سـهل نيـنـوى . .
التـاريخ والحـب والمسـتـقبل
ــــــــــــــــــــ
جميــل روفـائيـل
ــــــــــــ
السـهل في اللغـة ، يعـني : أرضا ممتـدة ومسـتوية السـطح ، لكن معـناها الجغـرافي ( سـهل نيـنوى ) لشـعبنا ( الكلداني الآشـوري السرياني ) يشـكل الأرض الممتـدة على هيـأة مثلث متسـاوي السـاقين ، زاويتـه السـفلى في مدينة نيـنوى وضلعـه الأعلى حيث بدايـة المنطقـة المصطلح عليها أعالي بين النهـرين في جنـوب تركيـا . .
هـذه البقـعة الجغـرافية ، هي مركـز أرض الحضارة الآشـورية وموطـن شـعبنا بكافـة مسـمياته الراهنـة ، منـذ بدأت السـكنى في هـذه الديـار بالإسـتـقرار ، شـعـوبا ومـدنا وعـملا . . وهي أيضـا موطن إنطلاق الفكـر السـرياني وصـيانته ، والحصن المنيـع الباقـي لشـعـبنا حتى اليـوم . .
ولأنـنا نتجنب الصراعات ولا نقـبل بعمليات التطهير والتهجير ومآسـي التعـديلات السـكانية المضـنية لـما هو أبعـد من حياة جيلنا الحالي ، لـذا نحن في غـنى عـن دعـاوى إسـترجاع الحقـوق على أسـس الأمجاد الجغـرافية والترتيـبات التاريخية ، لأنـنا نريد السـلام والأمن والعيـش بوئـام لنـا ولغـيرنا من جيرانـنا على حـد سـواء .
وإزاء هـذا الموقـف الراسخ الذي أرتضـيناه بتجنب كل صـراع مع غـيرنا ، فإنـنا نلتـزم الواقع الذي أفرزتـه التطورات التي شهدها سـهل نيـنوى وما أسـفرت من تغـييرات وتعـديلات ( ديموغرافية ) على رغـم ما ألحقـته من ضرر جسـيم بشـعـبنا . . لكننا بكل حزم من حقـنا أن نصـون ما أبـى أجدادنا وآباؤنـا الأشـاوس التخلي عـنه مـما ورثـوه من ديار في هذا السـهل الكريم ، وتمسـكوا به بأبـاة عرق جبينهم ومعـاولهم وأفكارهـم وحافظـوا عليه بدمائهـم الزكية .
أخطـاء كثيـرة
ـــــــــ
لا شـك أن الأوضـاع التي أحاطت بشـعـبنا منذ نهاية الحرب العـالمية الأولى إكتـنفـتها أخطاء كثيرة في العديد من الأوقات الحاسـمة ، كان سـببها الرئيسـي عـدم تحكيم العـقل بصورة سـليمة في التعـامل مع الواقع وتـفهـم ظروفه وحسـبان نتائج تحركاتـه ، وأن الإشـارة إليـها راهنـا لا تعـني البكاء والنحيب والتوجـع على ( ملك مضـاع ) و ( جـرّ الحسـرات على مـاض ذهب ولـن يعـود ) أو السـعي إلى الإنتـقام والولـوج في متاهـات جديـدة ، وإنـما جعـلها عـبرة لتجنب الإقـدام على مثلهـا ومـا آلـت إليـه من خسـارة ومحـن وتشـرد .
وعـند الإمعـان في تلك الأخطاء ، نجـد أن مسـؤوليتها تـقع حصرا على السـياسيين ورجـال الديـن . . وللتوضيح نقـول ، مثلا : إن حركة 33 على رغـم مشـروعيتها ، فإن قيادتها لم تدرس الواقع غـير المتوازن الذي أوقعـت فيـه شـعبنا ، ولذا فإن ملابسـاتها قـد إسـتغـلتها قـوى حاقـدة على شـعبنا وكانت نتائجها أول ضربة مؤلمة لشـعبنا في عصره الحديث لـما آلت إليه من تشـريد وفـقدان أراض وممتلكات بـدل الإستـقرار الذي كان شـعبنا يهـدف إليه في ذلك الوقت مع ترتيبات العراق الجديـد .
أمـا رجال الدين ، والمقصـود هنـا الرؤسـاء الكبار ، فإنـهم لـم يلتـزموا ( الحياة الرعائيـة ) وتخلوا عن صفـة ( راع مسـؤول عن الرعيـة ) وتركوا سـهل نينـوى وانتـقلوا حيث طاب لهـم المقـام ، في أميركا أو بغداد ، وجعـلوا أبناء طوائفهم في حيرة من أمـرهم يخيـم عليـهم الإحبـاط ، ولـم يراعـوا حكمـة ( كبير القـوم قـدوتهم ) .
نعـم . . ونعـم ، إن ما قاسـاه شـعبنا من ويلات النظام البعثي المبـاد كان شـديد الوطأة . . لكننا ما دمنـا نريد العبـرة فإننا لن نحصل عليها من خلال الشـكوى مـما إرتكبه الآخرون بحقـنا من آثـام ، وإنـما نسـتفيد منها بمحاسـبة أنفسـنا ذاتيا . . فـقد آثـر قادة كنائسـنا الرحيل حيث المقـام المريح لهم ولمؤسـساتهم وبـما فيه الأديرة ودور الأيتام والمدارس الدينية ، رافضين الصمود حيث تـقتضي الحـال وأسـتخدام ما يمكنهم من نفـوذ لمنع ( الذئاب ) من العبث بالرعية التي لم يجد قسـم كبير منها من ملاذ غيـر الفـرار أسـوة ( بالراعـي ) غير المهتم بمهماتـه .
نحـن ، في هـذا المجال لا نريد أن نشـخص بذكر الأسـماء والمناصب ، وإن كان في مقـدورنا ذلك بكل سـهولة ، لأننا في غـنى عن الدخـول في سـجال الذرائع في هذا الوقت العصيب مع الذين لايزالون يتمسـكون بلقب ( أولي الأمر ) ويتحركون من بحبوحـة نفوذهم في باحـة أخطائهم وبما يرضي أهواءهم ناسـين أو متناسين أو بالأحرى غـير مبالين من تذمر شـكوى الرعية بما آلت إليه الأمور من معـاناة ، وكأن حالهم يقـول : هذا ما نحن عليه شـئتم أم أبيتـم ( وليكن من بـعدنا الخـراب ) .
ديـار الغـربة
ـــــــــ
وللوضـوح نقـول نحن الشعب ، أجل الشـعب وليس دائما الرعية : إن ديار الغربة خارج العـراق هي طريق الفناء لشـعبنا ومقوماته وبما فيه موروثاته الدينية المتميزة ، وأما بغداد فلم تعـد " مركز الجثالقة بطاركة كنيسة المشرق " بشـكل آمن كما كانت حتى عهد الخليفة الحكيم ( المأمون ) لأن حال المسيحيين فيها صارت في مـد وجـزر بحسـب أهواء الحكام الأجانب الذين هيمنـوا على الأمور منذ صار ( المعتصم ) خليفة ، فكان النزوح الى سهل نينوى هو المعقـل الرحب لشـعبنا . . شـعب السهل الأبي الذي ظـل عصيا على شـابور بن هرمزد الملقب ( بذي الأكتاف ) ونادر شـاه ( طهماسب ) والظالمين من الولاة العثمانيين .
ومـا أشـبه اليوم بالأمس ، حيث تتصاعد شرور الحقـد الطائفي والعنصري على شـعبنا ، ما يتطلب التخلي عن مظاهر الكبرياء الجوفـاء والإسـراع في حمل الصوالـج ( الصولجان ) والمقـار والكنائس والأديرة والمدارس . . والرجوع بهـا الى حيث ديارها الأصيلة التي ولدت فيها وبرزت في ربوعها ، ديار سـهل نينوى الشـماء ، والتـركز فيها وبذل كل ما في المسـتطاع من جهـد لإعادة رونق الجزء الذي لا يزال ملكا لشـعبنا ، من أجل إصلاح ما هدمته عـواتي الزمان فيه ، سـكانيا وأجتماعيا وعمرانيا وإقتصاديا وجلالا أخلاقيا تراثيا وديـنيا ( بعيدا عـن الطائفية المذهبية التي ما نزال نتجرع كأس علقمها ) .
في هـذا المجال ، يمكنني أن أورد مثالا البطركية المارونية في لبنـان التي إختارت مقامها دائما حيث تتجمع رعيـتها ، إذ أن مقرها ( قصرها ) الشـتوي هـو في بلدة بكـركي ( قضاء كسـروان ) 25 كيلومترا عن بيروت ، وقصـرها الصيفي في بلدة ديمـان ( قضاء بشـري ) 106 كيلومترا عن بيروت ، وقد زرت شـخصيا المقـرين نهاية عام 2002 ووقفت على حكمة هذا الإختيار ، وأعلمني المسؤولون في المقـرين أن غبطة البطريرك صـفير نادرا جدا ما يذهب إلى بيروت وإن حصل ذلك فلن يزيد على سـاعات عـدة ، ومع أن مسافة المقـرين قد تبدو قريبة من العاصمة لكنها عند المقارنة بالمساحة الصغيرة للبنان يتبين لنا بعـدها قياسـا بمساحة العراق . . فهل يمكن لرؤسـاء طوائفنا المسـيحية في العراق أن يقـتدوا بالبطريركية المارونية ؟! والحقيقة أن هذا النهج لا يقتصر على البطريركية المارونية وإنما يشـمل مقـرات كل الطوائف المسيحية وغير المسيحيـة في لبنـان .
ويتوهم من يتصور أن مناطق سـهل نينوى التي لا تزال ديارا لشـعبنا ، لن تمنح حياة الرفاهية والسـعادة والعيش لأضعـاف من هم فيها الآن . . فهي أرض معطـاء زراعـة ومشـاريع إقتصادية وسـياحية متنوعـة ، إذا حظيـت بالعـناية اللازمـة لهـا . . حتى أن أحـد الأقتصاديين وصف خيرات هذا السـهل الخصيب بأنـها ( بئـر النـفط الذي لا ينضـب ) .
التدمير المتعـمد
ـــــــــ
لقـد عـمل النظام الصـدامي ومـن نـفذوا أوامـره على تدميـر وجود شـعبنا في هـذا السـهل ، فدمـروا المئات من أفضـل قـراه وشـردوا سـكانها في أرجـاء الدنيـا في أسـوأ عمليـة منظمـة حكوميـة للتطهيـر العـرقي وشـجعوا الغـرباء للإسـتيطان فيـها ، وأمـا في غيرها من قـرى شـعـبنا التي نجـت من التدميـر ، فـقد وزعـوا أراضـيها الأميرية على مرتـزقة جاءوا بهـم من أماكن بعـيدة ليسـكنوها ويعيـثوا فيها فسـادا ويـغـيروا طبيعـتها الإجتماعيـة المتـوارثة ، ولم يكتفـوا بذلك وإنـما إمتـد غضـبهم للقضـاء على إقتصـادها الزراعي المناسـب لطبيعـة أراضيها ، فأزالـوا البيـادر والمراعـي والأراضي الزراعيـة القريبـة من مراكز السـكنى في القـرى ، مـا جعـل الحياة فيها تـقتصر على الوظائف الحكومية ، وهنا تجلت المصيبة الكبرى لأن الوظائف لا يمكن أن تسـتوعب كل السـكان وليسـت وسـيلة للإسـتـقـرار ، فأصبحت الهجرة أمرا حتميـا امام الذين ليسـوا موظفيـن لأنه لـم يبـق لهم من مصـدر للعيش الذي كانت الزراعـة عـماده الرئيسـي ، وبخديدا وكرمليس وبرطلة وعـنكاوا وتلكيف وباطنايا وباقوفـة وتللسـقف وألقـوش خيـر مثال على ذلـك وغيـض من فيـض ما حصـل .
وبصـورة عـامة ، فإن هذا السهل ، قـد عـانى التدمير المتـعمد وتغـيير الهوية على مدى معظم القـرن الماضي ، سـواء من الحكام الظالمين أو نتيجة القـتال والظروف الإسـتثنائية التي مـرت بـها المنطقـة ، وعـانى أيضا الإهمال من المتنـفذين والأثرياء من أبنـاء شـعبنا . . وإنـه لمن المؤلـم أن نرى التسـابق خارج العـراق من أجل دعـم تشـكيل الأحزاب وتأسـيس فروعـها وجمع الأموال لهـا وللرئاسـات الدينية في بغداد ، في حين لم نسـمع بجمعية ذات شـأن لمسـاعدة أهل سـهل نينوى والعائدين إليه وإعـماره وإقامة المشـاريع فيه ، حتـى أن سـكان قرية ( عـين بقرة ) جنوب شرقي ألقوش الذين أقاموا فيها وزرعـوا أراضيها منذ أكثر من سبعين سـنة ، كانوا قبل فترة أطلقوا نداء إسـتغاثة لمـساعدتهم في جمع حوالي سبعمائة ألف دولار كي يشـتروا أراضي قريتهم البالغـة 1740 دونما ، تجنبا لتشـريدهم بعدما قرر مالكها بيعـها ، ولا أدري إن كان المتمكنون مالـيا في خارج العراق ، قـد أثـر فيهم النداء وحـرك ضمائرهـم وأسـتجابوا لـه وأنقـذوا أهل ( عين بقـرة ) أم أن العيون والآذان لم تـر أو تسـمع لمثـل هذا العمل الجليل ، لأن الأيـادي ( السـخية ) ظلـت ممـدودة نحـو تأجيـج الصـراع الحـزبي والإهتـمام ( بوظيفـة ) تأسـيس التنظيمات السـياسية ودعـم وسـائلها لتشـتيت شـعبنا وتناحـره ، وكأنـه لـم تعـد تكفيـه إنقسـاماته الطائفيـة الدينيـة ولا بـد مـن المـزيد المزيـد . . وحتى أن الذين يتحدثـون في وسـائل الإعـلام ويكتـبون في المواقـع فـقد أصبح همهـم تأيـيد هذا الحزب أو ذاك ، ونادرا مـا نجـد من يكتب بما يفـيد شـعبنا في إسـتمرار حياتـه في سـهل نيـنوى ووسـائل تحقيـق هـذا البقـاء .
ومـن حق كل غيـور على إصـالة شـعبنا وحيـاته في ديـاره أن يقـول : يا أهـل شـعبنا خارج العراق ( مهـما كانت مسـمياتكم ، آشـوريون كلدان سريان . . ألخ ) كونوا عـند حدود المسـؤولية التاريخية لنـا جميعـا ، وأتركوا ( الأساليب المتطرفة التي تزيد الجروح إيلاما من دون أن تجدي نفعـا ) مثـل شـعارات : إنقـاذ الأرض المحتلة وتحرير الوطن . . ألخ التي تحتويها قصاصات الأوراق الجوفاء وصيحات الوهم وحسابات الخيال ومزايدات الطائفية والعشائرية والـتنابز بمسميات التنظيمات السياسية . . فإذا كنتم حريصين حقـا على مجـد نينوى وأرض سـهلها ، إجمعـوا شـملكم وأرجعـوا إليها أو على الأقل سـاهموا في بقائها موطنا لشـعبنا وديـارا لرسـوخ أهلنا فيها . . هذا هو السـبيل القويم يا أولـي الألباب ، وما عـداه فهو التهرب من المسؤولية باللهـاث وراء سـراب التـذرع بالسـياسـة والتشـبث بإدعـات الديـن نفـاقا .
متى نحـدد عاصمتـنا ؟
ــــــــــــ
جميعنا نعلم ، أن كل قوم في عراقنا الحبيب قـد حـدد عاصمته بأعتبارها رمزا إرتكازيا له ، بمن فيهم الأخوة الإيزيدية الذين يشيرون إلى أنها بالنسبة لهم بلدة ( باعـذرة ) أما نحن فلم نحـدد حتى اليوم أي بلدة بإعتبارها عاصمة شـعبنا ، هل هي عنكاوا أم بخديدا أم ألقوش أم . . ؟ أليس من حقـنا أن تكون لنا عاصمة نتحرك منها لتوزيع مؤسـساتنا الدينية والأجتماعية في بلداتنا وقرانا ونقـول : إننا شـعب سهل نينوى وعاصمته . . . أما من يعـتقد بأن شـيكاغو أو سـان دييـغو أو ديترويت أو كنـدا أو أسـتراليا أو أي دولة أو مدينـة أوروبيـة يمكن أن تكون بديـلا عـن أي قريـة في سـهل نيـنوى فهـو على أشـد الضـلال وعـدم الصـواب .
ولكن يبدو أن هذا الأمر ، كما هي حال ضرورة ( المنطقة الجغرافية الإدارية ـ محافظة ) نادرا ما يفكر بها أحد ، لأنهم ( الكبار ) يتشـبثون ببغداد كما هي حال الرؤسـاء الدينـيين الذين يجدون في بغداد ( عاصمة العراق ) أبهتـهم وسـطوع مظاهرهم وتصـويرهم بجانب الحكـام . . وكما هي أيضـا حال زعامات الأحزاب والتنظيمات الإجتماعية التي تجد من بغداد وتملقاتها وإرتماءاتها متسـلقا لها نحو الكراسي العالية والمناصب الباذخة التي غالبيتها ( الزعامات ) أحدقت نحوها منذ شكلت تنظيماتها التي لـم نـر حتى الآن إنجازا لها غـير إثارة المزيد من الصراعات والتشتيت لشـعبنا ، قوميا وإجتماعيا ودينيا .
إنـها اليوم ، مرحلة التـفكير بعـقلانية ورؤية سـديدة لما ينبغي أن يكون عليه الجهد الصالح والعمل المثمر . . فسـهل نينوى هو محك الإمتحان ، إنه ينتظر جمعيات تـُعنى بالعودة إليه وإعماره وتنفيذ مشاريع زراعية وإروائية وحيوانية وسـمكية وصناعية وسـياحية فيـه . . وهنا مكمـن الوفـاء لهذه الأرض ، وفـاء الأفعـال الباقيـة مع كل خلـود وليس الأقـوال الزائلة مع فوضـى الأحـزاب والمظاهـر الوقـتية ، نعم الأفعـال ثـم الأفعال . . وصولا إلى النتائج التي توفـر الشـموخ والرسـوخ والحفاظ على الشـعب والأمجـاد . . في الأرض الكريمـة لهذا السـهل دون سـواها . . وإذا ضـاع السـهل أيضـا مـع مـا ضـاع وصـار مسـتحيلا الحصـول عليـه وإسـترجاعـه ، فـإن الجميــع سـيندم ولكـن بعـد فـوات الأوان ولات سـاعة منـدم . [/b] [/size][/font]