه. ولكن لا أحد ينجو من تجربة الألم، من تجربة شرور الطبيعة – التي تبدو شبه مرتبطة بحدود الخلائق الخاصة- ولا سيّما من مسألة الشر الأدبي. من أين يأتي الشر؟ يقول القديس أوغسطينوس:«لقد فتَّشت من أين يأتي الشر ولم أجد حلاً»[1]، ولن يجد بحثه الخاص الأليم مخرجاً إلا اهتدائه إلى الله الحي. فإن «سر الأثم» (2تس7:2) لن يتضح إلا على نور سر التقوى[2]. إن كشف المحبة الإلهية في المسيح أظهر مدى الشر وفيض النعمة معاً[3]. يجب أن نعرض إذن لمسألة مصدر الشر ونظر إيماننا مُثبتٌ على من هو، وحده، غالب الشر[4].

1ً. حيثُ كثرت الخطيئة طفحت النعمة

حقيقة الخطيئة

386- الخطيئة موجودة في تاريخ الإنسان: قد تكون من العبث محاولة تجاهلها، أو إلقاء أسماء أخرى على هذه الحقيقة الغامضة. ولكي نحاول فهم ما هي الخطيئة، يجب أولاً معرفة صلة الإنسان العميقة بالله، إذ إنه خارج هذه العلاقة، لا يُكشف عن شر الخطيئة في حقيقة كونه رفضاً ومقاومةً في وجه الله، مع بقائه عبثاً ثقيلاً على حياة الإنسان وعلى التاريخ.

387- حقيقة الخطيئة، ولا سيّما خطيئة الأصول، لا تتضح إلا على نور الوحي الإلهي. فدون المعرفة التي يعطيناها عن الله لا تمكن معرفة الخطيئة معرفة واضحة، فنكون معرضين لتفسيرها على أنها نقصٌ في النمو فقط، ضعفٌ نفسيّ، ضلالٌ، نتيجةٌ حتميةٌ لبنية اجتماعيةٍ غير ملائمة..إلخ. ففي معرفة قصد الله بالنسبة إلى الإنسان فقط تُفهم الخطيئة على أنها سوء استعمال للحرية التي يمنحها الله للأشخاص المخلوقين، لكي يتمكنوا من محبته ومن محبة بعضهم البعض.

الخطيئة الأصلية – حقيقة جوهرية من حقائق الإيمان

388- بنمو الوحي اتضحت أيضاً حقيقة الخطيئة. وإن عرَض شعب الله في العهد القديم لآلام الوضع البشري على نور تاريخ السقوط الوارد في سفر التكوين، فإنه لم يكن باستطاعته الوصول إلى المعنى البعيد لهذا التاريخ، الذي ينجلي فقط على نور موت يسوع المسيح وقيامته[5]. يجب معرفة المسيح ينبوعاً للنعمة لمعرفة آدم ينبوعاً للخطيئة. الروح- البارقليط الذي أرسله المسيح المنبعث، هو الذي جاء لكي «يُفحم العالم بشأن الخطيئة» (يو8:16)، إذ كشف عن الذي افتدى من الخطيئة.

389- عقيدة الخطيئة الأصلية هي على نحوٍ ما «الوجه المناقض» للبشرى الصالحة بأن يسوع هو مخلص جميع البشر، وبأن الجميع بحاجة إلى الخلاص، وبأن الخلاص مقدمٌ للجميع بفضل المسيح. والكنيسة التي عندها فكر المسيح[6] تعلم جيداً أنه لا يمكن المساس بوحي الخطيئة الأصلية بدون الإساءة إلى سر المسيح.

لقراءة قصة السقوط

390- قَصَصُ السقوط (تك3) يعتمد أسلوباً خيالياً، ولكنه يؤكد حدثاً ذا أهمية كبيرة، حدثاً جرى في بدء تاريخ الإنسان[7]. والوحي يُعطينا اليقين الإيماني، ب؟أن تاريخ البشر كله موسومٌ بالخطيئة الأصلية التي اقترفها أبوانا الأولان باختيارهما[8].

2ً. سقوط الملائكة

391- وراء اختيار أبوينا الأولين المعصية صوتٌ مُغرٍ معارضٌ لله[9] يحملهما، حسداً، على السقوط والموت[10]. الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة يريان في هذا الكائن ملاكاً ساقطاً يُدعى شيطاناً أو إبليس[11]. الكنيسة تعلم أنه كان أولاً ملاكاً صالحاً من صُنع الله. «الشيطان وسائر الأبالسة خلقهم الله صالحين في طبيعتهم، ولكنهم هم بأنفسهم انقلبوا أشراراً»[12].

392- الكتاب المقدس يذكر لهؤلاء الملائكة خطيئة[13]. وهذا «السقوط» يقوم باختيارٍ حُر لهؤلاء الأرواح المخلوقة، الذين رفضوا رفضاً باتاً وثابتاً الله وملكوته. وإننا نجد إشارةً إلى هذا العصيان في أقوال المجرب لأبوينا الأولين: «تصيران كآلهة» (تك5:3). الشيطان «خاطئ من البدء» (1يو8:3)، «أبو الكذب» (يو44:8).

393- إن ميزة الاختيار الثابت للملائكة، لا تقصيرٌ من الرحمة الإلهية غير المتناهية، هي التي جعلت خطيئتهم غير قابلة الغفران. «لا ندامة لهم بعد السقوط، كما أنه لا ندامة للبشر بعد الموت»[14].

394- الكتاب المقدس يُثبت الأثر المشؤوم للذي يدعوه يسوع «من البدء قتّال الناس» (يو44:8)، والذي حاول أن يحول يسوع نفسه عن الرسالة التي تقبلها من الآب[15]. «ولهذا ظهر ابن الله: لينتقض أعمال إبليس» (1يو8:3). وأفظع نتائج أعماله كان الإغراء الكاذب الذي جرَّ الإنسان إلى عصيان الله.

395- ولكن مقدرة إبليس ليست غير متناهية. إنه مُجرد خليقة، قديرة لكونها روحاً محضاً، ولكنه لا يخرج عن كونه خليقة: لا يستطيع أن يمنع بناء ملكوت الله. وإن عمِلَ إبليس في العالم بعامل الحقد على الله وملكوته في يسوع المسيح، وإن كان لعمله أضرارٌ جسيمة- على المستوى الروحي أحياناً، وبطريقة غير مباشرة، على المستوى الطبيعي نفسه – لكل إنسان وللمجتمع، فهذا العمل تسمح به العناية الإلهية التي توجه تاريخ الإنسان والعالم بقوةٍ ولينٍ. والسماح الإلهي بهذا العمل الشيطاني سر عظيم، ولكننا «نعلم أن الله في كل شيء يسعى لخير الذين يُحبونه» (رو28:8).

3ً. الخطيئة الأصلية

تجربة الحرّيّة

396- الله خلق الإنسان على صورته وأقامه في صداقته. وإذ كان الإنسان خليقة روحانية، فهو لا يستطيع أن يعيش في هذه الصداقة إلا عن طريق الخضوع الحُر لله. وهذا ما يعبر عنه منع الإنسان من أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشر، «فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً» (تك17:2). « شجرة معرفة الخير والشر»(تك17:2) توحي رمزياً بالحد الذي لا يمكن تجاوزه والذي يجب على الإنسان، في كونه مخلوقاً، أن يعترف به اختيارياً وأن يقف عنده بثقة. الإنسان متعلق بالخالق؛ وهو خاضع لنواميس الخليقة، وللنظم الأخلاقية التي تُنظم استعمال الحرّية.

خطيئة الإنسان الأولى

397- الإنسان، عندما جربه الشيطان، قضى في قلبه على الثقة بخالقه[16]. وعندما أساء استعمال حريته، عصى وصية الله. في هذا قامت خطيئة الإنسان الأولى[17]. وكل خطيئة، في ما بعد، ستكون عصياناً لله، وعدم ثقة في صلاحه.

398- في هذه الخطيئة فضّل الإنسان نفسه على الله، وبذلك عينه حَقَرَ الله: اختار ذاته على الله، على مقتضيات كونه خليقة، ومن ثَمَّ على صالحه الخاص. وإذ كان الإنسان مخلوقاً في حالة قداسة، فقد كان مُعداً لأن «يُؤلهه» الله تأليهاً كاملاً في المجد. وبإغراء من إبليس أراد أن «يكون مثل الله»[18]، ولكن «بدون الله، وليس بحسب الله»[19].

399- الكتاب المقدس يبين عواقب هذه المعصية الأولى المأسوية. فقد فَقَدَ آدمُ وحواءُ حالاً حالة البرارة الأصلية[20]. لقد خافا من هذا الإله[21] الذي تصوراه على غير صورته، على صورة إلهٍ غيور على امتيازاته[22].

400- التناسق الذي كانا عليه، والذي أولتهما إياه حالة البرارة الأصلية، قد تهَّدم؛ وسيطرة قُوى النفس الروحانية على الجسد تحطمت[23]؛ اتحاد الرجل والمرأة أصبح تحت تأثير المشادات[24]؛ وعلاقاتهما ستكون موسومة بسمة الشهوة والسيطرة[25]. التناسق مع الخليقة نُقض: الخليقة المنظورة أصبحت بالنسبة إلى الإنسان غربية ومُعادية[26]، وبسبب الإنسان أخضعت الخليقة لعبودية الفساد[27]. وأخيراً فإن العاقبة التي أُنبئ بها بصراحة لمعصية[28] الإنسان ستتحقق:«سيعود الإنسان إلى الأرض التي منها أُخذ»[29]. وهكذا دخل الموت في تاريخ البشرية[30].

401-منذ هذه الخطيئة الأولى، غمر العالم «اجتياح» للخطيئة حقيقي: قتل قاين أخاه هابيل[31]؛ الفساد الشامل في عَقِب الخطيئة[32]؛ كذلك في تاريخ إسرائيل، فكثيراً ما تبرز الخطيئة كعصيانٍ خاصٍ لإله العهد، وكمخالفة لشريعة موسى؛ وبعد فداء المسيح أيضاً، تبرز الخطيئة بين المسيحيين على وجوه متعدد[33]. والكتاب المقدس وتقليد الكنيسة لا يزالان يذكران بوجود الخطيئة وشمولها في تاريخ الإنسان:

«ما يكشفه لنا الوحي الإلهي يتفق ومعطيات خبرتنا. فإن تفحص الإنسان قلبه وجد أنه ميال إلى الشر أيضاً، وأنه غارقٌ في غمر من الشرور لا يمكن أن تصدر عن خالقه الصالح. فكثيراً ما يرفض الإنسان أن يرى في الله مبدأه، فينقض النظام الذي يتوجه به إلى غايته القصوى، وينقض في الوقت نفسه كل تناغم في ذاته أو بالنسبة إلى سائر البشر وإلى الخليقة كلها»[34].

عواقب خطيئة آدم في البشرية

402- جميع البشر متورطون في خطيئة آدم. القديس بولس يُثبت ذلك:«جُعِلَ الكثيرون (أي جميع البشر) خطأةً بمعصية إنسان واحد» (رو19:5): «كما أنها بإنسانٍ واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس لأن جميعهم قد خطئوا ...» (رو12:5). وقد قابل الرسول شمولية الخطيئة والموت بشمولية الخلاص بالمسيح:«كما أنه بزلة واحدٍ كان القضاء على جميع الناس، كذلك ببر واحدٍ (برّ المسيح) يكون لجميع الناس تبرير الحياة» (رو18:5).

403- لقد اتبعت الكنيسة القديس بولس، فعلمت دائماً أن الشقاء العارم الذي يهبظ البشر، وميلهم إلى الشر وإلى الموت لا يُفهمان بمعزل عن علاقتهم بخطيئة آدم، وبواقع أنه أورثنا خطيئة نُولد حاملين وزرها وهي «موت النفس»[35]. وانطلاقا من هذا اليقين العقائدي تمنح الكنيسة المعمودية لمغفرة الخطايا، حتى للأطفال الصغار الذين لم يرتكبوا خطيئة شخصية[36].

404- كيف أصبحت خطيئة آدم خطيئة ذريَّته كلها؟ الجنس البشري كله في آدم «كأنه الجسد الواحد لإنسان واحد»[37]. وبسبب «وحدة الجنس البشري هذه» جميع البشر داخلون في خطيئة آدم، كما أنهم داخلون جميعاً في تبرير المسيح. ومع ذلك فإن انتقال الخطيئة الأصلية سرٌّ لا نستطيع إدراكه إدراكاً تاماً. إلا أننا نعلم عن طريق الوحي أن آدم نال القداسة والبرارة الأصليتين، لا له وحده، بل للطبيعة البشرية كلها: وبانقياد آدم وحواء للمجرب، ارتكبا خطيئة شخصية، ولكن هذه الخطيئة انتقل أثرها إلى الطبيعة البشرية التي سينقلانها وهما في حالة سقوط[38]. إنها ستنتقل إلى جميع البشر عن طريق التفشي، أي بنقل طبيعة بشرية مجردة من القداسة والبرارة الأصليتين. ولهذا فالخطيئة الأصلية مدعوة «خطيئة» على سبيل المشابهة: إنها خطيئة «موروثة» لا «مُرتكبة»، حالة لا فعل.

405- وإن كان كل إنسان مخصوصاً بالخطيئة الأصلية[39]، فإنها ليست ذات طابع شخصي عند أيٍ من أبناء آدم. إنها حرمان من القداسة والبرارة الأصليتين، ولكن الطبيعة البشرية ليست مُنفسِدة إنفساداً كاملاً: لقد جُرحت في قواها الطبيعية الخاصة، وأخضعِت للجهل والألم وسلطان الموت، ومالت إلى الخطيئة الأصلية (وهذا الميل إلى الشر يُسمى «شهوة»). والمعمودية بمنحها حياة نعمة المسيح، تمحو الخطيئة الأصلية وتردُّ الإنسان إلى الله، ولكن العواقب في الطبيعة المُضعفة والميالة إلى الشر، تبقى في الإنسان وتدعوه إلى الجهاد الروحي.

406- إن عقيدة الكنيسة في موضوع انتقال الخطيئة الأصلية اكتسبت دقّةً خصوصاً في القرن الخامس، ولا سيّما مع القديس أوغسطينوس في دفق تأمُلاته ضد البلاجية، وفي القرن السادس عشر في مناهضة البروتستانتية. كان بلاجيوس يعتقد أن الإنسان يستطيع، بقوة إرادته الطبيعية الحرّة، بدون معونة نعمة الله الضرورية، أن يسلك سلوكاً صالحاً أدبياً؛ كان بذلك يحول تأثير خطيئة آدم إلى تأثير مثال سيء. وبعكس ذلك دعاة الإصلاح البروتستانتي الأولون يُعلمون أن الإنسان قد أصبح في عمقه فاسداً وأن حريته أصبحت، بخطيئة الأولين، مُعطلة. كانوا يوجدون ما بين الخطيئة التي ورثها كل إنسان والميل إلى الشر (الشهوة) الذي لا يمكن التغلب عليه. وقد أثبتت الكنيسة موقفها في معنى الوحي المتعلق بالخطيئة الأصلية في مجمع أورانج الثاني، سنة529[40]، وفي المجمع التريدنتيني، سنة1546[41].

صراع ٌ عنيف

407- عقيدة الخطيئة الأصلية- مقرونة بعقيدة فداء المسيح – تُخول نظرة تمييز واضح في شأن موقع الإنسان وعمله في العالم. بخطيئة الأبوين الأولين اكتسب الشيطان شبه سيطرة على الإنسان، وإن لبث هذا حُراً. الخطيئة الأصلية تجرُّ «العبودية تحت سلطان ذاك الذي كان بيده سلطان الموت، أعني إبليس»[42]. تجاهل كون الإنسان ذا طبيعة مجروحة، ميالة إلى الشر، يُفسح المجال لأضاليل جسيمة في موضوع التربية، والسياسة، والعمل الإجتماعي[43]، والأخلاق.

408- عواقب الخطيئة الأصلية، وجميع خطايا البشر الشخصية، تصِمُ العالم، في مجمله، بوصمة الخطيئة، التي يمكن أن يُطلق عليها تعبير القديس يوحنا:«خطيئة العالم» (يو29:1). بهذا التعبير يُشار أيضاً إلى التأثير السلبي الذي تُلحقه بالأشخاص الأحوال المجتمعية، والبُنى الاجتماعية، التي هي ثمرة آثام البشر[44].

409- الحالة المأسوية هذه التي يقيم فيها العالم «كله تحت سُلطان الشرير» (1يو19:5)[45] تجعل حياة الإنسان صراعاً:

«يتخلل تاريخ البشر العام صراع عنيف به قوى الظلمة، وقد بدأ مع وجود العالم وسيبقى على حد قول الرب، إلى اليوم الآخر. فعلى الإنسان وقد أُدخِل المعركة، أن يُناضل أبداً لكي يلزم الخير، وهو لن يستطيع تحقيق وحدته الذاتية إلا بعد جهودٍ شديدة، وبمؤازرة النعمة الإلهية»[46].

4ً. «إنك لم تُسْلِمه لسلطان الموت»

410- الله لم يتخلَّ عن الإنسان بعد سقوطه. فهو، بعكس ذلك، يدعوه[47] ويبشره، بطريقة سرية، بالتغلب على الشر وبإقالته من عثرته[48]. هذا المقطع من سفر التكوين سُميّ «مقدمة الإنجيل» لأنه البشرى الأولى بالمسيح الفادي، البشرى بصراعٍ بين الحية والمرأة، وبالانتصار النهائي لنسل هذه المرأة.

411- التقليد المسيحي يرى في هذا المقطع البشرى بـ «آدم الجديد»[49] الذي، «بطاعته حتى الموت موت الصليب» (في8:2) يُعوض تعويضاً لا يُقاس عن معصية آدم[50]. وإلى ذلك فإن كثيرين من آباء الكنيسة وملافنتها يرون في المرأة التي ورد ذكرها في «مقدمة الإنجيل» أمَّ المسيح، مريم، على أنها «حواء الجديدة». إنها تلك التي كانت الأولى، وبطريقة فريدة، استفاد\ةً من الانتصار على الخطيئة الذي حققه المسيح: لقد صِينت من دنس الخطيئة الأصلية كله[51]، وعلى مدى حياتها الأرضية كها لم ترتكب أيّ نوع من الخطيئة، وذلك بنعمةٍ خاصة من الله[52].

412- ولكن لماذا لم يمنع الله الإنسان الأول أن يخطأ؟ يجيب عن ذلك القديس لاون الكبير: «نعمة المسيح التي لا توصف وهبتنا خيراتٍ أعظم من تلك التي كان حسدُ إبليس قد انتزعها منا»[53]. والقديس توما الأكويني يقول:«لا شيء يمنع من أن تكون الطبيعة البشرية قد أُعدت لغايةٍ أرفع من الخطيئة. فإن الله يسمح بأن تحصل الشرور لكي يستخرج منها خيراً أعظم. من هنا قول القديس بولس:«حيث كثرت الخطيئة طفحت النعمة» (رو20:5). ومن هنا يقال في بركة شمعة الفصح:«يا للخطيئة السعيدة التي استحقت هكذا فادياً وبمثل هذه العظمة»[54].

بإيجاز

413- «ليس الموت من صنع الله، ولا هلاك الأحياء يسر (...). بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم» (حك 13:1؛ 24:2).

414- الشيطان أو إبليس وسائر الشياطين هم ملائكة ساقطون لأنهم رفضوا باختيارهم أن يخدموا الله وقصده. واختيارهم ضد الله نهائي. وهم يعملون على إشراك الإنسان في ثورتهم على الله.

415- «أقام الله الإنسان في حالة برارة. ولكن الشرير أغواه منذ بدء التاريخ، فأساء استعمال حريته، مُنتصباً في وجه، وراغباً في أن يبلغ غايته من دون الله».[55]

416- في كون آدم الإنسان الأول، أضاع بخطيئته القداسة والبرارة الأصليتين اللتين كان قد نالهما من الله، ليس فقط لنفسه، بل لجميع البشر.

417- لقد أورث آدم وحواء ذريتهما الطبيعة البشرية مجروحة بخطيئتهما الأولى، ومن ثمَّ مجردة من القداسة والبرارة الأصليتين. وهذا الحرمان يُسمى «خطيئة أصلية».

418- نتج عن الخطيئة الأصلية أن الطبيعة البشرية أُضعفت في قواها، وأُخضعت للجهل، والألم وسيطرة الموت، ومالت إلى الخطيئة (وهذا الميل يُسمى «شهوة»).

419- «فنحن نعتقد، مع المجمع التريدنتيني، أن الخطيئة الأصلية تنتقل مع الطبيعة البشرية، «لا تقليداً بل انتشاراً»، وهي هكذا «خاصة بكل واحد».[56]

420- الانتصار على الخطيئة الذي حققه المسيح أعطى خيرات أفضل من تلك التي أفقدتها الخطيئة:«حيث كثرت الخطيئة طفحت النعمة» (رو20:5).

421- «في إيمان المسيحيين أن هذا العالم هو وليد محبة الله وحفيظها، سقط في عبودية الخطيئة، ولكن المسيح قد حطم بالصليب والقيامة شوكة الشرير وحرره...» [57].



--------------------------------------------------------------------------------

[1] اعترافات 7، 7، 11

[2] رَ: 1تي16:3

[3] رَ: رو20:5

[4] رَ: لو21:11-22؛ يو11:16؛ 1يو8:3

[5] رَ: رو12:5-21

[6] رَ: 1كو16:2   

[7] رَ: ك ع 13، 1

[8] رِ: مجمع ترنت، الجلسة الخامسة 5أ، قرار في الخطيئة الأصلية: د1513؛ بيوس 12ً: د3897؛ بولس 6ً، خطاب 11تموز 1966

[9] رَ: تك1:3-5           

[10] رَ: حك24:2

[11] رَ: يو44:8؛ رؤ9:12

[12] مجمع لاتران 4ً، (سنة1215)، فصل1، في الإيمان الكاثوليكي: د800

[13] رَ: 2بط4:2

[14] القديس يوحنا الدمشقي، م م 2، 4   

[15]  رَ: متى1:4-11

[16] رَ: تك1:3-11             

[17] رَ: رو19:5     

[18] رَ: تك5:3

[19] القديس مكسيموس المعترف، كتاب الالتباسات

[20] رَ: رو23:3

[21] رَ: تك9:3-10

[22] رَ: تك5:3                                                                                                                                 

[23] رَ: تك7:3

[24] رَ: تك11:3-13

[25] رَ: تك16:3

[26] رَ: تك17:3، 19

[27] رَ: رو20:8

[28] رَ: تك17:2

[29] رَ: تك19:3

[30] رَ: رو12:5                                                                                           

[31] رَ: تك3:4-15

[32] رَ: تك5:6، 12؛ رو18:1-32

[33] رَ: 1كو1-6؛ رؤ2-3

[34] ك ع13، 1

[35] رَ: مجمع ترنت، الجلسة الخامسة أ، قرار في الخطيئة الأصلية، ق2: د1512

[36] رَ: المرجع السابق، ق4: د1514

[37] توما الأكويني، في الشر 4، 1

[38] رَ: مجمع ترنت، الجلسة الخامسة أ، قرار في الخطيئة الأصلية، ق1-2: د1511-1512

[39] رَ: المرجع السابق، ق3: د1513

[40] رَ: د:371-372

[41] رَ: مجمع ترنت، الجلسة الخامسة، قرار في الخطيئة الأصلية: د1510-1516

[42] المرجع السابق، ق1:د 1511؛ عب14:2

[43] رَ: س م 25

[44] رَ: م ت16

[45] رَ: 1بط8:5

[46] ك ع 37، 2

[47] رَ: تك9:3

[48] رَ: تك 15:3                                                       

[49] رَ: 1كو21:15-22، 45     

[50] رَ: رو19:5-20   

[51] رَ: بيوس 9ً: د2803

[52] رَ: مجمع ترنت، الجلسة السادسة أ، قرار في التبرير، ق23: د1573                     

[53] عظات 73، 4

[54] توما الأكويني، خ ل 3، 1، م3؛ هذا القول للقديس توما يرنمّ به في نشيد الفصح

[55] ك ع 13، 1

[56] ق ش 16

[57] ك ع 2، 2


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #11 في: 14:08 12/07/2008 »
الفصل الثاني: أؤمن بيسوع المسيح ابن الله الوحيد من 422-429
الفصل الثاني

أؤمن بيسوع المسيح ابن الله الوحيد

المقام الأول
البشرى: الله أرسل ابنه
422 ـ "ولكن لما بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدى الذين تحت الناموس، وننال التبني" (غل 4: 3 ـ 5). هوذا "بدء إنجيل يسوع المسيح، ابن الله"([1]): الله افتقد شعبه([2]). لقد أتم الوعود التي قطعها لإبراهيم ونسله([3]). لقد صنع ذلك فوق كل انتظار: إنه أرسل "ابنه الحبيب" ([4]).

423 ـ نؤمن ونعترف بأن يسوع الناصري، المولود من فتاة من إسرائيل، في بيت لحم، في عهد الملك هيرودس الكبير والإمبراطور أوغسطس قيصر الأول، نجار الصنعة، الذي مات مصلوباً في أورشليم إبان حكم الوالي بنطس بيلاطس، وملك الإمبراطور تيباريوس، هو ابن الله الأزلي المتأنس، وبأنه "خرج من الله" (يو 13: 3) و"نزل من السماء" (يو 3: 13، 6: 33)، وأتى في الجسد([5])، لأن "الكلمة صار جسداً وسكن في ما بيننا، وقد شاهدنا مجده، مجداً من الآب لابنه الوحيد، الممتلئ نعمة وحقاً (...). أجل، من امتلائه نحن كلنا قد أخذنا ونعمة فوق نعمة" (يو 1: 14 ، 16).

424 ـ بدافع من نعمة الروح القدس، وبجاذب من الأب نؤمن ونعترف في أن يسوع: "أنت المسيح ابن الله الحي" (متى 16: 16). فعلى صخرة هذا الإيمان الذي أعلنه القديس بطرس، بنى المسيح كنيسته. ([6])

"أن ابشر بغنى المسيح الذي لا يستقصي" (أف 3: 8).

425 ـ نقلل العقيدة المسيحية هو أولا التبشير بيسوع المسيح في سبيل الإيمان به. منذ البدء اضطرم التلاميذ الأولون رغبة في التبشير بالمسيح: "أما نحن، فإنا لا نقدر أن لا نتكلم بما عاينا وسمعنا" (أع 4: 20) وهم يدعون البشر من كل زمان إلي الدخول في فرح شركتهم مع المسيح". ما سمعناه، وما رأيناه بأعيننا، وما تأملناه وما لمسته أيدينا في شان "كلمة الحياة" ـ لأن الحياة قد ظهرت؛ لقد رأيناه ونشهد لها ونبشركم بهذه الحياة الأبدية التي كانت لدى الأب وظهرت لنا. إن ما رأيناه وسمعناه به نبشركم أنتم أيضا لتكون لكم أنتم أيضا شركة معنا وشركتنا نحن إنما هي مع الأب ومع يسوع المسيح ابنه،ونكتب إليكم بهذه الأمر ليكون فرحنا مكملاً" (1 يو 1: 1 ـ 4)

في قلب الكرازة: المسيح

426 ـ "في صميم قلب الكرازة نجد شخصا، شخص يسوع الناصري، "ابن الآب الوحيد" (...)، الذي تألم ومات من أجلنا، والذي، وقد قام الآن، يعيش معنا إلى الأبد (...)، نقل الكرازة (...) هو كشف قصد الله الأزلي كله في شخص المسيح. هو محاولة اكتناه مدلول حركات المسيح وأقواله، والعلامات التي حققها"([7]). هدف الكرازة: "الإدخال في الشركة مع يسوع المسيح: هو وحده يستطيع أن يقود على محبة الرب في الروح، إلى جعلنا نشترك في حياة الثالوث الأقدس" ([8]).

427 ـ في الكرازة، المسيح، الكلمة المتجسد وابن الله، هو المعلم ـ كل ما سواه يعلم بالرجوع إليه، والمسيح وحده يعلم، وكل من يفعل سواه إنما يعلم بمقدار ما هو ينقل كلامه، تاركاً للمسيح أن يعلم، وكل من يفعل ذلك سواه إنما يعلم المسيحي أن يطبق على نفسه كلمة يسوع العجيبة: “ إن تعليمي ليس منى بل ممن أرسلني” (يو7: 16) ([9]).

428 ـ يجب على كل من دعي إلى"تعليم المسيح" أن يبحث أولا عن "هذا الربح الذي يفوق كل ربح، أعنى معرفة المسيح"؛ يجب "القبول بخسران كل شيء (...) في سبيل ربح المسيح وفى سبيل أن يوجد الإنسان فيه"، وأن أعرفه هو مع قدرة قيامته والشركة في آلامه، فأصبر على صورته في الموت، على أمل البلوغ إلى القيامة من بين الأموات” (فيل 3: 8 ـ 11).

429 ـ من هذه المعرفة الحبية للمسيح تتفجر الرغبة في التحدث عنه، في "التبشير"، وحمل الآخرين على الـ"نعم للإيمان بيسوع المسيح. ولكن في الوقت نفسه تستيقظ الحاجة إلى معرفة هذه العقيدة معرفة أفضل على الدوام. وفى هذا الهدف، إذا اتبعنا نظام قانون الإيمان، تستعرض أولاً ألقاب يسوع الرئيسية: المسيح، ابن الله، الرب (المقال 2) . وقانون الإيمان يعترف بعد ذلك بأسرار حياة المسيح الرئيسية: أسرار تجسده (المقال 3)، وأسرار فصحه (المقالان 4 و 5)، وأخيراً أسرار تمجيده (المقالان 6 و7).



--------------------------------------------------------------------------------

([1]) ر : مر 1 :1 .

([2]) ر : لو1 : 68 .

([3]) ر : لو1 : 55 .

([4]) ر : مر 1 :11 .

([5]) ر : 1 يو 4 : 2 .

([6]) ر : متى 16 : 18 ؛ القديس لاون الكبير ، عظات 4 ، 3 ، 51 ، 62 ، 2 ؛ 83 ، 3 .

([7]) ن ك 5 .

([8]) م ن.

([9]) م س ، 6 .


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #12 في: 14:10 12/07/2008 »
المقال الثانى
"وبيسوع المسيح، ابنه الوحيد، ربنا"

1ً. يسوع
430 ـ "يسوع" في العبرانية يعنى "الله يخلص". وإبان البشارة أطلق عليه الملاك جبرائيل اسم يسوع، اسما علماً، يعبر عن هويته ورسالته معاً([1]). وبما أن الله وحده يستطيع أن يغفر الخطايا" (مر 2: 7) فهو من، بيسوع، ابنه الأزلي المتجسد، "يخلص شعبه من خطاياهم" (متى 1: 21). وهكذا فبيسوع يلخص الله كل تاريخه الخلاصي في سبيل البشر.

431 ـ لم يكتف الله، في تاريخ الخلاص، بأن ينقذ إسرائيل” من دار العبودية” (تث 5: 6) بإخراجه من مصر. إنه يخلصه أيضا من خطيئته. وإذا كانت الخطيئة دائما إهانة لله فهو وحده يستطيع أن يغفرها([2]). ولهذا فإسرائيل، وهو يعي أكثر فأكثر شمولية الخطيئة، لن يستطيع من بعد طلب الخلاص إلا باستدعاء اسم الله الفادي([3]).

432 ـ إن اسم يسوع يعنى أن اسم الله نفسه حاضراً في شخص ابنه([4]) الذي صار إنساناً لافتداءً شاملاً ونهائياً من الخطايا. إنه الاسم الإلهي الذي وحده يجلب الخلاص([5])، وبوسع كل إنسان من الآن فصاعداً أن يدعوه لأنه اتحد بجميع البشر بالتجسد ([6])، بحيث إنه"ليس تحت السماء اسم آخر أعطى في الناس به ينبغي أن نخلص" (أع 4: 13) ([7]).

433 ـ كان اسم الله المخلص يدعوه الكاهن الأكبر مرة واحدة في السنة لتكفير معاصي إسرائيل، عندما كان ينضح على غشاء قدس الأقداس من دم الذبيحة. ([8]). وكان الغشاء مكان حضور الله ([9]). عندما قال القديس بولس عن يسوع أن الله "أقامه أداة تكفير بدمه" (رو 3: 25) أراد أن، في بشرية هذا، "صالح الله في المسيح، العالم مع نفسه" (2 كو 5: 19).

434 ـ قيامة يسوع تمجد اسم الله المخلص ([10])، إذ إنه، من الآن فصاعداً، سيظهر اسم يسوع، إظهاراً كاملاً، القدرة السامية التي "للاسم الذي يفوق كل اسم" (فيل 2: 9 ـ 10). إن الأرواح الشريرة تخشى اسمه ([11])، وباسمه يصنع تلاميذ معجزات ([12])، إذ إن كل ما يسألون الآب باسمه يعطيهموه ([13]).

435 ـ اسم يسوع هو في قلب الصلاة المسيحية. جميع ابتهالات الليترجيا تختم بهذه العبارة "بربنا يسوع المسيح". وصلاة "السلام عليك، يا مريم" تبلغ الذروة في القول "ويسوع، ثمرة أحشائك، مبارك". والابتهال القلبي الشرقي المدعو "صلاة يسوع" يقول: "يا يسوع المسيح، ابن الله، ربىّ، ارحمني أنا الخاطئ" ، عدد كبير من المسيحيين يموتون كالقديسة جان دارك، وعلى لسانهم الكلمة الوحيدة "يسوع" ([14]).

2ً. المسيح

436 ـ "المسيح" لفظة مشتقة من اللفظة العبرانية "ماسيا" التي تعنى "ممسوح". وهى لا تصبح اسماً علماً ليسوع إلا لأن يسوع يتم الرسالة الإلهية التي تعنيها إتماماً كاملاً ففي إسرائيل كان يمسح باسم الله أولئك الذي كرسوا له في سبيل رسالة آتيه من لدنه.تلك كانت حال الملوك([15])

(مل 1: 39)، والكهنة([16])، وفى بعض الحالات النادرة، الأنبياء ([17]).فكان لابد من أن تكون هذه، على وجه سام، حال المسيح الذي سيرسله الله ليقيم ملكوته على وجه نهائي([18]). كان لابد للمسيح من أن يمسحه روح الرب([19]) ملكاً وكاهناً معا ([20])، ولكن بالإضافة إلى ذلك نبياً ([21]). لقد أتم يسوع رجاء إسرائيل المسيحانىّ، في مهمته الثلاثية كاهناً، ونبياً، ملكاً.

437 ـ لقد بشر الملاك الرعاة بميلاد يسوع على انه ماسياّ الذي وعد به إسرائيل "اليوم في مدينة داود ولد لكم مخلص هو المسيح الرب" (لو 2: 11)..إنه منذ البدء ذاك الذي "قدسه الآب وأرسله إلى العالم" (يو 10: 36)، وحبل به”قدوساً“ ([22]) في حشا مريم البتولي. وقد دعا الله يوسف "ليأخذ إلى بيته مريم زوجته" الحامل "للذي حبل به فيها من الروح القدس" (متى 1: 20)، حتى يولد يسوع "الذي يدعى المسيح" من امرأة يوسف في سلالة داود المسيحانية (متى 1: 16) ([23]).

438 ـ إن تكريس يسوع المسيحانى يظهر رسالته الإلهية "وهذا يدل عليه أسمه نفسه، إذ إن في لسم المسيح يضمر من مسح، ومن مسح، والدهن الذي به مسح: الماسح هو الآب، والمسموح هو الابن، وقد مسح بالروح الذي هو الدهن" ([24]). وقد تكشف تكريسه المسيحانى الأزلي في حياته الأرضية في أثناء تعميد يوحنا له عندما "مسحه الله بالروح القدس والقدرة" (أع 10: 38) "لكي يظهر لإسرائيل" (يو 1: 31) على أنه مسيحه وأعماله وأقواله ستعلنه "قدوس الله" ([25]).

439 ـ عدد كبير من اليهود وحتى بعض الوثنيين الذين كانوا يشاركونهم في الرجاء، هؤلاء جميعاً رأوا في يسوع العلامات الأساسية "لابن داود" المسيحانى الذي وعد الله به إسرائيل ([26]). لقد قبل يسوع لقب المسيح الذي كان من حقه ([27])، ولكن لا على سبيل الإطلاق، لأن فئة من معاصريه كانوا ينظرون إليه نظرة جد بشرية ([28])، نظرة سياسية في جوهرها([29]).

440 ـ تقبل يسوع اعتراف إيمان بطرس الذي أعلن عنه أنه المسيح، مخبراً بالآم ابن البشر القريبة ([30]). لقد كشف المضمون الأصيل لملكه المسيحانى في الهوية السامية لابن الإنسان "الذي نزل من السماء" (يو 3: 13) ([31])، وفى رسالته الفدائية كخادم متألم: "لم يأت ابن الإنسان ليخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" (متى 20: 28) ([32]). ولهذا فإن المعنى الحقيقي لملكه لم يظهر إلا من على الصليب ([33]).وهكذا فبعد قيامته فقط يمكن لملكه المسيحاني أن يعلنه بطرس أمام شعب الله: "فليعلم يقينا جميع بيت إسرائيل أن الله قد جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم، رباً ومسيحاً" (أ ع2: 36).

3ً. ابن الله الوحيد

441 ـ ابن الله، لقب كان يعطى في العهد القديم للملائكة([34])، للشعب المختار ([35])،لأبناء إسرائيل([36])، ولملوكهم([37]).إنه يعنى، في ذلك العهد، بنوة بالتبني تجعل بين الله وخليقته علاقات ألفة خاصة. عندما كان يقال للملك المسيح المنتظر "ابن الله" ([38]) لم يكن ذلك يتضمن بالضرورة ـ على حسب المعنى الحرفي لتلك النصوص ـ انه أكثر من بشر وأولئك الذي دعوا يسوع هكذا على انه مسيح إسرائيل([39]) ربما لم يقصدوا أكثر من ذلك([40]).

442 ـ ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى بطرس عندما يعترف بان يسوع هو "المسيح، ابن الله الحي" ([41]) ، إذ إن يسوع يجيبه جواباً احتفالياً: "ليس اللحم والدم كشفا لك هذا، بل أبى الذي في السماوات" (متى 16: 17). وكذلك سيقول بولس في شأن اهتدائه على طريق دمشق: "لما أرتضى الله، الذي فرزني من جوف أمي ودعاني بنعمته، أن يعلن ابنه في لأبشر به بين الأمم..." (غل 1: 15 ـ 16). "أخذ للحال يكرز في المجامع بأن يسوع هو ابن الله"(أع 9: 20). وهذا سيكون منذ البدء([42]) ركيزة الإيمان الرسولي([43]) الذي أعلنه أولا بطرس أساسا للكنيسة([44]).

443 ـ قد يكون بطرس عرف الميزة السامية للبنوة الإلهية في يسوع المسيح، لكون هذا قد ألح إليها بصراحة. أمام المجلس، ويطلب من المدعين عليه بقولهم "أفأنت إذن ابن الله؟ ،أجاب يسوع: "انتم تقولون، أنا هو" (لو 22: 70) ([45]). وقبل ذلك أشار إلى نفسه بأنه "الابن" الذي يعرف الآب ([46])، و الذي هو غير "الخدام" الذي سبق الله و أرسلهم إلى شعبه([47]) ،وفوق الملائكة أنفسهم([48]). لقد ميز بنوته من بنوة تلميذه فلم يقل قط "أبونا" ([49]) إلاّ عندما أمرهم قائلاً: "فأنتم إذن صلوا هكذا: أبانا" (متى 6: 9)؛ وقد شدد على هذا التمييز بقوله "أبى وأبيكم" (يو 20: 17).

444 ـ الأناجيل تروى، في فترتين احتفاليتين، عماد المسيح وتجليه، عن صوت الآب يعلنه "ابنا محبوباً" ([50]). والمسيح يعلن عن نفسه أنه "ابن الله الوحيد" (يو 3: 16)، ويؤكد بهذه الصفة كينونته الأبدية ([51]). وهو يطلب الإيمان "باسم الله الوحيد" (يو 3: 18) هذا الاعتراف المسيحي يظهر في تعجب قائد المائة أمام يسوع المصلوب: "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (مر 15: 39). في السر الفصحى فقط يستطيع المؤمن أن يعطى بعده الأسمى للاسم "ابن الله".

445 ـ بعد قيامته تظهر بنوته الإلهية في قوة بشريته المجمدة: "... المقام بحسب روح القداسة، في قدرة ابن الله، بقيامته من بين الأموات" (رو 1: 4) ([52]).وسيستطيع الرسل أن يعترفوا: "وقد شاهدنا مجده، مجداً من الآب لابنه الوحيد الممتلئ نعمة وحقاً" (يو 1: 14).

4ً.ربّ

446 ـ في الترجمة اليونانية لأسفار العهد القديم، ترجم الاسم الفائق الوصف الذي كشف فيه الله نفسه لموسى([53]) أي يهوه، باسم "كيريوس"، أي ("رب"). وقد أصبح منذ ذاك الاسم رب أكثر ما يستعمل للدلالة على الإلوهية نفسها لإله إسرائيل. والعهد الجديد يعمد إلى هذا المعنى القوى للاسم "رب" ويطلقه لا على الآب وحسب، ولكن ـ وهنا الأمر الجديد ـ على يسوع أيضا معترفاً به إلهاً ([54]).

447 ـ يسوع نفسه يتسمى بهذا الاسم بطريقة خفية عندما يناقش الفريسين في معنى المزمور110([55])، ولكنه يصرح أيضا بذلك في كلامه لرسله([56]). وعلى مدى حياته العلنية كلها كانت مواقف هيمنته على الطبيعة، والأمراض، والشياطين، والموت، والخطيئة، تظهر سيادته الإلهية.

448 ـ كثيراً ما كان الذين، في الإنجيل، يخاطبون يسوع يدعونه "رباً" وهذا الاسم يتضمن احتراما وثقة من قبل الذين يقتربون من يسوع ويترقبون منه عوناً أو شفاءً وبدافع من الروح القدس كان هذا الاسم يعبر عن الاعتراف بسر يسوع الإلهي وهو يصبح في اللقاء مع يسوع الممجد عبادة: “ ربى وإلهي” (يو 20: 28) ويصطبغ مذ ذاك بصبغة المحبة والعطف التي ستبقى ميزة التقليد المسيحي: "هو الرب" (يو 21: 7).

449 ـ بإطلاق اللقب الإلهي "ربّ" على يسوع تثبت اعترافات الإيمان الأولى في الكنيسة منذ البدء أن السلطة والكرامة، والمجد الواجبة لله الآب واجبة أيضا ليسوع القائم في "صورة الله" (فيل 2: 6)، وأن الآب أظهر سيادة يسوع هذه ببعثة من بين الأموات وبرفعه إليه في مجده.

450 ـ منذ بدء التاريخ المسيحي والاعتراف بسيادة يسوع على العالم وعلى التاريخ يعنى أيضا الاعتراف بأنه لا يجوز للإنسان ان يخضع حريته الشخصية، إخضاعاً مطلقاً لأي سلطان أرضى، بل الله الآب وحده، وللرب يسوع المسيح: قيصر "الرب" والكنيسة "تؤمن بأن مفتاح تاريخ البشر، ومركزه، وغايته هي في ربها ومعلمها".

451 ـ الصلاة المسيحية موسومة باسم "الرب"، سواء كان ذلك في الدعوة إلى الصلاة "ليكن الرب معكم"، أو في ختام الصلاة "بيسوع ربنا"، أو أيضا في الهتاف المملوء ثقة ورجاء "ماران أتى" ("الرب يأتي !") أو "ماراناتا" ("تعال يارب!") (1 كو 16: 22)؛ "آمين، تعال أيها الرب يسوع" (رؤ 22: 20).

بإيجاز

452 ـ اسم يسوع يعنى"الله يخلص". الطفل الذي ولدته مريم البتول دعي "يسوع": "لأنه هو الذي سيخلص شعبه من خطاياه" (متى 1: 21): "ليس تحت السماء اسم آخر أعطى في الناس، به ينبغي أن نخلص".

453 ـ الاسم "المسيح" يعنى "الممسوح". يسوع هو المسيح لأن "الله مسحه بالروح القدس والقدرة" (أع 10: 38). وكان "ذاك الذي يأتى" (يو 7: 19)، موضوع "رجاء إسرائيل" (أع 28: 20).

454 ـ الاسم "ابن الله" يعنى العلاقة الوحيدة والأزلية بين يسوع المسيح والله أبه: إنه ابن الآب الوحيد، والله ذاته. الاعتراف بأن يسوع المسيح هو ابن الله أمر ضروري لكي يكون الإنسان مسيحياً.

455 ـ الاسم "رب" يعنى السيادة الإلهية. الاعتراف بيسوع رباً، أو الابتهال إليه بهذه الصفة، هما إيمان بألوهيته."لا أحد يستطيع أن يقول "يسوع رب" إلا بالروح القدس" (1 كو 12: 3)



--------------------------------------------------------------------------------

([1]) ر : لو 1 : 31 .

([2]) ر : مز 51 :6 .

([3]) م س ، 6 .

([4]) ر : أع 5 : 41 ؛3 يو7 .

([5]) ر : يو 3 : 5 ؛ أع 2 : 21.

([6]) ر : رو 1 : 6 ـ 13.

([7]) م س ، 6 .

([8]) ر : أح 16 : 15 ـ 16 ؛ سى 50 : 20 عب9:7 .

([9]) ر : خر 25 : 22 ؛ أح 16 : 2 ؛ عد 7 : 89 ؛ عب9:5 .

([10]) ر : يو 12 : 28 .

([11]) ر : أع 16 : 16 ـ 18 ؛ 19 :13 ـ16 .

([12]) ر : مر 16 :17 .

([13]) ر : يو 15 : 16:7 .

([14]) .

([15]) .

([16]) ر : خر 29 : 7 ؛ أح 8 : 12 .

([17]) ر : 1 مل 19 : 16 .

([18]) ر : مز 2 : 2 ؛ اع 4 : 26 ـ 27.

([19]) ر : أش 11 : 2.

([20]) ر : زك 4 : 14 ؛ 6 : 13.

([21]) ر : أش 61 :1 ؛ لو 4 : 16 ـ 21 .

([22]) ر : لو 1 : 35.

([23]) ر : رو 1 : 3 ؛2 تى 2 : 8 ؛ رؤ 22 : 16.

([24]) القديس إيريناوس ، الردّ على الهرطقات 3 ، 18 ، 3 .

([25]) ر : مر 1 : 24 ؛ح يو 7 : 79 ؛ اع 3 : 14.

([26]) ر : متى 2:2 ؛ 9:27 ؛12:23؛23؛15:22 :22؛20:30؛21:9،15 .

([27]) ر : يو4،25ـ26؛11:27.

([28]) ر : متى 22 : 41 ـ 46.

([29]) ر : يو 6 :15 ؛ لو 24 :21 .

([30]) ر : متى 16 : 16 ـ 23.

([31]) ر : يو 6 : 62 ؛ دا 7 :13.

([32]) ر : أش 53 : 10 ـ 12.

([33]) ر : يو 19 : 19 ـ 22 ؛ لو 23 : 39 ـ 43.

([34]) ر : تث ( السبعينية ) 32 : 8 ؛ أى 1 : 6.

([35]) ر : خر 4 : 22 ؛ هو 11 :1 ؛ إر 3 : 19 ؛ سى 36 :11 ؛ حك 18 :13.

([36]) ر :1 تث 14 :1 ؛ هو 2 : 1.

([37]) ر : 2 صم 7:14 ؛ مز 82: 6.

([38]) ر : 1 أخ 17 :13 ؛ هو 2 :1.

([39]) ر : متى 27 : 54.

([40]) ر : لو 23 : 47.

([41]) ر : متى 16 : 16 .

([42]) ر : 1 تسى 1 : 10.

([43]) ر : يو 20 :31 .

([44]) ر : متى 16 : 18.

([45]) ر : متى 26 :64 ؛ مر 14 :62.

([46]) ر : متى 11:27 ؛ 37 ـ 38.

([47]) ر : متى 21 : 34 ـ 36.

([48]) ر : متى 24 : 36.

([49]) ر : متى 5 : 48 ؛ 6 : 8 ؛ 7 : 21 ؛ لو 11 :13.

([50]) ر : متى 3 : 17 ؛ 17 : 5.

([51]) ر : يو 10 : 36 .

([52]) ر : أع 13 :33.

([53]) ر : خر 3 : 14.

([54]) ر : 1 كو 2 : 8.

([55]) ر : متى 22 : 41 ـ 46 ؛ ر ايضا : أع: 34 ـ 36 ؛ عب 1 : 13.

([56]) ر : يو 13 :13.


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #13 في: 14:12 12/07/2008 »
المقال الثالث

"كان الحبل بيسوع المسيح من الروح القدس،

ولد من البتول مريم"

الفقرة 1 ـ ابن الله صار إنساناً

1ً. لماذا صار الكلمة جسداً ؟
456 ـ مع قانون إيمان نيقية ـ القسطنطينية، نجيب معترفين: "من أجلنا ،نحن البشر وفى سيل خلاصنا، نزل من السماء، بالروح القدس تجسد من مريم البتول وصار إنساناً".

457 ـ صار الكلمة جسداً ليخلصنا بمصالحتنا مع الله: الله: "هو نفسه أحبنا وأرسل ابنه كفارة عن خطايانا" (1 يو 4:14). "إن ذاك قد ظهر ليرفع الخطايا" (1 يو 3: 5):

"مريضة، كانت بيعتنا تطلب الشفاء، وساقطة، أن تقال عثرتها، وميته، أن تبعث حية كنا فقدنا امتلاك الخير، فكان لابد من إعادته إلينا. وكنا غارقين في الظلمات فكان لابد من رفعنا إلى النور؛ وكنا أسرى ننتظر مخلصاً؛ وسجناء عوناً؛ وعبيداً محرراً. هل كانت هذه الدواعي بدون أهمية ؟ ألم تكن تستحق أن تحرك عطف الله إلى حد أن تنزله حتى طبيعتنا البشرية كانت في حالة جد بائسة وجد تعسة؟".

458 ـ الكلمة صار جسداً لكي نعرف هكذا محبة الله.” بهذا ظهرت محبة الله في ما بيننا بأن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لنحيا به "(1 يو 4: 9)؛ إذ إن الله "أحب العالم هكذا حتى إنه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 1)

459 ـ لقد صار الكلمة جسداً لكي يكون مثالاً لنا في القداسة: "احملوا نيرى عليكم وتعلموا منى... " (متى 11: 29)  "أنا الطريق والحق والحياة؛ لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي" (يو 14: 6). والآب، على جبل التجلي يأمر: "اسمعوا له" (مر 9: 7). فهو في الحقيقة مثال التطويبات وقاعدة الناموس الجديد: "أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا" (يو 15: 12). هذه المحبة تتضمن تقدمة الذات الفعلية في أثره.

460 ـ صار الكلمة جسداً لكي يجعلنا "شركاء في الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4): "فهذا هو السبب الذي من أجله صار الكلمة بشراً، وابن الله ابن الإنسان: لكي يصير الإنسان ابن الله بدخوله في الشرك مع الكلمة وبنيله هكذا البنوة الإلية" إذ إن ابن الله صار إنساناً لكي يصيرنا إلها . "ابن الله الوحيد، إذ أراد أن نشاركه في ألوهته، تلبس طبيعتنا حتى إذا صار هو بشراً يصير البشر آلهة".

2ً. التجسد

461 ـ تعيد الكنيسة تعبير القديس يوحنا ("الكلمة صار جسداً" : يو 1:14) وتدعو "تجسداً" كون ابن الله اتخذ طبيعة بشرية لكي يحقق فيها خلاصنا. في نشيد يثبته القديس بولس، تتغنى الكنيسة بسر التجسد "ليكن فيكم من الاستعدادات ما هو في المسيح يسوع: فإنه، هو القائم في صورة الله، لم يعتد مساواته لله [حالة] مختلسة؛ بل لاشى ذاته، آخذا صورة عبيد، صائرا شبيها بالبشر، فوجد كإنسان في الهيئة. ووضع نفسه، وصار طائعاً حتى الموت، [بل] موت الصليب ! " (في 2: 5 ـ 8).

462 ـ والرسالة إلى العبرانيين تتحدث عن السر نفسه:

"فلذلك يقول المسيح عند دخوله العالم: ذبيحة وقراناً لم تشأ، غير أنك هيأت لي جسداً. لم ترتض محرقات ولا ذبائح خطيئة؛ حينئذ قلت: هاءنذا آتى (...) لأعمل بمشيئتك" (عب 10: 5 ـ 7 مورداً مز 40: 7 ـ 9، حسب السبعينية).

463 ـ الإيمان بالتجسد الحقيقي لابن الله هو العلامة المميزة للإيمان المسيحي: "بهذا تعرون روح الله: إن كل روح يعترف بان يسوع المسيح فد أتى في الجسد هو من الله" (1 يو 4: 2). ذلك هو يقين الكنيسة البهيج منذ البدء، عندما تتغنى "بسر التقوى العظيم": "لقد أظهر في الجسد" (1 تي 3: 16).

3ً. إله حق وإنسان حق

464 ـ إن الحادث الوحيد والفريد جداً لتجسد ابن الله يعنى أن يسوع المسيح إله في قسم منه وإنسان في قسم خر، ولا انه نتيجة المزيج المبهم للعنصرين الإلهي والإنساني. لقد صار إنسانا حقاً وبقى إلهاً حقاً. يسوع المسيح هو إله حق وإنسان حق هذه الحقيقة الإيمانية اضطرت الكنيسة إلى أن تدافع عنها وتوضحها خلال القرون الأولى في وجه هرطقات كانت تزروها.

465 ـ الهرطقات الأولى أنكرت ناسوت المسيح الحقيقي أكثر مما أنكرت لاهوته (الظاهرية الغنوصية) ومنذ العهد الرسولي شددت العقيدة المسيحية على التجسد الحقيقي لابن الله "الآتي بالجسد" ولكن منذ القرن الثالث اضطرت الكنيسة إلى أن تناهض بولس السميصاطى، وتثبت في مجمع عقد في إنطاكية، ان يسوع المسيح هو ابن الله بالطبيعة لا بالتبني. ومجمع نيقية المسكوني الأول، سنة 325، اعترف في قانون إيمانه أن ابن الله "مولوداً لا مخلوق، وهو والأب جوهر واحدا" وأدان آريوس الذي ذهب إلى أ، "ابن الله خرج من العدم" ، وأنه من "جوهر غير جوهر الآب".

466 ـ كانت البدعة النسطورية ترى في المسيح شخصاً إنسانياً مقترناً بشخص ابن الله الإلهي. في وجهها اعترف القديس كيرلس الإسكندري، والمجمع المسكونى الثالث المعقود في أفسس، سنة 431، أن "الكلمة، باتخاذه في شخصه جسداً تحييه نفس عاقلة، صار إنسانا". ليس لناسوت المسيح شان إلا في شخص ابن الله الإلهي، الذي اتخذه وخص به ذاته منذ الحبل به. ولهذا أعلن مجمع أفسس، سنة 431، أن مريم أصبحت في الحقيقة والدة الإله بالحبل البشرى بابن الله في أحشائها: "والدة الإله، لا لكون كلمة الله اتخذ منها طبيعته الإلهية، ولكن لكونه اتخذ منها الجسد المقدس مقروناً بنفس عاقلة، والذي اتحد به الكلمة شخصياً، فكان أنه ولد بحسب الجسد".

467 ـ أصحاب الطبيعة الواحدة يذهبون إلى أن الطبيعة البشرية توقف وجودها في المسيح كطبيعة بشرية عندما تلبس بها شخصه الإلهي كابن لله. وتجاه هذه البدعة اعترف مجمع خلقيدونية المسكونى الرابع، في سنة 451:

"على أثر الآباء القديسين نعلم بالإجماع الاعتراف بابن واحد هو هو، سيدنا المسيح. هو هو الكامل في اللاهوت، والكامل في الناسوت، هو هو إله حق وإنسان حق، المركب من نفس عاقلة ومن جسد، الذي جوهره جوهر الآب من حيث اللاهوت ، وجوهره جوهرنا من حيث الناسوت، الذي "يشبهنا في كل شئ ما عدا الخطيئة"؛ الذي ولده الآب قبل جميع الدهور من حيث الألوهة، وفى هذه الأيام الأخيرة ولد من مريم البتول، والدة الإله، من حيث الناسوت، لأجلنا ولأجل خلاصنا. واحد هو، وهو نفسه المسيح والرب والابن الوحيد، الذي يجب أن نعترف به في طبيعتين، غير مختلطتين، وغير متغيرتين، ولا منفصلتين. إن اختلاف الطبيعتين لم يلغه اتحادهما، بل بالحرى احتفظت كل واحدة بمميزاتها، واجتمعت كلها في شخص واحد وأقنوم واحد".

468 ـ من بعد المجمع الخلقيدونى، جل البعض من الطبيعة البشرية في المسيح نوعاً من كيان شخصي وقد ندد بهم المجمع المسكونى الخامس، المنعقد في القسطنطينية، سنة 553، واعترف: "ليس هنالك إلا شخص واحد، هو سيدنا يسوع المسيح، أحد الثالوث". فكل ما في ناسوت المسيح يجب أن ينسب إلى الشخص الإلهي على أنه من عمله الخاص، ليس المعجزات وحسب، ولكن الآلام أيضا، وحتى الموت: "إن الذي صلب بالجسد، سيدنا يسوع المسيح، هو إله حق، رب المجد وواحد من الثالوث الأقدس ".

469 ـ الكنيسة تعترف هكذا أن المسيح إله حقاً وإنسان حقاً بغير انفصال إنه حقاً ابن الله الذي صار إنساناً، أخا لنا، وذلك من غير أن يتوقف عن أن يكون إلها، ربنا:

"لقد ظل ما كان، واتحد ما لم يكنه، على حد نشيد الليترجيا لرومانية. وليترجيا القديس يوحنا الذهبي الفم تعلن وتنشد: "يا كلمة الله الابن الوحيد، الذي لا يموت، لقد رضيت من اجل خلاصنا، أن تتجسد من والدة الإله القديسة مريم الدائمة البتولية، فتآنست بغير استحالة، وصلبت أيها المسيح الإله، وبالموت وطئت الموت، أنت أحد الثالوث القدوس، الممجد مع الآب والروح القدس. خلصنا".

4ً. كيف يكون ابن الله إنساناً ؟

470 ـ بما أنه في اتحاد التجسد السري "الطبيعة البشرية متخذة لا ممتصة"، فقد ألجئت الكنيسة عبر القرون إلى الاعتراف بملء حقيقة نفس المسيح البشرية، مع أعمال عقلها وإرادتها، وبجسده البشرى. ولكن بإزاء ذلك كان عليها كل مرة أن تذكر بان طبيعة المسيح البشرية هي خاصة شخص ابن الله الإلهي الذي اتخذها. فكل ما هو عليه، وكل ما يعمل فيها مرجعه "إلى أحد الثالوث". ومن ثم فابن الله يبث ناسوته الطريقة الخاصة لوجوده الشخصي في الثالوث. وهكذا فالمسيح يعبر بشرياً، في نفسه وفى جسده، عن السلوك الإلهي للثالوث.

"اشتغل ابن الله بيدين بشريتين، وفكر بعقل بشرى، وعمل بإرادة بشرية، وأحب بقلب بشرى؛ وإنه ولد من العذراء مريم، وصار في الحقيقة واحداً مناّ، شبيها بنا في كل شيء ماعدا الخطيئة".

نفس المسيح ومعرفته البشرية

471 ـ ذهب ابوليتاريوس اللاذقانى إلى أن الكلمة في المسيح قام مقام النفس أو الروح. وضد هذا الضلال اعترفت الكنيسة بان الابن الأزلي اتخذ أيضا نفساً بشرية عاقلة.

472 ـ هذه النفس البشرية التي اتخذها ابن الله هي ذات معرفة بشرية حقيقية. ومعرفة بهذه الصفة لم تكن في ذاتها غير محدودة: كانت تستعمل في الأحوال التاريخية لوجودها في المكان والزمان. ولهذا ارتضى ابن الله، إذ صار إنساناً، أن "ينمو في الحكمة والقامة والنعمة" (لو 2: 52)، وحتى أن يكون في حاجة إلى تتبع ما يقتضيه الواقع البشرى من تعلم عن طريق الاختبار. وهذا كان يتمشى وحقيقة تنازله الاختياري في” صورة عبد” .

473 ـ ولكن في الوقت نفسه كانت معرفة ابن الله البشرية الحقيقة هذه تعبر عن حياة شخصه الإلهية. "كانت طبيعة ابن الله البشرية، لا بذاتها بل باتحادها بالكلمة، تعلم وتظهر في ذاتها كل ما يليق بالله. من ذلك أولاً المعرفة الحميمة والمباشرة التي كانت لابن الله المتجسد عن أبيه. وكان الابن يظهر أيضا في عمله البشرى ما كان له من نفاذ ألهى إلى الأفكار السرية في قلب البشر.

474 ـ وكانت معرفة المسيح البشرية، بفضل اتحادها بالحكمة الإلهية في شخص الكلمة المتجسد، تتمتع تمتعاً كاملاً بعلم المقاصد الأزلية التي جاء ليكشف عنها. وما يعترف بجهله في هذا المجال، يعلن في موضع آخر أن ليس له أن يكشف عنه.

إرادة المسيح البشرية

475 ـ بموازاة ذلك اعترفت الكنيسة في المجمع المسكونى السادس بأن للمسيح إرادتين وفعلين طبيعيين، إلهي وبشرى، لا متعارضين، بل متعاونين، بحيث إن الكلمة المتجسد أراد بشريا، في طاعة أبيه، كل ما أقره إلهيا مع الآب والروح القدس من أجل خلاصنا. إن أراده المسيح البشرية "تتبع إرادته الإلهية، بدون أن تكون معيقة ولا معارضة لها، بل بالحري بخضوعها لهذه الإرادة الكلية القدرة".

 

جسد المسيح الحقيقي

467ـ بما أن الكلمة صار جسداً متخذا ناسوتاً حقيقياً فإن جسد المسيح كان محدداً. ولهذا كان بالإمكان "رسم" وجه يسوع البشرى. وفى المجمع المسكوني السابع، اعترفت الكنيسة بأنه من الشرعي رسمه في صور مقدسة.

477 ـ وفى الوقت نفسه اعترفت الكنيسة دائماً بان في جسد يسوع "أصبح الله غير المنظور بطبيعته منظورا لعيوننا". وهكذا فإن ميزات جسد المسيح الفردية تعبر عن شخص ابن الله الإلهي. وهذا اتخذ لذاته ملامح جسده البشرى إلى حد إنها إذا رسمت في صورة مقدسة يمكن إكرامها، إذ إن المؤمن الذي يكرم صورته "يكرم فيها الشخص الذي رسم فيها".

 

قلب الكلمة المتجسد

478 ـ يسوع عرفنا وأحبنا جميعاً كما عرف وأحب كل واحد بمفرده، في حياته، وفى نزاعه وآلامه، وأسلم ذاته من أجل كل واحد منا: "أحبني ابن الله وبذل نفسه عنى" (غل 2: 20). لقد أحبنا جميعاً بقلب بشرى. لهذا السبب فقلب يسوع الأقدس، الذي طعن بآثامنا ولأجل خلاصنا، "أيعد العلامة والرمز الجليلين.. لهذه المحبة التي يحب بها الفادي الإلهي، محبة لا تنقطع، الآب الأزلي وجميع البشر في غير استثناء.

بإيجاز

479 ـ في الزمن الذي حدده الله تجسد ابن الآب الوحيد، الكلام الأزلي، أي كلمة الآب وصورته الجوهرية: بدون أن يفقد الطبيعة الإلهية اتخذ الطبيعة البشرية.

480 ـ يسوع المسيح إله حقيقي وإنسان حقيقي، في وحده شخصه الإلهي؛ ولهذا فهو الوسيط الوحيد بين الله والبشر.

481 ـ في يسوع المسيح طبيعتان، الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية، غير ملتبستين بل متحدتين في شخص ابن الله الوحيد.

482 ـ إذ كان المسيح إلها حقاً وإنساناً حقاً فهو يملك عقلاً وإرادة بشريين متفقين كل الاتفاق، وخاضعين لعقله وإرادته الإلهيين اللذين يشترك فيهما مع الآب والروح القدس.

483 ـ التجسد إذن سرّ الاتحاد العجيب للطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية في شخص الكلمة الوحيد.

الفقرة 2 ـ ”..كان الحبل به من الروح القدس، ولد من البتول مريم “

1ً. كان الحبل به من الروح القدس...

484 ـ بشارة مريم تفتتح "ملء الزمان" (غل 4:4)، أي إنجاز الوعود و التهييئات لقد دعيت مريم إلى الحبل بمن "سيحل فيه ملء اللاهوت جسدياً" (كول 2: 99). الجواب الإلهي عن سؤالها : "كيف يكون ذلك وأنا لا أعرف رجلاً ؟" أعطته قدرة الروح: "الروح القدس يأتى عليك" (لو 1: 35).

485 ـ رسالة الروح القدس ترافق دائما رسالة الابن وتواكبها. فقد أرسل الروح القدس لكي يقدس حشا العذراء مريم ويخصبه إلهياً، هو "الرب الذي يحيى" ، فتحبل بابن الآب الأزلي في ناسوت متخذ من ناسوتها.

486 ـ وبما أن ابن الآب الوحيد قد حبل به إنساناً في حشا العذراء مريم فهو"مسيح" أي ممسوح من قبل الروح القدس، منذ بدء وجوده البشرى، وإن لم يظهر إلا تدريجيا: للرعاة، للمجوس، ليوحنا المعمدان، للتلاميذ. كل حياة يسوع المسيح ستظهر إذن "كيف مسحه الله بالروح القدس والقدرة" (أع 10: 38).

 2ً. ...ولد من البتول مريم

487 ـ ما تؤمن به العقيدة الكاثوليكية بالنسبة إلى مريم يتركز على ما تؤمن به بالنسبة إلى المسيح، ولكن ما تعمله في ما يتعلق بمريم ينير بدوره إيمانها بالمسيح.

اختيار مريم

488 ـ "الله أرسل ابنه" (غل 4: 4)، ولكنه هيّا له جسداً. فقد أراد الإسهام لحر من إحدى خلائقه. ولهذا، فمنذ الأزل، اختار الله أما لابنه، إحدى بنات إسرائيل، فتاة من ناصرة الجليل، "عذراء مخطوبة لرجل اسمه يوسف، من بيت داود، واسم العذراء مريم" (لو 1: 26 ـ 27).

"لقد أراد أبو المراحم أن يسبق التجسد قبول من قبل مريم المختارة، بحيث إنه كما أسهمت امرأة في عمل الموت تسهم كذلك امرأة في عمل الحياة".

489 ـ على مدى العهد القديم هيأت رسالة مريم رسالة نساء قديسات. فأولا كانت حواء. فإنها، وإن خالفت الوصية، نالت الوعد بنسل يتغلب على الماكر، وبأنها ستكون أما لجميع الأحياء. وبناء على هذا الوعد حبلت سارة بابن على تقدمها في السن. وخلافاً لكل انتظار بشرى اختار الله ما كان يعد عاجزاً وضعيفاً لكي يظهر أمانته لوعده: حنة، أم صموئيل، دبورة، راعوث، يهوديت، أستير، ونساء آخر كثيرات. مريم "تحتل المكان الأول بين أولئك المتواضعين وفقراء الرب الذين يرتجون منه الخلاص بثقة وينالونه. ومعها، هي ابنة صهيون المثلى، تتم الأزمنة، بعد انتظار الموعد طويلاً، ويبدأ التدبير الجديد".

الحبل بلا دنس

490 ـ لكي تكون مريم أم المخلص "نفحها الله من المواهب بما يتناسب ومثل هذه المهمة العظيمة" فالملاك جبرائيل يحييها إبان البشارة على أنها "ممتلئة نعمة". ولكي تستطيع أن توافق موافقة إيمانها الحرة على البشارة بالدعوة التي دعيت إليها، كان لابد لها من أن تكون محمولة على نعمة الله.

491 ـ على مر العصور وعت الكنيسة أن مريم :التي عمرتها نعمة الله" ، قد افتديت منذ حبل بها. هذا ما تعترف به عقيدة البل بلا دنس، التي أعلنا الباب بيوس التاسع، سنة 1854:

"إن الطوباوية العذراء مريم قد صينت، منذ اللحظة الأولى للحبل بها، سليمة من كل لطخة من لطخات الخطيئة الأصلية، وذلك بنعمة من الله الكلى القدرة وبإنعام منه، نظراً إلى استحقاقات يسوع المسيح مخلص الجنس البشرى".

492 ـ هذه "القداسة الرائعة والفريدة" التي "أغنين بها منذ اللحظة الأولى من الحبل بها" تأتيها كلها من المسيح: لقد "افتديت بوجه سام، باعتبار استحقاقات ابنها". فوق كل شخص آخر مخلوق، "باركها الآب بكل أنواع البركات الروحية في السماوات، في المسيح" (أف 1: 3). إنه "أختارها فيه عن محبة، من قبل إنشاء العالم، لتكون قديسة وبغير عيب أمامه" (أف 1: 4).

493 ـ آباء التقليد الشرقي يدعون والدة الإله "بالكلية القداسة" ويحتفلن بها على أنها "معصومة من كل وصمة خطيئة، لأن الروح القدس عجنها وكونها خليقة جديدة" لقد لبثت مريم طول حياتها بريئة، بنعمة الله، من كل خطيئة شخصية.

"فليكن لى بحسب قولك... "

494 ـ عندما بشرت مريم بأنها ستلد "ابن الله العلي" من غير أنها تعرف رجلاً، بقوة الروح القدس، أجابت "بطاعة الإيمان" (رو 1: 5) موقنة بأن "لا شيء مستحيل عند الله: "أنا أمة الرب، فليكن ليس بحسب قولك" (لو 1: 37 ـ 38). وهكذا بإذعان مريم لكلام الله أصبحت أما ليسوع، وإذ اعتنقت بكل رضى، وبمعزل عن كل عائق إثم، الإرادة الإلهية الخلاصية، بذلك ذاتها كلياً لشخص ابنها وعمله، لتخدم سر الفداء، بنعمة الله، في رعاية هذا الابن ومعه.

"لقد صارت بطاعتها ـ على حد قول القديس إيربناوس ـ علة خلاص، لها هي نفسها وللجنس البشرى كله" ومعه يقول كثيرون من الآباء الأقدمين: "إن العقدة التي نجمت عن معصية حواء قد انحلت بطاعة مريم؛ وما عقدته حواء العذراء بعدم إيمانها، حلته العذراء مريم بإيمانها" وبمقارنتهم مريم بحواء، يدعون مريم "أم الأحياء"، وكثيراً ما يعلنون: "بحواء كان الموت وبمريم كانت الحياة".

أمومة مريم الإلهية

495 ـ مريم التي دعيت في الإنجيل "أم يسوع" (يو 2: 1؛ 19: 25) نودي بها، بدافع من الروح القدس، ومن قبل أن تلد أبنها "أم ربى" (لو 1: 43). فهذا الذي حبلت به إنسانا بالروح القدس والذي صار حقاً ابنها في الجسد ليس سوى ابن الآب الأزلي، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. والكنيسة تعترف بان مريم هي حقاً والدة الإلهة" .

بتولية مريم

4996 ـ منذ إعلان الصيغ الأولى للإيمان، اعترفت الكنيسة أن يسوع جرى الحبل به بقوة الروح القدس وحدها، في حشا العذراء مريم، مثبته أيضا الناحية الجسدية في هذا الحدث: يسوع حبل به "من الروح القدس بدون زرع رجل" والآباء يرون في الحبل البتولي علامة لأن هذا هو حقاً ابن الله الذي آتى في ناسوت كناسوتنا:

قال في هذا المعنى القديس إغناطيوس الانطاكى (أوائل القرن الثاني): "اتضح لي أنكم على أشد اليقين في ما يتعلق بربنا الذي هو في الحقيقة من ذرية داود بحسب الجسد، وابن الله بحسب إرادة الله وقدرته، ومولود حقاً من عذراء (...) وقد سمر حقاً من أجلنا في جسده في عهد بنطيوس بيلاطس (..) فتألم حقا، وحقا قام أيضاً".

497 ـ الروايات الإنجيلية تري في حبل العذراء عملا إلهيا يفوق كل إدراك إنساني وكل قدرة بشرية: "لذي حبل به فيها إنما هو من الروح القدس"، هكذا قال الملاك ليوسف في شأن مريم خطيبته(متى 1: 20). والكنيسة ترى في ذلك إنجاز الوعد الإلهي الذي نطق به النبي أشعيا قائلاً: "ها إن العذراء تحبل وتلد ابنا" (أ ش 7: 14)، على ما جاء في الترجمة اليونانية لمتى 1: 23.

498 ـ أثار صمت إنجيل مرقس ووسائل العهد الجديد أحيانا القلق في شأن حبل مريم البتولي وكان من الممكن أن يتساءل المرء هل في الأمر خرافات أو تركيبات لاهوتية من النوايا التاريخية.فعن ذلك يجب أن يكون الجواب: لقد لقى الإيمان بالحبل البتولي بيسوع معارضة حادة، وهزءا أو سوء فهم من قبل غير المؤمنين، اليهود والوثنين: لم تكن هذه العقيدة معللة بالميثولوجيا الوثنية أو بأي مطابقة لآراء العصر. لم يكن إدراك معنى هذا الحادث ممكنا إلا للإيمان الذي يراه في هذه العلاقة التي تربط ما بين الأسرار، في مجموعة أسرار المسيح، من تجسده إلى فصحه والقديس إغناطيوس الانطاكى يعرب عن هذه العلاقة ويقول: "لقد جهل سلطان هذا العالم بتولية مريم وولادتها، كما جهل موت الرب: ثلاثة أسرار باهرة تمت في صمت الله".

مريم ـ دائمة البتولية

499 ـ تعمق الكنيسة في إيمانها بالأمومة البتولية قادها إلى الاعتراف ببتولية مريم الحقيقة والدائمة، حتى في ولادتها ابن الله المتأنس. فميلاد المسيح "لم ينقص ببتولية أمه ولكنه كرس كمال تلك البشرية، ليترجيا الكنيسة تشيد بمريم على إنها دائمة البتولية".

500 ـ يعترض على هذا أحيانا بأن الكتاب المقدس يذكر أخوة وأخوات ليسوع والكنيسة رأت دائما أن هذه المقاطع لا تشير إلى أن للعذراء مريم أولادا آخرين: وهكذا فيعقوب ويوسى "أخوة يسوع" (متى 13: 55) هم أبناء امرأة اسمها مريم كانت تلميذة للمسيح، أشير إليها بطريقة معبرة على أنها "مريم الأخرى" (متى 28: 1) فالكلام كان على أقرباء ليسوع أدنين، على طريقة تعبيرية معهودة في العهد القديم.

501 ـ يسوع هو ابن مريم الوحيد. ولكن أمومة مريم الروحية تشمل جميع البشر اللذين أتى ليخلصهم: "ولدت ابنها الذي جعله الله "بكرا ما بين أخوة كثيرين" (رو 8: 29)، أي مؤمنين تسهم محبتها الأمومية في ولادتهم وفى تنشئتهم".

أمومة مريم البتولية في تصميم الله

502 ـ يستطيع نظر الإيمان، مرتبطا بمجمل الوحي، أن يكشف الأسباب الخفية التي لأجلها أراد الله، في قصده الخلاصي، أن يولد ابنه من بتول. هذه الأسباب تتعلق بشخص المسيح ورسالته الفدائية كما تعلق بتقبل مريم لهذه الرسالة من أجل جميع البشر.

503 ـ "إن بتولية مريم تظهر مبادرة الله المطلقة في التجسد فأبو يسوع الوحيد هو الله والطبيعة البشرية التي اتخذها لم تبعده قط عن الأب (...)؛ فهو طبيعيا ابن الآب بلا هوته، وطبيعيا ابن والدته بنا سوته، وهو خصوصا ابن الله في طبيعته".

504 ـ يسوع حبل به من الروح القدس في حشا العذراء مريم لأنه آدم الجديد الذي يفتتح الخليقة الجديدة: "الإنسان الأول من الأرض من التراب، والإنسان الثاني من السماء" (1 كو 15: 47). فناسوت المسيح، منذ الحبل به، "مملوء بالروح القدس، لأن الله يعطيه الروح بغير حساب" (يو 3: 34). فمن "ملئه" هو رأس البشرية المفتداة ،"أخذنا نعمة فوق نعمة" (يو 1: 16).

505 ـ يسوع، آدم الجديد، يفتتح، بالحبل البتولي به، الولادة الجديدة لأبناء الله بالتبني في الروح القدس بالإيمان "كيف يكون ذلك؟" (لو 1: 34). الاشتراك في الحياة الإلهية لا يأتي "من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل بل منن الله" (يو 1: 13). فتقبل هذه الحياة بتولي لأن الحياة بكاملها عطية للإنسان من الروح القدس. والمعنى الزواجي في الدعوة البشرية بالنسبة إلى الله يكتمل اكتمالا وافيا في أمومة مريم البتولية.

506 ـ مريم بتول لأن بتوليتها علامة إيمانها الذي "لا يشوبه شك" واستسلامها الكامل لمشيئة الله. فإيمانها هو الذى يخولها أن تصير أما للمخلص: "مغبوطة مريم لكونها نالت إيمان المسيح، أكثر مما لأنها حبلت بجسد المسيح".

507 ـ مريم بتول وأم معاً، إذ أنها معاً، إذ أنها صورة الكنيسة وأكمل تحقيق لها: "الكنيسة.. تصير هي أيضا أما بكلام الله الذي تتقبله بإيمان: فبالكرازة والمعمودية تلد ، لحياة جديدة خالدة، أولادا يحبل بهم من الروح القدس ،ويولدون من الله. وهى أيضا عذراء، إذ قطعت لعريسها عهداً تحفظه كاملا لا تشوبه شائبة".

بإيجاز

508 ـ في نسل حواء اختار الله العذراء مريم لتكون أما لابنه. وإذ كانت "ممتلئة نعمة" فهي "خير ثمار الفداء": فهي منذ لحظة الحبل بها الأولى، صينت على وجه كامل من وصمة الخطيئة الأصلية، ولبثت طول حياتها بريئة من كل خطيئة شخصية.

509 ـ مريم هي حقاً "والدة الإله" لأنها والدة ابن الله الأزلي المتجسد، الذي هو نفسه إله

510 ـ مريم "لبثت بتولاً في الحبل بابنها، وبتولا في ولادتها له، وبتولا في حملها له، وبتولا في إرضاعه، بتولا أبدا": كانت بملء كيانها "أمة الرب" (لو 1: 38).

511 ـ "أسهمت العذراء مريم في خلاص البشر، بإيمانها وخضوعها الاختيارين.لقد فاهت بـ "نعمها"، "باسم الطبيعة البشرية كلها جمعاء". بطاعتها صارت حواء الجديدة، أم الأحياء.

الفقرة 3 ـ أسرار حياة المسيح

512 ـ قانون الأيمان لا يتحدث، في موضع حياة المسيح، إلا عن سرى التجسد (حبل وميلاد)، و الفصح (آلام، وصلب، وموت، ودفن، وانحدار إلى الجحيم، وقيامة وصعود). ولا يذكر شيئا بصراحة عن أسرار حياة يسوع الخفية والعلنية، إلا أن بنود الإيمان المتعلقة بتجسد يسوع و فصحه تلقى نوراً على حياة المسيح الأرضية كلها. كل "ما عمل يسوع وعلم به من البدء حتى اليوم الذي صعد فيه إلى السماء" (أع 1: 1 ـ 2) يجب أن يؤخذ على نور سرى الميلاد و الفصح.

513 ـ للكرازة أن تنشر، وفاقا للأحوال، كل غنى أسرار يسوع. تكفى هنا الإشارة إلى بعض العناصر المشتركة في أسرار حياة المسيح (1) للوصول بعد ذلك إلى رسم الخطوط الكبرى من الأسرار المهمة في حياة يسوع الخفية (2)، والعلنية (3).

1ً. كل حياة المسيح سرّ

514 ـ أمور كثيرة تستهوي معرفتها الفضول البشرى في ما يتعلق بيسوع، ولا ترد في الأناجيل. فلم يقل شئ تقريبا عن حياته في الناصرة، وقسم كبير من حياته العلنية لم يرو خبره. فما كتب في الأناجيل "إنما كتب لكي تؤمنوا أن يسوع هو المسيح، ابن الله، وتكون لكم، إذا آمنتم، الحياة باسمه" (يو 20: 31).

515 ـ الأناجيل كتبها أناس كانوا من الأولين في الإيمان وكانوا يريدون أن يشركوا الآخرين في ذلك الإيمان. فإذ عرفوا بالإيمان من هو يسوع، استطاعوا أن يروا ويروا آثار سره في حياته الأرضية كلها. فمن قط ولادته إلى خل آلامه والى كفن قيامته، كل شيء في حياة يسوع علامة سره. فمن خلال حركاته، ومعجزاته وأقواله، كشف أن المسيح "يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً" (كو 2: 9) وهكذا ظهر ناسوته أشبه بالسر "أي العلامة والوسيلة للاهوته وللخلاص" الذي يأتي به: ما كان منظوراً في حياته الأرضية قاد إلى السر غير المنظور في بنوته الإلهية وفى رسالته الفدائية

عناصر أسرار يسوع المشتركة

516 ـ كل حياة المسيح كشف عن الآب: أقواله وأعماله، صمته وآلامه، طريقة كينونته وكلامه، يستطيع أن يقول: "من يرني ير الآب (يو 14: 9)، و الآب: "هذا هو أبني الحبيب، فاسمعوا له" (يو 9: 35). وإذ كان ربنا قد تجسد لإتمام مشيئة الآب، فأصغر ملامح أسراره تظهر لنا "محبة الله لنا" (1 يو 4: 9).

517 ـ كل حياة المسيح سر فداء. الفداء يأتينا قبل كل شيء بدم الصليب، ولكن هذا السر يعمل على مدى حياة المسيح كلها: في تجسده الذي، إذ صار به فقيراً، يغنينا بفقره؛ في حياته الخفية التي عوض فيها بخضوعه عن عصياننا؛ في كلامه الذي يطهر سامعيه؛ في أشفيه وإخراجه الشياطين التي بها "أخذ عاهتنا وحمل أوجاعنا" (متى 8: 17)؛ في قيامته التي بها يبررنا.

518 ـ كل حياة المسيح سر تلخيص. فكل ما عمله يسوع، وما قاله، وما تألمه، كان هدفه إعادة الإنسان على دعوته الأولى:

"عندما تجسد وصار إنسانا، لخص في ذاته تاريخ البشر الطويل، وحصل لنا الخلاص مختصرا، بحيث إن ما فقدناه بآدم، أي كوننا على صورة الله ومثاله، نستعيده في المسيح يسوع. وهذا الذي حمل المسيح على أن يمر بجميع أعمال الحياة، معيدا إلى جميع البشر الشركة مع الله".

شركتنا في أسرار يسوع

519 ـ كل غني المسيح "معد لكل إنسان وهو يؤلف خير كل واحد" المسيح لم يحي حياته لنفسه، بل لنا منذ تجسده من أجلنا نحن البشر وفي سبيل خلاصنا إلى موته "من اجل خطايانا" (1 كو 15: 3) والي قيامته لأجل تبريرنا (رو 4: 25) والآن أيضا هو لنا شفيع لدي الآب (1 يو 2: 1) إذ "انه علي الدوام حي ليشفع فينا" (عب 7: 25) فهو مع كل ما عاني في حياته وآلامه لأجلنا مرة واحدة يظل حاضرا أبدا أمام وجه الله لأجلنا (عب 9: 24)

520 ـ يظهر يسوع في حياته كلها مثالا لنا: انه الإنسان الكامل الذي يدعونا إلى أن نصير تلاميذه والي أن نتبعه: بتنازله قدم لنا مثالا لنتبعه وبصلاته يجذب إلى الصلاة وبفقرة يدعو إلى قبول اختياري للفقر والاضطهادات.

521 ـ كل ما عانى المسيح في حياته يعمل علي أن نعانيه فيه وعلي أن يعانيه فينا "بالتجسد اتحد ابن الله نوعا ما بكل إنسان ونحن مدعوون إلى أن لا نكون إلا واحدا معه وما عاناه في جسده من أجلنا وكمثال لنا يجعلنا نشترك فيه كأعضاء من جسده":

"يجب علينا أن نواصل ونكمل فينا حالات يسوع وأسراره وان نسأله غالبا أن يتمها ويكملها فينا وفي كل كنيسته، بالنعم التي يريد أن يمنحناها، وبالأثر الذي يريد أن يجربه فينا بهذه الأسرار.وبهذه الطريقة يريد أن يتمها فينا".

2ً. أسرار حداثة يسوع وحياته الخفية

التهيئة

522 ـ مجيء ابن الله على الأرض حدث بهذا العظم حتى إن الله أراد أن يهيئه سحابة قرون. طقوس وذبائح، صور "العهد الأول" ورموزه، كل ذلك وجهه الله إلى المسيح إنه ينبئ به بلسان المتعاقبين في إسرائيل؛ ويوقظ في قلوب الوثنين ترقب هذا المجيء الغامض.

523 ـ القديس يوحنا المعمدان هو سابق الرب المباشر؛ أرسل ليهيئ له الطريق "نبي العلي" (لو 1: 76)؛ يفوق جميع الأنبياء، وهو آخرهم، يفتتح الإنجيل؛ يحيى مجيء المسيح ولما يزل في حشا أمه، ويجد حبوره في أن يكون "صديق العريس" (يو 3: 29)، دالاً إليه أنه "حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (يو 1: 29). سبق يسوع "في روح أبليا وقدرته" (لو 1: 17)، وشهد له بكرازته، ومعمودية التوبة، وأخيراً باستشهاده.

524 ـ عندما تحتفل الكنيسة بليترجيا تهيئة الميلاد (المجيء) تجعل ترقب الماسيا هذا حالياً باشتراك المؤمنين في التهيئة الطويلة لمجيء المخلص الأول، يجددون تشوقهم الحار إلى مجيئه الثاني. والكنيسة عندما تحتفل بميلاد السابق واستشهاده تتحد برغبته: "له ينبغي أن ينمو ولى ان أنقص" (يو 3: 30).

سر الميلاد

525 ـ ولد يسوع في ضعة مذود، في أسرة فقيرة؛ رعاة بسيطون كانوا أول من شهد للحادث. ففي هذه المسكنة يتجلى مجد السماء. والكنيسة لا تألوا جهدا في الإشادة بمجد هذه الليلة:

"اليوم البتول تلد الفائق الجوهر،

والأرض تقدم المغارة لمن لا يدنى منه

الملائكة مع الرعاة يمجدون،

والمجوس مع الكوكب يسيرون،

لأنه من أجلنا ولد طفلا جديداً

الإله الذي قبل الدهور.

526 ـ إن "يصير الإنسان طفلاً"، بالنسبة إلى الله، هو الشرط لدخول الملكوت؛ ولهذا يجب الإتضاع، والتصاغر؛ وأكثر من ذلك: يجب أن "يولدوا من فوق" (يو 3: 7)، أن "يولدوا من الله" لكي "يصيروا أبناء الله" سر الميلاد يتم فينا عندما "يتصور المسيح فينا". الميلاد سر هذا "التبادل العجيب":

"يا للتبادل العجيب ! خالق البشرى، باتخاذه جسدا ونفسنا، يتنازل ويولد من عذراء ويصيرونه إنسانا بدون وساطة إنسان، ينعم علينا بموهبة ألوهيته".

أسرار حداثة يسوع

527 ـ ختان يسوع في اليوم الثامن لميلاده هو علامة دخوله في نسل إبراهيم، في شعب العهد، وخضوعه للناموس، وانتدابه لشعائر إسرائيل الدينية التي سيشترك فيها سحابة حياته كلها. هذه العلامة هي صورة مسبقة "لختانة المسيح" أي المعمودية.

528 ـ الظهور هو ظهور يسوع على أنه ماسيا إسرائيل، ابن الله ومخلص العالم وهو مع اعتماد يسوع في الأردن وعرس قانا، يحتفل بالعبادة التي أداها ليسوع "المجوس" الآتون من المشرق في هؤلاء "المجوس" الممثلين للديانات الوثنية المجاورة، ويرى الإنجيل بواكير الأمم التي تتلقى بشرى الخلاص بالتجسد فمجيء المجوس إلى أورشليم يظهر أنههم عرفوا في طفل بيت لحم، على ضوء النجمة الماسيوي، ملك الأمم مجيئهم يعنى أن الوثنين، باكتشافهم يسوع، وبالسجود له على انه ابن الله ومخلص العالم، يتقبلون المواعيد الماسيوية، كما احتواها العهد القديم. الظهور يعلن أن "جمهور الوثنين يدخل في أسرة الأجداد"، وبالمسيح يكتسب كرامة شعب الله.

529 ـ تقدمة يسوع إلى الهيكل تظهره البكر الذي للرب مع سمعان وحنة يأتي كل رجاء إسرائيل للقاء مخلصه (هكذا يدعو التقليد البيزنطي هذا الحديث) فيسوع هو الماسيا الذي طالما انتظر ،"نور الأمم" و"مجد إسرائيل"، و"هدف المخالفة" أيضا. وسيف الألم الذي أنبئت به مريم ينبئ بتلك التقدمة الأخرى، الكاملة والفريدة، تقدمة الصليب، التي ستعطى الخلاص الذي "أعده الله أمام وجوه الشعوب كلها".

530 ـ الهرب إلى مصر وقتل الأبرياء يظهر أن معارضة الظلمات للنور: "أتى إلى خاصته لم تقبله" (يو 1: 11) كل حياة يسوع ستكون هدفا للاضطهاد وسيكون أتباعه شركاءه فيه. صعوده إلى مصر يذكر بالخروج ويظهر يسوع محرراً نهائياً.

أسرار حياة يسوع الخفية

531 ـ قاسم يسوع، في القسم الأكبر من حياته، أكثر الناس حالتهم ووضعهم حياة يومية خالية من الأبهة الظاهرة، حياة عمل يدوى، حياة تدين يهودي خاضعة لناموس الله، حياة مشتركة من هذه المرحلة كلها كشف لنا عن أن يسوع كان خاضعاً لأبويه، وأنه كان "ينمو في الحكمة والقامة والنعمة أمام الله والناس" (لو 2: 52).

532 ـ خضوع يسوع لأمه وأبيه الشرعي يتم الوصية الرابعة إتماماً كاملاً إنه الصورة الزمنية لطاعته البنوية لأبيه السماوي خضوع يسوع اليومي ليوسف ومريم كان ينبئ ويعلن مسبقاً خضوع المسيح في صلاته ببستان: "لا مشيئتي.." (لو 22: 42) إن خضوع يسوع في يوميات حياته الخفية كان يفتتح عمل إصلاح ما دمره عصيان آدم.

533 ـ حياة الناصرة الخفية تتيح لكل إنسان أن يشترك مع يسوع في طرائق الحياة اليومية

"الناصرة هي المدرسة التي تبدأ فيها فهم حياة يسوع: مدرسة الإنجيل (..). درس صمت أولا فليولد فينا تقدير الصمت، هذا الوضع العجيب والضروري للنفس (...) درس حياة عيلية فلتعلمنا الناصرة ما العيلة، وما شركة محبتها، وما جمالها القشف والبسيط، وما طابعها المقدس وغير قابل الانتهاك (..) درس عمل الناصرة، ويا لها من منزل "لابن النجار!" ههنا نود لو نفهم ونعلى القانون القاسي والفدائي للجهد البشرى (..) وكم نود أخيرا أن نحيى هنا جميع عمال العالم كله، وأن نريهم مثالهم العظيم، وأخاهم الإلهي".

534 ـ وجود يسوع في الهيكل هو الحدث الوحيد الذي يقطع صمت الأناجيل في أن سنوات يسوع الخفية. يسوع يجعلنا نستشف في هذا الحدث سر تكرسه الكامل لرسالة تنبع من بنوته الإلهية: "ألم تعلما أنى ملتزم بشؤون أبى ؟" و"لم يفهم" يوسف ومريم الكلام، ولكنهما تقبلاه بالإيمان، وكانت مريم "تحفظ جميع هذه الأشياء في قلبها" سحابة السنين التي لبث يسوع فيها متواريا وراء صمت حياة عادية.

3ً. أسرار حياة يسوع العلنية

تعميد يسوع

535 ـ افتتحت حياة يسوع العلنية بالمعمودية التي تلقاها من يوحنا في الأردن كان يوحنا يكرز "بمعمودية توبة لمغفرة الخطايا" (لو 3: 3) وكان جمهور من الخطأة والعشارين والجنود و الفريسين و الصدوقيين والبغايا أتوا ليعتمدوا منه "حينئذ ظهر يسوع". فيتردد المعمدان. ويلح يسوع: فينال المعمودية؛ وإذا بالروح القدس ينزل بشكل حمامة ويحل عليه؛ وإذا صوت من السماوات يقول: "هذا ابني الحبيب" (متى 3: 13 ـ 17)، إنه "ظهورا" يسوع ماسيا إسرائيل وابن الله.

536 ـ اعتماد يسوع هو، من جهته، قبول وافتتاح رسالته كخادم متألم. إنه يسمح بان يعد في الخطأة وهو منذ الآن "حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (يو 1: 29)؛ وهو منذ الآن يستبق "معمودية" موته الدامي. إنه يأتي منذ الآن "ليكمل كل بر" (متى 3: 15)، أي ليخضع بكليته لمشيئة أبيه: إنه يرتضى بمحبة معمودية الموت هذه لمغفرة خطايانا ويقابل هذا الرضى جواب صوت الآب الذي يجعل في ابنه كل مسرته والروح، الذي يملكه يسوع بملئه منذ الحبل به، يأتي و"يستقر عليه وهو سيكون ينبوعه لجميع البشر فعند اعتماده "تفتح السماوات" (متى 3: 16) التي ألقتها خطيئة آدم؛ والمياه تتقدس بحلول يسوع والروح القدس، افتتاحاً للخلق الجديد.

537 ـ بالمعمودية يشبه المسيحي سرياً بالمسيح الذي يستبق بمعموديته موته وقيامته يجب عليه أن يدخل في سر التنازل الوضيع والتوبة، وأن ينزل في الماء مع يسوع، لكي يعود إلى الصعود معه، وان يولد من الماء والروح لكي يصبح، في الابن، الابن الحبيب للآب و"يحيا حياة جديدة" (رو 6: 4).

"لندفن ذواتنا بالمعمودية مع المسيح، لكي نقوم معه؛ لننحدر معه، لكي نرفع معه، لنصعد معه لكي نمجد فيه"

"كل ما جرى في المسيح يعلمنا أن بعد حمام الماء، ينزل علينا الروح القدس من السماء،

وأننا بتبني صوت الآب لنا، نصبح أبناء الله".

تجارب يسوع

538 ـ الأناجيل تتحدث عن زمن عزلة ليسوع في البرية حالاً بعد المعمودية التي نالها من يوحنا: "دفعه الروح إلى البرية" (مر 1: 22)، فأقام يسوع فيها أربعين يوماً بغير طعام؛ عاش مع الوحوش وكانت الملائكة تخدمه في آخر هذا الزمن جربه الشيطان دفعات ثلاث محاولا أن يختبر موقفه البنوي تجاه الله. فيرد يسوع هذه الحملات التي تلخص تجارب آدم في الفردوس وإسرائيل في الصحراء، وينصرف عنه إبليس "إلى الوقت المعين" (لو 4: 13).

539 ـ الإنجيليون يشيرون إلى المعنى الخلاصي لهذا الحادث العجيب فيسوع هو آدم الجديد الذي ظل وفيا حيث سقط الأول في التجربة ويسوع يتم دعوة إسرائيل على وجه كامل: فبخلاف أولئك الذين استفزوا الله قديما سحابة أربعين سنة في الصحراء، ظهر المسيح خادما لله، خاضعاً تمام الخضوع لمشيئته الإلهية بهذا يتغلب يسوع على إبليس: إنه "ربط القوى" لكي يسترجع أمتعته إن انتصار يسوع على المجرب في الصحراء استباق لانتصار الآلام، أي خضوع محبته البنوية المطلق للآب.

540 ـ تجربة يسوع تظهر الطريقة التي يعتمدها ابن الله ليكون ماسيا، خلافاً للطريقة التي يعرضها عليه إبليس والتي يريد البشر أن ينسبوها إليه ولهذا تغلب المسيح على المجرب من أجلنا: "فإن الحبر الذي لنا ليس عاجزا عن لرثاء لأسقامنا، بل هو مجرب في كل شيء، على مثالنا، ما خلا الخطيئة" (عب 4: 15). والكنيسة تتحد كل سنة بالصيام الكبير أربعين يوماً، بسر يسوع في الصحراء.

"ملكوت الله قريب"

541 ـ "بعدما أسلم يوحنا، أتى يسوع إلى الجليل. وقد أعلن فيه البشرى الآتية من الله بهذه الألفاظ: "لقد تم الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 14 ـ 15) و"لكي يتم المسيح مشيئة الآب، افتتح ملكوت السماوات على الأرض" ومشيئة الأب هي في "رفع البشر إلى الشركة في الحياة الإلهية" وهو يفعل ذلك في جميع البشر حول ابنه يسوع المسيح هذا التجمع هو الكنيسة التي هي على الأرض "بذار ملكوت الله وبدؤه".

542 ـ المسيح هو في قلب تجمع البشر هذا في "أسرة الله" . إنه يدعوهم إلى التحلق حوله بكلامه، وبإشارته التي تظهر ملك الله، وبإرساله تلاميذه. إنه سيحقق مجيء ملكوته خصوصاً بسر فصحه العظيم: موته على الصليب وقيامته. "وأنا متى رفعت عن الأرض اجتذبت إلى الجميع" (يو 12: 32). جميع البشر مدعوون إلى هذه الوحدة مع المسيح.

إعلان ملكوت الله

543 ـ جميع البشر مدعوون إلى الدخول في الملكوت. هذا الملكوت المسيانى الذي أعلن أولا لأبناء إسرائيل، مؤهل لتقبل البشر من جميع الأمم. وللدخول فيه يجب تقبل كلمة يسوع.

"يشبه كلام الرب بالبذر يطرح في الحقل: من استمعوا إليه بإيمان وانضموا إلى قطيع المسيح الصغير تقبلوا الملكوت نفسه؛ ثم أن الزرعة تنمو بقوتها الذاتية إلى زمن الحصاد".

544 ـ الملكوت هو للمساكين والصغار، أي لأولئك الذين تقبلوه بقلب متواضع لقد أرسل يسوع "ليحمل البشرى إلى المساكين" (لو 4: 18). إنه يعلن الطوبى لهم "لأن لهم ملكوت السماوات" (متى 5: 3)؛ "فللأطفال" أرتضى الآب أن يكشف ما ظل خفياً عن الحكماء وذوى الدهاء ويسوع شارك الفقراء في حياتهم، من المغارة إلي الصليب؛ فقد خبر الجوع، والعطش، والعوز. وفضلا عن ذلك: صار مماثلا للمساكين في شتى فئاتهم، وجعل منن العطف الفعال عليهم شرطاً للدخول في ملكوته.

545 ـ يسوع يدعو الخطأة إلى مائدة الملكوت إني لم آت لأدعو الصديقين بل الخطأة (مر 2: ‍7) إنه يدعوهم إلى التوبة التي بدونها لا يمكن الدخول إلى الملكوت، وهو يريهم بالقول والفعل رحمة أبيه غير المحدودة لهم، "وفرح السماء العظيم بخاطئ واحد يتوب" (لو 15: 7) والبرهان الأعظم على هذه المحبة سيكون في بذل حياته الخاصة "لمغفرة الخطايا" (متى 26: 28).

546 ـ يسوع يدعو إلى الدخول في الملكوت من خلال أمثاله التي هي ميزة تعليمه الخاصة بها يدعو إلى وليمة الملكوت، ولكنه يطلب اختيارا جذريا: للحصول على الملكوت يجب التضحية بكل شيء؛ والكلام لا يكفى بل يجب العمل الأمثال هي بمنزلة مرايا للإنسان: هل يتقبل الكلمة كالأرض الحجرة أم يتقبلها كالأرض الجيدة ؟ ماذا يفعل بالوزنات التي أخذها ؟ يسوع ووجد الملكوت في هذا العالم هما في قلب الأمثال سريا يجب الدخول في الملكوت. أي يصير الإنسان تلميذا للمسيح لكي "يعرف أسرار ملكوت السماوات" (متى 13: 11) أما بالنسبة إلى الذين يبقون "خارجاً" (مر 4: 11) فكل شيء يظل معمى.

علامات ملكوت الله

547 ـ يسوع يصحب أقواله كثيراً من "العجائب والمعجزات والآيات" (أع 2: 22) تظهر أن الملكوت حاضر فيه. إنها تثبت أن يسوع هو الماسيا الموعود به.

548 ـ الآيات التي أتى بها يسوع تشهد أن الآب أرسله أنها تدعو إلى الإيمان به والذين يتوسلون إليه بإيمان يمنحهم ما يسألن وهكذا فالمعجزات تقوى الإيمان بالذي يعمل أعمال أبيه: إنها تشهد بأنه ابن الله. ولكنها قد تكون أيضا "سبب عثرة" فهي لا تريد أن ترضى الفضول والرغبات السحرية ومع ما آتى به يسوع من معجزات باهرة فقد رفضه البعض؛ وتوصلوا إلى اتهامه بأنه يعمل بالشياطين .

549 ـ عندما حرر يسوع بعض البشر من الشرور الأرضية، من الجزع والظلم، والمرض والموت، قدم آيات مسيانية؛ وهو مع ذلك لم يأت ليزيل جميع شرور هذا العالم، بل ليحرر البشر من العبودية الأشد خطورة، عبودية الخطيئة التي تعوقهم في دعوتهم كأبناء الله، وتسبب جميع مذلاتهم البشرية.

550 ـ مجيء ملكوت الله هو انكسار لمملكة إبليس: "إن كنت بروح الله أخرج الشياطين فذلك أن ملكوت الله قد انتهى إليكم" (متى 12: 28) معالجات يسوع تحرر الناس من سيطرة الشياطين..إنها تستبق انتصار يسوع الأعظم على "رئيس هذا العالم". فبصليب المسيح يستقر ملكوت الله نهائيا: "الله ملك من أعالي الخشبة".

"مفاتيح الملكوت"

551 ـ يسوع اختار منذ فجر حياته العلنية، أثنى عشر رجلا لكي يكونوا معه ولكي يشتركوا في رسالته إنه يشركهم في سلطانه ، "ثم أرسلهم ليبشروا بملكوت الله ويجروا الأشفية" (لو 9: 2). إنهم سيظلون إلى الأبد شركاء في ملكوت المسيح لأن المسيح يسوس بهم الكنيسة.

"أنا أعد لكم الملكوت كما أعده لي أبى، لكي تأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على عروش لتدينوا أسباط إسرائيل الأثنى عشر" (لو 22: 29 ـ 30).

552 ـ في مجمع الاثنى عشر يحتل سمعان بطرس المحل الأول لقد عهد غليه المسيح في رسالة خاصة. بفضل كشف آت من الآب كان بطرس قد اعترف: "أنت المسيح، ابن الله الحي" (متى 16: 16) وقد أعلن له ربنا إذ ذاك: "أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي، و أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 16: 18).

و المسيح "الصخرة الحية" المبنية علي الصخرة، انتصارها علي قوات الموت وبطرس بالنظر إلى إيمانه الذي اعترف به سيبقى صخرة الكنيسة التي لا تتزعزع وسيكون في عهدته أن يحفظ هذا الأيمان من أي عثرة وان يثبت فيه إخوته.

553 – يسوع عهد إلى بطرس في سلطة نوعية: "سأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فكل ما تربطه علي الأرض يكون مربوطا في السماوات وما تحله علي الأرض يكون محلولا في السماوات" (متى 16: 19) فسلطة المفاتيح تعنى سلطة سياسة بيت الله الذي هو الكنيسة ويسوع الراعي الصالح (يو 10: 11) قد ثبت هذه المهمة بعد قيامته: "رع خرافي" (يو 21: 15 – 17) وسلطان الحل والربط يعنى سلطة حل الخطايا و إعلان أحكام عقائدية واتخاذ قرارات تأديبية في الكنيسة ويسوع عهد في هذه السلطة إلى الكنيسة عن طريق خدمه الرسل ولا سيما بطرس الذي سلم صراحة مفاتيح الملكوت إلية دون سواه.

استهلال ا


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #14 في: 14:14 12/07/2008 »
المقال الرابع
يسوع المسيح " تألم في عهد بنطيوس بيلاطس
وصلب، ومات، ودفن "
571 ـ السر الفصحى لصليب المسيح وقيامته هو قلب الإنجيل الذي ينبغي للرسل، وللكنيسة من بعدهم، أن يبشروا به العالم. فقد الله الخلاصى قد تم "مرة واحدة " (عب 9: 26) بموت ابنه يسوع المسيح الفدائي .

572 ـ الكنيسة تظل أمينة "لتفسير الأسفار المقدسة جميعها" الذي أعطاه يسوع نفسه قبل فصحه وبعده: "اما كان ينبغي للماسيا أن يكابد هذه الآلام، ويدخل إلى مجده ؟" (لو 24: 26) وقد اتخذت آلام يسوع صورتها التاريخية الواقعية بمجرد ما "انتبذه الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة" (مر 8: 31) الذين "دفعوه إلى الأمم ليسخروا به ويجلدوه ويصلبوه"( متى 20: 19) .

573 ـ فبإمكان الإيمان أن يحاول تقصى أحوال موت يسوع التي نقلتها الأناجيل بأمانة وأوضحتها مصادر تاريخية أخرى، لتفهم معنى الفداء تفهما أوفي .

 

الفقرة 1 – يسوع وإسرائيل
574 – منذ بدء رسالة يسوع العلنية اتفق علي قتله فريسيون و هيرودسيون مع كهنة وكتبه فقد بدا يسوع للبعض من جراء بعض أعماله (طرد الشياطين وغفران الخطايا ابراءات يوم السبت تفسير غريب لاحكام التطهير في الناموس مؤالفه العشارين والخطأة) بدا لهم في سوء قصدهم أن به شيطانا وهم يتهمونه بالتجديف وبكذب النبوة وهما جريمتان دينيتان يعاقب عليها الناموس بعقوبه الموت رجما
575 – كثير من أعمال يسوع وأقواله كان هدفا للمخالفة عند السلطات الدينية في أورشليم تلك التي كثيرا ما يطلق عليها يوحنا اسم اليهود أكثر مما كانت كذلك عند عامه شعب الله والحق يقال أن علاقاته مع الفريسين لم تكن جدلية فقط فالفريسيون هم الذين ينبهونه إلى الخطر الذي يتعرض له ويسوع يمتدح بعضهم من أمثال الكاتب في مر 12: 34 ويأكل عند الفريسين عدة مرات ويسوع يثبت عقائد تشترك في الأخذ بها هذه النخبة الدينية من شعب الله: بعث الأموات صور إعمال التقوى (صدقة، صوم، صلاة) وعادة مخاطبة لله كاب هي الميزة الرئيسية لوصية محبة الله والقريب.
576 – في نظر الكثيرين في إسرائيل يبدو يسوع مخالفا لنظم الشعب المختار الجوهرية:
·        الخضوع للناموس في كامل أحكامه المكتوبة وفي نظر الفريسيين في تفسير التقليد الشفهي
·        الطابع المركزي لهيكل أورشليم علي انه المكان المقدس الذي يسكن فيه الله علي وجه التفضيل
·        الإيمان بالله الواحد الذي يمكن أي إنسان أن يشاركه في مجده
1- يسوع والناموس
577 – لقد حذر يسوع تحذيرا علنيا في بدء خطبته علي الجبل حيث عرض للناموس الذي أعطاه الله علي جبل سيناء في العهد الأول علي ضوء نعمه العهد الجديد: لا تظنوا أنى جئت لانقض الناموس أو الأنبياء أنى ما جئت لانقض بل لأكمل الحق أقول لكم انه إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول من الناموس ياء أو نقطة واحدة حتى يتم الكل وإذن فكل من يتعدي واحدة من هذه الوصايا حتى من أصغرها ويعلم الناس أن يفعلوا هكذا فانه يدعي الأصغر في ملكوت السماوات وإما من يعمل بها ويعلم فهذا يدعي عظيما في ملكوت السماوات (متي 5: 17 – 19)
578 – يسوع ماسيا إسرائيل الأعظم في ملكوت السموات كان يري من واجبه أن يتم الناموس علي حد قوله عاملا به كاملا حتى في أدق أحكامه وهو وحدة استطاع أن يقوم بذلك قياما كاملا وإما اليهود فقد اقروا هم أنفسهم أنهم لم يستطيعوا قط إتمام الناموس بكامله من دون أن يخالفوا شيئا من أحكامه ولهذا كان أبناء إسرائيل في عيد التكفير من كل سنه يطلبون إلى الله غفران مخالفتهم للناموس وهكذا فالناموس كل وكما قال القديس يعقوب مذكرا " أن من حفظ الناموس كله وزل في وصية واحدة فقد صار مجرما في الكل (يع 2: 10).
579 – كان عزيزا لدي الفريسيين مبدأ حفظ الناموس كاملا لا في حرفيته وحسب بل في روحه وبشرحهم هذا الأمر لإسرائيل قادوا الكثيرين من اليهود لعهد يسوع إلى غيرة دينية عارمة وإذ لم يشأ يسوع أن يكتفي بفتوى قائمه علي الرثاء فقد عمد إلى إعداد الشعب لهذا التدخل الرائع من الله القائم بحفظ الناموس حفظا كاملا يقوم به الصالح الواحد عن جميع الخطاة
580 – أن الإتمام الكامل للناموس لم يكن باستطاعة احد غير المشترع الالهي الذي ولد خاضعا للناموس في شخص الابن مع يسوع لا يظهر الناموس محفورا علي لوحين من حجر ولكن في أعماق قلب (ار 31: 33) الخادم الذي إذ يصدر الحكم بحسب الحق (اش 42: 3) أصبح عهدا للشعب (اش 42: 3) لقد أتم يسوع الناموس إلى حد انه حمل لعنه الناموس التي لحقت بالذين لم يعملوا بجميع أحكام الناموس إذ موت المسيح جري لفداء المعاصي المقترفة في العهد الأول (عب 9: 15 )
581 ـ يسوع ظهر لنظر اليهود ورؤسائهم الروحين "معلما (رابى) وكثيراً ما جادل في إطار التفسير الرابينى للناموس. ولكن في الوقت نفسه لم يكن ليسوع إلا أن يصدم علماء الناموس، إذ إنه لم يكتف بعرض تفسيره في ما بين تفسيراتهم، "كان يعلم كمن له سلطان لا ككتبتهم" (متى 7: 29 ). فيه كانت تدوى كلمة الله نفسها التي دوت على جبل سيناء لتعطى موسى الشريعة المكتوبة، والتي تسمع أيضا على جبل التطوبيات أنها لا تنقض الناموس ولكنها تكملة مقدمة بطريقة إلهية تفسيرها النهائي: "سمعتم أنه قيل للأقدمين (..) أما أنا فأقول لكم" (متى 5: 33 ـ 34) وبهذه السلطة الإلهية يشحب بعض "التقاليد البشرية" عند الفريسين التي "تبطل كلام الله" .
582 ـ وذهب يسوع إلى أبعد من ذلك وكمل الناموس في شان طهارة الأطعمة، المهمة جداً في الحياة اليهودية اليومية، كاشفاً عن معناه "التأديبى" بتفسير إلهي: "كل ما يدخل الإنسان  من الخارج لا يقدر أن ينجسه (..) ـ هكذا أعلن أن جميع الأطعمة طاهرة. ما يخرج من الإنسان  هو الذي ينجس الإنسان ، لأنها من الداخل، من قلوب الناس، تنبعث الأفكار الرديئة" (مر 7: 18 ـ 21) وقد لقى يسوع، لتفسيره الناموس نهائيا بسلطان إلهي، مقاومة من بعض علماء الناموس الذين لم يتقبلوا تفسيره للناموس مع ما كان يصحبه من "الآيات الإلهية المؤيدة" وهذا في ما يتعلق بموضوع السبت على وجه خاص: كثيراً ما ذكر يسوع بحجج "رابينية" أن استراحة السبت لا تفسدها خدمة الله، أو القريب بشفاء المرضى.
2ً. يسوع والهيكل
583 ـ يسوع، كغيره من الأنبياء الذين سبقوه، اظهر لهيكل أورشليم أعمق الاحترام فقد قدمه إليه يوسف ومريم أربعين يوماً بعد ولادته في سن الثانية عشرة يقرر البقاء في الهيكل ليذكر أبويه أن عليه لأمور أبيه وقد صعد إلى الهيكل كل سنة لعيد الفصح على الأقل، إبان حياته الخفية؛ رسالته العلنية نفسها كانت متناغمة مع مواسم حجه إلى أورشليم بداعي الأعياد اليهودية الكبرى .
584 ـ صعد يسوع إلى الهيكل على انه المكان المفضل للقاء الله. الهيكل بالنسبة إليه هو مسكن أبيه، هو بيت صلاة ويسوع يسخط لأن ساحته الخارجية أصبحت مكان تجارة ولئن طرد الباعة من الهيكل فذلك حباً غيوراً لأبيه: "لا تجعلوا بيت أبى بيت تجارة فذكر تلاميذه أنه مكتوب "غيرة بيتك تأكلني" (مز 69: 10)"، (يو 2: 16 ـ 17). وبعد قيامته حفظ الرسل لهيكل احتراماً ورعاً .
585 ـ ومع ذلك فيسوع قبيل آلامه أنبأ بدمار هذا البناء الرائع الذي لن يبقى منه حجر على حجر. وهنا إنباء بإحدى علامات الأزمنة الأخيرة التي ستفتح مع فصحه الشخصي. ولكن هذه النبوة قد تكون نقلت بطريقة مشوهة على ألسنة شهود كذبة لدى استنطاقة بحضرة رئيس الكهنة، وردت إليه شتيمة عندما كان مسمراً على الصليب .
586 ـ ولبعد ما كان يسوع معادياً للهيكل الذي ألقى فيه الجوهري من تعليمه، وقد أراد أن يؤدى ضريبة الهيكل مشركا معه بطرس الذي كان منذ قليل قد جعله أساساً لكنيسته الآتية. وغلى ذلك فقد وحد ما بين نفسه والهيكل عندما عرف بنفسه مسكناً نهائيا لله بين البشر. ولهذا فقتله جسدياً يبنى بدمار الهيكل الذي سيظهر الدخول في جديد من عهود تاريخ الخلاص: "إنها تأتى الساعة التي تعبدون فيها الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم" (يو 4: 21) .

3 – يسوع وإيمان إسرائيل بالله الواحد والمخلص

587 – إذا كان الناموس وهيكل أورشليم من قبل يسوع سبب مخالفة لسلطات إسرائيل الدينية فان دورة في فداء الخطايا ذلك العمل الإلهي بنوع خاص هو الذي كان في نظر تلك السلطات حجر العثرة الحقيقي

588 – يسوع شكك الفريسيين [بتعامله مع] العشارين والخطاة بنفس الالفة التي كانت له معهم هم أنفسهم وقد ندد بالذين كانوا منهم يثقون من أنفسهم بأنهم صديقون ويحتقرون الآخرين (لو 18: 9) وأكد قائلا: "إني لم آت لأدعو الصديقين إلى التوبة بل الخطاة" (لو 5: 32) وهو يذهب إلى ابعد من ذلك عندما يعلن في وجه الفريسيين أن الخطيئة شامله والذين يدعون أنهم ليسوا بحاجة إلى خلاص هم عميان بالنسبة إلى ذواتهم

589 – يسوع شكك الفريسيين بنوع خاص لأنه ما بين معاملته الرحيمة للخطاة وموقف الله نفسه منهم وقد ذهب إلى حد التلميح بأنه بمشاركته للخطاة في المائدة يقبلهم في الوليمة المسيانية ولكن يسوع بغفرانه الخطايا علي وجه اخص جعل سلطات إسرائيل الدينية أمام قياس محرج إلا يكون قولها محقا عندما تقول في هلع الله وحده يقدر أن يغفر الخطايا (مر 2: 7) فيسوع بغفرانه الخطايا أما انه يجدف لأنه إنسان يساوي نفسة بالله أما انه ينطق بالحق وفي شخصه إعلان لاسم الله وتعريف به

590 – أن هوية شخص يسوع الإلهية تستطيع وحدها أن تبرر تشددا مطلقا كهذا من ليس معي فهو علي (متي 12: 30) وكذلك عندما يقول أن فيه أعظم من يونان أعظم من سليمان (متي 12: 41 – 42) أعظم من الهيكل (متى 12: 6) وعندما يذكر بالنسبة إليه أن داود دعا الماسيا ربه وعندما يعلن قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (يو 8: 58) وحتى أنا والآب واحد (يو 10: 30)

591 – يسوع طلب من سلطات أورشليم الدينية أن تؤمن به بسبب أعمال أبية التي يعملها ولكن كان لابد لفعل إيمان كهذا من يمر بموت للذات عجيب من اجل ولادة من فوق جديدة بجاذب من النعمة الإلهية وان تشددا كهذا في التحول المسلكي فيوجه إتمام مذهل للمواعيد يتيح فهم الخطأ الماسوى لمحفل اليهود الذي رأي أن يسوع يستحق الموت كمجدف وقد ذهب أعضاءه هذا المذهب عن جهل وعن تصلب قلب عدم الإيمان

بإيجاز

592 – يسوع لم ينقض ناموس سيناء ولكنه أتمه علي وجه كامل إلى حد انه يكشف عن معناه الاسمى ويفدي التجاوزات التي تخالفه

593 – يسوع وقر الهيكل عندما صعد إليه حاجا في أعياد اليهود وأحب حبا غيورا مسكن الله بين البشر الهيكل صورة سره المسبقة ولئن أنبا بدماره فما ذلك إلا إظهار لمقتله الخاص وللدخول في عهد جديد من تاريخ الخلاص يكون فيه جسده الهيكل النهائي

594 – يسوع قام بأعمال من مثل غفران الخطايا أظهرت انه الإله المخلص ذاته وبعض اليهود ممن لم يعترفوا بالإله المتجسد كانوا يرون فيه إنسانا يجعل نفسه إلها وقد حكموا علية بأنه مجدف .

الفقرة 2 ـ يسوع مات مصلوباً

1ً. محاكمة يسوع
انقسام السلطات اليهودية في شان يسوع

595 ـ بين سلطات أورشليم الدينية لم يوجد فقط الفريسى نيقوديموس أو الوجيه يوسف الرامى على أنهما تلميذان ليسوع في الخفاء، بل وقع، لمدة طويلة، شقاقات في شان يسوع بحيث إن القديس يوحنا يستطيع القول عنهم، عشية آلام يسوع نفسها، إن "كثيرين آمنوا به" وإن بطريقة بعيدة جدا عن الكمال (يو 12: 42 ). وليس في الأمر عجبب إذا تبين لنا أنه، في غد العنصرة، "جمهور من الكهنة يطيعيون الإيمان" (أ ع 21: 20) .

596 ـ لم تكن سلطات أورشليم الدينية على كلمة واحدة في الموقف عليها أن تقفه من يسوع والفريسين هددوا من يتبعه بإخراجه من المجمع وللذين كانوا يخشون أن "يؤمن به الجميع فيوافي الرومانيون ويدمرون مقدسنا وامتنا" (يو 11: 48)، عرض قيافا رئيس الكهنة متنبيا "إن مصلحتكم تقضى بأن يموت رجل واحد عن الشعب ولا تهلك الامة باجمعها" (يو 11: 50) وبعدما أعلن المحفل أن يسوع "يستوجب الموت" على أنه مجدف، ورأى أن ليس له حق القتل، اسلم يسوع إلى الرومانيين متهما له بإثارة الفتنة السياسية، بحيث أصبح مساوياً ليراباس المتهم "بالفتنة" (لو 23: 19). وقد عمد رؤساء الكهنة إلى تهديدات سياسية وجهوها إلى بيلاطس لكي يحكم على يسوع بالموت .

ليس اليهود مسؤولين جماعياً عن موت يسوع

597 ـ بالنظر إلى التعقد التاريخي في محاكمة يسوع كما ظهر في النصوص الإنجيلية وأيا كانت الخطيئة الشخصية لإبطال الدعوى (يهوذا، المحفل، بيلاطس) التي لا يعرفها إلا الله، لا تجوز نسبتتها إلى مسؤولية جماعية عند يهود أورشليم ، مع ما رافقها من صياح شعب مهيج، ومع الملامات الجماعية التي تضمنتها الدعوات إلى الهدى بعد العنصرة فيسوع نفسه عندما غفر على الصليب، وبطرس بعده فسحا في المحل لـ "جهل" يهود أورشليم ولرؤسائهم أيضا. وبأولى حجة لا يمكن الانطلاق من صياح الشعب: "ليكن دمه علينا وعلى أبنائنا" (متى 27: 45 )، الذي هو صيغة تأييد وموافقة، لمد المسؤولية إلى سائر اليهود في المكان والزمان. والكنيسة قد أعلنت في المجمع الفاتيكانى الثاني: "إن ما افترقته الأبدي إبان الآلام لا يمكن إسناده، في غير تمييز إلى جميع اليهود الذين عاشوا آنذاك ولا إلى اليهود العائشين في عصرنا (...) لا يجوز أن يشهر باليهود على أنهم منبوذين من الله وأنهم ملعونون كما لو كان ذلك يستنتج من الكتاب المقدس".

جميع الخطأة سببوا آلام المسيح

598 ـ الكنيسة، في تعليم عقيدتها وفي شهادة قيسيها، لم تنس قط أن " الخطأة أنفسهم كانوا الأسباب والوسائل في كل ما عاناه الفادى الإلهي من مشاق " فإنطلاقاً من أن خطايانا تنال المسيح نفسه، لا تتردد الكنيسة في أن تغزوا إلى المسيحيين المسؤولية الأشد خطورة في عذاب يسوع، المسؤولية التي طالما أثقلوا بها كاهل اليهود وحدهم .

"ينبغى أن نعد مسؤولين عن هذه الجريمة الفظيعة أولئك الذين لا يزالون يسقطون في خطاياهم وبما أن آثامنا هي التي أدت بسيدنا يسوع المسيح على عذاب الصليب، فمن الثابت أن أولئك الذين ينغمسون في الفساد وفي الشر "يعيدون بأنفسهم صلب ابن الله ويشهرونه" (عب 6: 6 ). ويجب الإقرار بأن جريمتنا في هذه الحال أعظم من جريمة اليهود. فهم، على حد شهادة الرسول "لو عرفوا ملك المجد لما صلبوه قط" (1 كو 2: 8 ). أما نحن فإننا نعلن أننا نعرفه وعندما ننكره بأعمالنا نلقى عليه، على وجه ما، أيدينا القاتلة".

"وإلا ... ليسوا هم الذين صلبوه، بل أنت بالاشتراك معهم صلبته وتصلبه أيضا بتمتعك بالرذائل والآثام".

2ً. موت المسيح الفدائي في تصميم الخلاص الإلهي

"يسوع الذي أسلم بحسب تصميم الله المحدد"

599 ـ موت يسوع العنيف لم يكن نتيجة الصداقة في اتفاق سيىء للأحوال. إنه في سر تصميم الله، كما يفسره القديس بطرس لليهود في خطابه الأول يوم العنصرة: "لقد أسلم بحسب تصميم الله المحدد وسابق علمه" (أع 2: 23 ). فهذا الكلام الكتابي لا يعنى أن الذين "اسلموا يسوع" لم يكونوا إلا منفذين صاغرين لمخطط سابق خطه الله.

600 ـ عند الله جميع أحيان الزمن حاضرة في حاليتها، فهو يضع تصميم "قضائه الأبدي" ويضمنه لكل إنسان جوابه الحر عن نعمته: "إنه قد أجتمع بالحقيقة، في هذه المدينة، على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته، هيرودس وبنطيوس بيلاطس مع الأمم وشعوب إسرائيل ليضعوا ما حددت من قبل يدك ومشورتك أن يكون" (أ ع 4: 27 ـ 28) لقد سمح الله بأعمال عماهم ليتمم تصميمه الخلاصى.

"مات من اجل خطايانا على ما في الكتب"

601 ـ هذا التصميم الإلهي للخلاص بقتل "العبد، الصديق" أنبأ به في السابق الكتاب المقدس على انه سر فداء شامل ـ أي سر افتداء يحرر البشر من عبودية الخطيئة. فالقديس بولس يعلن، في أعتراف إيماني يقول إنه "تسلمه أ، المسيح مات من أجل خطايانا على ما في الكتب" (1 كو 15: 3) فموت يسوع الفدائي يتمم بنوع خاص نبوءة العبد المتألم. ويسوع نفسه عرض معنى حياته وموته على ضوء العبد المتألم وبعد قيامته أعطى تلميذى عماوس هذا التفسير للكتب ثم أعطاه للرسل أنفسهم.

"الله جعله خطيئة من أجلنا"

602 ـ فالقديس بطرس يستطيع من ثم أن يصوغ هكذا الإيمان الرسولى في التصميم الإلهى للخلاص: "حررتم من تصرفكم الباطل الموروث من آبائكم، بدم كريم، دم المسيح، ذلك الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس، المعين من قبل إنشاء العالم، والمعلن في آخر الأزمان من أجلكم" (11 بط 1: 18 ـ 20) فخطايا البشر التي تلت الخطيئة الأصلية قد عوقبت بالموت. وعندما أرسل الله ابنه الخاص في صورة عبد، صورة بشرية ساقطة ومحكوم عليها بالموت بسبب الخطيئة، "جعله خطيئة من اجلنا، هو الذي لم يعرف الخطيئة، لكي نصير نحن به بر الله" (2 كو 5: 21) .

603 ـ يسوع لم يشحب كما لو أنه ارتكب هو نفسه خطيئة، ولكن، في المحبة الفدائية التي كانت أبدا توحده مع الآب، اتخذنا، في ضياع خطيئتنا بالنسبة إلى الله، إلى حد أنه استطاع أن يقول باسمنا على الصليب: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!" (مر 15: 34 ). وإذ قد جعله الله هكذا مسؤولا عنا نحن الخطأة، "لم يشفق على ابنه الخاص، بل أسلمه عنا جميعاً" (رو 8: 32) لكي نكون "مصالحين معه بموت ابنه" (رو 5: 10) .

لله مبادرة المحبة الفادية الشاملة

604 ـ عندما يسلم الله ابنه من أجلنا خطايانا يظهر أن تصميمه في شاننا تصميم محبة عطوف يسبق كل استحقاق: "على هذا تقوم المحبة، لا أنا نحن أحببنا الله، بل هو نفسه أحبنا وأرسل ابنه كفارة عن خطايانا" (1 يو 4: 10) "والله قد برهن على محبته لنا بأن المسيح قد مات عنا ونحن بعد خطأة".

605 ـ وهذه المحبة بغير استثناء، وقد ذكر يسوع بذلك في ختام مثل النعجة الضائعة: "هكذا لا يريد أبوكم الذي في السماوات أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار" (متى 18: 14) فهو يثبت أنه "يبذل نفسه فديه عن الكثيرين" (متى 20: 28)؛ وليس في هذه اللفظة الأخيرة استثناء: أنها تقارن مجموعة البشر بشخص الفادى الوحيد الذي يبذل نفسه لتخليصها. والكنيسة، بعد الرسل، تعلم أن المسيح مات من اجل جميع البشر في غير استثناء "لا يوجد، ولم يوجد، ولن يوجد إنسان لم يتألم المسيح من اجله".

3ً. المسيح قدم ذاته لأبيه م اجل خطايانا

كل حياة المسيح تقدمة للآب

606 ـ ابن الله، الذي نزل من السماء لا ليعمل مشيئته بل مشيئة الآب الذي أرسله، "يقول عند دخوله العالم: (...) ها أناذا آتى (..) لأعمل يا الله بمشيئتك، (...) وبقوة هذه المشيئة قدسنا نحن بتقدمة جسد المسيح مرة لا غير" (عب 10: 5 ـ 10) منذ لحظة التجسد الأولى اعتنق الابن تصميم الخلاص الإلهي في رسالته الفدائية "إنما طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله"( يو 4: 34 ). إن ذبيحة يسوع "عن خطايا العالم كله" (1 يو 2: 2) هي عبارة عن شركة محبته الأب: "أبى يحبني لأني أبذل حياتي" (يو 10: 17): "ينبغي أن يعرف العالم أنى أحب الآب وأنى أعمل بما أوصاني الآب" (يو 14: 31).

607 ـ رغبة يسوع هذه في اعتناق تصميم أبيه في المحبة الفدائية تنعش حياته كلها، إذ أن آلامه الفدائية هي سبب تجسده: "يا أبتاه، أنقذني من هذه الساعة ! ولكن لأجل هذه الساعة قد جئت" (يو 12: 27) "الكأس التي أعطاني الآب أفلا أشربها؟" (يو 18: 11) ثم على الصليب قبل أن "يتم كل شيء"( يو 19: 30) قال: "أنا عطشان" (يو 19: 28).

"حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم"

608 ـ بعدما قبل يوحنا المعمدان أن يعمد يسوع فيمن تعمد من الخطأة، رأى فيه وكشف حمل الله الذي يرفع خطايا العالم فهو يظهر هكذا أن يسوع هو في الوقت نفسه العبد المتألم الذي يساق صامتا إلى الذبح، ويحمل خطيئة الكثيرين .

والحمل الفصحى رمز افتداء إسرائيل في الفصح الأول فكل حياة المسيح تعبر عن رسالته: أن يخدم ويبذل نفسه فداء عن الكثيرين .

يسوع يعتنق بإختياره محبة الآب الفدائية

609 ـ عندما اعتنق يسوع في قلبه البشري محبه الآب للبشر أحبهم إلى الغاية (يو 13: 1) إذ ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل الحياة عن أصدقائه (يو 15: 13) وهكذا أصبح ناسوته في الألم والموت الأداة الحرة والكاملة لحبه الإلهي الذي يريد خلاص البشر فقد قبل باختياره الامه وموته حبا لأبية وللبشر الذي يريد أبوه أن يخلصهم لا احد ينتزع الحياة منى وانما أنا ابذلها باختياري (يو 10: 18) من هنا حرية ابن الله الكاملة عندما يمضي هو بنفسه إلى الموت

في العشاء السري استبق يسوع تقدمه حياته الحرة

610 – لقد عبر يسوع بطريقة سامية عن تقدمه ذاته الاختيارية في العشاء الذي تناوله مع رسله الاثنى عشر في الليلة التي اسلم فيها (1 كو 11: 23) ففي عشية الامه وكان بعد حرا جعل هذا العشاء الأخير مع رسله ذكري تقدمته الاختيارية للاب من اجل خلاص البشر هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم (لو 22: 19) هذا هو دمي دم العهد الجديد الذي يهراق عن الكثيرين لمغفرة الخطايا (متى 26: 28 )

611 – الافخارستيا التي ينشئها إذ ذاك ستكون ذكري ذبيحته ويسوع يدخل رسله في تقدمته الخاصة ويسألهم أن يواصلوا بغير انقطاع وبهذا يجعل يسوع رسله كهنة العهد الجديد أنا أقدس ذاتي لأجلهم لكي يكونوا هم أيضا مقدسين بالحق (يو 17: 19)

النزاع في جتسمانى

612 – كاس العهد الجديد التي استبقها يسوع في العشاء السري إذ قدم ذاته يقبلها بعد ذلك من يد أبية في نزاعة بجتسماني حيث جعل نفسه مطيعا حتى الموت (في 2: 8) ويسوع يصلي يا أبتاه أن أمكن فلتجز عني هذه الكأس (متى 26: 39) فهو يعبر عن الهول الذي يمثله الموت بالنسبة إلى طبيعته البشرية وهذه الطبيعة معده كطبيعتنا للحياة الأبدية وهي إلى ذلك بخلاف طبيعتنا بريئة تماما من الخطيئة التي تسبب الموت وهي خصوصا قد اتخذها شخص أمير الحياة الالهى الحي وهو بقبوله في ارادته البشرية أن يتم مشيئة الآب يقبل موته علي انه فدائي لكي يحمل هو نفسه خطايانا في جسده علي الخشبة (1 بط 2: 24).

موت المسيح هو الذبيحة الوحيدة والنهائية

613 – موت المسيح هو في الوقت نفسه الذبيحة الفصحية التي تتم فداء البشر النهائي بالحمل الذي يرفع خطيئة وذبيحة العهد الجديد التي تعيد الإنسان  إلى الشركة مع الله مجرية المصالحة بينهما بالدم الذي يهراق عن الكثيرين لمغفرة الخطايا.

614 – ذبيحة المسيح هذه وحيدة وهي تتم جميع الذبائح وتفوقها أنها أولا هبه من الله الآب نفسه الآب هو الذي يسلم ابنه لكي يصالحنا معه وهي في الوقت نفسه تقدمه ابن الله المتانس الذي يقدم حياته بحرية ومحبه لأبيه بالروح القدس للتكفير عن عصاننا.

يسوع احل طاعته محل عصياننا

615 – كما جعل الكثيرون خطاة بمعصية إنسان واحد كذلك بطاعة واحد يجعل الثيرون أبرارا (رو 5: 19) فيسوع بطاعته حتى الموت أقام الخادم المتألم بديلا ذاك الذي يقدم حياته ذبيحة تكفير إذ كان يحمل خطايا كثيرين ويبررهم بحمله آثامهم فيسوع كفر عن آثامنا ونال صفح الآب عن خطايانا.

يسوع يتم ذبيحة علي الصليب

616 – المحبة إلى الغاية هي التي تجعل لذبيحة المسيح قيمتها الفدائية والتعويضية والتكفيرية والتوفيقية انه قد عرفنا وأحبنا في تقدمه حياته محبة المسيح تحثنا إذ نعتبر انه إذا كان واحد قد مات عن الجميع فالجميع أيضا قد ماتوا معه (2 كو 5: 14) ما من إنسان أقدس القديسين كان بإمكانه أن يحمل خطايا جميع البشر وان يقدم ذبيحة عن الجميع فوجود شخص الابن الالهى في المسيح ذلك الشخص الذي يفوق البشر وفي الوقت نفسه يشمل جميع أشخاص البشر والذي يقيمه رأسا للبشرية هو الذي يجعل ذبيحته الفدائية عن الجميع ممكنه.

617 – والمجمع التريدنيتينى يعلم انه بآلامه المقدسة علي خشبة الصليب استحق لنا التبرير وقد ابرز الطابع الفريد لذبيحة المسيح علي أنها عله خلاص ابدي والكنيسة توفر الصليب مرنمه السلام عليك أيها الصليب يا رجاءنا الوحيد.

اشتراكنا في ذبيحة المسيح

618 ـ الصليب هو الذبيحة الوحيدة للمسيح الوسيط الوحيد بين الله والبشر، ولكنه إذ كان في شخصه الإلهي المتأنس، "قد أتحد هو نفسه، على وجه ما، بكل إنسان"، فهو "يقدم لجميع البشر، على وجه يعرفه الله، (...) إمكان اشتراكهم في السر الفصحى" إنه يدعو تلاميذه إلى أن يحملوا صليبهم ويتبعوه، إذ أنه تألم لجلنا، وأبقى لنا قدوة لنقتفي آثاره. فهو يريد أن يشرك في ذبيحته الفدائية أولئك الذين كانوا فيها أول المستفدين. وهذا يتم على وجه كامل في شخص أمه التي أشركت في سر عذابه الفدائى إشراكاً حميماً دونه إشراك أي إنسان من البشر.

"هذه سلم الفردوس الوحيدة والحقيقة

وما من سلم للصعود إلى السماء غير الصليب ".

بإيجاز

619 ـ "المسيح مات من أجل خطايانا على ما في الكتب" (1 كو 15: 3) .

620 ـ خلاصنا ثمرة مبادرة محبة الله لنا، إذ "إنه هو أحبنا وأرسل أبنه كفارة عن خطايانا" (1 يو 4: 10 )، "الله هو الذي في المسيح، صالح العالم مع نفسه" (2 كو 5: 19) .

621 ـ يسوع قدم باختياره نفسه لأجل خلاصنا، هذه التقدمة عبر عنها وحققها مسبقاً في العشاء الأخير: "هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم" (لو 22: 19) .

622 ـ بهذا يقوم فداء المسيح: "أتى ليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (متى 20: 28 )، أى "ليبحث خاصته إلى الغاية" (يو 13: 1 )، لكي يحرروا من تصرفهم الباطل الموروث من آبائهم.

623 ـ عن يسوع، بطاعته المحبة لأبيه "حتى موت (...) الصليب" (في 2: 8) أتم الرسالة التكفيرية رسالة العبد المتألم الذي يبرر كثيرين وهو يحمل آثامهم.

الفقرة 3 ـ يسوع المسيح دفن

624 ـ قاسى "الموت" حتى يكون الموت الذي قاساه مفيداً "لكل أحد بنعمة الله" (عب 2: 9) إن الله، في تصميمه الخلاصى، أقر لا أن يموت ابنه "من اجل خطايانا" (1 كو 15: 3) وحسب، بل أن "يقاسى الموت" أيضا، أي أن يعانى حال الموت، حال الانفصال بين نفسه وجسده، في المدة الممتدة ما بين موته على الصليب وقيامته. هذه الحالة للمسيح المائت هي سر القبر والإنحدار إلى الجحيم. أنها سر السبت المقدس الذي جعل فيه المسيح في القبر، وأظهر راحة الله السبتيه العظمى، بعد إتمام خلاص البشر الذي يجعل الكون كله في سلام.

المسيح في القبر بجسده

625 ـ إقامة يسوع في القبر هي الرابط الحقيقي بين حالة آلام المسيح قبل الفصح وحالته الحالية في قيامته المجيدة .إنه شخص "الحي" نفسه الذي يستطيع أن يقول: "لقد كنت ميتا وها نذا حي إلى دهر الدهور" (رؤ 1: 18):

"هذا هو سر تدبير الله بشأن موت (ابنه) وقيامته من بين الأموات، فإنه لم يمنع الموت من أن يفصل النفس عن الجسد، على حسب نظام الطبيعة القائم، ولكنه عاد فجمعها الواحد مع الآخر بالقيامة، حتى يكون هو نفسه في شخصه مركز تلاقى الموت والحياة، موقفاً فيه انحلال الطبيعة الذي سببه الموت، وصائراً هو نفسه مبدأ اتحاد الأجزاء المنفصلة".

626 ـ بما أن "مبدأ الحياة" الذي قتلوه هو نفسه "الحي الذي قام"، وجب أن يكون شخص ابن الله الإلهي قد بقى على اتخاذ نفسه وجسده اللذين فصلهما الموت احدهما عن الآخر.

"إذا فالمسيح، وأن كان، لكونه إنسانا، قد خضع للموت، وانفصلت نفسه المقدسة عن جسده الأطهر، غير أن لاهوته لم ينفصل البتة عن أي منهما، أعنى لا عن نفسه ولا عن جسده واقنومه الواحد لم ينقسم بذلك إلى اقنومين لن جسد المسيح ونفسه، منذ ابتدائهما، قد نالا الوجود في أقنوم الكلمة بالطريقة عينها، وان انفصل أحدهما عن الأخر بالموت، إلا أن كلاً منهما لبث مع أقنوم الكلمة الواحد الذي به نال الوجود".

"لن تدع قدوسك يرى فساداً"

627 ـ كان موت المسيح موتاً حقيقاً إذ وضع حداً لوجوده البشرى الأرضي، ولكن بسبب الاتحاد الذي حافظ عليه شخص الابن مع جسده، لم يصبح جثة ميتة كما يصبح الآخرون، إذ "لم يكن في وسع الموت أن يضبطه" (أع 2: 24) ومن ثم فالقوة الإلهية حفظت جسد المسيح من الفساد "فمن الممكن أن نقول عن المسيح إنه في الوقت نفسه" أنقطع من ارض الأحياء " (أ ش 53: 8 )؛ وإن "جسدي سيسكن على الرجاء نفسه"... "انقطع من ارض الأحياء (أش 53: 8)؛ وإن جسدي سيسكن على الرجاء لأنك لن تترك نفسي في الجحيم، ولن تدع قدوسك يرى فساداً" (أع 2: 26 ـ 27).

وقد كانت قيامة يسوع "في اليوم الثالث" (1 كو 15: 4؛ لو 224: 46) الدليل على ذلك، ولأن الفساد أيضا كان من شانه أن يظهر ابتداء من اليوم الرابع.

"مدفونون مع المسيح..."

628 ـ العماد الذي كان التغطيس علامته الأصلية والكاملة يعنى النزول الفعلي إلى القبر للمسيحي الذي يموت للخطيئة مع المسيح في سبيل حياة جديدة: "لقد دفنا معه بالمعمودية للموت، حتى إنا، كما أقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب، كذلك نسلك، نحن أيضا في جدة الحياة" (رو 6: 4)

629 ـ قاسى يسوع الموت، حتى يكون في ذلك فائدة لكل إنسان فإن ابن الله المتأنس هو الذي في الحقيقة مات ودفن .

630 ـ في مدة إقامة المسيح في القبر بقى شخصه الإلهي ملازما لنفسه وجسده اللذين فصلهما الموت ولهذا فجسد المسيح المائت "لم ير فسادا" (أع 13: 37 ).


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #15 في: 08:43 07/09/2008 »
الفصل الثاني: أؤمن بيسوع المسيح ابن الله الوحيد من 631 ـ 658
المقال الخامس

"يسوع المسيح انحدر إلى الجحيم،

في اليوم الثالث قام من الموتى"

631 ـ "يسوع نزل إلى أسافل الأرض؛ فالذي نزل هو نفسه الذي صعد أيضا" (أ ف 4: 9 ـ 10). وقانون إيمان الرسل يعترف في مادته إيمانية واحدة بانحدار المسيح إلى الجحيم وقيامته من الموتى في اليوم الثالث، لأنه في فصحه فجر الحياة من أعماق الموت .

"المسيح ابنك ،

الذي عاد فصعد من الجحيم ،

نشر على الجنس البشرى ضياءه الصافي .

وهو يحيا ويملك إلى دهر. آمين".

الفقرة 1 ـ المسيح انحدر إلى الجحيم
6323 ـ إثباتات العهد الجديد الكثيرة التي أوردت أن يسوع "قام من الموتى" (1 كو 15: 20 )، تعنى أن يسوع، قبل القيامة، أقام في مقر الأموات هذا هو المعنى الأول الذي أعطته الكرازة الرسولية لانحدار يسوع إلى الجحيم: يسوع عرف الموت كسائر البشر والتحق بهم بنفسه في مقر الأموات. إلا أنه انحدر مخلصا، معلنا البشرى للنفوس التي كانت محتجزة فيه.

633 ـ مقر الأموات الذي انحدر إليه المسيح يدعوه الكتاب المقدس بالجحيم "الشيول أو الهداس" لأن الموجودين فيه محرومون من رؤية الله تلك حال جميع الأموات في انتظار الفادى، سواء كانوا أشرار أو أبرارا، وهذا لا يعنى أن مصيرهم واحدا، كما يبين ذلك يسوع في مثل لعازر المسكين الذي استقبل في "أحضان إبراهيم" "هذه النفوس القديسة التي كانت تنتظر المحرر في أحضان إبراهيم، هي التي اعتقها يسوع المسيح عندما انحدر إلى الجحيم" لم ينحدر يسوع إلى الجحيم لإنقاذ الهالكين، ولا للقضاء على جهنم الهلاك، بل لإعتاق الأبرار الذين سبقوا مجيئه .

634 ـ "لقد بشر الأموات أيضا بالإنجيل.." (1 بط 4: 6) الإنحدار إلى الجحيم هو ملء إتمام بشرى الخلاص الإنجيلية إنه مرحلة رسالة يسوع المسيانية الأخيرة، المرحلة المحصورة في الزمن، ولكن ذات الاتساع غير المحدود في مدلولها الحقيقي لامتداد العمل الفدائى إلى جميع البشر في كل زمان وفي كل مكان، لأن جميع الذين خلصوا جعلوا مشتركين في الفداء .

635 ـ لقد انحدر إذن إلى أعماق الموت لكي "يسمع الأموات صوت ابن الله، والذين يسمعون يحيون" (يو 5: 25) فيسوع "مبدىء الحياة" أباد "بالموت من كان له سلطان الموت، أعنى إبليس، وأعتق "أولئك الذين كانوا، الحياة كلها، خاضعين للعبودية خوفاً من الموت" (عب 2: 14 ـ 15) فالمسيح، وقد قام، أصبح "بيده مفاتيح الموت والجحيم" (رؤ 1: 18) و"لاسم يسوع تجثو كل ركبة مما في السماوات وعلى الأرض وتحت الأرض" (قى 2: 10) .

"صمت عظيم يخيم اليوم على الأرض، صمت عظيم وعزلة شديدة، صمت عظيم لن الملك ينام لقد تزلزلت الأرض وهدأت لن الله نام في الجسد ومضى يوقظ من كانوا نائمين منذ قرون (...) غنه يمضى في طلب آدم، أبينا الأول، الخروف الضال يريد أن يمضى لزيارة جميع الجالسين في الظلمات وظل الموت. يمضى لإطلاق آدم وحواء من أوجاعهما، آدم في قيوده، وحواء الأسيرة معه، هو إلهما وابنهما في آن واحد (...) "أنا إلهك، وبسببك صرت ابنك استيقظ أيها النائم، لأني لم أخلقك لكي تقيم ههنا مكبلاًَ في الجحيم. انهض من بين الأموات، فإني حياة الأموات".

بإيجاز

636 ـ بالعبارة "يسوع انحدر إلى الجحيم" قانون الإيمان يعترف أن يسوع مات حقاً وانه بموته تغلب على الموت وعلى إبليس "الذي له سلطان الموت" (عب 2: 14).

637 ـ عندما مات المسيح، انحدر، بنفسه المتحدة بالشخص الإلهي، إلى مقر الأموات. وفتح للأبرار الذين سبقوا مجيئه أبواب السماء.

الفقرة 2 – في اليوم الثالث قام من الموتى

638 – نحن نبشركم بان الوعد الذي صار لآبائنا قد حققه الله لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع (أع 13: 32 – 33) قيامه المسيح هي الحقيقة القمة لإيماننا بالمسيح وهي التي اعتقدتها وعاشتها الجماعة المسيحية الأولى حقيقة رئيسية وتناقلها التقليد علي أنها أساسية واثبتها وثائق العهد الجديد وكرز بها علي أنها مع الصليب جزء جوهري من السر الفصحى: المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور

أ. الحدث التاريخي والسامي

639 – سر قيامه المسيح حدث حقيقي جرت له ظهورات تاريخية ثابتة يشهد بها العهد الجديد وفي نحو سنه 56 استطاع القديس بولس أن يكتب للكورنثيين "أنى سلمت إليكم أولا ما قد تسلمت أنا نفسي أن المسيح قد مات من اجل خطايانا علي ما في الكتب وانه قبر وانه قام في اليوم الثالث علي ما في الكتب وانه تراءي لكيفا ثم للاثنى عشر" (1 كو 15: 3 – 4) فالرسول يتكلم هنا علي تقليد القيام الحي الذي تعلمه بعد اهتدائه عند أبواب دمشق.

القبر الخالي

640 – لم تطلبن بين الأموات من هو حي؟ انه ليس ههنا لكنه قد قام (لو 24: 5 – 6) في إطار أحداث الفصح الأمر الأول الذي يطالعنا هو القبر الخالي ليس هو في ذاته برهانا مباشرا فمن الممكن تفسير اختفاء جسد المسيح من القبر علي نحو أخر ومع ذلك فان القبر كان للجميع علامة جوهرية واكتشاف التلاميذ له كان الخطوة الأولى للوقوف علي واقع القيامة تلك حال النساء القديسات أولا ثم حال بطرس التلميذ الذي كان المسيح يحبه (يو 20: 2) يؤكد انه عندما دخل إلى القبر الخالي ورأى اللفائف مطروحة هناك (يو 20: 6) رأى وامن وهذا يعنى انه رأى في خلو القبر أن غياب جسد يسوع لم يكن من الممكن عزوة إلى عمل بشري وان يسوع لم يرجع ببساطة إلى حياة أرضية كما كانت الحال بالنسبة إلى لعازر.

ترائيات القائم من الموت

641 – مريم المجدلية والنساء القديسات اللواتي كن قد انتهين من تحنيط جسد يسوع وكان قد أسرع في دفنه مساء الجمعة المقدسة لحلول السبت كن أول من لقي يسوع القائم من الموت وهكذا كانت النساء أول رسل قيامه المسيح إلى الرسل أنفسهم ثم تراءى لهم يسوع لبطرس أولا ثم للاثنى عشر وآذ كان بطرس مدعوا إلى تثبيت إيمان أخوته فهو يري إذن القائم من الموت قبلهم وبناء علي شهادته تهتف الجماعة: لقد قام الرب حقا وتراءي لسمعان (لو 24: 34).

642 – كل ما جري في الأيام الفصحية هذه يلزم كل واحد من الرسل ولا سيما بطرس بإنشاء العهد الجديد الذي بدا صباح الفصح وإذ كانوا شهود قيامته فإنهم يظلون حجارة بناء كنيسته وإيمان جماعة المؤمنين الأولى قائم علي شهادة أناس محسوسين يعرفهم المسيحيون وأكثرهم لا يزالون يعيشون في ما بينهم شهود قيامه المسيح هؤلاء هم أولا بطرس والاثنا عشر ولكن ليسوا هم وحدهم فبولس يتكلم بوضوح عن أكثر من خمس مئه شخص تراءي لهم يسوع معا فضلا عن يعقوب وسائر الرسل.

643 – أمام هذه الشهادات يستحيل تفسير قيامه المسيح خارج النظام الطبيعي وعدم الاعتراف بها علي أنها حدث تاريخي وكان من الإحداث أن إيمان التلاميذ اخضع للامتحان الجذري في شان ألام معلمهم وموته علي الصليب الذي كان ذلك المعلم قد سبق وأنبا به وكانت الهزة التي احثتها الآلام شديدة إلى حد أن التلاميذ (أو بعضا منهم) لم يصدقوا حالا خبز القيامة وبعيد عن أن ترينا الأناجيل جماعة تستخفها الحماسة الصوفية ترينا التلاميذ منهاري القوى واجمين (لو 24: 17) وخائفين ولهذا لم يصدقوا كلام النساء القديسات لدي رجوعهن من القبر وبدا لهم كلامهن هذيانا (لو 24: 11) وعندما تراءي يسوع للأحد عشر في مساء الفصح لامهم علي عدم إيمانهم وعلي عنادهم في تصديقهم لمن رأوه قد قام من الأموات (مر 16: 14).

644 – التلاميذ لا يزالون في ريب حتى أمام حقيقة يسوع القائم من الأموات إذ يبدو لهم الأمر هكذا مستحيلا: يظنون أنهم يرون روحا فكانوا بعد غير مصدقين من الفرح ذاهلين (لو 24: 41) وسيعانى توما تجربه الشك نفسها ولدي الظهور الأخير في الجليل الذي اوردة متى ارتاب بعضهم (متى 28: 17) ولهذا فالفرضية التي تقول بان القيامة قد تكون ثمرة الإيمان أو التصديق عند الرسل هي فرضية واهية فبعكس ذلك قد نجم إيمانهم بالقيامة من اختبارهم المباشر لحقيقة القائم من الموت بدعم من النعمة الإلهية.

حال الناسوت القائم من الموت عند المسيح

645 – يسوع القائم من الموت يقيم مع تلاميذه علاقات مباشرة عن طريق اللمس وتقاسم الطعام بذلك إلى الاعتراف بأنه ليس روحا وينوع اخص إلى التحقق من أن الجسد القائم من الموت والذي يظهر لهم فيه هو هو نفسه الذي استشهد وصلب إذ انه لا يزال يحمل ندوب الامه إلا أن لهذا الجسد الأصيل والحقيقي أيضا ميزات الجسد الممجد الجديدة لم يعد محصورا في المكان والزمان ولكن بإمكانه أن يكون في أي مكان واي زمان يشاء إذ أن ناسوته لم يعد مقيدا بالأرض بل أصبح في عهدة الآب الإلهية ولهذا السبب أيضا أصبح يسوع القائم من الموت مطلق الحرية في أن يظهر كما يشاء: في هيئة بستانى أو في هيئات أخرى (مر 16: 12) غير التي كان يألفها وذلك ليستثير إيمانهم.

646 – لم تكن قيامه المسيح عودة إلى الحياة الأرضية كما كانت بالنسبة إلى القيامات التي أجراها قبل الفصح ابنة ياثيروس وفتي نائين ولعازر كانت هذه الإحداث أمورا عجائبية ولكن هؤلاء الأشخاص الذين جرت فيهم المعجزات كانوا يستعيدون بقدرة يسوع حياة أرضية عادية وأنهم سيموتون مجددا في وقت ما أما قيامه المسيح فمختلفة جوهريا فهو في جسده القائم من الموت ينتقل من حال الموت إلى حياة أخرى فوق الزمان والمكان وجسد يسوع في القيامة مملوء من قدرة الروح القدس انه يشترك في الحياة الإلهية في حال مجدة بحيث يستطيع القديس بولس أن يقول عن المسيح انه الإنسان السماوي.

القيامة في كونها حدثا ساميا

647 – يا ليلة سعيدة حقا – علي حد ما ورد في نشيد الفصح "لتبتهج – exsultet" أنت وحدك استطعت أن تعرفي متى خرج المسيح حيا من مقر الأموات اجل لم يكن احد شاهد عيان لحادث القيامة نفسه ولا وصفة احد الانجليين لم يتمكن احد من القول كيف جرى حدثها الطبيعي وفضلا عن ذلك فجوهرة الأخص أي انتقاله إلى حياة أخرى لم يكن في متناول الحواس فالقيامة في كونها حدثا ملموسا بعلامة القبر الخالي وبحقيقة التقاءات الرسل ولا مسيح القائم من الموت هي في قلب سر الإيمان في كونها تسمو علي التاريخ وتفوقه ولهذا لم يظهر المسيح القائم من الموت للعالم بل لتلاميذه الذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم الآن شهوده عند الشعب (أع 13: 31).

 

2. القيامة – عمل الثالوث الأقدس

648 – قيامه المسيح هي حقيقة إيمانية في مونها تدخلا ساميا من الله نفسه في الخلق وفي التاريخ فيها يعمل الاقانيم الثلاثة الإلهية معا كما يظهرون ميزاتهم الخاصة لقد جرت بقدرة الآب الذي أقام (أع 2: 24) المسيح ابنه وادخل هكذا علي وجه كامل ناسوته مع جسده في الثالوث فقد كشف نهائيا عن يسوع علي انه المقام بحسب روح القداسة في قدرة ابن الله بقيامته من بين الأموات (رو 1: 4) والقديس بولس يشدد علي ظهور قدرة الله في عمل الروح القدس الذي أحيا ناسوت يسوع المائت ودعاة إلى حالة الربويه المجيدة.

649 – أما الابن فهو يجرى قيامته الخاصة بقدرته الإلهية فيسوع يعلن انه ينبغي لابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويموت وان يقوم بعد ذلك (بصيغة المعلوم لفعل قام) وهو يثبت في موضع أخر مصرحا ابذل حياتي لكي استرجعها أيضا فلي سلطان أن استرجعها أيضا (يو 10: 17 – 18) نؤمن بان يسوع قد مات ثم قام (1 تس 4: 14).

650 – الآباء يتأملون في القيامة انطلاقا من شخص المسيح الإلهي الذي ظل متحدا بنفسه وجسده اللذين انفصلا احدهما عن الأخر بالموت بوحدة الطبيعة الإلهية التي تظل ثابتة في كل من جزءي الإنسان يعود هذان الجزءان إلى الاتحاد وهكذا فالموت يجري بانفصال المركب الإنسان ي والقيامة تجري باتحاد الجزءين المنفصلين.

3. معنى القيامة ومدلولها الخلاصي

651 – أن كان المسيح لم يقم فكرازتنا إذن باطله وإيمانكم أيضا باطلا (1 كو 15: 14) فالقيامة هي من قبل كل شيء إثبات لكل ما عمل المسيح نفسه وعلم وجميع الحقائق حتى الأشد امتناعا منها علي إدراك العقل البشري تجد تبريرها إذا كان المسيح قدم بقيامته البرهان النهائي الذي وعد به علي سلطته الإلهية.

652 – قيامه المسيح هي إتمام لمواعيد العهد القديم ولمواعيد يسوع نفسه إبان حياته الأرضية والتعبير علي ما في الكتب يدل علي أن قيامه المسيح تحقيق لهذه النبوءات.

653 – حقيقة الوهة يسوع تثبتها القيامة لقد قال إذا ما رفعتم ابن البشر فعندئذ تعرفون أنى أنا هو (يو 8: 28) فقيامه المصلوب برهنت علي انه هو في الحقيقة الكائن ابن الله والله نفسه وقد استطاع القديس بولس أن يعلن لليهود ونحن نبشركم بان الوعد الذي صار لآبائنا قد حققه الله لنا إذ أقام يسوع علي ما هو مكتوب في المزمور الثاني: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك (أع 13: 32 – 33) وقيامة المسيح شديدة الارتباط بسر تجسد ابن الله أنها تحقيق بحسب قصد الله الأزلي.

654 – هنالك وجهان للسر الفصحي: انه بموته يحررنا من الخطيئة وبقيامه يفتح لنا المخل إلى حياة جديدة وهذه الحياة الجديدة هي أولا التبرير الذي يعيدنا إلى النعمة الله حتى أنا كما أقيم المسيح من بين الأموات كذلك نسلك نحن أيضا في جدة الحياة (رو 6: 4) وهي تقوم بالتغلب علي موت الخطيئة وبالاشتراك الجديد في النعمة وهى تتم التبني لان البشر يصبحون إخوة المسيح كما يدعو يسوع نفسه تلاميذه بعد قيامته اذهبا قولا لاخوتى (متى 28: 10) إخوة لا بالطبيعة بل بموهبة النعمة لان هذا التبنى يكسب اشتراكا حقيقيا في حياة الابن الوحيد الذي كشف عن ذاته بالقيامة كشفا كاملا.

655 – أخيرا قيامة المسيح – والمسيح القائم نفسه – هي مبدأ وينبوع قيامتنا الآتية: "إن المسيح قد قام من بين الأموات باكورة للراقدين فكما انه في ادم يموت الجميع كذلك أيضا في المسيح سيحيا الجميع" (1 كو 15: 20 ـ 22 ). وفي انتظار هذا التحقيق، يحيا المسيح القائم من الموت في قلب مؤمنيه. فيه يتذوق المسيحيون "قوات الدهر الآتي" (عب 6: 5)، وحياتهم يشدها المسيح على قلب الحياة الإلهية "لكي لا يحيا الأحياء لنفسهم في ما بعد بل للذي مات وقام لأجلهم" (2 كو 5: 15).

بإيجاز

656 ـ الإيمان بالقيامة يتناول حدثاً يثبته تاريخيا التلاميذ الذين لقوا في الحقيقة القائم من الموت، ويسمو سرياّ أيضا في كونه دخول ناسوت المسيح في مجد الله.

657 ـ القبر الخالي واللفائف المطروحة تعنى في ذاتها أن جسد المسيح افلت من قيود الموت والفساد بقدرة الله. إنها تعد التلاميذ للقاء القائم من الموت.

658 ـ المسيح، "البكر من بين الأموات" (كو 1: 18)، هو مبدأ قيامتنا الخاصة منذ الآن بتبرير نفسنا، وفي الزمن الآتى بإحياء جسدنا.


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #16 في: 08:46 07/09/2008 »
المقال السادس
"يسوع صعد إلى السماوات، وهو جالس إلى يمين الله

الآب الكلى القدرة"

659 ـ "ومن بعد ما كلمهم الرب يسوع ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله" (مر 16: 19 ). فجسد المسيح مجد منذ اللحظة الأولى لقيامته كما تشهد بذلك المميزات الجديدة والفائقة الطبيعة التي يتمتع بها جسده منذ الآن فصاعدا وبغير انقطاع. ولكن في مدة الأربعين يوما التي سيأكل ويشرب فيها مع تلاميذه ببساطة الأنفة، ويعلمهم فيها شؤون الملكوت، سيبقى مجده مستورا بستار الإنسانية العادية. ظهور يسوع الأخير ينتهي بدخول ناسوته دخولاً نهائيا في المجد الإلهي الذي ترمز إليه السحابة والسماء حيث سيجلس من الآن فصاعدا عن يمين الله. وأنه سيتراءى بطريقة جد استثنائية ووحيدة لبولس "كأنما للسقط" (1 كو 15: 8) ترائيا أخيراً يجعل منه رسولاً.

660 ـ إن ميزة المجد المحجوب لدى القائم من الموت في هذه المدة تظهر في كلامه العجيب لمريم المجدلية: "لم اصعد بعد إلى أبى، بل أمضى إلى اخوتى وقولي لهم إني صاعد إلى أبى وأبيكم، إلى إلهي وإلهكم" (يو 20: 17 ). فهذا يدل على اختلاف في الظهور ما بين مجد المسيح القائم من الموت ومجد المسيح الجالس عن يمين الآب. وحادث الصعود التاريخي والسامي معاً يدل على الانتقال من الواحد إلى الآخر.

661 ـ هذه المرحلة الأخيرة تبقى شديدة الارتباط بالأولى، أي الانحدار من السماء الذي تحقق في التجسد. والذي "خرج من الآب" يستطيع وحده "العودة إلى الآب": أي المسيح ."لم يصعد أحد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن البشر" (يو 3: 13). فإذا تركت الإنسانية لقواها الطبيعة لم تستطع الدخول إلى "بيت الآب" إلى حياة الله وسعادته. المسيح وحده استطاع أن يفتح للإنسان هذا الباب "بحيث يكون لنا، نحن الأعضاء، آمل اللحاق به إلى حيث سبقنا هو رأسنا ومبدأنا".

662 ـ "وأنا متى رفعت عن الأرض اجتذبت إلى الجميع" (يو 12: 32) فالارتفاع على الصليب يعنى ارتفاع الصعود إلى السماء والإنباء به. غنه بدء الصعود ويسوع المسيح الكاهن الوحيد للعهد الجديد والأزلي، لم "يدخل مقدساً صنعته الأيدي (...) بل دخل السماء بعينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا" (عب 9: 24 ). وفي السماء يمارس المسيح كهنوته بغير انقطاع "إذ إنه على الدوام حي ليشفع في" من "يتقربن به أي الله" (عب 7: 25 ). وبما أنه "حبر للخيرات الآتية" (عب 9: 11) فهو قلب الليترجيا والفاعل الرئيسي فيها، هي التي تكرم الآب في السماوات.

633 ـ المسيح يجلس منذ الآن فصاعداً إلى يمين الآب: "ونحن نعنى بيمين الآب مجد الألوهة وشرفها حيث جلس من كان ابناً لله قبل جميع الدهور، إلها واحد الجوهر مع الآب، من بعد تجسد ومن بعدما تمجد جسده ".

644 ـ الجلوس إلى يمين الأب يعنى افتتاح ملك الماسيا، أي تحقيق رؤيا دانيال النبي في شان ابن الإنسان : "أوتى سلطانا ومجداً وملكاً، فجميع الشعوب والأمم والألسنة يعبدونه، وسلطانه سلطان أبدى لا يزول ولكته لا ينقرض" (دا 7: 14 ). فمنذ هذه اللحظة، أصبح الرسل شهود "الملك الذي ليس له انقضاء".

بإيجاز

665 ـ صعود المسيح يشير إلى الدخول النهائي لناسوت يسوع إلى مقر الله السماوي من حيث سيعود، المقر الذي يخفيه في هذا الوقت عن عيون البشر .

666 ـ يسوع المسيح، راش الكنيسة، يسبقنا إلى ملكوت الآب المجيد حتى نحيا نحن، أعضاء جسده، في رجاءه أن نكون يوماً معه إلى الأبد .

667 ـ يسوع المسيح، الذي دخل مرة واحدة، مقدس السماء، يشفع فينا أبداً، على أنه الوسيط الذي يضمن لنا أبداً فيض الروح القدس.


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #17 في: 08:48 07/09/2008 »
المقال السابع

"من حيث سيأتي

ليقاضى الأحياء والأموات"

1ًـ "سيعود في المجد"
المسيح يملك منذ الآن بالكنيسة ...

668 ـ "مات المسيح وعاد حيا ليسود الأموات والأحياء" (رو 14: 9 ). فصعود المسيح إلى السماء يعنى اشتراكه بناسوته في قدرة الله نفسه وفي سلطانه يسوع المسيح رب: بيده كل سلطة في السماوات وعلى الأرض. وهو "فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة"، لأن "الآب أخضع كل شيء تحت قدميه" (أف 1: 20 ـ 22). المسيح هو سيد الكون والتاريخ. فيه يجد تاريخ الإنسان وكل الخليقة "خلاصهما"، ونهايتهما السامية .

699 ـ والمسيح، بصفته رباً، هو أيضا رأس الكنيسة التي هي جسده. وبعد أن رفع إلى السماء ومجد، متمما هكذا رسالته إتماماً كاملاً، فهو يبقى على الأرض في كنيسته فالفداء هو مصدر السلطة التي يمارسها المسيح على الكنيسة، بقوة الروح القدس "فملك المسيح هو الآن حاضر سريا في الكنيسة"، "نواة وبدء هذا الملكوت على الأرض".

6670 ـ منذ الصعود أخذ تصميم الله يتحقق. فنحن الآن في "الساعة الأخيرة" (1 يو 2: 18). "فالأزمنة الأخيرة إذن قد أتت بالنسبة إلينا، وتجديد العالم قد حصل على غير تراجع ووقع بكل حقيقة، في الأيام الحاضرة، ذلك بأن الكنيسة مزدانة الآن على الأرض بقداسة حقيقة وإن غير كاملة. وملك المسيح يظهر الآن حضوره بالآيات العجائبية التي ترافق إعلانه عن طريق الكنيسة".

...بانتظار أن يخضع له كل شيء

671 ـ ملك المسيح، الحاضر الآن في كنيسته، لم يتم بعد "في قدرة ومجد عظيم" (لو 21: 27 )، بمجيء الملك إلى الأرض. وهذا الملك تقاومه قوى الشر، وإن كانت قد غلبت في الأساس بفصح المسيح. فإلى أن يخضع له كل شيء، "إلى أن تتحقق السماوات الجديدة والأرض الجديدة حيث يسكن البر، تحمل الكنيسة إبان رحلتها، في أسرارها ومؤسساتها المرتبطة بهذا الزمن، صورة الدهر الزائل، وتعيش هي نفسها وسط الخلائق التي لا تنى تئن الآن في أوجاع المخاض، وتنتظر تجلى أبناء الله". ولهذا يصلى المسيحيون، ولا سيما في الأفخارستيا، لتسريع عودة المسيح، قائلين له: "تعال يارب" (رؤ 22: 20) .

672 ـ المسيح أكد قبل صعوده أنه لم تأت بعد ساعة إقامة الملكوت المسيانى المجيد الذي ينتظره إسرائيل، والذي كان من شانه أن يجلب للبشر، على حد قول الأنبياء، نظام البر النهائي والمحبة والسلام، فالزمن الحاضر هو، بحسب الرب، زمن الروح والشهادة، ولكنه زمن أيضا موسوم بسمة الضيق (1 كو 7: 26) وامتحان الشر الذي لا يحيد عن الكنيسة، والذي يفتح صراعات الأيام الأخيرة. إنه زمن ترقب وسهر.

مجىء المسيح المجيد، رجاء إسرائيل

673 ـ منذ الصعود أصبح مجيء المسيح في المجد قريبا، وأن لم يكن لنا "أن نعرف الأوقات التي أقرها الآب في سلطانه الخاص" (أع 1: 7 ). هذا المجيء المعادى يمكنه أن يتم في أي وقت، وإن كان "مقيدا"، هو والامتحان الأخير الذي سيسبقه .

674 ـ مجيء الماسيا المجيد معلق بكل وقت من أوقات التاريخ، إلى أن يعترف به "كل إسرائيل الذي تصلب قسم منه في "عدم الإيمان"" (رو 11: 20) بيسوع ـ والقديس بطرس يقول ذلك ليهود أورشليم بعد العنصرة: "اندموا وتوبوا لكي تمحى خطاياكم، فتأتى أوقات الراحة من قبل الرب، ويرسل الذي أعد لكم من قبل، المسيح يسوع الذي ينبغي أن تقبله السماء، إلى عهد تجديد كل شيء، الذي تكلم عنه الله منذ القديم على أفواه أنبيائه القديسين" (أ ع 3: 19 ـ 21 ). والقديس بولس يردد صداه قائلاً: "إن كان انتباذهم مصالحة للعالم، فماذا يكون قبولهم إلا حياة للأموات؟" (رو 11: 15). فدخول جمهرة اليهود في الخلاص المسيانى، في عقب جمهرة الأمم يتيح لشعب الله أن " يحقق ملء اكتمال المسيح " (أف 4: 13 )، الذي يكون فيه "الله كلا في الكل" (1 كو 15: 2).

امتحان الكنيسة الأخير

675 ـ لابد للكنيسة، قبل مجيء المسيح، من أن تجتاز امتحانا اخيراً يزعزع إيمان كثير من المؤمنين. والاضطهاد الذي يرافق زيارته للأرض يكشف "سر الجور" في شكل تدجيل ديني يقدم للبشر حلاً ظاهراً لقضاياهم ثمنه جحود الحقيقة والتجديل الديني الأعظم هو تدجيل المسيح الدجال، أي تدجيل المسيانية الكاذبة، حيث يمجد الإنسان  نفسه في مكان الله ومسيحه المتجسد.

676 ـ هذا التدجيل المناهض للمسيح ويرتسم في العالم كلماً ادعى الناس أن يحققوا في التاريخ الرجاء المسيانى الذي لا يمكن أن يتم إلا بعده في الدينونة المعادية، والكنيسة نبذت هذا التزوير للملكوت التي حتى في صيغته المخففة المعروفة بالألفية، ولا سيما صيغتها السياسية كمسيانية علمانية "فاسدة في جوهرها".

677 ـ الكنيسة لن تدخل في مجد الملكوت إلا من خلال هذا الفصح الأخير حيث تتبع ربها في موته وفي قيامته. فالملكوت لن يتحقق إذن بانتصار تاريخي للكنيسة يكون في تطور صاعد بل بانتصار لله على جماح الشر الأخير الذي سينزل عروسها من السماء. وانتصار الله على ثورة الشر سيتخذ شكل الدينونة الأخير لهذا العالم المتلاشى.

2ً. "ليقاضى الأحياء والأموات"

678 ـ بعد الأنبياء ويوحنا المعمدان، أعلن يسوع في كرازته دينونة اليوم الآخر، حينذاك يكشف سلوك كل واحد، وسر القلوب. عند ذلك يقضى على عدم الإيمان الأثيم، الذي استخف بالنعمة التي وهبها الله، وموقف الإنسان بالنسبة إلى القريب سيكشف عن حسن استقبال النعمة والمحبة الإلهية أو رفضها. سيقول يسوع في اليوم الأخير: "إن كل ما صنعتموه إلى واحد من اخوتى هؤلاء، إلى واحد من الصغار، فإلى قد صنعتموه" (متى 25: 40) .

679 ـ المسيح سيد الحياة الأبدية، وله الحق الكامل في أن يحكم نهائيا على أعمال البشر وقلوبهم بكونه فادى العالم. لقد "أكتسب" هذا الحق بصليبه. ولهذا فالآب "فوض إلى الابن كل دينونة" (يو 5: 22 ). والابن لم يأت ليدين، بل ليخلص، ولكي يعطى الحياة التي فيه. ويرفض النعمة في هذه الحياة يدين كل واحد ذاته، فينال ما تستحقه أعماله، ويستطيع حتى أن يهلك نفسه إلى الأبد برفضه روح المحبة.

بإيجاز

680 ـ المسيح الرب يملك منذ الآن بالكنيسة، ولكن لم يخضع له بعد كل شيء في هذا العالم، ولن يتحقق انتصار ملكوت المسيح بدون أن يلاقى هجوماً أخيراً من قوات الشر.

681 ـ في يوم الدينونة، عند انتهاء العالم، سيأتي المسيح في المجد ليحقق الانتصار النهائي للخير على الشر، اللذين، مثل حبة القمح والزوان، ينموان معاً على مر التاريخ.

682 ـ عندما يأتي المسيح الممجد في آخر الأزمان ليقاضى الأحياء والأموات سيكشف عن استعدادات القلوب السرية، وينيل كل إنسان ما استحقته أعماله، وقبوله أو رفضه للنعمة.


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #18 في: 08:49 07/09/2008 »
الفصل الثالث

أؤمن بالروح القدس

683 ـ "ما من أحد يستطيع أن يقول "يسوع رب" إلا بالروح القدس" (1 كو 12: 3) "أرسل الله إلى قلوبنا روح ابنه ليصرخ: أبا، أيها الآب" (غل 4: 6 ). فهذه المعرفة الإيمانية غير ممكنة إلا بالروح القدس. فهو الذي يؤتى إلينا، ويبعث فينا الإيمان. وبفضل المعمودية، السر الأول من إسرار الإيمان، فالحياة، النابعة من الآب ،والمقدمة لنا في الابن، تصل إلينا، بطريقة حميمة وشخصية، بالروح القدس في الكنيسة:

المعمودية "تمنحنا نعمة الولادة الجديدة في الله الآب بوساطة ابنه في الروح القدس. فالذين يحملون روح الله هم مقودون إلى الكلمة، أي الابن؛ ولكن الابن؛ ولكن الابن يقدمهم إلى الآب، والآب يكسبهم عدم الفساد. فبدون الروح القدس إذن لا تمكن رؤية ابن الله، وبدون الابن لا يستطيع أحد أن يقارب الآب، لأن معرفة الآب هي الابن، ومعرفة ابن الله تجرى بالروح القدس".

684 ـ الروح القدس هو الأول، بنعمته، في يقظة إيماننا، وفي الحياة الجديدة التي هي معرفة الآب والذي أرسله، يسوع المسيح. ومع ذلك فهو الأخير في الكشف عن اقانيم الثالوث الأقدس. والقديس غريغوريوس النزينزى "اللاهوتي" يشرح هذا التدرج في نظام "التنازل  الإلهي".

"العهد القديم أعلن الآب في وضوح، والابن في غموض، العهد الجديد أعلن الابن، وألمع بألوهة الروح. وهكذا أصبح للروح القدس مقر في ما بيننا، وهو ينير طريقنا إليه. وهكذا لم يكن من الحكمة، قبل الاعتراف بالوهة الآب، أن ينادى علناً بالابن، وقبل التسليم بألوهة الابن، أن يفحم الروح الروح عبثا إضافيا ـ ولو كان التعبير جريئاً ... وهكذا فيخطىء متعاقبة، واب الانتقال "من مجد إلى مجد" يتلألأ نور الثالوث أكثر فأكثر".

685 ـ الإيمان بالروح القدس هو إذن الاعتراف بان الروح القدس هو احد أقانيم الثالوث الأقدس، الواحد الجوهر مع الآب والابن، "المعبود والممجد مع الآب والابن". ولهذا السبب عرض لسر الروح القدس الإلهي في "اللاهوت" الثالوثى. وهكذا فموضوع الروح القدس هنا بتدرج في "التدبير الإلهي".

686 ـ الروح القدس يعمل مع الآب والابن منذ بدء تصميم خلاصنا حتى نهايته ولكنه لم يكشف، ولم يوهب، ولم يعترف به ولم يعد أقنوماً، إلا "في الأزمنة الأخيرة" التي أفتتحها تجسد الابن الفدائى وهكذا فهذا التصميم الإلهي، المحقق في المسيح، "بكر" الخليقة الجديدة ورأسها، يستطيع أن يتجسد في البشرية بفيض الروح القدس: الكنيسة، شركة القديسين، غفران الخطايا، قيامة الجسد، الحياة الأبدية.



الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #19 في: 08:52 07/09/2008 »
المقال الثامن

"أؤمن بالروح القدس

687 ـ "ليس أحد يعرف ما في الله إلا روح الله" (1 كو 2: 11) والحال أن روحة الذي يكشفه يجعلنا نعرف المسيح كلمته كلامه الحي ولكنه لا يقول عن نفسه ما هو فالذي نطق بالأنبياء يسمعنا كلام الآب أما يسمعنا كلام الآب أما هو فلا نسمعه ولا نعرفه إلا بالحركة التي يكشف لنا فيها الكلمة ويعدنا لاستقباله في الإيمان وروح الحق الذي يكشف لنا المسيح لا يتكلم من عند نفسه مثل هذا الاحتجاب ذي الميزة الإلهية الخاصة يفسر لماذا لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه فيما أن الذين يؤمنون بالمسيح يعرفونه لأنه يقيم معهم (يو 14: 17)

688 – وإذ كانت الكنيسة هي الشركة الحية لإيمان الرسل الذي تنقله فهي موضع معرفتنا للروح القدس

·  في الكتب التي أوحي بها

·  في التقليد وآباء الكنيسة له شهود أبدا حاليون

·  في سلطة الكنيسة التعليمية التي يرافقها

·  في ليترجيا الأسرار من خلال أقوالها ورموزها حيث يجعلنا الروح القدس قي شركه مع المسيح

·  في الصلاة التي يشفع لنا فيها

·  في المواهب والخدمات التي تبنى بها الكنيسة

·  في علامات الحياة الرسولية والإرسالية

·  في شهادة القديسين حيث يظهر قداسته ويواصل عمل الخلاص

أ – الرسالة المشتركة بين الابن والروح القدس

689 – هذا الذي أرسله الآب إلى قلوبنا روح ابنه هو في الحقيقة اله واحد الجوهر مع الآب والابن لا ينفصل عنهما سواء كان ذلك في حياة الثالوث الحميمة أو في موهبة محبته للعالم ولكن أن عبدت الكنيسة الثالوث الأقدس المحي الواحد الجوهر وغير المنقسم فإيمانها يعترف بتميز الاقانيم وعندما يرسل الآب كلمته يرسل أبدا روحه: رسالة مشتركه حيث الابن والروح القدس متميزان ولكن غير منفصلين اجل أن المسيح هو الذي يظهر هو الصورة المنظورة لله غير المنظور ولكن الروح القدس هو الذي يكشفه

690 – يسوع هو مسيح ممسوح لان الروح القدس هو الدهن وكل ما يجرى انطلاقا من التجسد هو من هذا الامتلاء وأخيرا عندما تمج المسيح صار بإمكانه هو أيضا أن يرسل الروح من عند الآب إلى الذين يؤمنون به فهو يشركهم في مجده أي بالروح القدس الذي يمجده فالرسالة المشتركة سينشر عملها في الأبناء الذين تبناهم الآب في جسد ابنه ستقوم رسالة روح التبني بان تضمهم إلى المسيح وان تحييهم فيه فكرة المسحة توحي بان ليس هنالك أي بعد بين الابن والروح القدس فكما انه بين سطح الجسد ومسحة الزيت لا يعرف العقل ولا الحس أي وسيط هكذا يكون مباشرا اتصال الابن بالروح بحيث انه لا بد لمن سيتصل بالابن بالإيمان من أن يلقى أولا الزيت باللمس وهكذا فما من جزء عار من الروح القدس ولهذا فالاعتراف بسيادة الابن تجري في الروح القدس للذين يتقبلونها إذ يأتي الروح القدس من كل جهة إلى أمام الذين يقتربون بالإيمان

2 – اسم الروح القدس وتسمياته ورموزه

اسم علم الروح القدس

691 – روح قدس هذا اسم علم من نعبده ونمجده مع الآب والابن الكنيسة تقبلته من الرب وتعترف به في معمودية أبنائها الجدد. اللفظة روح ترجمه للفظة العبرانية روح ومعناها الأول نفس هواء ريح ويسوع يستعمل صورة الريح الحسية هذه لكي يوحي لنيقوديمس بالجدة السامية في الذي هو شخصيا نفس الله الروح الإلهي والي ذلك فروح وقدس صفتان إلهيتان يشترك فيهما الاقانيم الثلاثة ولكن بجمع هاتين اللفظتين يدل الكتاب المقدس والليتروجيا واللغة اللاهوتية علي اقنوم الروح القدس الذي لا يوصف من غير التباس ممكن بالمدلولات الأخرى للفظتين روح و قدس

تسميات الروح القدس

692 – يسوع عندما يعلن مجئ الروح القدس ويعد به يسميه البارقليط ومعناه حرفيا الذي يدعي قرب (ad - vocatus) (يو 14: 16، 26، 15: 26، 16: 17) وبارقليط تترجم عادة بالمعزي إذ أن يسوع هو المعزى الأول والرب نفسه يسمى الروح القدس روح الحق.

693 – وفضلا عن اسم علمه الأكثر استعمالا في أعمال الرسل والرسائل نجد عند القديس بولس التسميات التالية: روح الموعد (غل 3: 14، أف 1: 13) وروح التبني (رو 8: 15، غل 4: 6) وروح المسيح (رو 8: 11) وروح الرب (2 كو 3: 17) وروح الله (رو 8: 9، 14، 15: 19، 1 كو 6: 11، 7: 40) وعند القديس بطرس روح المجد (1 بط 4: 14).

رموز الروح القدس

694 – الماء: رمز الماء يعبر عن عمل الروح القدس في المعمودية إذ انه يصبح بعد استدعاء الروح القدس العلامة السرية الفاعلة في الولادة الجديدة فكما أن حبل ولادتنا الأولى جرى في الماء كذلك يعنى ماء المعمودية في الحقيقة أن ولادتنا للحياة الإلهية نعطاها في الروح القدس ولكن "إذ كنا معمدين في الروح واحد" فنحن "مقيون من روح واحد" (1 كو 12: 13): فالروح هو إذن شخصياً الماء الحي الذي يتفجر من المسيح المصلوب كما من ينبوعه، والذي ينفجر فينا حياة أبدية .

695 ـ المسحة: رمز المسح بالزيت يعنى أيضا الروح القدس، إلى حد انه يصبح مرادفاً له. وهو، في التنشئة المسيحية، العلامة الأسرارية لسر التثبيت، الذي تدعوه بحق كنائس الشر "سر الميرون". ولكن، لكي ندرك كل قوة تلك المسحة، يجب الرجوع إلى المسحة الأولى التي قام بها الروح القدس: مسحة يسوع. فالمسيح (واللفظة مشتقة من العبرية "ماسيا" يعنى "المسوح" من روح الله هناك أناس "ممسوحون" من قبل الرب في العهد القديم، وبنوع خاص الملك دواد. ولكن يسوع هو الممسوح من الله بشكل فريد: فالبشرية التي اتخذها الابن هي بكاملها "ممسوحة من الروح القدس" فيسوع قد أقيم "مسيحا" بالروح القدس. وبالروح القدس حبلت مريم العذراء بيسوع وهو الذي بواسطة الملاك أعلن بيسوع مسيحا عند ولادته، وحمل سمعان على المجيء على الهيكل ليشاهد مسيح الرب وهو الذي ملأ المسيح، وقدرته هي التي كانت تخرج من المسيح لدى قيامه بأعمال شفاء وخلاص. وهو الذي أخيرا أقام يسوع من بين الأموات. ويسوع إذ ذاك، وقد أقيم بشكل كامل "مسيحا" في بشريته المنتصرة على الموت، يفيض بسخاء الروح القدس، إلى أن يكون القديسون، في اتحادهم ببشرية ابن الله، "هذا الإنسان الكامل (..) الذي يحقق ملء المسيح" (أف 4: 13): "المسيح الكلى" بحسب تعبير القديس أوغسطينوس .

696 ـ النار غيما الماء تعنى الولادة وخصب الحياة التي يهبها الروح القدس، ترمز النار إلى قدرة أعمال الروح القدس المحولة فالنبي إيليا، الذي "قام كالنار، وكان كلامه يتوقد كالمشعل" (سير 48: 1) أنزل على ذبيحة جبل الكرمل نار السماء، وهى صورة النار الروح القدس يحول ما يلمسه ويوحنا المعمدان، "الذي سار أمام الرب بروح إيليا وقدرته" (لو 1: 17 )، بشر بالمسيح معلنا أنه هو "الذي سيعمد بالروح القدس والنار" (لو 3: 16 )، هذا الروح الذي سوف يقول عنه يسوع: "لقد جئت لألقى على الأرض ناراً، وكم أود لو تكون قد اضطرمت" (لو 12: 49) وبهيئة ألسنة "كأنها من نار"، حل الروح القدس على التلاميذ في صباح العنصرة، وملأهم منه ولقد حفظ التقليد الروحي رمز النار هذا كأفصح تعبير عن عمل الروح القدس : "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19)

697 ـ السحابة والنور. هذان الرمزان لا ينفصلان في تجليات الروح القدس. فالسحابة منذ ظهورات الله في العهد القديم، تارة مظلمة وتارة منيرة، تكشف الله الحي والمخلص، وهى تحجب سمو مجده: مع موسى على جبل سيناء، وفى خيمة الموعد، وفى أثناء المسيرة في الصحراء، ومع سليمان لدى تكريس الهيكل. فهذه الصور قد أتمها المسيح في الروح القدس. فالروح القدس هو الذي حل على مريم العذراء وظللها لتحبل بيسوع وتلده وهو الذي، على جبل التجلي، "أتى في السحابة التي ظللت" يسوع وموسى وإيليا، وبطرس ويعقوب ويوحنا. وانطلق من السحابة صوت يقول :" هذا هو ابني، مختاري، فاسمعوا له " (لو 9: 35 )، والسحابة عينها هي أخيراً التي "أخذت يسوع عن عيون التلاميذ في يوم صعوده إلى السماء، والتي سوف تكشف أنه ابن البشر في مجده في يوم مجيئه الثاني".

698 ـ الختم: هو رمز قريب من رمز المسحة. فالمسيح هو "الذي ختمه الله نفسه" (يو 6: 27) وفيه يختمنا الآب نحن أيضا. وإن صورة الختم، لكونها تدل على مفعول مسحة الروح القدس الذي لا يمحى في أسرار المعمودية والميرون والكهنوت قد استعملها بعض التراثات اللاهوتية لتعبر عن "الوسم" الذي لا يمحى الذي تطبعه تلك الأسرار التي لا يجوز تكرارها للشخص الواحد .

699 ـ اليد: إن يسوع، بوضعه يديه، شفى المرضى وبارك الأولاد الصغار. وكما فعل هو فعل الرسل على مثاله وباسمه وأفضل من ذلك فالروح القدس إنما يعطى بوضع ايدي الرسل وتورد الرسالة إلى العبرانين وضع الايدي في عداد "الأمور الأساسية" من تعليمها. وتلك العلامة لسكب الروح القدس بكامل قدرته، قد حفظتها الكنيسة في صلوات استدعاء الروح القدس في الأسرار.

700 ـ الإصبع: كان يسوع "بإصبع الله يخرج الشياطين" وإن كانت شريعة الله قد كتبت على ألواح من حجر "بأصبع الله" (خر 31: 18 )، فإن "رسالة المسيح" التي فوضت إلى الرسل، "قد كتبت بروح الله الحي لا في ألواح من حجر، بل في ألواح من لحم، في القلوب" (2 كو 3: 2) والنشيد "تعال أيها الروح الخالق" يبتهل إلى الروح القدس داعياً إياه "أصبع يمين الآب".

701 ـ الحمامة في نهاية الطوفان (الذي يتعلق رمزه بالمعمودية)، عادت الحمامة التي أطلقها نوح وفى فمها ورقة زيتون خضراء، دلالة على أن الأرض صارت من جديد قابلة للسكنى. وعندما خرج المسيح من ماء معموديته، نزل الروح القدس بهيئة حمامة وحل عليه. والروح ينزل ويحل في قلب المعتمدين المطهر وفى بعض الكنائس يحفظ القربان المقدس، الزاد الإفخارستى، وفى وعاء من معدن بهيئة حمامة معلق فوق الهيكل. إن رمز الحمامة للإشارة إلى الروح القدس هو تقليدي في الفن الإيقونوغرافى المسيحي .

3 ـ الروح وكلمة الله في زمن المواعيد

702 ـ من البدء حتى "ملء الزمان"، ظلت في الخفاء رسالة الابن وروح الآب المشتركة ولكنها كانت تعمل ففيها هيا روح الله زمن الماسيا، وكلاهما، ولم ينكشفا بعد تماما، كانا موضوع الوعد، لكي ينتظرهما الناس ويقبلوهما لدى تجليهما، لذلك عندما تقرأ الكنيسة العهد القديم، تبحث فيه ما يريد الروح "الناطق بالأنبياء" أن يقوله لنا عن المسيح .

بلفظه "الأنبياء" يعنى إيمان الكنيسة كل الذين ألهم الروح القدس في الكرازة الحية وفى تدوين الأسفار المقدسة، سواء كان ذلك في العهد القديم أو في العهد الجديد. أما التقليد اليهودي فيميز الناموس (الأسفار الخمسة الأولى )، والأنبياء (الأسفار التي ندعوها تاريخية ونبوية، والكتب (ولا سيما الحكيمة، وبنوع خاص المزامير) .

في الخلق

703 ـ كلمة الله وروحه هما في أصل كيان وحياة كل خليقة:

"للروح القدس أن يملك على الخليقة ويقدسها، لأنه غله واحد في الجوهر مع الآب والكلمة (...) إن الروح القدس هو مبدأ الحياة وله الكرامة، فإنه كان يؤيد البرايا كلها ويصونها في الآب بالابن".

704 ـ "أما الإنسان فقد صنعه الله بكلتا يديه (أي الابن والروح القدس) (...) ورسم على الجسد المصنوع صورته الخاصة، بحيث أن حتى ما هو مرئي يحمل الهيئة الإلهية".

روح الوعد

705 ـ الإنسان، وإن شوهته الخطيئة والموت، يبقى "على صورة الله"، على صورة الابن، ولكنه "يعوزه مجد الله"، ويعوزه "المثال" إن الوعد الذي أعطى لإبراهيم قد افتتح تدبير الخلاص، الذي في نهايته اتخذ الابن "الصورة" وأعاد إليها المثال مع الآب واهبا لها من جديد المجد، الروح المعطى الحياة".

706 ـ لقد وعد الله إبراهيم، على خلاف كل رجاء بشرى، بنسل يكون ثمرة الإيمان وقدرة الروح القدس، وفيه تتبارك جميع أمم الأرض. وهنا النسل هو المسيح الذي حقق فيض الروح القدس فيه وحدة أبناء الله المشتتين. إن الله، بالتزامه بقسم، التزم في الوقت عينه بأن يهب لنا ابنه الحبيب، وروح الموعد القدوس لفداء الشعب الذي افتتاحه الله.

في الظهورات الإلهية والناموس

707 ـ إن الظهورات الإلهية (تجليات الله) قد أنارات طريق الوعد، من الآباء إلى موسى ويشوع حتى الرؤى التي افتتحت رسالة الأنبياء الكبار. وقد اعترف التقليد المسيحي على الدوام أن كلمة الله هو الذي كان يسمع ويروى في تلك الظهورات الإلهية. إنه الكلمة الموحى به، والذي في الوقت عينه " تظلله سحابة الروح القدس.

708 ـ هذا النهج التربوي الإلهي ظهر بنوع خاص في عطية الناموس فقد أعطى الناموس "كمؤدب" يرشد الشعب إلى المسيح. ولكن عجزه عن خلاص الإنسان الفاقد "المثال الإلهي" ومعرفة الخطيئة التي أكسبه إياها بازدياد، أيقظا فيه رغبة الروح القدس. وتشهد على ذلك تنهدات المزامير .

في المملكة والسبي

709 ـ كان على الناموس، وهو علامة الوعد والعهد، أن يسوس قلب الشعب الذي تكون من إيمان إبراهيم، ويسوس مؤسساته: "إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي مملكة وأمة مقدسة" (خر 19: 5 ـ 6 ). ولكن بعد داود، سقط إسرائيل في تجربة أن يصير مملكة كسائر الأمم. بيد أن الملكة، موضوع الوعد الذي وعد به الله داود، ستكون عمل الروح القدس، وهى الملكوت الذي يحصل عليه الفقراء بالروح .

7710 ـ إن نسيان الناموس وعدم الأمانة للعهد قادا إلى الموت: فكان السبي، الذي هو في الظاهر إخفاق للمواعيد، ولكنه في الواقع أمانة في السر من قبل الله المخلص، وبدء تجيد موعود به، ولكن بحسب الروح كان لابد من أن يخضع شعب الله لتلك التنقية فالسبي، منذ حدوثه، يحمل في تصميم الله ظل الصليب، والبقية من الفقراء التي تعود منه هي إحدى صور الكنيسة الأكثر شفافية.

ترقب الماسيا وروحه

711 ـ "هاأنذا آتى بالجديد" (أش 43: 19): هناك خطان نبويان يرتسمان، يتعلق أحدهما بترقب الماسيا، والآخر بالتبشير بروح جديد، ويتلاقيان في "البقية" الضئيلة، شعب الفقراء، الذي ينتظر في الرجاء "تعزية إسرائيل" "وفداء أورشليم" (لو 2: 25، 38 ). رأينا سابقاً كيف أتم يسوع النبوءات المتعلقة به. لذلك نقتصر هنا على تلك التي يظهر فيها الارتباط بين الماسيا وروحه.

712 ـ إن تقاسيم وجه الماسيا المنتظر تظهر أولاً في كتاب عمانوئيل ("عندما شاهد أشعيا في الرؤيا مجد" المسيح: يو 12: 41 )، ولا سيما في أش 111: 1 ـ 2:

"ويخرج غصن من جذع يسى ،

وينمى فرع من أصوله :

عليه يحل روح الرب :

روح الحكمة والفهم

روح المشورة والقوة

روح العلم ومخافة الرب"

713 ـ تقاسيم الماسيا كشفتها بنوع خاص أناشيد عبد الله. وقد أنبأت تلك الأناشيد عن معنى آلام يسوع، ودلت هكذا على الطريقة التي سوف يفيض فيها الروح القدس لإحياء الكثيرين: ليس من الخارج، بل باتخاذه "صورة عبد" (قى 2: 7) إنه، باتخاذه موتنا، استطاع أن يهبنا روح الحياة، الذي هو روحه الخاص .

714 ـ لذلك استهل المسيح إعلان البشرى السعيدة لتطبيق المقطع التالي من أشعبا على نفسه (لو 4: 18 ـ 19):

"روح الرب علىّ ،

لأنه مسحني

لأبشر الفقراء

وأرسلني لأنادى للمأسورين بالتخلية ،

وللعميان بالبصر ،

ولأطلق المرهقين أحرارا ،

وأنادى بسنة قبول عند الرب".

715 ـ النصوص النبوية المتعلقة مباشرة بإرسال الروح القدس هي نبؤات يخاطب فيها الله قلب شعبه بلغة الوعد، مع نبرات الحب والأمانة، التي أعلن القديس بطرس تحقيقها في صباح العنصرة. فيحسب تلك الوعود، سيجدد روح الرب في "الأزمنة الأخيرة" قلوب الناس، إذ يحفر فيها شريعته الجديدة، فيجمع الشعوب المشتتة والمنقسمة ويصالحها؛ ويحول الخليقة الأولى، ويقيم الله فيها سكناه مع البشر في السلام.

716 ـ إن شعب "الفقراء"، أولئك المتواضعين والودعاء، المستلسمين كلياً لمقاصد الله السرية، الذين ينتظرون العدل، لا من الناس، بل من الماسيا، هو في النهاية العمل الأكبر لرسالة الروح القدس الخفية في زمن المواعيد تهيئة لمجيء المسيح وجودة قلبهم، المنقى والمستنير بالروح هي التي تعبر عنها المزامير في أولئك الفقراء، هيا الروح للرب "شعبا مستعداً" .

4ً ـ روح المسيح في ملء الزمان

يوحنا السابق والنبي والمعمدان

717 ـ "كان إنسان مرسل من الله اسمه يوحنا" (يو 1: 6) إن يوحنا قد "امتلأ من الروح القدس وهو بعد في بطن أمه" (لو 1: 15 )، بوساطة المسيح نفسه الذي كانت مريم العذراء منذ فترة وجيزة قد حبلت به من الروح القدس. "وزيارة" مريم لأليصابات صارت هكذا زيارة الله نفسه التي بها افتقد شعبه.

718 ـ يوحنا و "إيليا المزمع أن يأتي": إن نار الروح قد حلت فيه وجعلته ("كسابق") يسير أمام الذي كان آتيا في يوحنا السابق، أتم الروح القدس عمله بأن "يهيئ للرب شعبا مستعدا" (لو 1: 17) .

719 ـ يوحنا "أفضل من نبي" فيه أكمل الروح القدس "النطق بالأنبياء" لقد ختم يوحنا مجموعة الأنبياء التي افتتحها إيليا فبشر بقرب تعزية إسرائيل، إنه "صوت" المعزى الذي كان آتيا (يو 1: 23 )، وعلى غرار روح الحق "فقد جاء للشهادة، ليشهد للنور" (يو 1: 7 ). في نظر يوحنا، الروح يتم هكذا "بحث الأنبياء" و "اشتهاء" الملائكة : "إن الذي ترى الروح ينزل ويستقر عليه، هو الذي يعمد بالروح القدس، فذلك ما قد عاينت، وأشهد أن هذا هو ابن الله (..) ها هوذا حمل الله" (يو 1: 33) ـ 36) .

720 ـ وأخيراً مع يوحنا المعمدان يفتتح الروح القدس، بصورة مسبقة، ما سوف يحققه مع المسيح وفيه: أي أن يعيد للإنسان "المثال" الإلهي. معمودية يوحنا كانت للتوبة، أما المعمودية في الماء والروح فستكون ولادة جديدة .

"افرحي، يا ممتلئة نعمة"

721 ـ مريم، والدة الإله الكلية القداسة والدائمة البتولية، هي أروع عمل أنجزته رسالة الابن والروح في ملء الزمان. للمرة الأولى في قصد الخلاص، وجد الآب السكنى حيث يستطيع ابنه وروحه أن يقيما بين البشر، ذلك أن روحه هو الذي هيا تلك السكنى وفى هذا المعنى رأى مرارا تقليد الكنيسة، في قراءته أجمل النصوص في الحكمة، علاقة بين تلك النصوص ومريم. فالليترجيا ترنم لمريم وتتمثلها كأنها "عرش الحكمة" .

فيها تجلت أولا "عظائم الله" التي سوف يحققها الروح في المسيح والكنيسة:

722 ـ فالروح القدس هيا مريم بنعمته، فقد كان يليق بأن تكون "ممتلئة نعمة" أم الذي فيه "يحل كل ملء اللاهوت جسديا" (كو 2: 9) فبمحض نعمة، حبل بها دون خطيئة كأوضع الخلائق والأكثر قدرة على تقبل عطية الله القدير التي تفوق الوصف. وبحق حياها الملاك جبرائيل تحية "ابنة صهيون": "افرحي" وما رفعته إلى الآب في الروح القدس في نشيدها، وهى تحمل في حشاها الابن الأزلي، إنما هو شكر شعب اله كله، أي الكنيسة .

723 ـ وفى مريم، حقق الروح القدس قصد الله العطوف. فبالروح القدس، حبلت مريم بابن الله وولدته. وقد صارت بتوليتها الفريدة خصبا بقدرة الروح والإيمان .

724 ـ وفى مريم، أظهر الروح القدس ابن الآب الذي صار ابن العذراء. أنها العليقة المتقدة للظهور الإلهي لقد ملأها الروح القدس فأظهرت الكلمة في تواضع جسده وعرفته للفقراء ولبواكير الأمم.

725 – وفي مريم أخيرا بدا الروح القدس يشرك بالمسيح الناس موضوع حب الله العطوف مسرة الله وقد كان علي الدوام المتواضعون أول الذين قبلوه الرعاة المجوس سمعان وحنة عروسا قانا والتلاميذ الأولون

726 – في ختام رسالة الروح صارت مريم المرأة حواء الجديدة أم الأحياء أم المسيح الكلي وبتلك الصفة هي حاضرة مع الاثنى عشر المواظبين علي الصلاة بنفس واحدة (أع 1: 14) في فجر الأزمنة الأخيرة التي افتتحها الروح القدس في صباح العنصرة مع تجلي الكنيسة.

المسيح يسوع

727 – كل رسالة الابن والروح القدس في ملء الزمان متضمنة في أن الابن هو الممسوح من روح الآب منذ تجسده يسوع هو المسيح ماسيا علي هذا الضوء يجب أن يقراء كل فصل الثاني من قانون الإيمان أن عمل المسيح بمجمله هو رسالة الابن والروح القدس المشتركة وسنقتصر هنا علي ذكر ما يتعلق بوعد الروح القدس من قبل يسوع وبمنحة إياه من قبل الرب الممجد

728 – أن يسوع لم يكشف كشفا تاما الروح القدس طالما هو نفسه لم يمجد بموته وقيامته ولكنه أشار إليه شيئا فشيئا حتى في تعليمه الجماهير عندما كشف أن جسده سيكون غذاء لأجل حياة العالم وأشار إليه أيضا في حديثة مع نيقودموس والسامرية وكل الذين كانوا يشاركون في عيد المظال وقد كلم تلاميذه عنه بصراحة في معرض الصلاة والشهادة التي سوف يتوجب عليهم أن يؤدوهما

729 – إلا أن يسوع لم يعد بمجيء الروح القدس إلا عندما حانت الساعة التي سوف يمجد فيها إذ أن موته وقيامته سيكونان تحقيق الوعد الذي أعطى للآباء أن روح الحق المعزى الاخر سيهبه الآب جوابا عن صلاة يسوع سيرسله الآب باسم يسوع سيرسله يسوع من لدن الآب لأنه ينبثق من الآب الروح القدس سيأتي سنعرفه وسيكون معنا علي الدوام ويقيم معنا علي الدوام ويقيم معنا سيعلمنا كل شيء ويذكرنا بكل ما قاله لنا يسوع وسيشهد له سيرشدنا إلى الحقيقة كلها وسيمجد يسوع أما العالم فسيفحمه الروح القدس بشان الخطيئة والبر والدينونه.

730 – وأخيرا أتت ساعة يسوع استودع يسوع روحه بين يدي الآب في اللحظة التي انتصر فيها علي الموت بموته بعد أن أقيم من بين الأموات بمجد الآب (رو 6: 4) أعطى علي الفور الروح القدس إذ نفخ في تلاميذه ومنذ تلك الساعة صارت رسالة المسيح والروح القدس رسالة الكنيسة كما أن الآب أرسلني كذلك أنا أرسلكم (يو 20: 21).

5 – الروح والكنيسة في الأزمنة الأخيرة

العنصرة

731 – في يوم العنصرة (في نهاية الأسابيع الفصحية السبعة) اكتمل فصح المسيح في انسكاب الروح القدس الذي اظهر ووهب ومنح كاقنوم الهي أن المسيح الرب من ملئه قد أفاض الروح بسخاء.

732 – في ذلك اليوم اكتمل وحي الثالوث القدوس ومنذ ذلك اليوم صار الملكوت الذي بشر به المسيح مفتوحا أمام الذين يؤمنون به في وضاعة الجسد وفي الإيمان يدخلون منذ الآن في شركة الثالوث القدس بمجيئه وهو لا يزال يأتي يدخل العالم في الأزمنة الأخيرة زمان كنيسة الملكوت الذي صار ميراثنا منذ الآن ولنا يكتمل بعد: لقد نظرنا النور الحقيقي وأخذنا الروح السماوي ووجدنا الإيمان الحق فنسجد للثالوث المنقسم لأنه خلصنا.

الروح القدس – هبة الله

733 – الله محبة (1 يو 4: 8، 16) والمحبة هي الهبة الأولى وهي تتضمن كل الهبات الأخرى وهذه المحبة قد أفاضها الله في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه (رو 5: 5).

734 – لأننا (رو 5: 5) لأننا مائتون أو علي الأقل مجروحون بالخطيئة المفعول الأول لعطية المحبة هو غفران الخطية أن شركة الروح القدس (2 كو 13: 13) هي التي في الكنيسة تعيد إلى المعمدين المثال الإلهي المفقود بالخطيئة.

735 – وهو يعطى إذ ذاك عربون أو بواكير ميراثنا اعني حياة الثالوث القدوس نفسها التي تقوم علي أن نحب كما أحبنا هذه المحبة (راجع المحبة في 1 كو 13) هي مبدأ الحياة الجديدة في المسيح التي صارت ممكنة لأننا نلنا قوة هي قوة الروح القدس (أع 1: 8).

736 – بقدرة الروح هذه يستطيع أولاد الله أن يحملوا ثمرا أن الذي طعمنا علي الكرمة الحقيقية يعطينا أن نحمل ثمر الروح وهو المحبة والفرح والسلام وطول الأناة واللطف والصلاح والأمانة والوداعة والعفاف (غل 5: 22 – 23) الروح هو حياتنا وبقدر ما ننكر ذواتنا نسلك أيضا بحسب الروح من يتحد بالروح القدس يجعله الروح القدس روحيا ويعيده إلى الفردوس ويرده إلى ملكوت السماوات والي التبني الإلهي ويهبه الثقة ليدعو الله أبا ويشترك في نعمة المسيح ويدعى ابنا للنور ويصير له نصيب في المجد الأبدي.

الروح القدس والكنيسة

737 – أن رسالة المسيح والروح القدس تتحقق في الكنيسة جسد المسيح وهيكل الروح القدس هذه الرسالة المشتركة تضم من الآن فصاعدا المؤمنين بالمسيح إلى شركتهما مع الآب في الروح القدس فالروح يهيئ الناس ويستدركهم بنعمته ليجتذبهم إلى المسيح انه يظهر لهم الرب القائم ويذكرهم كلامه ويفتح ذهنهم لفهم موته وقيامته يجعل حاضرا لديهم سر المسيح وبنوع خاص في الافخارستيا ليصالحهم ويدخلهم في الشركة مع الله لكي يجعلهم يأتون بثمر كثير.

738 – هكذا لا تضاف رسالة الكنيسة إلى رسالة المسيح والروح القدس بل هي سرها أنها مرسله بكل كيانها وفي جميع أعضائها لتبشر بسر شركة الثالوث القدوس وتشهد له وتحققه وتنشره (هذا سيكون موضوع المقال التالي):

نحن جميعنا الذين نالوا الروح الواحد نفسه أي الروح القدس قد انصهرنا في ما بيننا ومع الله ذلك انه مع كوننا كل بمفردة كثيرين ومع كون المسيح يجعل روح الآب وروحة الخاص يسكن في كل منا هذا الروح الواحد وغير المنقسم يعيد بذاته إلى الوحدة جميع الذين هم متميزون في ما بينهم ويجعلهم يظهرون واحدا بالذات وكما قدرة بشرية المسيح المقدسة تجعل كل الذين توجد فيهم يكونون جسدا واحدا بالطريقة عنها اعتقد أن روح الله الذي يسكن فينا الواحد وغير المنقسم يعيدهم جميعا إلى الوحدة الروحية

739 – لأن الروح القدس هو مسح المسيح، فالمسيح، رأس الجسد، هو الذي يفيضه في أعضائه ليغذيهم، ويشفيهم، وينظمهم في وظائفهم المتبادلة، ويحييهم ويرسلهم للشهادة، ويضمهم إلى تقدمة ذاته إلى الآب وإلى شفاعته من اجل العالم كله بأسرار الكنيسة يمنح المسيح أعضاء جسده روحه القدوس والمقدس (وهذا سيكون موضوع الجزء الثاني من التعليم) .

740 ـ إن "عظائم الله" هذه، المقدمة للمؤمنين في أسرار الكنيسة، تحمل ثمارها في الحياة الجديدة، في المسيح، بحسب الروح (هذا سيكون موضوع الجزء الثالث من التعليم).

741 ـ "الروح يعضد ضعفنا، لأنا لا نعرف كيف نصلى كما ينبغي؛ لكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات تفوق الوصف" (رو 8: 26). الروح القدس، صانع أعمال الله، هو معلم الصلاة (هذا سيكون موضوع الجزء الرابع من التعليم).

بإيجاز

742 ـ "الدليل على أنكم أبناء، كون الله أرسل إلى قلوبنا روح أبنه، ليصرخ فيها أبا، أيها الآب" (غل 4: 6).

743 ـ من البدء وحتى انقضاء الزمن، عندما يرسل الله ابنه، يرسل دوما روحه رسالتهما مشتركة وغير منفصلة.

744 ـ في ملء الزمان، أكمل الروح القدس في مريم كل التحضيرات لمجيء المسيح في شعب الله. بعمل الروح القدس فيها، أعطى الآب العالم عمانوئيل :"الله معنا" (متى 1: 23) .

745 ـ ابن الله كرس مسيحا (ماسيا) بمسحه الروح القدس في تجسده .

746 ـ إن يسوع، بموته وقيامته، قد أقيم ربا ومسيحا في المجد. ومن ملئه أفاض الروح القدس على الرسل والكنيسة .

747 ـ الروح القدس، الذي يفيضه المسيح، الرأس، في أعضائه، يبنى الكنيسة ويحييها، ويقدسها. إنها سر اتحاد الثالوث القدوس بالبشر .



الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل pawel

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1018
  • الجنس: ذكر
  • لا يوفي الحب الا بالحب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #20 في: 09:03 07/09/2008 »
المقال التاسع

"أؤمن بالكنيسة المقدسة الكاثوليكية"

748 ـ "المسيح نور الشعوب: لذلك يرغب المجمع المقدس الملتئم في الروح القدس، رغبة حارة في أن يستنير جميع الناس بنور المسيح المتألق على وجه الكنيسة باعتلان الإنجيل للخليقة كلها". بهذه الأقوال افتتح" الدستور العقائدي عن الكنيسة" في المجمع الفاتيكاني الثاني. وبهذا يظهر المجمع أن العقيدة الإيمانية في أن الكنيسة تتعلق كلياً بالعقائد المتعلقة بالمسيح يسوع. فليس للكنيسة نور آخر غير نور المسيح. إنها، على حد ما جاء في الصورة المحببة إلى أباء الكنيسة، أشبه بالقمر الذي كل نوره انعكاس لنور الشمس .

749 ـ المادة في شان الكنيسة تتعلق كلياً بالمادة في أن الروح القدس التي تسبقها "فبعد أن أظهرنا أن الروح القدس هو ينبوع ومصدر كل قداسة نعترف الآن انه هو الذي مهر الكنيسة بالقداسة. فالكنيسة، على حد تعبير الآباء، هي المكان" الذي يزهر فيه الروح.

750 ـ الإيمان بأن الكنيسة "مقدسة" و "كاثوليكية". وأنها "واحدة" و "رسولية" (كما يضيف ذلك قانون نيقة ـ القسطنطية )، لا ينفصل عن الإيمان بالله الآب والابن والروح القدس. وفى قانون الرسل نعترف بأننا نؤمن بكنيسة مقدسة، لا بالكنيسة، لكي لا نخلط بين الله وأعماله، ولكي نرجع بوضوح إلى الصلاح الإلهي جميع المواهب التي جعلها في كنيسته

 

الفقرة 1 ـ الكنيسة في قصد الله
1ً. أسماء الكنيسة وصورها
751 ـ اللفظة "كنيسة" (باليونانية من الفعل أي دعا، ونادى) تعنى  دعوة على اجتماع؛ إنها تعنى اجتماعات الشعب، ولا سيما ما كان منها ذا طابع ديني. أنها اللفظة التي كثر استعمالها في العهد القديم اليوناني للدالة على اجتماع الشعب المختار لدى الله، ولا سيما اجتماع سيناء حيث تلقى إسرائيل الشريعة، وحيث أقامه الله شعباً له مقدساً. وجماعة المؤمنين بالمسيح الأولى عندما دعت نفسها "كنيسة" اعتبرت أنها وريثة لهذه المجموعة المختارة. وفيها "يدعو" الله شعبه من جميع أنحاء الأرض واللفظة، التي أخذت منها وتعنى "الربانية"
752 ـ في التعبير المسيحي، اللفظة "كنيسة" تدل على المجموعة الليترجية، كما تدل على الجماعة المحلية، أو على جماعة المؤمنين العامة. وهذه المعاني الثلاثة هي في الواقع غير منفصلة. "فالكنيسة" هي الشعب الذي يجمعه الله في العالم كله. إنها موجودة في الجماعات المحلية، وهى تتحقق كمجموعة ليترجية، خصوصاً إفخارستية. وهى تحيا بكلمة المسيح وجسده، وهى نفسها وتصير هي نفسها هكذا جسد المسيح .
 
رموز الكنيسة
753 ـ نجد في الكتاب المقدس عدداً كبيراً من الصور والرموز المترابطة التي يتكلم بها الوحي على سّر الكنيسة الذي لا يستقصى. فالصور المأخوذة من العهد القديم تؤلف تنوعات لفكرة أساسية هي فكرة "شعب الله" وفى العهد الجديد تجد جميع هذه الصور مركزاً جديداً من حيث إن المسيح يصبح "الرأس" لهذا الشعب والذي أصبح جسده. وقد تجمعت حول هذا المركز صوراً مأخوذة من حياة الرعاة أو الزراعة، أو مأخوذة من عمل البناء أو من الحياة العيلية أو الزواج .
754 ـ "فالكنيسة هي الخطيرة التي إنما المسيح بابها الذي لا باب سواه ولابد منه وهى القطيع الذي أعلن الله من قبل انه سيكون هو راعيه، والذي يتعهد نعاجه ويغذيها ـ وإن يكن على رأسها رعاة بشر ـ هو المسيح بالذات، الراعي الصالح ورأس الرعاة الذي بذل نفسه عن نعاجه".
755 ـ "الكنيسة هي الأرض التي يزرعها الله، وحقله؛ وفى هذا الحقل تنمو الزيتونة القديمة التي كان الآباء أصلها المبارك، والتي جرت وستجرى المصالحة بين اليهود والأمم؛ وقد زرعها الكرام السماوي كرمة مختارة الحقيقة هي المسيح الذي يعطى الحياة والخصب للأغصان، أي لنا نحن الذين بالكنيسة نثبت فيه، وبدونه لا نستطيع شيئاً".
756 ـ "وكثيراً ما تنعت الكنيسة بأنها بناء الله؛ والرب نفسه بالحجر الذي رذله البناؤون ولكنه صار رأس الزاوية" (متى 21: 42؛ أع 4: 11؛ 1 بط 2: 7؛ مز 118: 22 ). وعلى هذا الأساس بني الرسل الكنيسة، ومنه ثباتها وتلاحمها. وقد خص هذا البناء بتسميات متنوعة فهو بيت الله الذي تسكن فيه أسرته؛ وهو مسكن الله في الروح؛ وخباء الله في الناس؛ وهو بخاصة الهيكل المقدس، الممثل بالمعابد من حجارة، الذي أشاد به الآباء، وتشبهه الليترجيا بحق بالمدينة المقدسة التي شاهدها يوحنا، في ساعة تجديد الكون، نازلة من السماء، من عند الله، "مهيأة كالعروس المزينة لعريسها" (رؤ 21 :ذ1 ـ 2)".
757 ـ "وسميت الكنيسة أيضا" أورشليم العليا و "أمنا" (غل 4: 26 )، ونعتت بالعروس التي لا عيب فيها للحمل الذي لا عيب فيه، التي "أحبها المسيح وأسلم ذاته لأجلها لكي يقدسها" (أف 5: 25 ـ 26 )، وأقترن بها بعهد لا ينفصم، "ويغذيها ويعتني بها" (أف 5: 29 ).
2ً. أصل الكنيسة، وإنشاؤها ورسالتها
758 ـ لتقصّى سر الكنيسة يجدر بنا أن نتتبع أصلها أولا في قصد الثالوث القدوس وتحقيقها المرحلي في التاريخ.
قصد ولد في قلب الآب
759 ـ "إن الآب الأزلي، بتدبير حكمته وجودته الحر الخفي، قد أبدع الكون بأسره، وقضى بأن برفع الناس إلى مستوى الشركة في حياته الإلهية" التي يدعو إليها جميع الناس في ابنه: "جميع الذين يؤمنون بالمسيح، أراد أن يدعوهم لتأليف الكنيسة المقدسة" و "أسرة الله" هذه تتألف وتتحقق مرحليا على مدى مراحل التاريخ البشرى، بحسب تدبير الآب: وهكذا فالكنيسة قد "بشر بها بالرموز منذ بدء بدء العالم، وهيئت على وجه عجيب بتاريخ شعب إسرائيل والعهد القديم؛ أنشئت في الأزمنة الأخيرة، وأعلنت بحلول الروح القدس، وستتم في المجد في اليوم الآخر".
الكنيسة ـ أشير إليها بالرموز منذ بدء العالم .
760 ـ "خلق العالم في سبيل الكنيسة"، على حد قول مسيحيي العصور الأولى. فقد خلق الله العالم لكي يشرك في حياته الإلهية، إشراكاً يتم "بدعوة" البشر إلى الاجتماع في المسيح، وهذه "الدعوة إلى الاجتماع" هي الكنيسة. الكنيسة هي غاية كل شيء، والأحداث الأليمة نفسها، كسقوط الملائكة، وخطيئة الإنسان، لم يسمح بها الله إلا بمثابة حالة أو وسيلة لكي يبسط كل قدرة ذراعه، كل مدى الحب الذي أراد أن يشمل به العالم:
"كما أن إرادة الله هي عمل وانها تسمى العالم ،
كذلك قصده فإنه خلاص البشر، ويسمى الكنيسة"
الكنيسة – مهيأة في العهد القديم
761 – تجمع شعب الله يبدأ عندما تهدم خطيئة البشر مع الله وشركة الناس في ما بينهم فتجمع الكنيسة هو نوعا ما رد فعل الله علي الفوضى التي أحدثتها الخطيئة وإعادة التوحيد هذه تتم سريا في داخل جميع الشعوب "في كل امة من اتقي الله وعمل البر يكون مقبولا عنده" (أع 10: 35).
762 – الإعداد البعيد لتجميع شعب الله يبدأ مع دعوة إبراهيم الذي وعده الله بأنه سيكون أنا لشعب عظيم والإعداد المباشر يبدأ مع اختيار إسرائيل شعبا لله وسيكون إسرائيل بهذا الاختيار علامة تجمع جميع الأمم في المستقبل ولكن الأنبياء يتهمون إسرائيل بنقض العهد وبسلوك مسلك البغي وهم يبشرون بعهد جديد وابدى هذا العهد الجديد أنشاه المسيح
الكنيسة – أنشاها المسيح يسوع
763 – كان علي الابن أن يحقق تصميم أبيه الخلاصي في ملء الأزمنة وهذا هو داعي رسالته فالرب يسوع انشأ الكنيسة بإعلانه البشري السعيدة أي مجئ الله الموعود به في الأسفار المقدسة منذ الدهور فلكي يتم المسيح مشيئة الآب أنشا علي الأرض ملكوت المسيح حاضرا منذ الآن علي وجه سري
764 – يتجلى هذا الملكوت علي عيون الناس في كلام المسيح وأعماله وحضوره وتقبل كلمه المسيح هو تقبل للملكوت نفسه وبذر الملكوت وبدايته هما القطيع الصغير (لو 12: 32) من الذين كان هو نفسه راعيهم أنهم يؤلفون أسرة يسوع الحقيقية وهؤلاء الذين جمعهم هكذا حوالية علمهم طريقة سلوك جديدة ولكن علمهم أيضا صلاة خاصة
765 – الرب يسوع مهر جماعته بهيكلية سوف تستمر إلى أن يتم ملء ملكوته هنالك أولا اختيار الاثنى عشر وعلي رئسهم بطرس وإذ كانوا يمثلون أسباط إسرائيل الاثنى عشر فهم حجارة الأساس لأورشليم الجديدة الاثنا عشر والتلاميذ الآخرون يشتركون في رسالة المسيح وسلطانه ولكن في مصيرة أيضا المسيح في جميع أعماله ويهيئ كنيسته وبينيها .
766 ـ ولكن الكنيسة ولدت بنوع خاص من بذل المسيح الكامل لذاته في سبيل خلاصنا، مسبقاً في إقامة سر الإفخارستيا، ومتمماً على الصليب ."ابتداء الكنيسة ونموها يرمز غليهما الدم والماء الخارجان من جنب يسوع المصلوب". "إذ إنه من جنب يسوع الراقد على الصليب ولد سر الكنيسة العجيب". وكما أن حواء كونت من ضلع آدم النائم كذلك الكنيسة نشأت من قلب المسيح المائت على الصليب مطعوناً بحربة .
الكنيسة ـ ظاهرة بالروح القدس
767 ـ "لما أنجز العمل الذي كلف الآب ابنه تحقيقه على الأرض، أرسل الروح القدس، في يوم العنصرة، لكي يقدس الكنيسة باستمرار". عند ذلك "ظهرت الكنيسة ظهوراً علنياً أمام الجماهير وابتدأ نشر الإنجيل مع الكرازة". وبما أن الكنيسة هي "دعوة جميع الناس إلى الخلاص فهي من طبيعتها مرسلة، وقد أرسلها المسيح على جميع الأمم لتجعل منهم تلاميذ".
768 ـ لكي يحقق الروح القدس رسالته "يجهز الكنيسة ويقودها بمختلف مواهب السلطة والمنية" و "الكنيسة، وقد جهزت بمواهب مؤسسها، وتسلك بأمانة في حفظ وصاياه في المحبة والتواضع والكفر بالذات، تسلمت رسالة الدعوة بملكوت المسيح والله، وإنشائه في جميع الأمم، فكانت على الأرض بذرة هذا الملكوت وبدأه".
 
الكنيسة ـ متممة في المجد
769 ـ "الكنيسة (...) لن تبلغ تمامها إلا في المجد السماوي"، عند عودة المسيح المجيدة. وإلى هذا اليوم "تتقدم الكنيسة في مسيرتها بين اضطهادات العالم وتعزيات الله" وهى ههنا ترى نفسها في منفى، بعيدة عن الرب، وتصبو إلى مجيء الملكوت الكامل، "في الساعة التي ستكون فيها متحدة بملكها في المجد". وتمام الكنيسة، ومن خلالها تمام العالم في المجد لن يحصلا بغير محن كبيرة. عند ذلك فقط يجتمع عند الآب، في الكنيسة الجامعة، جميع الصديقين منذ آدم، من هابيل البار إلى آخر "مختار".
3 ـ سر الكنيسة
770 ـ الكنيسة في التاريخ، ولكنها في الوقت نفسه تتعالى فوق التاريخ. إننا لا نستطيع، إلا "بعيون الإيمان"، أن نرى في حقيقتها المرئية روحانية حاملة حياة إلهية.
الكنيسة ـ مرئية وروحانية معاً
771 ـ "إن المسيح، الوسيط الوحيد، يقيم على هذه الأرض ويساند أبداً كنيسته المقدسة، شركة إيمان ورجاء ومحبة، كلا مرئيا يفيض به على الجميع الحقيقة والنعمة".
فالكنيسة هي في الوقت نفسه:
"جمعية مجهزة بأعضاء ذوى سلطات، وجسد المسيح السري"،
"جماعة منظورة وشركة روحية"؛
"كنيسة أرضية وكنيسة غنية بنعم السماء".
هذه الأبعاد تؤلف معاً "حقيقة مركبة ذات عنصرين بشرى وإلهي".
"إنه من مميزات الكنيسة الخاصة أن تكون بشرية وإلهية معاً، منظورة وغنية بحقائق غير منظورة حارة في العمل ومنشغلة بالتأمل، حاضرة في العالم على كونها غريبة؛ بحيث إن ما هو بشرى فيها موجه إلى ما هو إلهي وخاضع له؛ وما هو منظور لغير المنظور وما هو من العمل للتأمل؛ وما هو حاضر للمدينة الآتية التي نسعى إليها" .
"تواضع ! سمو ! خباء قيدار وهيكل الله؛ مسكن أرضى وقصر سماوي ! بيت من صلصال وقصر ملكي؛ جسد قابل الموت وهيكل من نور؛ موضوع ازدراء أخيراً في نظر المتكبرين وعروس المسيح! إنها سوداء ولكنها جميلة، يا بنات أورشليم، تلك التي أنحلها التعب وألم الغربة الطويلة، والتي تزدان مع ذلك بزينة العلاء ".
 

الكنيسة ـ سر اتحاد البشر بالله

772 ـ في الكنيسة يتمم المسيح ويكشف سره الخاص على أنه غاية تدبير الله: "تلخيص كل شيء فيه" (أف 1: 10 ). القديس بولس يسمى اتحاد المسيح بالكنيسة "السر العظيم" (أف 5: 32 ). والكنيسة بإتحادها بالمسيح على أنه عروسها تصبح هي نفسها سراً والقديس بولس، وقد تأمل سرها، يصبح قائلاً: "المسيح فيكم رجاء المجد" (كو 1: 27) .

773 ـ هذه الشركة للبشر مع الله في الكنيسة، "بالمحبة التي لا تسقط أبدا" (1 كو 13: 8) هي الغاية التي توجه كل ما فيها من رسائل سرية متعلقة بهذا العالم الزائل. "إن هيكليتها موجهة توجيها كاملا إلى تقديس أعضاء المسيح. والقداسة تقوم بموجب" السر العظيم "الذي تجيب ففيه العروس بهبة حبها مقابل هبة العريس". ومريم تتقدمنا جميعاً في القداسة التي هي سر الكنيسة "كعروس لا كلف فيها ولا غضن". ولهذا "فمستوى الكنيسة المريمي يسبق مستواها البطرسي".

الكنيسة ـ سر الخلاص الشامل

774 ـ اللفظة اليونانية ترجمت إلى اللاتينية بلفظين وفى الشروح المتأخرة اتخذت اللفظة (...) خصوصا معنى العلامة المنظورة لحقيقة الخفية التي تدل عليها اللفظة وفى هذا المعنى يكون المسيح نفسه هو سر الخلاص الخفية التي تدل عليها اللفظة وفى هذا المعنى يكون المسيح نفسه هو سر الخلاص : "فالمسيح وحده هو السر" والعمل الخلاصي لناسوته المقدس والمقدس هو سر الخلاص الذي يظهر ويعمل في أسرار الكنيسة (التي تدعوها الكنائس الشرقية أيضا "الأسرار المقدسة"). فالأسرار السبعة هي العلامات والوسائل التي يفيض بها الروح القدس نعمة المسيح، الذي هو الرأس، في الكنيسة التي هي جسده، وهكذا فالكنيسة تحوى وتمنح النعمة النعمة الغير المنظورة التي تعنيها. وبهذا المعنى التشبيهي سميت "سرا".

775 ـ "الكنيسة هي في المسيح بمثابة السر، أي العلامة والأداة في الاتحاد الصميم بالله ووحدة الجنس البشرى برمته": غاية الكنيسة الأولى هي أن تكون سر الاتحاد الصميم بين البشر والله. ذلك أن الشركة بين البشر تتأصل في الاتحاد بالله. والكنيسة هي أيضا سر وحدة الجنس البشرى. وفيها ابتدأت هذه الوحدة إذ إنها تجمع بشراً "من جميع الأمم والأعراق والشعوب واللغات" (رؤ 7: 9)؛ والكنيسة في الوقت نفسه "علامة وأداة" لتحقيق هذه الوحدة الكامل، تلك الوحدة التي من شأنها أن تأتى أيضا .

776 ـ وإذ كانت الكنيسة سراً فهي أداة المسيح. "إنها بين يديه أداة فداء جميع البشر، "سر الخلاص الشامل"، الذي به "يظهر المسيح ويفعل محبة الله للبشر". إنها "تصميم محبة الله للبشرية المنظورة"، الذي يريد "أن يؤلف الجنس البشرى كله شعباً واحدا لله، وأن يجتمع في جسد المسيح الواحد، وان يبنى هيكلا واحداً للروح القدس".

 

بإيجاز

777 ـ اللفظة "كنيسة" تعنى "دعوة". إنها تدل على مجموعة الذين تدعوهم كلمة الله ليؤلفوا شعب الله، والذين إذا اغتذوا بجسد المسيح يصبحون هم أنفسهم جسد المسيح.

778 ـ الكنيسة هي طريق تصميم الله وغايته معاص: لقد رمز إليها في الخليقة، وهيئت في العهد القديم، وأسست بأقوال يسوع المسيح وأعماله، وحققت بصليبه الفدائي وقيامته، فظهرت سر خلاص بفيض الروح القدس. وأنها ستبلغ تمامها في المجد السماوي لمجموعة لجميع المفتدين على الأرض.

779 ـ الكنيسة منظورة وروحانية معاً، جمعية ذات سلطات وجسد المسيح السري. إنها واحدة بعنصرين بشرى وإلهي. وفى هذا سرها الذي لا يتقبله إلا الإيمان.

780 ـ الكنيسة في هذا العالم سر الخلاص، والعلامة والأداة لشركة الله والبشر.

 

الفقرة 2 – الكنيسة – شعب الله

جسد المسيح، هيكل الروح القدس

1. الكنيسة – شعب الله

781 – أن من يتقي الله ويعمل البر في كل زمان وفي كل أمه لمقبول عند الله وإنما شاء الله أن يقدس الناس ويخلصهم لا متفرقين بدون ما ترابط في ما بينهم بل أراد أن يجعلهم شعبا يعرفه في الحقيقة ويخدمه في القداسة فاختار لنفسه شعب إسرائيل شعبا وقطع معه عهدا ونشأة فشيئا مظهرا له نفسه ومقاصده في غضون تاريخية ومقدسا إياه لنفسه بيد أن هذا كله كان علي سبيل التهيئة والرمز للعهد الجديد الكامل الذي سيبرم في المسيح فهذا العهد الجديد هو العهد الذي ابرمه المسيح العهد الجديد بدمه داعيا اليهود والأمم ليجعل منهم شعبا يجتمع في الوحدة لا يحسب الجسد بل بحسب الروح

خصائص شعب الله

782 – لشعب الله خصائص تميزه تمييزا دقيقا مما في التاريخ من مجتمعات دينية وعرقية وسياسية وثقافية:

- انه شعب الله: ليس الله ملكا خاصا لأي شعب ولكنه اقتنى شعبا ممن لم يكونوا قبلا شعبا جيل مختار وكهنوت ملوكي وأمه مقدسة (ا بط 2: 9)

- يصير الإنسان عضوا في هذا الشعب لا بالولادة الطبيعية ولكن بالولادة من فوق بالماء والروح (يو 3: 3 – 5) أي بالإيمان بالمسيح وبالمعمودية

- لهذا الشعب رئيس رأس هو يسوع المسيح الممسوح، الماسيا لان المسحة الواحدة الروح القدس تأتي من الرأس في الجسد انه الشعب المسيانى

- حال هذا الشعب حال الكرامة وحرية أبناء الله في قلوبهم بسكن الروح القدس سكناه في هيكلة

- شريعته الوصية الجديدة أن يجب كما أحبنا المسيح نفسه أنها شريعة الروح القدس الجديدة

- رسالته أن يكون ملح الأرض ونور العالم وهو للجنس البشرية كله نواة وحدة ورجاء وخلاص بالغ الفعالية

- مصيره أخيرا هو ملكوت الله الذي بدأه الله نفسه علي الأرض ملكوت يجب أن يمتد أكثر فأكثر إلى أن يتمه الله نفسه في أخر الأزمان

شعب كهنوتي نبوي وملكي

783 – يسوع المسيح هو الذي مسحة الآب بالروح القدس وأقامه كاهنا ونبيا وملكا وشعب الله كله يشترك في وظائف المسيح الثلاث هذه ويتحمل مسؤوليات الرسالة والخدمة التي تنشا عنها

784 – بدخول الإنسان في شعب الله بالإيمان والمعمودية يصبح شريكا في دعوة هذا الشعب الواحدة في دعوته الكهنوتية أن المسيح الرب الحبر المأخوذ من بين الناس قد جعل من الشعب الجديد ملكوتا وكهنة لإلهه وأبية ذلك أن المعمدين قد تكرسوا بالميلاد الثاني ومسحة الروح القدس لكي يكونوا مسكنا روحيا وكهنوتا مقدسا

785 – وان شعب الله المقدس يشترك أيضا في وظيفة المسيح النبوية وهو علي وجهه خاص بحس الإيمان الفائق الطبيعة الذي هو حس الشعب بكامله علمانيين وذوى سلطة عندما يتمسك تمسكا ثابتا بالإيمان الذي سلم للقديسين دفعة واحدة ويتعمق في فهمة ويصبح شاهدا للمسيح في وسط هذا العالم

786 – وشعب الله يشترك أخيرا في وظيفة المسيح الملكية فالمسيح يمارس سلطانه الملكي عندما يجتذب إليه جميع البشر بموته وقيامته المسيح ملك العالم وربه جعل نفسه خادما للجميع إذ انه لم يأت لكي يخدم ويبذل نفسه فداء عن الكثيرين (متى 20: 28) في عرف المسيحي الملك هو خدمة المسيح ولا سيما في الفقراء والمتألمين الذين ترى فيهم الكنيسة صورة مؤسسها الفقير المتألم وشعب الله يحقق كرامته الملكية عندما يحيا وفقا لهذه الدعوة اعني الخدمة مع المسيح " أن إشارة الصليب تجعل المتجددي الولادة في المسيح ملوكا ومسحة الروح القدس تكرسهم كهنة بحيث أن جميع المسيحيين الروحيين والسالكين علي سنن عقولهم يعدون أنفسهم أعضاء هذا الجيل الملوكي ومشاركين في وظيفة الكهنوت باستثناء خدمة وظيفتنا الخاصة فأي شيء بهذه الملكوية للنفس عندما تحكم جسدها في الخضوع لله ؟ وأي شيء بهذه الكهنوتية عندما تكرس للرب ضميرا طاهرا وتقدم علي هيكل قلبها ذبائح البر الخالية من الدنس

2. الكنيسة جسد المسيح

الكنيسة شركة مع يسوع

787 – منذ البداية أشرك يسوع تلاميذه في حياته لقد كشف لهم عن سر الملكوت وجعل لهم نصيبا في رسالته وفرحة وآلامه ويسوع يتحدث عن شركة حميمة أعمق بينه من سيتبعونه اثبتوا في وأنا فيكم أنا الكرمة وانتم الأغصان (يو 15: 4 – 5) وهو يبشر بشركه سرية وحقيقية بين جسده وجسدنا من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه (يو 6: 56)

788 – عندما حرم التلاميذ من حضور يسوع المنظور لم يدعهم يسوع أيتاما فقد وعدهم بان يبقى معهم إلى أخر الأزمان وأرسل لهم روحة وقد أصبحت الشركة مع يسوع بسبب ذلك اشد وأعمق نوعا ما احل روحة علي أخوته الذين دعاهم من جميع الأمم فجعلهم جسدا سريا له

789 – تشبيه الكنيسة بالجسد يلقي ضوءا علي العلاقة الحميمة بين الكنيسة والمسيح فليست هي مجمعة حوله وحسب انه موحدة فيه في جسده فثلاثة وجوه للكنيسة – جسد المسيح يجب تمييزها وحدة جميع الأعضاء في ما بينهم عن طريق اتحادهم بالمسيح المسيح رأس الجسد الكنيسة عروس المسيح

جسد واحد

790 – المؤمنون الذين يستجيبون لكلمة الله ويصبحون أعضاء جسد المسيح يصبحون متحدين بالمسيح اتحادا وثيقا في هذا الجسد تنتشر حياة المسيح في المؤمنين الذين بالأسرار يتحدون اتحادا سريا وحقيقيا بالمسيح المتألم والممجد وهذا يصح بنوع خاص في المعمودية التي بها نتحد بموت المسيح وقيامه وفي الافخارستيا التي بها نشترك اشتراكا حقيقيا في جسد المسيح ونرتفع إلى الشركة معه وفي ما بيننا

791 – وحدة الجسد لا تلغي تنوع الأعضاء ففي عمل بناء جسد المسيح تتنوع الأعضاء والوظائف فانه واحد الروح الذي يوزع مواهبه بحسب غناه ومستلزمات الخدم لفائدة الكنيسة ووحدة الجسد السري تبعث المحبة وتنشطها بين المؤمنين

 "وهكذا فغن تألم عضو تألمت الأعضاء كلها معه، وإذا أكرم عضو فرحت الأعضاء كلها معه" وأخيراً فوحدة الجسد السري تتغلب على جميع انقسامات البشر: "فأنتم الذين بالمسيح اعتمدتم قد لبستم المسيح؛ فليس يهودي ولا يوناني، وليس عبد ولا حر؛ ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعكم واحد في المسيح يسوع" (غل 3: 27 ـ 28) .

"المسيح رأس هذا الجسد "

792 ـ المسيح "رأس الجسد الذي هو الكنيسة" (كو 1: 18 ). إنه مبدأ الخليقة والفداء. وغذ رفع في مجد الآب فهو "الأول في كل شيء" (كو 1: 18 )، ولا سيما في الكنيسة التي سيبسط بها ملكوته على كل شيء.

793 ـ إنه يضمنا إلى فصحه: على جميع الأعضاء أن يعملوا على التشبه به "إلى أن يتصور المسيح فيهم" (غل 4: 19). "من أجل ذلك أشركنا في أسرار حياته (..) وإننا نشترك في آلامه اشتراك الجسد في الرأس، متألمين معه لنتمجد معه".

794 ـ وهو يتدبر نمونا: فلكي ينمينا رأسنا المسيح إليه، يعد في جسده الكنيسة المواهب والخدم التي يساعد بها بعضنا بعضاً في طريق الخلاص.

795 ـ المسيح والكنيسة هما إذن "المسيح بكامله" (Christus totus). فالكنيسة واحدة مع المسيح. وللقديسين إدراك عميق لهذه الوحدة:

"لنغبط أنفسنا إذن ونرفع الشكر لكوننا صرنا، لا مسيحيين وحسب، بل المسيح نفسه. هل تدركون، يا أخوتي، النعمة التي منحنا إياها الله عندما منحنا المسيح رأسا ؟ تعجبوا وابتهجوا، فقد أصبحنا المسيح. وهكذا فيما أنه الرأس ونحن الأعضاء، فالإنسان الكامل هو وحن (..) ملء المسيح هو الرأس والأعضاء؛ وما معنى: الرأس والأعضاء ؟ ـ المسيح والكنيسة".

"إن فادينا اظهر ذاته شخصاً واحداً هو والكنيسة التي اتخذها".

"رأس وأعضاء، شخص واحد سرى إن صح التعبير".

كلمة للقديسة جان دراك موجهة إلى القضاة تلخص عقيدة الملافنة القديسين وتعبر عن فكر المؤمن البسيط :"يسوع المسيح والكنيسة، رابي أنما واحد، وما من صعوبة في ذلك".

الكنيسة هي عروس المسيح

796 ـ وحدة المسيح والكنيسة، الرأس وأعضاء الجسد، تتضمن أيضا تميز الاثنين في علاقة شخصية. وكثيراً ما يعبر عن هذا الوجه بصورة الزوج والزوجة. وموضوع المسيح عريس الكنيسة هيأه الأنبياء وبشر به يوحنا المعمدان. والسيد نفسه دل على ذاته بلفظه "العريس" (مر 2: 19 ). والرسول يقدم الكنيسة وكل مؤمن، عضو جسده، على أنها عروس "مخطوبة" للمسيح الرب بحيث لا تكون معه إلا روحاً واحدا. إنها العروس الطاهرة للحمل الطاهر التي أحبها المسيح، والتي لأجلها سلم نفسه "لكي يقدسها" (أف 5: 26 )، واتخذها شريكة له بعهد أبدى، والتي لا يكف عن العناية بها كجسد له خاص.

"هذا هو المسيح بكامله، رأسا وجسداً، واحدا مؤلفاً من كثرة (..) سواء كان الرأس متكلما، أو كانت الأعضاء، فالمسيح هو المتكلم. يتكلم رأسا ( ex persona capitis)، أو جسداً عظيم. أقول هذا بالنسبة إلى المسيح والكنيسة" (أف 5: 31 ـ 32 ). والرب نفسه يقول في الإنجيل: " فليسا هما اثنين بعد ولكنهما جسدا واحدا" (متى 19: 6 ). وهكذا نرى شخصين مختلفين، إلا أنهما واحد في عناقهما الزوجي. (...) إنه "زوج" من حيث الرأس، و "زوجة" منن حيث الجسد"

3ً. الكنيسة ـ هيكل الروح القدس

797 ـ "الروح القدس هو لأعضاء المسيح، لجسد المسيح، أي الكنيسة، ما هي روحنا أي نفسنا لأعضائنا". "فإلى روح المسيح، كمبدأ خفي، يجب إرجاع ترابط جميع أقسام الجسد في ما بينها ،ن وفى ما بينها وبين رأسها الأعلى، إذ عن هذا الروح يقيم كاملاً في الرأس، وكاملاً في الجسد، وكاملاً في كل عضو من أعضائه" الروح القدس يجعل من الكنيسة "هيكل الله الحي" (2 كو 6: 1)

"لقد أودعت الكنيسة نفسها موهبة الله (..) وفيها جعلت الشركة مع المسيح، أي الروح القدس، عربون عدم الفساد، ورسوخ، وسلم ارتقائها إلى الله (..) فحيث تكونن الكنيسة يكون روح الله؛ وحيث يكون روح الله تكون الكنيسة وكل نعمة".

798 ـ الروح القدس هو "مبدأ كل عمل حيوي وخلاصي في كل جزء من أجزاء الجسد" إنه يعمل بطرائق متعددة على بناء الجسد كله في المحبة: بكلمة الله "القادرة أن تبنى البناء" (أع 20: 32 )، وبالمعمودية التي يكون بها جسد المسيح؛ وبالأسرار التي تنمى أعضاء المسيح وتقدم لها الشفاء؛ وبالنعمة الموهوبة للرسل والتي لها محل الصدارة بين مواهبه؛ وبالفضائل التي تحمل على سلوك طريق الصلاح؛ وأخيراً بالنعم الخاصة المتعددة (المدعوة "مواهب لدنية") التي يجعل بها المؤمنين "قادرين على تحمل المسؤوليات والوظائف المختلفة التي تساعد على تجديد الكنيسة وزيادة بنائها.

المواهب اللدنية

799 ـ المواهب اللدنية، سواء كانت خارقة العادة أو بسيطة ومتواضعة، هي نعم من الروح القدس ذات فائدة كنسية مباشرة أو غير مباشرة، وموجهة إلى بناء الكنيسة، وإلى خير البشر وسد حاجات العالم.

800 ـ يجب على من ينال المواهب اللدنية وعلى جميع أعضاء الكنيسة أن يتقبلوها بشكر. إنها ثروة نعم عجيبة للحيوية الرسولية، ولقداسة جسد المسيح كله؛ على أن تكون تلك المواهب صادرة في الحقيقة عن الروح القدس، وان يكون العمل بها موافقا تمام الموافقة لدوافع هذا الروح نفسه الحقيقة، أي بحسب المحبة، المقياس الحقيقي لهذه المواهب.

801 ـ بهذا المعنى تظهر الحاجة الدائمة إلى تميز المواهب. ما من موهبة تعفى من الرجوع إلى رعاة الكنيسة والخضوع لهم. "فإليهم بنوع خاص يعود، لا إطفاء الروح، بل اختبار كل شيء لاختيار ما هو صالح"، لكي تتضافر جميع المواهب، في تنوعها وتكاملها، في سبيل "الخير العام" (1 كو 12: 7) .

بإيجاز

802 ـ "يسوع المسيح بذل نفسه لجلنا ليفدينا من كل إثم ويظهر لنفسه شعبا خاصاً" (تى 2: 14)

803 ـ "أما انتم فجيل مختار وكهنوت ملوكي وأمة مقدسة وشعب مقتنى" (1 بط 2: 9) .

804 ـ يدخل الإنسان في شعب الله بالإيمان والمعمودية. "جميع الناس مدعوون لأن يكونوا من شعب الله الجديد" حتى "يصبح البشر، في المسيح، أسرة واحدة وشعب الله الواحد".

805 ـ الكنيسة جسد المسيح. بالروح وعمله في الأسرار، ولا سيما الإفخارستيا، يؤلف المسيح، الذي مات وقام، أسرة على أنها جسده .

806 ـ في وحدة هذا الجسد أعضاء ووظائف مختلفة. والأعضاء جميعهم مترابطون في ما بينهم، وهم مرتبطون على وجه خاص بالمتألمين، والفقراء والمضطهدين .

806 ـ في وحدة هذا الجسد أعضاء ووظائف مختلفة. والأعضاء جميعهم مترابطون في ما بينهم، وهم مرتبطون على وجه خاص بالمتألمين، والفقراء والمضطهدين .

807 ـ والكنيسة هي هذا الجسد الذي رأسه المسيح: إنها تحيا منه، وفيه، ولأجله؛ وهو يحيا معها وفيها.

808 ـ الكنيسة عروس المسيح: أحبها وبذل نفسه لأجلها، وطهرها بدمه؛ وجعل منها أما خصبة لجميع أبناء الله.

809 ـ الكنيسة هيكل الروح القدس. الروح هو بمثابة روح الجسد السري، ومبدأ حياته، ووحدته في التنوع، وغنى عطاياه ومواهبه.

810 ـ هكذا تبدو الكنيسة الجامعة، "كشعب يستمد وحدته من وحدة الآب والابن والروح القدس".

 

الفقرة 3 ـ الكنيسة واحدة ،

مقدسة، كاثوليكية، ورسولية

811 ـ "تلك هي كنيسة المسيح، التي نعترف في قانون الإيمان بأنها واحدة، مقدسة، كاثوليكية ورسولية. هذه الصفات الأربع، المترابطة ترابطاً غير قابل الانفصام تدل على خصائص جوهرية في الكنيسة وفى رسالتها. والكنيسة لم تحصل عليها من ذاتها؛ فالمسيح هو الذي، بالروح القدس، يهب كنيسته أن تكون واحدة مقدسة، كاثوليكية ورسولية، وهو الذي يدعوها إلى تحقيق كل واحدة من هذه الصفات".

812 ـ الإيمان وحده يستطيع أن يعرف أن الكنيسة تستقى هذه الخصائص من ينبوعها الإلهي. إلا أن الظهورات التاريخية لهذه الخصائص هي علامات تخاطب أيضا العقل البشرى بوضوح. والمجمع الأول يذكر "أن الكنيسة، بسبب قداستها ووحدتها الكاثوليكية، وثباتها الغلاب، هي نفسها عامل عظيم ومتواصل، وبرهان دامغ على رسالتها الإلهية".

1ً. الكنيسة واحدة

"سر وحدة الكنيسة المقدس"

813 ـ الكنيسة واحدة من ينبوعها: "مثال هذا السر الأسمى ومبدأه في وحدة الإله الواحد، الآب والابن والروح القدس، في ثالوثية الأقانيم". والكنيسة واحدة من مؤسسها: "لأن الابن المتجسد نفسه قد أصلح بصليبه ما بين جميع البشر، وأعاد وحدة الجميع من شعب واحد وجسد واحد" والكنيسة واحدة من "روحها": فالروح القدس الذي يسكن في المؤمنين والذي يمل ويسوس الكنيسة كلها، يحقق شركة المؤمنين هذه العجيبة، ويوحدهم توحيداً حميماً في المسيح، بحيث يكون مبدأ وحدة الكنيسة "فمن جوهر الكنيسة إذن أن تكون واحدة".

"يا له من سر عجيب ! آب واحد للكون، وكلمة واحد للكون، وكذلك روح قدس واحد، هو هو في كل مكان. وعذراء واحدة صارت أما، ويطيب لي أن أسميها الكنيسة".

814 ـ منذ البدء تظهر هذه الكنيسة الواحدة في كثير من التنوع الذي يأتيها من تنوع مواهب الله ومن تعدد الأشخاص الذي يتقبلون تلك المواهب. في وحدة شعب الله تتجمع الشعوب والثقافات المختلفة. يوجد بين أعضاء الكنيسة تنوع في المواهب والوظائف، والحالات، وطرائق العيش؛ "ففي داخل شركة الكنيسة توجد شرعا كنائس خاصة تتمتع بتقاليد خاصة" وهذا الغنى في التنوع لا يعارض وحدة الكنيسة. إلا أن الخطيئة أعباء عواقبها تهدد موهبة الوحدة تهديدا متواصلا. ولهذا يحرض الرسول على "حفظ وحدة الروح برباط السلام" (أف 4: 3) .

815 ـ ما هي روابط الوحدة هذه ؟ فوق جميع هذه البسوا المحبة التي هي رباط الكمال" (كو 3: 14 ). ولكن وحدة الكنيسة في مسيرتها تحافظ عليها أيضا روابط شركة منظورة:

الاعتراف بإيمان واحد منقول عن الرسل؛

الاحتفال المشترك بالعبادة الإلهية، ولا سيما الأسرار؛

التعاقب الرسولي بسر الكهنوت، محافظاً على الوفاق الأخوي في أسرة الله.

816 ـ "كنيسة المسيح الواحدة (..) هي تلك التي شملها مخلصنا بعد قيامته إلى بطرس لكي يكون لها راعياً، والتي أناط ببطرس وسائر الرسل أمر نشرها وقيادتها (.. ). هذه الكنيسة التي أنشئت نظمت كمجتمع في هذا العالم إنما تستمر في الكنيسة الكاثوليكية التي يسوها خليفة بطرس والأساقفة الذين على الشركة معه".

قرار المجمع الفاتيكاني الثاني في موضوع الحركة المسكونية يصرح أنه "بكنيسة المسيح الكاثوليكية وحدها، التي هي وسيلة عامة للخلاص، يمكن الحصول على ملء وسائل الخلاص؛ فإن الهيئة الرسولية التي بطرس رأسها هي وحدها، بحسب إيماننا، قد أؤتمنت على جميع غنى العهد الجديد، لتكون على الأرض جسداً واحداً للمسيح الذي ينبغي أن يندمج به ملء الاندماج جميع الذين أمسوا من شعب الله".

جراح الوحدة

817 ـ "في كنيسة الله هذه الواحدة ظهر منذ البدء بعض انقسامات استنكرها الرسول بشدة كشيء يستوجب الشجب، وفى غضون القرون اللاحقة وقعت انشقاقات أشد خطورة، وانفصلت طوائف ذات بال عن شركة الكنيسة الكاثوليكية التامة بذنب أفراد أحيانا من هذا الفريق وهذا الفريق الآخر" والانفصلات التي تجرح وحدة جسد المسيح (ومرجعها إلى الهرطقة، والجحود، والانشقاق) لا تجرى إلا بخطيئة البشر:

"حيث توجد الخطيئة يوجد التعدد، والانشقاق، والهرطقة، والنزاع؛ ولكن حيث توجد الفضيلة توجد الوحدة، والاتحاد الذي كان يجعل من جميع المؤمنين جسداً واحداً وروحا واحدة".

818 ـ إن الذين يولدون اليوم في الطوائف الناشئة من الانشقاقات و "يحيون من الإيمان بالمسيح لا يمكن أن يطالبوا بخطيئة انفصال، لذلك تشملهم الكنيسة الكاثوليكية إخوة في الرب".

819 ـ وإلى ذلك "فعناصر قداسة وحقيقة كثيرة" توجد خارج الحدود المنظورة للكنيسة الكاثوليكية: "كلمة الله المكتوبة، وحياة النعمة، والإيمان، والرجاء، والمحبة، ومواهب أخرى داخلية للروح القدس، وعناصر أخرى منظورة" وروح المسيح يستخدم هذه لكنائس والجماعات الكنيسة كوسائل خلاص تأتى قوتها من ملء النعمة والحقيقة الذي أئتمن المسيح الكنيسة الكاثوليكية عليه. كل هذه الخبرات تأتى من المسيح وتقود إليه، وتدعو في ذاتها إلى "الوحدة الكاثوليكية".

نحو الوحدة

820 ـ الوحدة "آتاها المسيح كنيسته منذ البدء. نؤمن أنها قائمة في الكنيسة الكاثوليكية ولا يمكن أن تزول، وتأمل أنها ستظل فيها في نمو مطرد يوما بعد يوم إلى منتهى الدهر" المسيح يمنح دائما كنيسته موهبة الوحدة، ولكن على الكنيسة أن تصلى دائماً وتعمل بلا انقطاع للحفاظ على الوحدة التي يريدها لها المسيح، وأن تقويها وتكملها. ولهذا صلى يسوع نفسه في ساعة آلامه، وهو لا يتوقف عن الصلاة إلى الآب لجل وحدة تلاميذه: "ليكونوا باجمعهم واحداً كما انك أنت أرسلتني" (يو 17: 21 ). إن الرغبة في العودة إلى وحدة جميع المسيحيين هي موهبة من المسيح ودعوة من الروح القدس.

821 ـ للإجابة الصحيحة عن تلك الدعوة لابد من:

ـ تجدد متواصل للكنيسة في أمانة أكبر لدعوتها. وهذا التجدد هو من اختصاص الحركة نحو الوحدة؛

ـ توبة القلب "في سبيل الحياة حياة أنقى بحسب الإنجيل"، إذا إن خيانة الأعضاء لموهبة المسيح هي التي تسبب الانقسامات.

ـ الصلاة المشتركة "إذ إن التجدد في الباطن والقداسة في السيرة، متجددين بالصلوات الجمهورية والفردية لأجل الوحدة بين المسيحيين، يجب أن يعدا بمثابة الروح لكل حركة مسكونية، وأن يسميا بحق "المسكونية الروحية"؛

ـ التعارف الأخوي المتبادل

ـ التنشئة المسكونية للمؤمنين، ولا سيما الكهنة؛

ـ الحوار بين اللاهوتيين واللقاءات بين المسيحيين من مختلف الكنائس والجماعات الكنسية؛

ـ التعاون بين المسيحيين في شتى مجالات خدمة البشر.

822 – الاهتمام بتحقيق الوحدة يعنى الكنيسة كلها مؤمنين ورعاة و لكن يجب أن تعي أن هذا المشروع المقدس أي مصالحة جميع المسيحيين في وحدة كنيسة واحدة ووحيدة للمسيح تفوق قوى البشر وطاقاتهم ولهذا نجعل رجاءنا كله في صلاة المسيح لأجل الكنيسة وفي محبة الآب لنا وفي قدرة الروح القدس .


الصلاة نعمة تطلب كما يطلب الخبز اليومي والرب لا يرفض اي طلب . والمهم في الصلاة ليس ان نعرف الكثير ونقول الكثير ، المهم هو ان نتذوق في داخلنا كم هي كبيرة محبة الرب لنا . وكم هي طيبة كلمته في ضميرنا . اذا قبلناه وثبتنا فيها قلب الموت فينا حياة والشح عطاء والعقم ثمارا تدوم .

غير متصل saita awadies

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 6
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #21 في: 04:17 13/11/2008 »
very nice thanx


غير متصل مسعد خليل

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 180
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #22 في: 23:32 11/02/2009 »
مجهود رائع جدااااااااااااااااا شكراااااااااااااااااا الرب يبارك خدمتك


غير متصل Deldar Habib Slewa

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 170
  • لاتدينوا كي لاتدانوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #23 في: 23:08 14/03/2009 »
تحية اخ  pawel  اكيد هذا شئ رائع ومفيد جداً خاصة للدارسين..
اريد ان اعرف هل طبعته بيدك؟ أم أخذته من موقع أخر؟كي أحفظه عندي
ولك كل الشكر والاحترام.

افعلوا للناس ما أردتم أن يفعله الناس لكم

غير متصل صباح الصفار

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 3724
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #24 في: 09:12 17/03/2009 »
دمتم ودام عطائكم وليبارككم الرب المجيد من عليائه , عمل رائع ومفيد لكل الاعمار  ولكل الازمنة والعصور



غير متصل نادر البغـــدادي

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 12162
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #25 في: 20:24 04/03/2011 »


           بسم الآب والأبن والرّوح القدس الإله الواحد آميـن

                               الأحبّة الأعــزّاء :

                    جزيل الإحترام ابونـــا ~ فادي هلسـا ~

                    جزيل الإحترام اخونا الشّماس ~ باول ~

                    يراعنــا ينحني آحترامـاً لهذا النّشـــــاط

                             الرّوحانــــي اللاّمحـدود ...

                        حفضكمــا ربّنــا يسوع المسيح ؛؛؛



غير متصل أم أيمن

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 821
  • ANISA DAWOOD YONAN
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: كتاب التعليم المسيحي
« رد #26 في: 17:57 22/03/2011 »
مجهود رائع ومفيد جدا
وفقكم الله للأمام لترتقوا بالمنتدى بكل ما هو جديد ومفيد

 دمتم بحفظ الله





«« اذا دعتك قدرتك على ظلم الناس .. فتذكر قدرة الله عليك »»