عمانوئيل كانت ونظرية المعرفة


المحرر موضوع: عمانوئيل كانت ونظرية المعرفة  (زيارة 8054 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
           
                               عمانوئيل كانت ونظرية المعرفة


يوحنا بيداويد


كان هذا عنوان احد اعظم الكتب الفلسفية التي وجودت في التاريخ، لقد غير عمانوئيل كانت موازين الفكر الانساني منذ ذلك الحين لحد الان حول المعرفة العقلية.كانت نظرة العالم في ذلك الوقت  منصبة على كيفية  تفسير الوجود متأثر بفكر المثالي الذي دشنه افلاطون ، عمانوئيل كانت هناك مشاكل كبيرة بين الفلسفة الميتافيزيقية والمادية في تلك الايام،  حاول عمانوئيل كانت في هذا الكتاب تقليص الفجوة الكبيرة بين المدرستين الفلسفة العقلية والفلسفة المادية وفتح افاق جديدة  في فكر الانساني في معرفة المعرفة
لقد كان هدف عمانوئيل كانت في البداية انقاذ العالم من المبدأ الشكوكية الذي وضعه عدوه اللذوذ دفيد هيوم.
من الاسئلة المهمة التي كانت تطرح بين الفلاسفة حينذاك  كيف تنتقل المعرفة بين المادة والروح، هل هناك مصدر خارجي للمعرفة؟ ام هي نتيجة لتفاعلات الحواس مع المحيط الخارجي؟
لقد طرح بيركلي ةقبل كانت بفترة ليست طويلة  فكرة نكران وجود المادة في العالم واعتبر المعرفة نتيجة لنشاطات العقلية فقط
اما ديفيد هيوم الذي خلف بيركلي نكر وجود المادة والعقل معا ، فوضع المعرفة الانسانية كلها في موضع الشك
اما تاثير جان جاك روسو فكان الاشد على عمانوئيل كانت  حيث ادرك اسبقية الشعور على العقل النظري من خلال قراءته لكتب روسو، فيقول حينما وقع كتاب روسو المشهور (اميل) في يده، في ذلك اليوم لم يخرج كانت لنزهته اليومية تحت اشجار الزيزفون ،ولاول لم يستطيع سكان القرية ضبط توقيت ساعاتهم امام توقيت خروجه  ؟!!
ولما قرأ عمانوئيل كانت في سنة 1775 الترجمة الالمانية لكتب هيوم، روعته هذه النتائج ،فايقضته من نعاسه العقائدي (كما يصفها بنفسه) فاسرع بوضع نظريته الجديدة لانقاذ الدين والعلم من الشك الذي اتى به ديفييد هيوم. هذه كانت مهمة التي كرس عمانوئيل كانت حياته من اجلها  هكذا حيث  يقول انه في هذه النظرية وجود مفتاح لحل كل المشاكل الفكرية.
لكن لابد يسأل سائل من هو عمانوئيل كانت؟
ولد عمانوئيل كانت في كونسبرج في بروسيا الالمانية عام 1724، لم يغادر مسقط رأسه الا فترة قصيرة من عمره. في البداية احب علم الجغرافية ، وعلم اصول السلالات البشرية. تنحدر اصل اسرته من اسكتلندا قبل ولادته ببضع مئات من السنين. تعلم ممارسة التربية والتمسك الشديد بتعاليمها على يد امه التقية لديانة المسيحية في مرحلة طفولته ، مما ادى الى ابتعاد في ايام نضجه من الكنيسة.
كما اسلفنا كان تيار الشك يجتاح اوربا في تلك الايام ، في البداية كان مدافعا قويا عن رجال الدين والفكر اللاهوتي ، لكن سرعان ما انقلب عليهم وتحول من ارائه المحافظة الى مذهب الاحرار التي دافع عنها في ايام الملك فريدرك الكبير الذي سادت بممارسة الحرية ، اقترب السيف من رقبته بسبب هذه الاراء الليبرالية المعارضة للدين لكن  شفعته شهرته الواسعة وشيخوخته الطاعنة في السن.
في النهاية تعهد للملك بعدم الكتابة ونشر ارائه المعارضة لفكر الديني في ذلك الزمان، فبد في سنة 1755 عمله الجديد كمحاضر في جامعة كونسبرج، وبقى في هذه الوظيفة لمدة خمسة عشرة سنة عام 1970 عين استاذا للمنطق والميتافيزيقيا.
لم يتوقع احد ان يخرج من هذا الاستاذ الهادئ المعتدل نظاما جديدا للميتافيزيقية ويهز العالم بأسره، وهو نفسه لم يتوقع ان يكون لارائه هذه الاثر الكبير في اوروبا، عام 1955 كتب نظريته السديمية التي كانت مشابه لنظرية الرياضي الكبير (لابلاس) التي فيها حاول اعطاء تفسير ميكانيكي للكواكب وتطورها
عاش ثمانين سنة على رغم ضعف بنيته بقى عازبا طوال حياته على رغم تفكيره للزواج مرتين، الا انه في النهاية استقر على العزوبة ، يقال اعتقد بأن الزواج سوف ستحول بينه وبين البحث  الامين عن الحقيقة كما اعتقد نيتشه

ما هو المقصود بنقد العقل الخلص؟؟
 لم يعني كانت مجرد نقد ، وانما نقد التحليلي ، لم يهاجم العقل بل دافع عن امكانيات العقل لاسيما الشعور الباطني منها، كان يعني بالعقل الخالص المعرفة التي لا تأتي عن طريق الحواس وليست مبينة على التجربة ، وكأن في بحثه كان يريد ايجاد الجواب لسؤال التالي( هل لطبيعة العقل الفطرية الامكانية للوصول الى معرفة دون اعتماد على ما تنقله الحواس من المحيط).
وكأنه كان يبحث عن براهن تدحض فكرة لوك (ان كل المعرفة لدى الانسان هي مستمدة من الحواس )
الجواب على هذا السؤال يجب ان يأتي ببرهان عن وجود معرفة حقيقة مستقلة عن التجربة وبصورة مؤكدة لا تقبل الشك لدى الانسان. استخدم كانت المعرفة الرياضية لاثبات ذلك  ( فيقول ان المعرفة الرياضية ضرورية ومؤكدة ولا يمكن ان نتخيل بتغيرها مهما زادت معرفتنا في التجربة،
 وهكذا يضرب لنا المثل التالي ( قد نعتقد يومنا ما ان الشمس سوف تشرق من الغرب، وقد نظن ان النار لا تحرق الخشب في عالم اخر ) ولكننا لن نصدق مطلقا ان اثنين زائد اثنين تكون النتيجة غير اربعة) ان مثل هذه الحقائق هي ابدية غير خاضعة للزمن ولالمكان  هي حقيقية لا تحتاج الى الاثبات عن طريق التجربة.
لكن مشكلة كانت من اين يكون مصدر هذه المعرفة ان لم تكن التجربة.
 كان جواب كانت مستمد من تركيب عقولنا الفطري والطريقي الحتمية التي تعمل عليها عقولنا.لذلك توجه كانت الى دراسة التركميب الفطري للعقل والقوانين الفكري الفطرية وسماها بالفلسفة السامية
يقول هناك مرحلتان في عملية تحويل مادة الاحساس الخام الى انتاج الفكر التام
المرحلى الاولى هي تنسيق الاحاسيس الاتية من الخارج واضفاء قالب الادراك الحسي المبني على الزمان والمكان، المرحلة الثانية هي تنسيق هذه المدركات الحسية المتطورة عن المرحلة الاولى بتطبيق انواع الرأي عليها اي وضعها ضمن الحقل المناسب من الجدول حقول المعرفة التي يعمل العقل بموجبها بحيث تخرج مدركات عقلية متطورة.
فالاحاسيس في حد ذاتها ليست سوى وعي للدافع او الحافز، هي مادة خام التي تأتي من التجربة، هذه الاحسا سيس الت هي شبيه بالبرقيات التي تصل القيادة العامة تتجمع من كل القنوات الحسية كي تححد وفي النهاية هوية الشيء وتتحول الى معرفة .
هذه القيادة لا بد من وجود منظمين يقومون بفرز هذه البرقيات الى حقول متنوعة كي تتجمع المعلومات وفي النهاية تمكن القيادة من اتخاذ قرار نهائي بشأنها ، ولا بد وجود موظفين ليس عملهم استلام البرقيات بل تأخذ هذه الذرات الحسية وتصوغ وتسبكها الى معنى من المعاني.
يعتقد عمانوئيل كانت ان هذا المنسق او المشرف العالم في القيادة العامة ما هو الا الجزء الذي نسميه العقل. وان العقل يستخدم عاملين مهمين في ترتيب الخام الحسي القادم من الخارج عن طريق الحواس وهما الزمن والمكان.
فالزمن او مكان  ليس مسطرة تقيس بها الطول والعرض عن طريق عملية المقارنة كما يترأى للانسان، ولكن عملية تنظيم العقل للمعلومات تتطلب وضع استراتيجية  وهنا العقل يضع ابسط طريقية وهي اسبقية وصول الاحساس ومكان الذي اتى منه والمرسل وغيرها من الاوصاف.
لذلك نرى ان كانت ينكر وجود فكرة زمن ومكان خارج العقل ، بل انهما وسيلتين لادراك الحسي وضعهما العقل كي يستطيع قيام بواجبه. واصبحا امران مسلمان بهما عن طريق الاستدلال العقلي، لان كل تجربة منظمة تشملهما وتفترض وجودهما ، وبغيرهما لا يمكن للاحساسات ان تنمو الى ادراكات حسية، لن نصادف تجربة لا تحتاج لا تشملهما ، ولان مسلمان بهما لذلك قوانينهما هي قوانيين رياضية مسلم بهما بالستدلال العقلي، وهذه القوانين مطلقة وضرورية ، عالم بلا بداية او نهاية من حيث الزمان والمكان ، فاصبح امرا يقينا ان المستقيم هو اقصر مسافة بين النقطتين، وهكذا تم انقاذ العلم من الشكوكية التي بثها الفيلسوف ديفيد هيوم في انحاء اوربا
اما افكار الاولية المتناقضة هي اربعة كل واحدة منها نحتوي على ثلاث حالات من الموضوع والموضوع المناقض اي هناك اثني عشرة حقل او لنقل قسم  فكل الاحاسيس التي تصل العقل يتم تصنيفها بحسب هذا الجدول وبحسب كانت ما لايقع ضمن هذا الجدول لا يستطيع العقل ادراكه او تفسيره او سبك فكرة منه لذلك يهمل ونحن نهتم فقط بالتي تناسبنا في تلك اللحظة خاصة التي تخص الخطورة لحياة الانسان
و الجدول هو كما يلي
القسم الكمي يتكون من (الوحدة ،الفردانية، الكلية)
القسم النوعي يتكون من ( الحقيقي، الخيالي ،المحدود)
قسم العلاقات  يتكون من ( المادة والحدث ،الفعل و رد الفعل ،التبادلية)
قسم المشروطية او الشكلية يتكون من (الاحتمالية، والوجودية ، والضرورة)

من النتائج المهمة الاخرى التي توصل اليها كانت في ذلك الزمان هي:

اولا              بخصوص العقل
العقل ليس مجرد قطعة جامدة سلبية من الشمع تشكلها التجربة الحسية كما تريد عن طريق التجربة، بل هو فعال ويلتقي المعلومات فيرتبها وينظمها ويسبكها ويصوغ من الفكر.

ثانيا   الادراكات الحسية والادراكات العقلية
ان الاحاسيس بواعث غير منظمة، والادراكات الحسية هي احاسيس منظمة، والمدركات العقلية هي مدركان حسية منظمة،والعلم هو المعرفة المنظمة، والحكمة هي الحياة المنظمة وهكذا تتصاعد درجات المعرفة والادراك لدى الانسان. اذن الادراكات الحسية بغير المدركات العقلية عمياء.
يضرب كانت مثلا هنا وهو كيف يمكن ان تكون النتيجة مختلفة لرجلان يخضعان لنفس التجربة، الاول يكون عادي والثاني يرتفع بفضل نشاطه الذاتي.
اذن للعالم نظام ، ولكن هذا النظام ليس موجودا في العالم نفسه، ولكن الفكر الذي هو نتاج العقل هو الذي عرف العلم وادركه وهو المنظم له.

ثالثا    وجود المادة و العالم الخارجي
لا يشك كانت بوجود المادة والعالم الخارجي لكنه يؤكد بان معرفتنا عنهما محصورة فقط ضمن امكانية المدركات العقلية اي ما يقع في الجدول الادراكي الذي وضعه، فاننا لا نعرف شيئا يقينا عنهما ما خلا معرفتنا انهما موجودان.

لا ننسى تركت نظرية المعرفة لدى عمانوئيل  تاثيرا كبيرا  لا فقط على اراء الفلاسفة من بعده بل حتى على اراء العلماء في تفسيرهم لبنية الكون ، خاصة على نظرية النسبية لالبيرت اينشتاين في تفسيره لمفهوم الزمن.