عمليات جراحية.. علاج نفسي.. تصميم معماري...بين صفحات الواقع الافتراضي
يمكنك الآن الغوص في طبقات الأرض والسفر إلى الفضاء، الحصول على راحتك النفسية وحتى التدرب على الملاحة البحرية وأنت في مكانك.
فلم يعد للزمان ولا للمكان أهمية منذ ولادة تكنولوجيا الواقع الافتراضي أو ما يسمى «VirtualReality».
محاكاة مطابقة للواقع
يطلق مصطلح الواقع الافتراضي للتعبير عن استخدام التكنولوجيا الرقمية في محاكاة الواقع لأهداف عديدة، سواء كان هذا الواقع حقيقياً أو وهمياً خيالياً.
ويطلق هذا الاصطلاح حالياً على المحاولات الرقمية لمحاكاة الواقع فقط، وإن كانت فكرة محاكاة الواقع موجودة ومستعملة للأغراض المختلفة حتى قبل ظهور التكنولوجيا الرقمية والحواسيب.
نمذجة الواقع الافتراضي
طرح الباحث المتخصص «Tim Berners-Lee» فكرة إيجاد لغة تهتم بعرض الأبعاد الثلاثية على الإنترنت في المؤتمر الأوروبي للإنترنت 1994م، ومباشرة بعد ذلك المؤتمر ظهرت أول مجموعة مكونة من مهندسين وفنانين ومهتمين بعالم الإنترنت قامت بإنشاء مجموعة تواصل «Mailing List» سمت نفسها «www-vrml».
وقامت هذه المجموعة بانشاء ما يسمى «Virtual Reality Modeling Language» وهي لغة النمذجة للواقع الافتراضي وتهتم بالرسم الثلاثي الأبعاد على الإنترنت وحتى من دون إنترنت وذلك باستخدام المتصفح «Browser» في الحاسب الآلي.
واستطاعت المجموعة أن تخرج بمنتجها الأول لتلك اللغة، وأطلقت عليه اسم «VRML1» بمواصفات استخدمت بها مجموعة من صيغة ملفات مصممة من شركة سيليكون جرافكس.
عرض تطبيقات الواقع الافتراضي
هناك وسائل عدة لعرض تطبيقات الواقع الافتراضي، إحدى هذه الوسائل هي شاشات العرض باختلاف أنواعها وقد يستخدم نوع خاص من شاشات العرض مع بعض تطبيقات الواقع الافتراضي بما يوافق متطلبات ذلك التطبيق، فنذكر مثلاً بعض الشاشات الكبيرة التي يميزها أنها تملأ مجال الرؤية البصرية كلياً، ما يمنح المشاهد شعوراً بالاندماج الكامل أو ما يعرف بالانغماس بالأحداث المعروضة حيث يفقد القدرة على التفريق بين ما هو حقيقي وما يعرض على تلك الشاشة. الأمر الذي يفيد في بعض تطبيقات الواقع الافتراضي كما في العلاج النفسي للرهاب والآلام باستخدام الواقع الافتراضي..
ومن وسائل العرض المهمة: نظارات العرض الإلكترونية حيث تكون هناك شاشة صغيرة على كل عين، وتتيح هذه النظارات رؤية ثلاثية الأبعاد وذلك عن طريق عرض نفس المشهد لكل عين ولكن بوجود انزياح أو انحراف بسيط بين الصورة المعروضة على العين اليمنى والصورة المعروضة على العين اليسرى، وهو ما يجعل الرؤية بهذه النظارات رؤية مجسمة ذات عمق أو بعبارة أخرى رؤية ثلاثية الأبعاد، وهذه الفكرة مأخوذة من طبيعة عمل البصر لدى الإنسان فأنت إن نظرت إلى مفتاح موضوع أمام عينيك بالعين اليمنى فقط ثم أغمضتها ونظرت إليه بالعين اليسرى لوجدت أن هناك انزياحاً بسيطاً بين الصورتين، وهذا الانزياح هو الذي يعطي الإحساس بعمق الأشياء أو ببعدها.
عمليات جراحية افتراضية!!
ساهمت تكنولوجيا الواقع الافتراضي في تأمين بديل من جسم الإنسان، حيث بدأ استعمال الكمبيوتر لتدريس التشريح قبل عشرين سنة، لكن النجاحات العملية لم تتحقق إلا في الآونة الأخيرة، وسبب ذلك أن إيجاد جهاز لمحاكاة العمليات الجراحية وجعلها أقرب ما تكون للحقيقة يحتاج إلى طاقة معلوماتية كبيرة جداً لم تتوافر في الحواسيب إلا حديثاً.
حيث طوّرت أجهزة وبرامج تُحاكي العمليات الجراحية المختلفة كعمليات تشريح الأعضاء والأنسجة والعمليات الاستكشافية ومناظير البطن وإزالة الأنسجة المريضة أو المصابة بأورام سرطانية وغير سرطانية وإعادة بنائها، وعمليات الركب وغيرها من العمليات، وأدت هذه الأجهزة إلى تقليص الأخطاء في العمليات الجراحية الحقيقية وزيادة مهارة الجراح، ما يعني إنقاذ حياة الكثير من المرضى أو على الأقل حصولهم على نتائج أفضل وشفاء أسرع ومضاعفات أقل.
سبر أعماق الأرض افتراضياً..
تقوم فكرة الاستفادة من الواقع الافتراضي في مجال النفط والغاز على دمج البيانات التي يقدمها الخبراء من جيولوجيين وجيوفيزيائيين ومحللي بيانات ومهندسين وغيرهم في أماكن مختلفة حول العالم.
وهذا الدمج تارة يكون عبارة عن مشاركة عادية للمعلومات في مؤتمر إلكتروني عبر الشبكة حيث توضع المعلومات في متناول جميع المؤتمرين وتتم مناقشتها والاستفادة منها في صناعة النفط أو في استخراجه...
وتارة أخرى يتم دمج البيانات بهدف تكوين صورة افتراضية ثنائية أو ثلاثية الأبعاد لآبار النفط أو الغاز في جوف الأرض عن طريق جمع المعلومات بالطرق المختلفة، وتُحدَّث هذه الصور باستمرار كلما زاد أحد الخبراء شيئاً من البيانات، فيبقى الجميع على اطلاع بجميع المعلومات المستجدة ويربطها بما عنده من معلومات.
محاكاة الطيران
يعد اجتياز اختبارات الطيران الافتراضي من الأمور شبه المحتمة على كل طيار قبل البدء بالقيادة الفعلية للطائرات، وقد اتسع نطاق التدرب بواسطة القيادة الافتراضية ليشمل الطائرات العامودية والنفاثة والمروحية، بل إن النجاح في محاكاة الطيران دفع بعض الشركات لوضع برامج لمحاكاة السفن والقوارب البحرية.
كما صممت بعض شركات الطيران حجرات متطورة لتدريب الطيارين على الطيران «ولا يمكن للناظر التفريق بين حجرة القيادة الافتراضية والحجرة الحقيقية من الداخل، إذ إن الحجرة الافتراضية مصممة لتحاكي الحجرة الحقيقية بكل التفاصيل» بل إن كل زر في هذه الحجرة مصمم ليُنتج عند استعماله تأثيراً مشابهاً تماماً لما سينتجه استخدام هذا الزر في الحجرة الحقيقية بنفس الظروف.
وتقدم الملاحة الجوية الافتراضية خيارات القيادة في الظروف الجوية المختلفة كالليل أو النهار أو المطر أو الصيف أو الصحو أو الضباب والقيادة بسرعات مختلفة للرياح وحتى كيفية التصرف عند حصول حالات طارئة..
العلاج النفسي بالواقع الافتراضي:
يُوضع المريض في ظروف افتراضية تشابه الظروف التي تُسبب له الخوف والقلق ويُعَود عليها شيئاً فشيئاً حتى يألف تلك الظروف وتصبح أمراً عادياً لديه، فمثلاً يُوضع مَرضى الرهاب من الأماكن الضيقة في غرفة مجهزة بشاشة عرض بانورامية أو شاشة مصممة لتغطية مجال الرؤية لدى المريض حيث يتولد لديه شعور بالانغماس لما يُعرض على الشاشة، ويتم تعريضهم لظروف مشابهة لتلك التي يخافون منها، فيرون أنهم في غرفة عادية في أول الأمر ثم يرون أنها تضيق شيئاً فشيئاً.
فيؤدي تعريض المرضى بالتدرج إلى تلك المواقف التي يخافون منها، إلى تعوّدهم عليها وإلى نسيان خوفهم كلياً في النهاية.
بعض مساهمات تكنولوجيا
الواقع الافتراضي في الصناعة
تمثل التجربة والاختبار المرحلة الأولى من المراحل التي يمرّ بها الإنتاج الصناعي، فلا بد من إجراء التجربة تلو الأخرى للتأكد من أن السلعة جاهزة للإنتاج الفعلي، وقد تكون هذه التجربة رقمية باستخدام برامج تُحاكي عمل الآلات الصناعية، ويميز هذه البرامج أنها تُعطي صورة دقيقة عن المُنتج من دون تكلفة تُذكر، وهذا ما دفع الصناعيين لتشجيع تطوير هذه البرامج حتى أصبح الكثير من أنواع المكنات الصناعية مزودة بها، كالكثير من آلات السي إن سي مثلاً التي لا يستغنى عنها في أي مصنع حديث.
برامج الأرصدة الجوية
تستفيد الأرصدة الجوية من معطيات المناخ المتوافرة في محاولة معرفة حال الطقس وتقلباته، والنتيجة التي تعطيها تلك البرامج هي نتيجة تخمينية غير حتمية، تعتمد على المحاكاة التي يجريها الحاسوب لأحوال الطقس من اتجاه حركة الرياح وسرعتها والضغط الجوي ودرجة الحرارة وغيرها، وكلما كانت المعطيات أحدث وأوفر كانت النتيجة أدق.
وقد أصبحت برامج محاكاة أحوال الطقس اليوم ذات أهمية كبيرة في التحذير المسبق من الكوارث الناتجة عن التقلبات المناخية، كالفيضانات والرياح والأعاصير وهي ذات انتشار واسع في مراكز الأرصدة.
التصميم الهندسي من
الخرائط الهندسية إلى محاكاة شبه واقعية
لا نبالغ إذا قلنا: إن الهندسة والتصميم أحد أكثر المجالات استفادة من تكنولوجيا الواقع الافتراضي فبعد أن كانت قراءة الخرائط الهندسية حكراً على المهندسين المختصين، أضحت البرامج الهندسية توفر للجميع وبأدق التفاصيل صوراً ثلاثية الأبعاد شبه واقعية للمشاريع والأبنية.
ورحلات فيديو افتراضية تجوب التصميم الهندسي بمرونة مطلقة، مظهرة كامل التفاصيل من مختلف الزوايا، ما يعطي المصممين فرصة لمشاهدة إنجازهم باكراً والتعديل عليه كما شاؤوا والتنسيق بين الألوان والأشكال و«الكسوات» المختلفة وعرض التصاميم على العميل وأخذ رأيه فيها.. كل ذلك قبل وضع ولو حجر واحد في البناء أو التصميم الحقيقي.
كما تستخدم تكنولوجيا الواقع الافتراضي في تمثيل علم الأجناس البشرية والتراث العالمي وتطبيقات على تمثيل الآثار «archaeology» ومواقعها وإعطاء المتخصص الفرصة في عرض المواقع بشكل دقيق ومفهوم.
إعداد: ميس العاني / جريدة الوطن