ميـلاد المجــد
قرداغ مجيـد كندلان
ليس أحد من المؤرخين عند ذكر نسب أحد البشر قد ارتقى في ذلك النسب صاعدا بمقدار ما ارتقى الانجيليون عندما حرروا نسب السيد المسيح . فالميلاد بالنسبة للسيد المسيح جاء في انجيلي متى ولوقا كحدث سمائي،ينهي على تسلسل المواليد التأريخي عن أدم وحواء،لينطلق بميلاد الانسان الجديد يسوع من الله رأسا وبواسطة عذراء قديسة حملت به بالروح القدس، ودعي ابن الله عن حق وأصالة ليصير للبشريـة أدم الثاني من السماء فكان بكرالخليقــة الجديدة أبا للبشرية ومتبنيها لله أبيه . فمتى بدأ من ابراهيم وحتى وصل الى يسوع المسيح، واما لوقا بدأ من يسوع المسيح حتى بلغ بها الى الله .
فلذلك عند تلاوتك هذا النسب يظهر لك أنك تشاهد سلم يعقوب أبي الاباء . فإن سلم يعقوب كانت ملائكة الله يصعدون عليها حتى السماء وينزلون حتى الارض وكذلك فإن أجداد السيد المسيح يصعدون بها حتـى يبلغون الى الله وينزلون بها حتـى يصلوا على يسوع المسيح نفسه الذي تأنس على الارض .
وعند التدقيق في الفصلين الاولين من انجيل متى نكتشف بأنه رسم وجه يسوع انطلاقا من وجه موسى . فقد رأى يوسف حلما ، مثل عمرام والد موسى ، يبشره بولادة الطفل ، وكما أن فرعــون الذي انتابه القلق بعـد رؤيته حلما يخبره هو ايضا بهــذه الولادة ، جمـع مستشاريه ... كذلك يضطرب هيرودس ويجمع أورشليم . وكما فعل فرعون بقتلـه الاطفال ليضمن إبادة ذلك الطفل ، كذلك أمر هيرودس بقتل أطفال بيت لحم . وعلى مثال موسى نجا يسوع من القتل وأقتيد الى مصر ثم عاد منها لكي يستكمل الخروج : "من مصر دعوت ابني" ( مت 2: 15 ) . كما أن البشير لوقا قـد أجاد في انجيله حين جعلنا نكتشف للحال ، ومنذ البشارة ، بأننا إزاء طفل هو منذ الحبل به " ابن العلي " ( لو 1: 32 ). وسرعان ما تصبح امه وقبل الولادة " أم الرب " ( لو1: 43 ) ،على لسان اليصابات . ويبلغ الكشف أوجه عبر بشرى الملاك للرعاة بميلاد يسوع : " أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب " . (لو2: 11)
أما البشير مرقس فقد أدرك عن ايمان ودعي وشهد وسجل أن المسيح هو " ابن الله " وهو جوهر الميلاد الالهي من العذراء ، وصير هذا الايمان والاعتراف والشهادة رأسا لانجيلـه وألفه ومبتداه ، سجلهـا أول آية فيه : " بدء بشارة المسيح ابن الله " (مر 1:1) . لذلك ان غابت في انجيله تفاصيل الميلاد إلا أنه لم يغب عنـه مضمونها الالهي وجوهرها اللاهوتي.
وكما أختص انجيل مرقس بصوت المعمدان الصارخ في البرية كبداية لسيرة السيد المسيح.
أما البشير يوحنـا فان مقدمة انجيله تخطت الميلاد الجسدي وتخطت سيرة الخدمة وطارت فوق هامة التاريخ والزمان فيما وراء الاباء والانبياء وابراهيم وأدم والارض والسماء وكل الخلائق والاكوان ، لتحط على حضن الله في الازلية في جرأة لا يدانيها جرأة نبي أو ملاك .
وهناك وفي أعماق الله رأى البشير يوحنا وعاين " الكلمة " مصورا فيه كل مشيئة الله مـن جهة الخلق والخلاص وحتى التجديد : في البدء كان الكلمة والكلمة كان لدى الله والكلمة هو الله"( يو 1: 1 ) .
ان ميلاد السيد المسيح حدث سماوي بالدرجة الاولى، حقق حلم الاتسان كما جاء على لسان أشعياءالنبي مخاطبا الله : " إنك لاله محتجب يا اله اسرائيل المخلص"(اش45: 15 ) ،"ليتك تشق السموات وتنزل " ( اش63: 19) . وهو حلم كحلم طفل ان تكتمل عين الانسان برؤية الله وهو معناه ، فصمم عن رضى أبيه ان يتراءى لنا في هذه القامة عينها أول ما يتراءى وكأنه نزل حالا من ملكوته . لذلك اختار الله مريم العذراء ليصير الكلمة جسدا في احشائها ووقف الملاك ليبشرها بهذا الحبل الالهي والميلاد الملوكي وأخبرها بالنعمة التي وجدتها أمام الله : " فقد نلت حظوة عند الله " ( لو1: 30 ) ، وملأ قلبها بالفرح قائلا : " افرحي أيتها الممنلئة نعمـة " (لو1: 38) ، وكرر باتحاد الله مع البشر إذ قال : " الرب معك "
( لو1: 38) ، وبشر بالبركة قائلا : " مباركة أنت في النساء " ( لو1: 40) . ثم أوضح للبتول أن سر تجسد الكلمـة قد اكتمل بحلول الروح القدس عليها : " ان الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تظللك ، لذلك يكون المولود قدوسا وابن الله يدعى"(لو1: 35).
ونطق الملاك باسم يسوع قائلا :" وستلدين ابنا فسميه يسوع " ( مت 1: 21) . وأضاف الملاك : " هذا سيكون عظيما وابن العلي يدعى ويوليه الرب الاله عرش أبيه داود ويملك على بيت يعقوب أبد الدهر ، ولن يكون لملكه نهاية " ( لو1: 32-33) .
إن التنوع العجيب في الاحتفاء بولادة الطفل يسوع كان اولا اشترك الملائكـة ممثلي أهل السماء ، ثم الرعاة ممثلي الفقراء ، وكذلك المجوس ممثلي الاغنياء والعلماء والاشراف وممثلي الامم الوثتية ثم سمعان الشيخ ممثل الاسرائيليين الاتقياء وحنة ممثلة الانبياء والنجم ممثل الطبيعة غير العاملة .
ونحن جميعا نظل دائما وابدا نحتفل في قلوبنا وعقولنا بميــلاد المجــــد ... [/b]