رامبو..شاعر في مهب الريح..


المحرر موضوع: رامبو..شاعر في مهب الريح..  (زيارة 3873 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل رحيم العراقي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 372
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رامبو..شاعر في مهب الريح..
« في: 08:41 24/12/2005 »
 
  شاعر التصقت بموهبته الفذة لعنة الفنان. والفنان المبدع عمليا سيما العبقري هو المحكوم بعدم الاسترخاء. ويمكن ترجمة الاسترخاء في الحياة بصور عديدة، منها الاستسلام لسهولة الحياة، الاسترخاء في البنيان، والاستقرار على ما خطه أو انتهجه الآخرون من أعراف وقوانين لا تخدم في المحصلة سوى مصالح فئة محدودة من المجتمع. وربما من سلم عقله للآخرين ليفكروا عنه ويخططوا له مسار حياته.
 ورامبو الشاعر الذي ارتبطت به صفة المتشرد، ولد في شارلفيل في فرنسا في 20 أكتوبر عام 1854، وكان الابن الثاني لقبطان المشاة فريديريك رامبو وزوجته فيتالي غويف.
 كانت طفولة رامبو منذ بدايتها وحتى نهايتها، مشحونة بالتوتر، سيما بعد هجر الوالد لعائلته عام 1860 واختفائه من حياة أبنائه، ليبقى آرثر في إطار عالم والدته الأرستقراطي المتشدد والمتزمت وهو نقيض عالم والده المحاط بالثقافة والأدب والمتمثل في مكتبة المنزل الزاخرة بشتى أصناف الكتب.
 في طفولته كان قارئا نهما، وتلميذا متفوقا ولامعا، حصد الكثير من جوائز التقدير. كان الأساتذة يقدرونه إلا أنهم كانوا يلحظون بين الحين والآخر شيئا ما في نظرته ينم عن الاغتراب.
 وفي السادسة عشرة من عمره بدأ يكتب قصائد باللاتينية، وحينما أدرك أستاذه جورج إيزامبارد موهبته المتميزة أتاح له فرصة مطالعة جميع الكتب المتوفرة في مكتبته الخاصة كما شجع إلهامه الشعري.
 نشأت صداقة بين التلميذ والمدرس، وبدأ رامبو التأليف وإعادة كتابة قصائده وإرسالها إلى الشاعر الشاب بول ديمني الذي تعرف إليه عن طريق أستاذه.
 وفي عام 1870 نشرت مجلة «لو ريفيو بور توس» أول قصيدة له كتبها عام 1869 بعنوان «أيتام صندوق عيد الميلاد». وللأسف ساهم اندلاع الحرب الأهلية في تعقيد حياة هذا الفتى ذي الطاقة الكامنة التي تفوق مقدرته على لجمها. فنتيجة للحرب توقفت الكتب والمجلات والصحف من الوصول إلى مدينته شارلفيل، مما جعل آرثر يشعر بالاختناق والمعاناة ولطالما انتقد تلك المدينة في رسائله.
 كان هذا الحصار الفكري بمثابة شرارة اندلاع طاقته الكامنة وثورته الداخلية، ولم يتردد في الانقياد لرغبته الجامحة في الهرب عدة مرات ليعود بعد أن يكون الجوع والفقر قد استنزفاه. ولم تتمكن ثورة الشعب في باريس في 18 مارس التي كان معها بجوارح قلبه من استقطاب تلك الطاقة.
 وفي خضم الثورة بات آرثر فتى فوضويا عنيفا حيت ترك الدراسة بعد شعوره بالملل من الروتين الأكاديمي. وبدأ حياته كمتشرد وسلم قيادة نفسه للريح. كان يترجم عن قلقه وثورته الداخلية بمختلف أساليب الرفض، مثل شرب الكحول وانتقاد سلوكيات الناس من حوله والسخرية من نمط حياتهم الزائف، ومن ظلمهم للفقراء بصورة وقحة وفجة.
 وقد شرح في رسالتين لصديقيه المدرس والشاعر الشاب، تلك الفوضى التي هيمنت على جميع حواسه ويقول، «لقد باتت القصيدة بمثابة وسيط لذاك الهيجان المتسع الذي يبرر فوضى جميع الحواس».
 كان رامبو يتأرجح بين الانجذاب إلى المطلق وبين الميل إلى اليأس، هرب من المنزل المرة تلو الأخرى. في الأولى اتجه إلى بلجيكا لقربها من حدود مدينته، وبعد مضي بضعة أيام عاود الهرب إلى باريس حيث تم القبض عليه وسجنه بسبب تحايله على القانون من خلال استخدامه لبطاقة ترام غير صالحة.
وبعد إطلاق سراحه، توجه مباشرة إلى دواي. كان يجوب الشوارع والمقاهي مع صديقه ارنست ديلهاي. وتناولت قصائده في تلك المرحلة الأحداث والمشاهد اليومية التي كان يصادفها والتي كانت تستفزه.
 وفي نهاية صيف عام 1871، كتب إلى الناشر الباريسي فيرلين الذي أعجب بقصائده. وتحت تأثير سحر موهبته دعاه الناشر إلى باريس وكتب له، «تعال أيها العزيز ذو الروح العظيمة، فأنت مدعو ونحن في انتظارك».
 ولم يكن رامبو ينتظر ما يزيد عن ذلك ليسرع حاملا معه متاعه الوحيد وهو قصيدته الشهيرة «القارب الثمل» التي كتبها قبل زمن قصير. أقام رامبو مع عائلة زوجة فاليري الحامل. إلا أن تصرفاته البعيدة كل البعد عن سلوك المجتمع الراقي أدت إلى انزعاج العائلة. وانتهى به الأمر في الإقامة لدى بعض أصدقاء مضيفه.
 ويبدأ فصل جديد من رحلة ضياعه وتمرده على ناموس الحياة. ونتيجة للعلاقة الملتبسة بينه وبين فاليري يغادر الإثنان إلى لندن عام 1872 ويستقرا فيها. وهناك عاد فاليري إلى إدمانه على الكحول وبدأ الاثنان يتجولان بلا هدف. وبعد أقل من سنة تحولت صداقتهما إلى صدام وجدال لتنتهي بدراما. تمثل ذلك حينما أخبر رامبو صديقه الثمل بقراره في الرحيل بمفرده مما دفع فاليري إلى إطلاق رصاصة من مسدسه باتجاه رامبو التي أصابت كتفه. وهنا انتهى به الأمر بالسجن لمدة عامين.
 كتب رامبو بعدها قصيدة «فصل في الجحيم» التي وصف فيها تجربته تلك وأبعادها. ويذكر بأنها كانت قصيدة الشاعر قبل الأخيرة إذ لم يكتب بعدها سوى النثر، أما قصيدته الأخيرة هي «الإشراقات» وتتميز بغموضها المستعصي.
 وبعد حين بدأ التفكير بتوجه جديد في الحياة في إطار العمل على تكوين ثروة والتمكن من العيش كما يريد هو لا الغير. وبفضل توصية من صديق، حصل على عمل في وكالة استيراد وتصدير وكان حينها في السادسة والعشرين من عمره. ولم يستمر رامبو في عمل واحد إذ كان دائم التنقل، واستقر أخيرا في أثيوبيا وتاجر بتهريب السلاح وتعاون مع تجار الرق في إحدى المراحل.
 كانت الرسائل التي كتبها لعائلته وأصدقائه حينما تتاح له الفرصة، تصف الكآبة التي هيمنت عليه وذلك من خلال وصفه للصعوبات المالية التي واجهته إلى جانب صدامه بشأن أسلوب المراسلات التي كان يعترض على نمطها ويسعى إلى تقديم تصور جديد لها.
 وحينما تمكن رامبو أخيرا من جمع ثروة لا بأس بها لتحقيق حلمه في العيش كما يريد سيما بعدما وصل إلى مرحلة من السكينة وهدوء السريرة، لم يحقق له القدر هذه الأمنية إذ اعتلت صحته وعانى من آلام شديدة في ركبته. تلك الآلام دفعته للعودة إلى فرنسا في 9 مايو 1891، حيث تبين وجود ورم في الركبة تطلب بتر الساق. وبعد معاناة مع المرض امتدت لستة أشهر توفي هذا الشاعر العظيم في إحدى مستشفيات مارسيليا في 10 نوفمبر من ذات العام.