الصراع بين الموضوعية والذاتية


المحرر موضوع: الصراع بين الموضوعية والذاتية  (زيارة 6870 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                             الصراع بين الموضوعية و الذاتية
بقلم يوحنا بيداويد
مالبورن/ استراليا
25/6/2008
youhanamarkas@optusnet.com.au

الموضوعية والذاتية هي من المواضيع الفلسفية التي جهد فكر الانسان فيها (1)  منذ ان عرف معنى الهوية والقانون والقيم الاخلاقية والقيم الدينية كنتيجة لتفاعله مع المحيط الخارجي .

الموضوعية هي المعرفة المتعلقة بالمظهر الخارجي للوجود من قبل الذات، تدرك عن طريق الحواس وتخضع للتجربة وهي مستقلة عن ارادة اومعرفة او ميول الانسان لها. اي تشبه القوانين الفيزيائية المرتبطة بطبيعة المادة في الكون فلا تتاثر بمعرفة اوعدم معرفة الانسان لها .
الذاتية هي المعرفة المتعلقة بجوهر الذات المعطاة للخارج عن طريق الهوية او الشخصية، التي تستقي اوصافها من تأثيرالشعور اوالتفكير عن طريق العقل الذي له السيادة الحرة التامة بدون اي تقيد.
ان الموضوعية دائما تهدف للوصول الى الحالة المثالية المطلقة  وتدافع عن هذه الفكرة  لانها الحجر الاساسي في بنائها الفكري. عن طريق الحفاظ على مبادئها الرئيسية يمكن ان تصل الى اهدافها وهي وحدة الوجود و النظام   .
 توصف الموضوعية  الاشياء على ماهيتها، دون تأثرها بأي من المصالح او رغبات الفرد نفسه، فمقياس الحقائق عندها هي مقولات العقل. لذلك الموضوعية تؤمن بحقائق قائمة خارج الواقع المادي الملموس لها،مثل الله والسماء والاخلاق والعدالة والحق والخير والشر والجمال والانسانية.
اما مواقف الذاتية لانها مبني على المعرفة الفردية الخاضعة للغريزة والشعور الفردي وذوقه، بتالي تنكر كل شيء خارج العالم الواقعي ولا تؤمن بأي شيء غير ضروري لها من ناحية عالم المادي.

فالذاتية ترى ان مسطرة الخير والشر والمعرفة بصورة شاملة  هي نسبية متغيرة حسب الادراك والخيارات المختارة من قبل الذات. لذلك لا تؤمن بوجود المطلق،  والمصطلح الموضوعي مجرد هي مواقف واعتبارات شخصية ذاتية لا اكثر.

الموضوعية والذاتية في فلسفة عمانوئيل كانط:-

لعله من المفيد ان نذكر ان فلسفة كانط في نظرية المعرفة (2) قد غيرت مسار الفكر الانساني كله، لا بل كانت فلسفته هي النافذة الصغيرة التي وسعها الفلاسفة والعلماء من بعده لرؤية العالم اللامتناهي المعقد حولنا لفترة قرنين. مثل كارل كيركجارد (الفلسفة الوجودية) واوغست كونت (الفلسفة الوضعية) و فيورباخ ( الفلسفة المادية)  كذلك كان له اثر على الفلاسفة الاخرين مثل شلينج، وغوته وهيجل وحتى  علماء الطبيعة مثل اينشتاين في النظرية النسبية.
 اعتبر كانط ان التفاعل الموجود بين الذات والعالم الخارجي هو مصدر لتكوين اي موضوع. الذي هو محصور ضمن نطاق المعرفة المستقاة من الاشارات المنقولة بين الحواس و الموجودات في العالم  في صيغة احاسيس. فتراكم المعلومات الحسية لدى العقل تؤدي الى تكوين صورة او هوية (فكرة) لهذه المعلومات، ثم يقوم الذهن بعملية غربلة وتنظيم هذه المعلومات في نظام معين كي تصبح فيما بعد مقولات داخل عقل  الذات وغير خاضعة للاحساس الخارجي، ثابتة ومستقرة وكأنها الميزان  المعتمد لتعير المواضيع.حيث تصبح فيما بعد النظام الداخلي الخاص الموجود في عقل الانسان  الذي يصدر الاحكام على المعلومات (الاحاسيس) الجديدة الاتية لتلك الذات من الخارج.
وكانه كانط يقول ان الذات العاقلة عندما تولد طبيعيا في هذا العالم لا تمتلك المقولات العقلية كما قال ارسطو من قبله بالفين سنة (العقل لوحة بيضاء) ، لكنها من خلال التفاعل مع العالم الخارجي و الطبيعة، من خلال التجربة وتراكم المعلومات الحسية تصل الى معرفة واكتشاف القوانين الطبيعة وتبني لذاتها (المقولات العقلية) التي من خلالها كما قلنا  تحكم على كل الادراكات الجديدة المرافقة لعملية الحياة.
لهذا كانط لا يؤمن بوجود الموضوعية ومقولاتها خارج الذات العارفة لانه لا يمكن معرفة اي شيء بدون الحواس حيث انها البوابات الوحيدة لنقل المعرفة على شكل اشارات او احاسيس الى داخل الذات.
فأذن الذات مكتشفة او خالقة للمقولات الموضوعية لهذا ان الموضوعية والذاتية  غير منفصلتان بل هما في وحدة مركبة واحدة بدون تناقض.
الامر الاخر الذي يشدد عليه كانت في هذا الموضوع هو ان تصور الذات للموضوع يكون مبني على طبيعة الذاتية اي الذات العارفة (3) لهذا صورتها وتفسيرها تعتمد على امكانيات الذهنية لنفسها، لان الذات لا تمتلك اي ادراك سوى الاحاسيس التي تكون بحالة كثرة وعشوائية ، ينظمها العقل فيما بعد حسب جدول (الكانطي) المعرفة فيقوم الذهن بربطها معا لتكون المركب الجديد من الموجودات الذي يطلق عليه اسم موضوع جديد (شيء جديد).
فالمعرفة عند كانط محددة بما يستطيع العقل التحسس به وفهمه  وحسب التفسيرات التي يستطيع الوصول اليها ، اما الذهن وقابلية التخيل، والفهم فهي امكانيات تتوارثها الذات عبر الخلايا الجينية،  ويطلق عليها الادراك الوقتي او المرحلي . بعبارة اخرى هي ادوات العقل لتفسيخ وتفكيك الوجود من خلال تأثير المنبهات على الحواس. هذه الادوات تجعل من الذات ان تركب صور او تتخيل صور خيالية غير واقعة في عالم الطبيعة التي منها نشأ علم الميتافيزيكية.
من هنا نستنج ان الزمن والمكان هما الحجر الاساسي الذي بنى عليه كانط نظريته للمعرفة . وبما ان علم الميتافيزيكية الذي اسسه افلاطون من خلال نظريته في المثل، هو خارج عالم هذه الطبيعة (الزمان والمكان) لذلك عملية اثبات او نفي وجودها شيء مستحيل الامر الذي يستنتج منه ان كانط الغى الموضوعية كحقل مستقل عن الذات المفكرة اوالعارفة  من خلال الشك الذي وضعه حول وجودها.
هذا يؤدي الى رفض اي هدف للتاريخ مولود من تفاعل الذات مع الوجود الخارجي . وبتالي استحالة وصول العقل الى تركيب صورة عن الموضوع المطلق اي الله، او الغاء الثنائية الموجودة بين المادة والفكر التي وضعها ديكارت.
لذلك يعتبر كانط الجد الحقيقي لمعظم الفلسفات الحديثة مثل الوضعية والوجودية والمادية.
اما كيف ولدت  فكرة عالم  الميتافيزيكية لدى الانسان؟ (مرة اخرى ولتوضيح اكثر نقول)، يفسر كانط موضوع ولادة الافكار الميتافيزكية  على انها اتية من قابلية و قدرة ملكات العقل ( الذهن، والفهم، والتخيل)  الى وضع تراكيب وصور غير حقيقية التي تعطي افكار او صور لعالم اخر خارج عالمنا والتي لا يمكن اثباتها او نفيها ، بسبب عدم وجود امكانية اجراء التجربة عليها . تكون النتيجة المنطقية لها، انه مشكوك في امر وجودها على الرغم من شعورنا بضرورة وجود مثل هذا العالم من ناحية الاخلاقية. 

ان تحطيم الذي جلبه كانط الى الميتافيزيكية لم يتوقف عند تصلب الذاتية بل ادى الى عكس اتجاه المعرفة من التركيب الموضوعي الى  التجزئة والتفكيك الجزئي.
 النتيجة الغريبة التي اوصلتنا اليها الفلسفة الكانطية  هي عدم وجود هدف او غاية للحياة . فقط الذات تستطيع فهم وتقيم واعطاء معنى للوجود و الموجودات فيه ولهذا يوجد هذا التنوع والتناقض والاختلاف  الكبير بين اشكال الحياة وعملياتها.
 
* الظاهرة الطبيعية والظاهرة الانسانية:-
امام الصراع الذي نشأ بين مؤيدي مدرسة الموضوعية ( مذاهب الفلسفية القديمة والحديثة ،علماء الاصلاح الاجتماعي والاديان وعلماء الاخلاق)  ومؤيدي مدرسة الذاتية المعارضة لها ( الوجوديين الملحدين واللادينيين واللاادريين ) .
 امام اصرارمؤيدي المدرسة الذاتية في نكران وجود للمبادئ وقيم الموضوعية ، وجود وليام دلتاي( 1833 – 1911) من الضرورة وضع دراسة لظاهرتين مختلفتين معا هما الظاهرة الطبيعية والظاهرة الانسانية. فحاول دراسة النصوص الدينية محاولا وضع تأويل وتفسبير رمزي لها كي يغيرها من المعنى الحرفي الى المعنى الرمزي المجازي، اي ايجاد الغرض الاصلي الذي يربط بين الاهداف والمعاني الحقيقية الكامنة في رغبة الانسان من وضع مثل هذه النصوص.
كثرت الفرضيات في هذا المجال ( الظاهرة الانسانية) ولكن في النهاية توصلت الى نتيجة حتمية وهي لابد من وجود معنى واحد محدد صحيح غير قابل للشك كنتيجة نهائية لكل هذه الفرضيات اذا كان هناك موضوعية حقيقة من قبل كل الباحثين.
ومن ثم الاستخلاص الى نتيجة اخرى مهمة هي ان اسلوب السببية الموجود في تفسير قوانين الطبيعة هو نفسه موجود وبدقته في الظاهرة الانسانية.
من هذا الموقف اتضحت مواقف المدرسة الموضوعية من كثير قضايا المهمة مثل عملية الادراك ومفهوم الواقع وتاثير الطبيعة على عقل الانسان.
ففي شرح ميكانيكية عمل عقل الانسان في الطبيعة التي تجعل من الباحث يؤمن بأن تأثير قوانين  الجارية على الطبيعية يجري بنفس الدرجة على عقل الانسان. لهذا ما ينتج منها هو حقيقة موضوعية غير قابلة للشك و نفس الحال للحقائق المرتبطة بمفهوم الواقعية وكذلك عملية الادراك التي تحدث بصورة تلقائية من جراء عمل عقل الانسان.

الخلاصة:-
ان دراسة الظاهرة الانسانية ومقارنتها مع الظاهرة الطبيعية اعطت برهان مهم لمدرسة الموضوعيين ،  بما ان تاثير القوانين في الطبيعة هي حقائق موضوعية غير خاضعة لمقدرة الذات ورغباتها او ارداتها وبما ان هذه القوانيين لها نفس التاثير على عمل العقل لانه جزء منها ، اذن الافكار ومقولات العقلية هي حقائق ثابتة وصادقة وغير مشكوك فيها.
----------
1- لدى كل انسان من خلال عملية التفكير والتعليل المقرونة في حياته، فهو فيسلوف،لكن تختلف درجات الفلسفة حسب عمق ودرجة التعقيد او ادراك التي يصلها الناس. لذلك حتى الانسان العادي لانه يفكر لذلك هو فيلسوف بدرجة ما .
2- وضع عمانوئيل كانط نظريته في المعرفة في كتابه (نقد العقل الخالص سنة 1781).
3- قال الفيلسوف الاغريقي اكسونوفان :اذا كان للثيران والحصن ايدي لرسموا الهتهم على اشكالهم .




غير متصل nada84

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 10
    • مشاهدة الملف الشخصي
shkran