وحدة الفلسفة السياسية


المحرر موضوع: وحدة الفلسفة السياسية  (زيارة 8342 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل رحيم العراقي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 372
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وحدة الفلسفة السياسية
« في: 09:59 17/12/2005 »
وحدة الفلسفة السياسية
   
  مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي اندريه دو مورالت استاذ الفلسفة القديمة في جامعة جنيف ولا تتركز ابحاثه فقط على العقائد الفكرية التي سادت القرون الوسطى، وانما ايضا على العلاقات التي تربط الفلسفة الحديثة او المعاصرة بجذورها في القرون الوسطى.
 ويرى هذا المؤلف انه لا توجد قطيعة ابستمولوجية مطلقة في تاريخ الفكر. من المعلوم ان المؤرخين في اوروبا قالوا بوجود ثلاثة عصور: العصر اليوناني ـ الروماني عصر القرون الوسطى، عصر الحداثة. ولكن هل هذه العصور مفصولة عن بعضها البعض بشكل كامل؟ بالطبع لا. ثم يردف المؤلف قائلا:
 لقد استفاد ديكارت في كتابه الشهير «التأملات الديكارتية» من مفكر كبير عاش ومات في العصور الوسطى ويدعى دنز سكوت، وكذلك استفاد منه الفيلسوف لايبنتز الذي ظهر بعد ديكارت بفترة قصيرة في المانيا وعندما نقول هذا الكلام فان اتباع الحداثة ينزعجون جدا ويقولون:
 ما علاقة مؤسس الفلسفة الحديثة او العقلانية الحديثة بتلك العصور الوسطى المظلمة؟وهذا ظلم للعصور الوسطى فالواقع انها لم تكن كلها ظلاما في ظلام وانما وجدت فيها بعض الشخصيات الفكرية المهمة التي تولي مكانة لا بأس بها للعقل صحيح ان الخرافات كانت تسيطر على عامة الشعب
 ولكن صفوة المفكرين كانوا يوفقون بين العقل والنقل، او بين الايمان والعلم ولم تكن تلك العصور خالية من الفهم ونور المعرفة كليا ويرى البروفيسور اندريه دو مورالت ان الباحث بيير ميسنار ساهم في نشر هذه الفكرة العامة: وهي انه توجد قطيعة كاملة بين العصور الحديثة والعصور الوسطى فقد نشر عام 1969 كتابا بعنوان:  ((انطلاقة الفلسفة السياسية في القرن السادس عشر )) وفيه يقول ما معناه: لقد ولدت الفلسفة السياسية الحديثة في نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة.والواقع ان هذه الفكرة شائعة لدى معظم مؤرخي الفكر في اوروبا فهم يعتقدون بأن الفلسفة الغربية التي نشأت وترعرعت في القرنين السادس عشر والسابع عشر اكدت ذاتها كرد فعل مضاد للعصور الوسطى وكقطيعة معها.
 ثم يضيف مؤلف الكتاب قائلا: لا ريب في ان الفلسفة السياسية الحديثة ظهرت في القرنين السادس عشر والسابع عشر لاول مرة ولكنها لم تخلق من عدم! هذا كل ما اريد قوله لقد تجاوزت تصورات العصور الوسطى ولكنها استفادت من عناصرها الايجابية وهضمتها وبنت عليها.
 وبالتالي فينبغي ان نغير مفهومنا للقطيعة الابستمولوجية في التاريخ. لا توجد قطيعة عدمية او كلية، وهذا الكلام لا ينطبق فقط على الفلسفة السياسية وانما ايضا على كل انواع الفلسفة والعلوم الاخرى.
 والواقع ان تشكل الفلسفة السياسية الحديثة رافق المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على مجتمعات الغرب بعد القرن السادس عشر، فقد شهرت عندئذ البلديات او التجمعات الحضرية التي اخذت تكتسب استقلاليتها الذاتية شيئا فشيئا بالقياس الى السلطة المركزية الملكية دون ان تنفصل عنها ولم يعد الملك الفرنسي ذو الحق الالهي هو وحده الحاكم المطلق بأمره وانما تشكلت بركانات محلية في جميع المحافظات للمشاركة في ادارة شئون الناس بالطبع فهذا لا يعني ان سلطة الملك قد انتهت فالواقع انها ظلت ضخمة حتى اندلاع الثورة الفرنسية.
 وفي ذات الوقت اخذت الشعوب الاوروبية تخرج من الطاعة العمياء لبابا روما دون ان يعني ذلك انها خرجت على الدين ولكنها اصبحت تفرق بين شئون الدين وشئون الدنيا بين العبادات والمعاملات واخذت العقلانية تنتشر شيئا فشيئا في صفوف الشعب.
 وبالتالي فقد حصلت حركة عامة او نهضة عامة في اوروبا وهي نهضة تشمل كل الاصعدة والمستويات من اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية ودينية وكان ابطال هذه النهضة فلاسفة من نوع جون لوك وهوبز وديكارت، وجان جاك روسو، وكانط وهيغل وقد تركزت في المدن بالدرجة الاولى.
 ولكن هؤلاء استفادوا ايضا من مفكري العصور الوسطى الكبار كدنز سكوت، واوكام وسواريز وحول العلاقة بين هؤلاء واولئك يدور هذا الكتاب الاكاديمي الدقيق.
 نلاحظ ان الكتاب مؤلف من مقدمة عامة وخمسة فصول متوالية يتحدث المؤلف في المقدمة العامة في كيفية انبثاق الفلسفة السياسية الحديثة في بداية القرن السادس عشر وعن الافكار الجديدة التي كانت تغلي غلياناً في تلك الفترة ثم يتناول المؤلف مختلف وجهات النظر الخاصة بالموضوع وبعدئذ يتحدث عن اطروحات دنز سكوت والنقطة التي انطلق منها.
 واما الفصل الاول الذي يتلو ذلك مباشرة فيحمل العنوان التالي: الفهم او المعرفة في الفلسفة الحديثة.
 وهنا يقول ما معناه: من اهم مكتسبات الفكر الفلسفي الغربي هي انه راح يفرق بين قطبين في عملية المعرفة: اي بين الذات والموضوع، او الذات العارفة واعادة المعروفة ولكن لا يوجد اجماع في التراث الغربي على الدور الخاص الذي يلعبه كل واحد في هذين المصطلحين في عملية المعرفة.
 فالفلسفة الارسطوطاليسية القروسطية ركزت على وحدة الذات والموضوع في عملية المعرفة ولم تفرق بينهما وهذا ما شرحه ارسطو بكل وضوح في كتاب الحيوان فهو يقول بوجود سببية كاملة يمارسها كل من الذات والموضوع على بعضهما البعض.
 واما الفلسفة المسيحية كما فهمها دنز سكوت واوكام فكانت تقول بأن المعرفة تنطلق من الذات نحو الموضوع بشكل اساسي والله عز وجل هو الذي ينير عقولنا اثناء عملية المعرفة وهذا صحيح ايضا.
اما الفصل الثاني من الكتاب فمكرس لدراسة الارادة في الفلسفة الحديثة وهنا يتحدث المؤلف عن النزعة الارادية القوية لدى دنز سكوت واوكام كما ويتحدث عن تأثيرهما على ديكارت الذي قال مايلي: ان فكرة الخير هي عبارة عن حقيقة ازلية مخلوقة وبالتالي ففعل الخير هو اصل الاخلاق.
 ثم يتحدث عن هوبز وتصوره للواجب على اساس انه اساس الاخلاق.
 وينتقل المؤلف بعدئذ للتحدث عن اللاهوت المغامر والقوي لمارتن لوثر. ومعلوم انه هو الذي دشن حركة الاصلاح الديني في اوروبا في بداية القرن السادس عشر وتحدى الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان وبابا روما. وكان ذلك عملاً خطيراً في ذلك الزمان وتُقطع عليه الرؤوس.
 ولكن شخصية هذا المصلح الديني الكبير كانت من القوة والجرأة بحيث انها كسرت القوالب اللاهوتية السائدة وفتحت المجال لانبثاق فكر ديني جديد.
 والواقع ان هذه الشخصيات المقدامة الجريئة هي وحدها التي تستطيع ان تجعل التاريخ يتقدم خطوات عملاقة الى الأمام.
 وبالتالي فالارادة المغامرة أو القوية ضرورية احياناً حتى ولو كانت قسرية أو اكراهية أو ربما أكثر من ذلك.
 ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن اخلاقية الحرية المطلقة وعن مفهوم الارادة المطلقة وعن مفهوم سارتر لكل ذلك.
 ونلاحظ هنا ان المؤلف ينتقل من الماضي الى الحاضر ومن الحاضر الى الماضي لكي يوضح فكرته. وهذا ما يدعى بالمنهجية التراجعية، فلكي نفهم الحاضر ينبغي ان نفهم الماضي والعكس صحيح.
 ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن مقاومة الكثيرين للمفهوم الاوكامي ـ الديكارتي الخاص بالارادة المطلقة. وينتقل بعدئذ لكي يتحدث عن كانط ونهاية اللاهوت الكلاسيكي.
 ومعلوم ان كانط أحدث القطيعة مع الانظمة الميتافيزيقية واللاهوتية السابقة وأسس الفلسفة على قواعد علمية محضة. ثم يشرح المؤلف أبعاد المناقشة التي جرت بين المتعصبين المسيحيين أو الاصوليين وبين الملاحدة والاباحيين.
 وينتقل بعدئذ للتحدث عن أخلاقية الحوار والمناقشة. وهذا المصطلح مأخوذ عن الفيلسوف الالماني الشهير يورغن هابرماس، فقد أسس نظرية فلسفية كاملة عليه وأصدر كتاباً كبيراً بعنوان «نظرية الفعل التواصلي».
 وهابرماس يعتقد ان الحوار الحر بين الذوات العاقلة كاف لأن يؤدي الى نتيجة اجماعية طيبة، وبالتالي فالمجتمعات الحديثة يمكن أن تحل مشاكلها عن طريق الحوار الديمقراطي والمفاوضات لا عن طريق العنف والارهاب. وهنا يكمن الفرق بينها وبين المجتمعات المتخلفة التي تراكمت عليها المشاكل منذ قرون عديدة دون ان تهتم بمعالجتها أو حلها.
ولذلك فإنها تشهد انفجارات عنيفة. وهناك سبب آخر لهذه الانفجارات هو القمع السياسي والفكري السائد في هذه المجتمعات، فالضغط يولد الانفجار كما هو معلوم. وانعدام الحوار في مجتمعات العالم الثالث يؤدي بالضرورة الى العنف.
 فإذا ما غابت ثقافة الحوار فإن ثقافة العنف تحل حتماً محلها. ثم يناقش المؤلف بعدئذ فكرة الخير الفطري لدى ديكارت باعتبار ان الانسان بفطرته أو حتى قبل ولادته يحمل داخله استعداداً لعمل الخير.
 ويخصص المؤلف صفحات مطولة لجان جاك روسو. وهنا يتحدث عن صوت الضمير الذي كان يتميز به روسو والذي يمثل أغلى شيء في الوجود. فمن لا ضمير له لا أخلاق له ولا رحمة ولا شفقة في قلبه.
 وجان جاك روسو هو الذي أسس محاسبة الضمير في الفكر الغربي بعد مارتن لوثر وديكارت وآخرين.
 ثم ينتقل المؤلف بعدئذ للتحدث عن نظرية القانون الطبيعي الحديث وهو يختلف عن القانون الكنسي أو المسيحي، فالقانون الطبيعي عقلاني في جوهره ويراعي الحاجيات الطبيعية للانسان ويتفهمها ولا يقمعها.
 وبعدئذ يتحدث عن عصر التنوير وكانط وهيغل، ومعلوم ان القانون الحديث تبلور في تلك الفترة.
 وأما الفصل الثالث في الكتاب فيتخذ العنوان التالي: منهجية التحليل البنيوي والفهم القياسي للعقائد الفلسفية. وهنا يتناول المؤلف تيارين أساسيين من تيارات الفلسفة السياسية الحديثة: وهما التيار الذي يقول بالحتمية، أي ان الانسان مسيّر لا مخيّر، والتيار الذي يعترف بحرية الانسان ومقدرته على تغيير أوضاعه أو تحسينها.
والواقع ان كل علم الاجتماع الحديث ينقسم الى قسمين: قسم يقول بالحتمية وتغلب الظروف الموضوعية على الانسان، وقسم يقول بأن الانسان يمتلك على الرغم من كل شيء هامشاً من الحرية، ولايزال علماء الاجتماع يتصارعون حول الموضوع حتى هذه اللحظة.
 وأما الفصل الرابع من الكتاب فمكرس لدراسة الموضوع التالي: السيادة العليا والاستلاب. وهنا يتعرض المؤلف لمفهوم الديمقراطية لأول مرة.
 ويشرح لنا كيف ان المرجعية العليا أصبحت شعبية بعد أن كانت ارستقراطية.
 ففي العصور الحديثة، أي بعد الثورة الفرنسية حصلت قطيعة كبرى بالقياس الى الماضي فيما يخص الفلسفة السياسية. في الماضي ما كان الحاكم بحاجة الى رأي الشعب لكي يتمتع بالمشروعية. كانت الكنيسة المسيحية هي التي تخلع عليه المشروعية. وأما في العصور الحديثة فإن الشعب هو الذي أصبح مصدر مشروعية كل السلطات في المجتمع،
 فالشعب هو الذي ينتخب الحاكم أو يسقطه عن طريق صناديق الاقتراع. في الماضي لم يكن للشعب أي صوت أو رأي في اختيار حكامه. وأما بعد جان جاك روسو والفلسفة السياسية الحديثة فإنه أصبح هو الذي يقرر من يحكمه أو لا يحكمه. وهنا يتحدث المؤلف عن نظريات هوبز وجون لوك وجون ستيوارت ميل فيما يتعلق بالفلسفة السياسية الليبرالية، أي الحديثة.
 وفي القسم الخامس والأخير من الكتاب يكمل المؤلف حديثه عن أوجه التشابه والاختلاف بين الفلسفة السياسية القديمة والفلسفة السياسية الحديثة. ويضرب على ذلك أمثلة توضيحية في التاريخ الأوروبي على مدار القرون الثلاثة أو الأربعة المنصرمة.