السلام عليكم ورحمة الله..
سأحدثكم بصدق عن مشاعري التي طالما تساءلت في نفسي لماذا راودتني وإلى الآن لا أعرف السبب..
هي حكاية غريبة كلما تذكرتها تساءلت: لماذا؟؟
وإلى الآن لا أعرف السبب...
لأن في حكايتي مع العراق شيء من الروحانية...
لن أطيل عليكم بمقدماتي,,
عندما كنت طفلا صغيرا لا أتذكر هل دخلت المدرسة أم قبل.. ولست متأكدا كم كان عمري.. لكنني صغير جدا..
(كان يأتيني حلم غريب.. ويتكرر.. كنت أرى نفسي أمشي جنب نهر وكنت أعلم في داخلي أنه الفرات.. وكانت هناك بيوت من الطين ونخلتان بعيدتان أتجه نحوهما وأنا سعيد..
ويتكرر الحلم.. في كل مرة أمر بجانب بيوت بنيت من الطين وأتجه نحو النخلتين وأنا أعلم في داخلي أنني في العراق وأن هذا النهر هو الفرات...) انتهى الحلم..
مايثيرني ويجعلني أعتقد أن هذا الحلم من الروحانيات الغربية عدة أمور سأحدثكم عنها بصدق:
** أنا عشت في قرية سعودية تبعد عن العراق آلاف الأميال
** ليست لي أي صلة بالعراق لا أبي ولا أمي ولا أي من أجدادي من العراق فأصولي تنحدر من المدينة المنورة..
** لم أكن وقتها أعي معنى أن هناك عراق وبلدان فأنا صغير جدا .. ولم أكن أعرف أن هناك نهر اسمه الفرات إلا عندما كبرت..
وليس عندي إلا تحليل واحد قد يكون هو سبب الحلم.. فقد كان أبي وهو رجل كبير في السن يحكي كيف كانوا يسافرون إلى العراق .. ليأتوا بالخيرات.. وكان أبي قد ذهب للعراق مرة واحدة وعمل هناك مدة قصيرة..
لكن والدي لم يكن يحكي تفاصيل عن العراق كان يحكي عن المعاناة والسفر .. وحكاوي أغلبها عن الرحلة ومشقة السفر على ظهور الإبل..
حكاوي كثيرة يرددونها عن العراق لكنها لاتحكي تفاصيل العراق كنهر الفرات مثلا .. وهذا ماجعلني في حيرة كيف عرفت في الحلم أنني في النهر...
فوالدي كان يحكي معاناة السفر على الجمال.. وكيف كانت الحياة قبل النفط في المملكة..
وأهل الجزيرة يرددون حكايات كثيرة عن العراق..
فمثلا من الحكايات الشعبية الطريفة..
يقال أن هناك رجلا من أهل نجد سافر إلى العراق لجلب الخيرات والعمل هناك.. وأثناء عيشه في العراق أتاه عراف وقال له ستكون منيتك في بغداد..(المنية هي الموت).
ذعر هذا البدوي.. لهذا الخبر الذي جاء به العراف .. قض مضجعه هذا الخبر.. يقوم مفزوعا من نومه كلما تذكر انه سيموت في غربته في بغداد..
لم يستطع العيش..
قرر الرحيل عن العراق..
حزم أمتعته باع كل مالديه وجمع مالديه من مال وأخذ ماينتظره أهله من خيرات سيجلبها من أرض الخير .. وتعرض للقوافل المتجهة إلى جزيرة العرب..
مرت الأيام والليالي وهو في سفر طويل وكلما تباعدت به الخطى عن العراق أحس بالسعادة لأن نبوءة العراف لم تصدق فهاهو يتجاوز بغداد ويخرج من أرض العراق ولم تأت منيته..
قرر في داخله ألا يعود أبدا للعراق..
وعندما وصل إلى نجد قريبا من أهله واطمأن وقال في نفسه كذب المنجمون...
إذا بقافلة أخرى صادفتهم عند مكان على الطريق فيه ماء وتجتمع حوله قوافل المسافرين.. اختلط الركب ببعضه.. هناك من هو قادم من العراق وهناك من هو راحل لها.
جاءته فكرة أن يشتري من هذه القافلة بعيرا ليعود به لأهله بعد أن اطمأن على حياته ..
بدأ يمر على الإبل ويسأل عن أثمانها..
أعجبته ناقة وجد أنها هي المناسبة التف حولها سأل صاحبها عن ثمنها..
أعجبته جدا
ومن عادة البدوي إذا أراد أن يشتري ناقة يجسها ويتحسسها.. كانت الناقة "تتجرر" أي تلوك الطعام في فمها (وهي عادة تتصف بها بعض الحيوانات مثل الإبل باستخراج الطعام وإعادة مضغه) فهي تمضغ وتنظر إليه وهي ثاوية في مكانها.. بدا ينظر إلى سنامها (السنام هو أعلى منطقة في ظهر الجمل) أعجبه جدا فهو مكتنز الشحم ووبره (فروه) أبيض ناعم كثيف.. تحسسه على عادة البدوي إذا قرر أن يشتري الناقة وعندما أدخل يده في وبرها لدغته عقرب...
نفض يده بخوف..
وسأل صاحب الإبل : من أين أتيت؟ أجابه: من بغداد!!
فرد متأوها.. "آه إذن ما جاء بك من بغداد إلا بختي" (حظي).
ومات بسبب تلك العقرب التي انتقلت إليه من أراضي بغداد على ظهر ناقة .. لتصدق مقولة العراف وتكون منيته من بغداد...
هذه طبعا مجرد حكاية كنا نسمعها في صغرنا..
لكني أعود إلى الحلم الذي كان يراودني في الطفولة فأتحسر مرات ومرات كثيرة أنني حلمت في العراق وأنا صغير لا أعرف معنى العراق.. ورأيت في منامي نهر دجلة قبل أن أراه في الصور والكتب.. لقد وجد في مخيلتي قبل أي شيء..
وأرى نخلات العراق .. ورجلي لم تطأ أرض العراق..
ثم أتحسر على كل ذلك
فحلم الطفولة أتذكره دائما وأتساءل عن سره.. مع العلم أن أحلامي قليلة جدا.. فأنا نادرا ما أحلم..
أتحسر كثيرا لأن الظروف السياسية وحروب العراق المتواصلة جعلت الحلم يبقى حلما
ولم يتحقق على أرض الواقع..
كم تمنيت أن أسافر للعراق وأمشي حول الفرات أو دجلة يمكن أن أرى بيوت الطين والنخلتين وتفاصيل الحلم المحفور في ذاكرتي..
ليت العراق يهدأ قليلا ..
حتى أزوره ولو يوم واحد..
(ملاحظة مهمة: كل ماذكر عن الحلم في الطفولة حقيقة واقعة ولم يكن خيال أو أسلوب في الكتابة ..)
تحياتي لكم