الحرية الهاربة
ابدل يوسف ابدل
فرت الحرية ذات يوم من سجنها الرهيب ....
غافلت حراسها المليون و هربت بعيدا بعيدا باتجاه المدينة التي غابت عنها قرونا طويلة .
لون المنازل كان قد تغير ...
طول الشوارع و عرضها كان قد تغير ...
حجم النوافذ أيضاً كان قد تغير.
سارت بمفردها , تحاكي صمت و حدة لا تنتهي , وحين أرهقها المسير ... استراحت فوق غصن زيتون ذابل من أيام الحرب الأخيرة , بجانب عصفور أنهكه طول السفر ...
طلبت من العصفور أن يشدو لحناً سعيداً يزيح عن صدرها كآبة السجن الرهيب .
اعتذر العصفور و أطرق رأسه خجلاً , فقد صودرت ذاكرة الألحان من خياله حين شدا لحناً سعيداً لفراشة حالمة دون موافقة العسس الذين تزايدت أعدادهم بشكل مخيف في الآونة الأخيرة .
عادت الحرية لتسير بمفردها حزينة لحال العصافير في المدينة الكئيبة ...
عادت بذاكرتها إلى أيام موغلة في القدم ...حين نشرها الله بين العباد كنوع آخر من هواء نقي ينعش النفوس التائقة للبوح .
عادت إلى رشدها حين صُعقت مسامعها بصوت صافرة الإنذار ,و انتشار دوريات العسس في كل مكان بحثاً عنها .
تمركز القناصون فوق أسطحة المنازل الشاحبة , و انتشر الحراس في الحارات القديمة و الشوارع الضيقة .
زاد شعورها بالخوف و أخذت تعدو و تعدو, و أشباح الهلع و الرعب تلاحقها في كل مكان .
توقفت عند نافذة منيرة تطل على شارع مظلم رهيب ...
تسللت عبر الحائط إلى غرفة شاعر هجرته الكتابة منذ زمن بعيد .
نظرت إلى الشاعر بمحبة و حزن عميق ....
توارت إلى عوالم أفكاره المحنطة و بعثت الحياة فيها من جديد ....
فامتشق قلمه النائم طفلا على سطح ورقة صفراء , و كتب قصائداً منهمرة , حتى سالت الكلمات من دفتره و تحولت إلى نهر صغير تدفق من تحت الباب الخشبي إلى الشارع الذي بدأت الأشجار بالاخضرار فيه, كأن ربيعاً مهاجراً اقتحم هدوئها مبشرا بحلول مواسم العطاء .
و قبل أن تعلن الشمس ولادة صباح جميل ... كان المنزل محاصراً بحراس و عسس اقتحموا غرفة الشاعر و اعتقلوه متلبساً بالحرية و القصائد ...
سجنوه في زنزانة عطشى لدماء الشعراء , برفقة حرية لن تتمكن من الفرار مرة أخرى بعد أن اقتلعت عيونها و و كسرت أجنحتها عقابا لما فعلته ...
حينها توقفت صافرة الإنذار عن النعيق و استتب الأمن من جديد .