كي لا تسقط بابل الثانية من جديد!!


المحرر موضوع: كي لا تسقط بابل الثانية من جديد!!  (زيارة 4998 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                                                    كي لا
                                      تسقط بابل الثانية من جديد!!
بقلم يوحنا بيداويد
11/8/2008
ملبورن – استراليا

امام تيارات العولمة العاتية المفروضة على عالمنا، امام نظريات الفكرية الفجة التي مزجـت الحقيقة بالاسطورة في واقعنا، امام الحروب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المفتوحة علينا عن طريق الدولار وقيمته المتغيرة، امام الصراع الكبير بين المدارس الفكرية القديمة وقيمها المستخلصة من التجارب العملية وبين المدارس الحديثة والفكر الجديد المملوء من الحيوية، المتميز بكافئته العالية وشكله الجذاب، يمتلء الانسان من الخيبة والحيرة في تأملات وافكار مقلقة.  يرتعب الانسان  من الطريق المجهول الذي بلطته المعرفة الانسانية اليوم وحضارتها غير المستقرة التي تعوّدت كفتاة مراهقة  على تغيير فستانها كل ليلة كي توقِع غريمها في شباك انانيتها القاتلة. في كثير من الاحيان أُشّبه هذا العصر بالسيارة المتحركة التي فُقِد السيطرة عليها فما علينا سوى الانتظار لمشاهدة طريقة توقفها.
 ليست هذه المقدمة نظرة تشاؤمية قاتمة عن المستقبل، بل هي وصف دقيق للحقيقة التي نعيش ونمر فيها. فإذا، عدنا إلى الوراء قليلاً ودرسنا سيرة الانبياء والرسل والمفكرين والمصلحين نكتشف ان العالم مر في مثل هذه الظروف سابقا وان كانت على مقياس اصغر، لقد كانوا بالفعل انبياء حقيقين في فكرهم الرائد وروحانيتهم العالية، في حدسهم  الدقيق للمستقبل وقلقهم وحرسهم على البشرية ولذلك كانوا سّباقين الى البحث وايجاد الحلول الموضوعية لمشاكل  مجتمعهم ولوضع التعاليم والافكار التي تُسيرالمجتمع  وبتالي تحميهِ وتصونه من الضياع .وترفعه  من خلال زيادة الوعي لدى الفرد وتحمله المسؤولية بأتجاه اخيه الانسان  وتمنعه هذه المبادئ من السقوط في الخطئية اوالرذيلة اللتين لا تقودانه إلا الى الوراء والعيش بحسب قانون المكيافيلية " الغاية تبرر الوسيلة".  فهؤلاء المصلحون كانوا كالفلاح  المستمر بقلع الاشواك والنباتات الغريبة من حقله  والمستمربحراسة و بترميم سياجه امام اللصوص والذئاب المفترسة .
ان قوة الخير والصلاح في هذا العالم هي دومل في  صراع مرير مع قوة الشر والشعور بالنقص المناقضة لها، هذا الصراع هو من اجل خلق هوية الغد وماهيته وملامح وجوده ومصيره وقياساته. نعم  هناك صراع غريب داخل كل مجتمعاتنا، بين الراغبين في التجديد وبين المتمسكين بالقديم، بين الراغبين بالجريان مع التيار العام دون التفكير، الذي بدأ يقلع كل شيء له صفة الماضي ويزيل اثاره وبين المتمسكين والمكتفين بالماضي من جراء الخوف اوالقلق اللذين يسببان خفقان في قلوبهم ازاء الصعود والنزول المفاجئ في الاخبار المقلقة  غير السارة المتكررة يوميا في عالمناً.
صراع  بين اصحاب الفكر الماضي وقوانينه وقواعدهِ الذي اصبح منبوذاً بسبب إكتفاء الانسان من تطبيقاته في الحياة  كالاقداح التي لا يرغب شرب الماء فيها بعد ظهور اثار التاكل على حافاتها او كالرداء العتيق المرقع الذي لا يحبذ صاحبه ارتدائه فيما بعد.
 يشبه هذا الصراع الموجود في الانسان بين الرغبتين المتعارضتين الموجودتين داخل كل انسان" الذاتية والموضوعية" او شبيه بصراع  الموضوع مع نقيضه عند الفيلسوف الالماني  "هيجل" في  كتابه "علم تجسيد الروح " قبل قرنين من الزمن. 
نعم، التجديد مهم لا بل هو أمر لا مفرّ منه، فمهما التصقنا بالماضي وزاد حنينُنا إليه وتقديسنا لقيمه، ومهما بكينا على اطلاله ومهما ذكرنا مواقف ابطاله الا ان العالم في تغير مستمر لا محال ، فهو كالماء الجاري في نهر الذي لا يستقر الا في البحر، فالعالم يسير، ويسير للامام فقط، والتغير يشمل كل شيء قديم فهو كالنارِ الذي يلتهم كومة القشِ.
وان سرعة التغير عند البعض كبيرة كالبرق بحيث لا تسمح لهم لفهم الولادة الجديدة لاي فكرة او الة او جهاز او نظام  حتى خرجت فكرة مجددة لهم. مما يجعل اكثر من نصف العالم جاهلا عن ما يحدث في العالم وكيفية حدوثه او الهدف من وجوده بسبب سرعة التغير الكبيرة التي تحدث هذه الامور في العالم.
لذلك لا يفيد الانسانية اليوم الا نظام التغيير الانسيابي و ان التغييرالاضطرابي هو السبب الاول لكثير من مشاكلنا سواء كانت اقتصادية او اخلاقية او اجتماعية او سياسية ، فالاضطراب هو كالفيضان الذي لا يترك فرصة لاغتنام الفائدة من المياه، بل يتحول الى قوى الشر في جرفه للاشجار والبيوت و الارواح وكل ما في طريقه.
ان سرعة التغير التي نتكلم هنا هي مقاسة بحسب الفترة الزمنية التي استغرقها الانسان في العصور الغابرة في إكتشافاته، ربما سرعة الاكتشاف في اليوم الواحد الان تقابل الالاف السنين او ربما الملايين السنين لذلك العالم بحاجة الى كبح  هذه السرعة  العالية على الرغم من كلفتها او صعوبة السيطرة عليها الى نطاق الانسيابية .
نعم الانسيابية هي الحل الامثل لواقعنا. كي يتم خلق حالة ضمان سلام وامان لاجيال القادمة في المستقبل، وبدونها قد تنفصل حلقات الوعي لدى الانسان بعضها عن البعض ويفقد الانسان قابليته للتفاهم مع اخيه بسبب سرعة التغير والخلط واللغو التي تحصل ، وربما تتحق مقولة (التاريخ يعيد نفسه) فتسقط الحضارة الجديدة مثلما سقطت مدينة بابل العظيمة.  وتضيع رموز القيم والقوانين والمنطق والاهم من كل هذا يختفي السلام والامن في العالم بمجرد انهيار في بورصات او حدوث خطأ الكتروني.

ما فائدة التجديد ان لم  يكن هناك حاجة لدى الانسان إليه، او يكون تجديدا دون ان يتذوّق الانسان مرّهِ او حلاوتهِ، فعلى سبيل المثال لا زال عدد قليل من اماكن العالم يعيش في الظلام الحضاري ويمنع عن مشاهدة التلفزيون، وفي الطرف الاخر من العالم، دخل المجتمع الغربي جيل الثالث من انظمة الاتصالات.
 فالحكمة هنا  ليس في سرعة التجديد بل الحكمة في فهم الغاية منم تجديده  او وجود ضرورة حتمية للتجديد الشيء وادراكه و تذوقه وكشف اغواره  وإلا سوف نقفز مراحل او حلقات مهمة من المعرفة تؤدي بالتالي الى انفصال الماضي عن الحاضر وتضيع الحقائق والمبادئ التي تعلمناها من التجربة والخبرة سابقا، ويرجع الانسان الى نقطة البداية حينما اكتشف النار ومعنى الموت واهمية القبور وقيم الاخلاق. هذه الحلقات هي مهمة كما ظن هيجل وغيره من علماء الاجتماع والفلاسفة، لا بدَّ من مرور عقل الانسان في محطاتها وتحمّل معاناتها كي يصل الوعي الى كماله فيها،  ففيها  يندمج الموضوع مع نقيضه في هويّة وماهية جديدة متّحدة معا. قبل ان يبدأ عصرجديد من الصراع ضد نقيض .
لذلك مشكلة الانسان اليوم تبقى في الخطر القادم بإسم الحداثة والحضارة المتغيرة بطريقة غير انسيابية والتخلف الذي لا زال يخيم بظلامه الدامس على شعوب كثيرة بإسم الدين والقبلية والقومية والاخلاق والقيم المندثرة اوالمنحطة. وحلها ليس إلا بالتغيير الانسيابي الشامل الهادئ الذي يبدأ من ثلاث محاور مهمة سوية هي التعليم والثقافة لا سيما تعليم مبادئ حقوق الانسان الشاملة للاطفال واصلاح الاقتصاد العالمي بتثبيت قيمة الدولار وبقية العملات او اي صيغة اخرى، وبدء الحوار بين الاديان وقبول الاخر المختلف والتحاور معه بدون قيد او شروط  من اجل حماية الانسانية من الاخطار القادمة مثل التلوث البيئوي والتحلل الاجتماعي وفساد السياسي والغلاء الاقتصادي وحالته غير المستقرة.




غير متصل احمد الباحث

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 549
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
مشكووووووووووووووور