|
Putrus_Halabi
|
 |
« في: 23:36 17/12/2005 » |
|
عن التجربة الشعورية وشخصية الشاعر
بطرس حلبي
ان البحث في قضايا سيكولوجية الأدب ، ممتع تارة ، ومنهك اخرى ، لما يتطلبه من الدقة والتتبع الصابر الجرئ لأدق همسات النفس الانسانية ، ولعل هذا التعقيد متأت من الطبيعة اللاواعية لظاهرة الابداع الفني . وكان لا بد ان يستفيد الأدب من فتوح السيكولوجيا لاعماق النفس الغابرة بالقدر الذي تتيح به ، الطبيعة التكوينية للابداع الأدبي . ان الحياة الانسانية تكاد تكون واحدة في محتواها وجوهرها ، اما الذي يتغير ، هي الزاوية التي ينظر من خلالها الى مظاهر الحياة الحيوية . فالسايكلوجي لا يكتشف منها الا جانبا او جوانب . وكذلك الأدب والاجتماع . وهكذا تنسجم ابعاد الصورة لتبدو اكثر وضوحا ونصاعة. لذلك ليس من الغرابة في طبيعة الأشياء ان يستفيد الأدب وعلم النفس معا ، لان الهدف في كلتا الحالتين واحد ، هو الكشف عن اكبر جوانب ممكنة في الحياة الانسانية ، كما يجد فرويد نفسه وجوب استسلام التحليل النفسي أمام العبقرية الفنية والابداع ..
فكثير من الغموض لف شخصية الشاعر ، منذ اعمق عصور الأدب ، ومما زاد من تكثيف تلك الصورة ، تلك الطبيعة التكوينية للأثر الأدبي الذي اوعز تكوينه الى قوى قهرية غريبة ، وأمام ذلك الغموض ، راحوا يفسرون تلك الشخصية ، بما هو أغمض ، عندما افترضوا وجود قوى روحية غريبة تتصل بتلك الشخصيات . وشاعت بين العرب فكرة ان لكل شاعر شيطانا يوحي اليه الشعر .. يقول ابو النجم العجلي اني وكل شاعر من البشر شيطانه انثى وشيطاني ذكر ولقد سمى العرب شياطين بعض شعرائهم ، مثل ،، مسحل ،، ـبكسر الميم وفتح الحاء ـ شيطان الأعشى ، اذ كانوا يشعرون بالصلة الوثقى بين الكهانة والسحر والشعر وكانوا يعتقدون اعتقادا جازما ، ان الشياطين هي التي تلهم الشعراء ما يجري على السنتهم من اشعار .... يقول الفرزدق .. هما نفثا في في من فمويهما على النابح العادي اشد رجام ،، في الثانية ، بكسر الفاء وتشديد الياء . وقد يكون مفيدا ، ان نعود الى بدايات الشعر العربي في عصوره القديمة ، لنلاحظ انه قد نشأ متدرجا من أناشيد وتراتيل دينية ، ويدل ذلك ما حكاه القرآن عن العرب من وصلهم بين الشعر والسحر وتعاويذ الكهنة في مثل هذه الآيات ،، وقالوا ان هذا الا سحر مبين ، و ،، انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ،، ,, سورة الحاقة ،، . ,, وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون ،، ,, فذكر فما انت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ام يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ، قل تربصوا فاني معكم من المتربصين ،، ,, الطور ،، . تؤيد هذه الآيات ما ورد عن شياطين الشعراء .. كما تؤيده حادثة كعب بن زهير في هجاء محمد ، اذ قال مخاطبا اخاه بجيرا .. سقاك ابو بكر بكأس روية فانهلك المأمور منها وعلكا فكما ورد في اصابة بن حجر ,, وقد اراد الشاعر ب ,, المأمور ،، من يفعل فعلة تلبية لأمر كائن غير منظور ولا بشري ... وهو ان اريد به الهجاء كان بمعنى من على صلة بالجن ... وهذا ما قصده كعب ..وما كانت تقصده قريش اذ كانت تسمي النبي مأمورا وكاهنا ومجنونا كما يستنتج من الآيات التي سلفت ... وكما يعزز هذا الاعتقاد ، سياق الحديث في حكاية كعب وغضب النبي الشديد من هذا الهجو ...اذ تملص الشاعر بعد من لفظة ,, المأمور ،، وابداله بها لفظة المآمون التي تذكرها كتب الأدب عادة اذا ذكرت هذه الحادثة... يمكن مراجعة شرح عبدالله بن هشام لقصيدة ,, بانت سعاد فقلبي ... ومعروف أن كان لكل شاعر شيطانه ، فالشعراء اذا من الذين تنزل عليهم الشياطين .
ويؤكد ذلك ايضا ما يروى عن الشاعر الجاهلي أنه اذا اراد هجاء اعدائه وأعداء قبيلته لبس ثوبا خاصا كثوب الاحرام ,, بكسر الهمزة ،، وحلق راسه داهنا احد جانبيه ومرسلا شعره ذؤابتين ، واعتكف اياما حتى ينتهي من نظم هجائه في هذا الجو من النسك والتبتل وكأنه يؤدي بعض شعائر حجهم لآلهتهم ، حتى يسقط هجاؤه على أعدائه لعنات تؤيدها الآلهة . ومما يدل أيضا أن الشعر الجاهلي نشأ من خلال الطقوس الدينية وما اتصل بها من كهانة ,, بكسر الكاف ،، وسحر وصلات ـ زعموها بالشياطين ، من تراتيل كانوا يرتلونها للآلهة ملتمسين منها النصر لأبطالهم والهزيمة لأعدائهم والعفو والغفران للذين يسقطون في سوح معاركهم . فالمديح مثلا تراتيل للآلهة كي تساعدهم بالظفر على أعدائهم ، وما زالت تلك التراتيل تتطور حتى خلصت الى صور ثناء وتمجيد لأبطالهم الذين حققوا لهم النصر . وكذلك الرثاء ، كان في أصله توسلات للآلهه لكي تهدأ ارواح القتلى في قبورهم ومازالت تلك التوسلات تتطور حتى اتخذت شكل مناقب تضفى على الميت زلفى واستعطافا للآلهة .... وكذلك الهجاء ، فهو أدعية للآلهة كي تصب لعناتها على رؤوس أعدائهم وتؤيدهم في نصرهم عليهم ، كما مر ذكر ذلك قبل قليل .
وقالوا أن مصدر العبقرية هو النسبة الى عبقر ، وهو واد تسكنه الجن ـ في زعمهم ـ تماما كنسبة البرناسيين الى جبل برناس ، ذلك الجبل الذي تزعم الأساطير اليونانية القديمة ، أنه مأوى آلهة الشعر ومسكنهم ... يقول افلاطون في محاورته المعروفة ,, عن الألياذة ،، ...,, أن الشاعر ينظم شعره عن الهام وحالته تشبه حالة الجنون ، فهو لا يصدر في شعره عن عقله . وبذلك كان أول من تحدث عن ابداعه ، كما كان أول من وصمه بأنه مشلول العقل أو بعبارة أخرى بأنه مريض مرضا نفسيا او عصبيا ، لذلك أبعده عن مدينته الفاضلة ، لأنه يضر بالمجتمع الرشيد ، وقال عنه أيضا بأنه كائن غير عملي يتباعد عن الحقيقة ..
وكان هذا ما يميز شخصية الشاعر عن بقية الناس ، وليس من المستغرب أن يكون وصف الشاعر بالجنون ، لعلاقته المزعومة بالجن ، وهذالا يعني ، أن الشاعر يعاني مرضا عقليا بمقدار ما هو تقدير في تفسير القابلية الفذة التي خيل ,, بضم الخاء وتشديد وكسر الياء ،، اليهم انها لا يمكن أن تكون لبشر ..
ويأتي ارسطو ، فينقض ما ذهب اليه أستاذه ,, من أن الشعر يفسد الفرد الصالح بتغذيته فيه عواطف ومشاعر الشفقة والخوف حتى يصبح أسير انفعالات تفسده وتدفعه ، أن يكون مواطنا مثاليا في مدينته الفاضلة . وقد عمل ارسطو على رد هذه التهمة بقوة مستخدما لذلك كلمة التطهير ــ اختلف الباحثون في أصل معناها اليوناني ، فمن قال انها تؤدي عندهم معنى طيبا ، هو معالجة الداء بالداء ، وكان غرض ارسطو ، أن يخلص الى ، أنها تخلص عاطفتي الشفقة والخوف من تضخمها ، فتشيع في ألانسان فيضا من الاسترخاء والراحة ، فالشعر عنده لا يشيع في الناس انهيارا في الأخلاق بل يطهر عواطفها من ادرانها ، ومن كل ضعف وخور ... وبوحي من هذه الفكرة ، مضى هوراس في زعمه أن الشعر يثقف الناس ويمتعهم ، فالشاعر عنده ذو رسالة مقدسة ونفس الهية صافية سامية وعبقرية مشرقة بالقبس الالهي وقد هبط الأرض ليهيئها لعصر أمثل ، وهو رجل المثالية يضيء المستقبل بمشعله كالأنبياء ،، . وظلت هذه الفكرة عالقة في أذهان النقاد حتى القرن التاسع عشر ، فاحتلت مكانها في المباحث الواسعة عن صلة الأدب بالأعمال الجمعية والشعبية للمجتمعات ...
يتبع .....في الجزء القادم .
نحن ألطالبين في كل مكان ، غمار الأفق
لسنا بأعداء لكم
نريد أن نمنحكم كل الرحاب الغريبة
حيث يزدهر السر الخفي ، ويبيح نفسه
لمن يريد اجتناءه
هنالك اوقدت نار جديدة ، وتراءت ألوان
لم تبصرها عين
وأومأت خيالات شفافة
تريد أن تتجسد
فرحمة بنا
رحمة بالمكافحين أبدا ، على مشارف اللانهائية والمستقبل ... ,,, ابولينير ،،،،،....
لا يعرف الشوق الا من يكابده ولا الصبابة الا من يعانيها
............................................
|