نكتب ما نؤمن به وليس ما يُسعِدُ الأب الفاضل
د . وديع بتي حنا
wadeebatti@hotmail.comيبقى ( الإسقاط ) احدى الظواهر التي حاول الاخصائيون في علم النفس والطب النفساني معالجتها بالدراسة والتحليل , ولكن يبدو ان ( الإسقاط ) يتحول حقا الى ظاهرة خطيرة عندما يُصٍرُ شخص ما على إستخدامه , بوعي تام , متوهما بانه يحقق المخرج الأمن من المأزق الذي وضع نفسه , مُخيًرا , فيه . وهنا تكمن بالتحديد لبًُ المعضلة التي يعاني منها الاب الفاضل عمانوئيل يوخنا , مع شديد الاعتذار لشخصه , فهو على الدوام يصطدم بنفسه وبالقارئ , بورقته وقلمه , نتيجة وقوعه اسيرا في غرام الشخصنة , مولعا بها , مُتهما في نفس الوقت الاخرين بارتكاب الفاحش معها . عجبي , ان يشعر بالضجر مَنْ يحسب انفاس الاخرين عندما يطلب منه احدهم ان يسحب شهيقا عميقا ويطرح زفيرا معتدلا !. لكي نكون واضحين مع الاب الفاضل ونضع النقاط على الحروف ردا على الجزء الاخير من مقاله الموسوم ( لنتحاور في قضايانا ) , نقول اولا ان القارئ الكريم وابناء شعبنا الذين يتابعون مايُنشر على المواقع الالكترونية واجهزة الاعلام الاخرى هم الحكم والفيصل في قياس درجة استقلالية وحيادية كل كاتب , لان الاستقلالية والحيادية تبقى نسبية تؤشر المواقف وتحكم عليها سلبا او ايجابا , يمينا ويسارا , دون ان تفقد بوصلة الاعتدال , بينما تكون الاستقلالية والحيادية المطلقة إبحارا في بحر الضبابية والعمومية ومحاولة حثيثة للسير بجانب الجدار , في حين يكون الانحياز والتحزب المطلق ضربا من ضروب القفز على حقائق الواقع وحكما يفتقر الى الدقة . وهكذا اؤمن يقينا ان الاب الفاضل عمانوئيل يوخنا , وهو المتابع المواضب كما يبدو لما نكتبه , يعرف حقا اننا لانمتلك عقدة شخصية مع احد , ومستقلون واحرار في ارائنا , وقررنا ( الترمٍل السياسي ) منذ زمن طويل بقناعتنا التامة وبمحض ارادتنا , وليس في بالنا ان نضع سعرا للمزايدة على قلمنا , واختلافنا مع هذا او ذاك هو اختلاف على الموقف السياسي ليس إلا , والاب الفاضل يتذكر جيدا انني ,وبمنتهى السعادة والاعتزاز, ارسلت الى شخصه رسالة من خلال بريده الالكتروني مهنئا بمناسبة تكريمه من قبل منظمة حقوق الانسان , ولم اكن اجامل بقدر ماكنت اقصد في المعنى كل كلمة وردت في الرسالة , كما ان الاستاذ الفاضل والاخ العزيز تيري بطرس يتذكر جيدا رسالة التحية التي ارسلتها الى شخصه اشارة الى التقدير والتثمين لمقال كان قد نشره وقد وجدت فيه افكارا تضعنا على الطريق الصحيح. ان مشكلة ( النخبة ) تكمن في انهم ينظرون الى الاخرين , انهم تلاميذ يجب ان يعتمدوا نظامهم الصارم في ( التغذية المدرسية ) فيتناولون ما يُقًدم لهم ويتغذون به ثم يعيدون تلقينه كالببغاء , ليستحقوا بعد ذلك ان يغرفوا ما استطاب لهم من ( العفْيات ) . اما المتمرد الذي يحاول الاقتراب من ( الحجر الاسود ) , ويقول مالايناسب ( جيمس بيكر ) فهو يتكلم هراء , والويل كل الويل له , ولابد من معاقبته باصدار فتوى هدر افكاره وارائه تحت راية اتهامه بالشخصنة !. تقول بعض الاساطير العربية ان اصل كلمة ( اخ ) جاءت من الفعل اللا إرادي الذي يقوم به الانسان عندما يتعرض الى موقف او مصيبة او ألم , فيذهب صائحا ( أخ ) . وهكذا يبدو ان الاب الفاضل عمانوئيل بيتو قد تخيًل صدى ( أخ ) تصل اليه من اربيل الى المانيا , إثر مقالنا قبل شهور والموسوم ( نمرود بيتو وسهل نينوى , وهب الوزير مالايملك ) , فوجد نفسه يتعهد بالانتقام , وهكذا اعتاد بعد نشرنا ذلك المقال ان ( يُدعْبل ) في كل ما ينشره لاحقا مايُشير الى انه يُسدد قسطا من فاتورة الانتقام , هنا لا انكر حقًه في فعل ذلك , فاذا لم ينتقم الانسان لاخيه فلمن يفعل ذلك ! , ولكنني لا اتمكن ان انسى اننا جميعا قد اصبحنا بنفس القدر اخوته وابنائه بحكم الكهنوت السامي الذي يحمله !, ناهيكم الى اننا , كشعب , نفتقر الى غريزة الانتقام اصلا .
يعتب علينا الاب الفاضل عمانوئيل يوخنا اننا وصفنا ماجاء به من الحجج بشأن الحكم الذاتي بالسطحية في الطرح والتناقض والانتقائية والدوران حول الحلقة وافتقاد الجرأة على ملامسة الجوهر , وقد غاب عن الاب الفاضل انه وفي مقاله الاخير , موضع الرد , قد اضاف الى ذلك حجتين جديدتين تؤكدان حكمنا السابق , الاولى تتمثل في ( البرهان الساطع ) الذي يقول فيه الاب الفاضل ان عدم وجود الحكم الذاتي في مسودة دستور اقليم كردستان دليل على بطلان مزاعم البعض في ان المشروع هو كردي المنشأ , ان هذا الطرح يقود بما لايقبل الشك الى واحدة من حقيقتين , الاولى هي النظرة الدونية الى المتلقي انه طفل في روضة السياسة معزول عن العالم المحيط , والثانية ان المتلقي حاذق وفطن لحركة الواقع وان الاشارة القادمة تحمل من السطحية في الطرح ما يرقى الى مستويات قياسية . هدف هذا البعض , وكما قلنا سابقا , انه يرى غايته في دفع الاخرين الى الزاوية الحرجة ليقولوا حقيقة يفهمها هذا البعض جيدا عسى ان يحقق قولهم للحقيقة عنصر التصادم مع الجانب الكردي , وتلك لعبة لن يرحم التاريخ اطلاقا ( ابطالها ) على عواقبها الشخصية والمؤسساتية , لاسمح الله . ان دعم الاخوة الاكراد لشعبنا في مطالبه واهدافه بصورة عامة بمافيها الحكم الذاتي , بالشكل الذي يختاره شعبنا , نقول ان هذا الدعم هو جهد يستحق كل التقدير ولكن بعض المراقبين وفي الجهة الاخرى ولأجل صقل المعادن , كانوا يتمنون ان تسحب القيادة الكردية يدها , فقط للتجربة , من الحكم الذاتي المطروح , لنرى كيف سيتغير مغيٍر السرعة ( الكير ) لدى القسم من ركاب موجة الحكم الذاتي . ان اعادة نشر مسودة دستور اقليم كردستان التي اشرنا اليها سابقا يؤكد مانقوله , فاعادة نشر المسودة في الزمن الحاضر يؤكد على شرعيتها حاضرا , علما بان هذه المسودة هي قيد التعديل , كما يشير الاب الفاضل , ويعتبر اعادة نشرها بصيغتها القديمة , وهي قيد التعديل , تهميشا لعمل اللجنة المكلفة بذلك وبمطالب اعضائها . ألم يكن حريا بممثل شعبنا في هذه اللجنة وباقي الاحزاب المعروفة ان يصدروا بيانا يُعبٍرون فيه عن موقفهم تجاه اعادة نشر المسودة قبل ان تُنجز التعديلات الاخيرة عليها , كما اصدروا سابقا بيانات بسرعة البرق على مواقف وقضايا اخرى , أم ربما يرى هؤلاء ان مطاليب شعبهم ليست مهمة بهذا القدر فتتقدم عليها مصالح اخرى !.
الحجة الاخرى التي جاء بها الاب الفاضل هي وجود سقفين من المطالب وان الدستور سيتبنى احداهما وهكذا فان السقف الادنى سيعيق السقف الاعلى ! . اذا كنتم ترون ان اصحاب السقف الادنى ليسوا إلا ( شرذمة صغيرة ) معزولة جماهيريا محدودة النفوذ وان الناس تدخل في دين الحكم الذاتي , الذي تهدفون اليه, افواجا واسرابا , فلماذا الخوف والخشية من السقف الادنى , اما اذا كنتم تقبلون من الاخرين ان يعاملوا شعبنا , في اهدافه ومطاليبه , على اساس انه رغيف خبز, لهم الحق في انتقاء ( الحار والمكسًب والرخيص ) فيه , فعلى ذلك يضع المرء على علاقاتكم الغير متكافئة الف علامة تعجب واستفهام . انني في الوقت الذي ارى ان على الحركة الاشورية مراجعة موقفها ازاء قضية تثبيت الحكم الذاتي في الدستور العراقي وفي دستور الاقليم كمطلب عام , ارى في الوقت نفسه ان دعوة بعض الاطراف وبالحاح الحركة الاشورية الى الإنخراط كليا في مشروع الحكم الذاتي بشكله المطروح ليس بدافع الخشية من اعتماد السقف الادنى , بل يعبر عن المأزق الحقيقي لهذه الاطراف عندما ترى امامها ان الاستمرار في هذا المشروع وحتى النهاية سيتركها تتحمل المسؤولية التاريخية لألياته ونتائجه بمفردها , اما الاخفاق فيه فسيؤدي ايضا الى تقييد الفشل لحسابها فقط , ولذلك فهي تبحث في الحالين عن شريك يقاسمها المسؤولية اوالفشل . ان مشكلة دعاة وانصار الحكم الذاتي انهم لازالوا يختلفون على صيغة الحكم الذاتي والياته فكل طرف من اطرافه يغني على ليلاه , ويطالبون في الوقت نفسه من الاخرين موقفا محددا . صحيح جدا ان الاستاذ الفاضل جميل روفائيل قد نقل إلى شعبنا , مشكورا , معنى الحكم الذاتي كما فهمه من الاستاذ سركيس اغاجان , وهي صورة مشرقة للحكم الذاتي , لكنني شخصيا لم اتمكن لحد الان ان اتصور كيف سيتمكن الاستاذ سركيس اغاجان من التوفيق بين الالتزامات التي وردت في مقال الاستاذ جميل روفائيل بشأن اليات الحكم الذاتي الذي يهدف اليه , وبين اليمين الذي اقسم عليه كوزير في حكومة اقليم كردستان والذي ينص على المحافظة على وحدة ارض وشعب كردستان العراق !
مرة اخرى يتهمنا الاب الفاضل بتقويله مالم يتفوه به , ان الاب الفاضل وفي غمرة انتشائه بإطلاق العنان لمشاعر القلب على حساب لحظات استرخاء في اجهزة الجسم الاخرى يعود ليحاسبنا على تسجيلنا تلك اللحظات لاحقا . وهكذا فهو يعاتب في اننا كتبنا انه اتهم الاستاذ يونادم كنا في انه احد اسباب الخلاف الكردي – الكردي , واعتبر الاب الفاضل هذا تجنيا وتقولا غير دقيق على الاطلاق . يا أبتي الفاضل , عندما تقول وبالنص ( ان السيد يونادم كنا كان اداة اليكتي في ساحة البارتي ) فهل كنت تقصد ان يونادم كنا كان ساعي بريد ينقل رسائل الحب والغرام بين الطرفين , أم انه كان ينشر الوئام والسلام بينهما ؟!. ان من اعتاد على ان يقتات من الصراع بين ( اليكتي والبارتي ) , حسب قولكم ايها الاب الفاضل , لابد انه كان حريصا على ادامة نيران الصراع ضمانا لخبزه ! . لا اريد ان اقول شيئا بل اترك للقارئ الكريم الحكم في ذلك , فقد وجدت ان ماجاء به الاب الفاضل في النص اعلاه , واستنادا الى تقييمه العام للسيد يونادم كنا , تتيح التفسير على انه احد اسباب الخلاف الكردي – الكردي , ثم ايها الاب الفاضل عندما تقول ان السيد يونادم كنا عمل ويعمل على تأليب المهجر الاشوري ضد الشعب الكردي والقيادات الكردية ومصالح الشعب الكردي ومبدأ الشراكة معه . فكيف لايحاول ايضا , ومن اجل الاهداف التي ذكرتها , الى تفجير البيت الكردي من الداخل وتعميق الخلاف بين اطرافه ما استطاع الى ذلك سبيلا !. لقد كنتم كريما مع الرجل في لائحة الاتهام فمابالكم تبخلون عليه ( بتهمة صغيرة ) هي تحصيل حاصل ولاتقدم ولاتؤخر ! اما مسألة الاهتمام بمصير الشعب والاداء الفاشل لللاعب السياسي فهي نصيحة ثمينة نتمنى ان تلقى صدى لدى الجميع وفي المقدمة منهم اؤلئك الذين خرجوا صِفْر اليدين من التصفيات الاولية في مسابقات سابقة وشملهم الزحف بأبهى صوره !
ويتهمنا الاب الفاضل بالافتراء ثانية بسبب القول انه قد مارس الانتقائية في معالجة موقف المراجع الكنسية من الحكم الذاتي . ان الاب الفاضل يعرف جيدا ان اية معالجة دقيقة لموقف الكنيسة من الحكم الذاتي تستلزم التعريج على مواقف جميع فروعها , سلبا او ايجابا , واعني هنا الكنيستان الكلدانية والسريانية , بقسميها , اضافة الى الاشورية بشقيها , اما اذا كان الاب الفاضل مقتنعا في ان جزءا من الكنيسة الاشورية فقط , علما بان قداسة البطريرك ماردنخا قد طالب بالحكم الذاتي وفق الية تختلف عن التي يدعو اليها الاب الفاضل , هي التي تؤيد فقط المشروع , فان ذلك يضع انصار الحكم الذاتي في موقف محرج حقا كون ثقل كبير جدا من الكنيسة سيكون محسوبا , استنادا الى معالجة الاب الفاضل , على انه جهد متحفظ او مضاد للحكم الذاتي . ان الاب الفاضل يعرف جيدا انه قد مارس الانتقائية في هذا الشأن مُجبرا وليس مُخيًرا , لانه يكتب باسمه الصريح وهو احد كهنة احدى الكنائس ويريد ان يُجنٍب نفسه المساءلة القانونية والاخلاقية الناجمة عن التعرض او حتى التحدث عن مواقف مراجع كنسية لايأتمن الى ردود فعلها , فغالبا ما يلجأ الاخوة الاعزاء في ( النخبة ) الى الكتابة عن هذه المواقف باستخدام اسلحة الاسماء المستعارة كما حدث قبل اسابيع في التعرض لنيافة الحبر الجليل لويس ساكو مطران كركوك للكلدان .
لايسعني إلا ان اقدم الشكر الجزيل للاب الفاضل عمانوئيل على قراره الرشيد باضافة ملحق بمقاله الاصلي يتضمن اقتباسا كان جوابا على سؤال عن الحكم الذاتي في سياق استضافة لي في موقع ( مجالس حمدان ) , داعيا الاب الفاضل الى العودة الى مقالات كثيرة وبرامج تلفزيونية عديدة ليتأكد بأُمٍ عينيه بانه هو ذات الموقف نكرره على الدوام , وبإمكانه الرجوع الى الاستاذين العزيزين جبرائيل مركو وشمشون شابا حيث جمعتنا معا برامج تلفزيونية واعلنت هذه المواقف على الهواء مباشرة , فهذا الموقف بالذات ليس افرازا لتطور الحوار مع شخصكم الفاضل , ولايصح ًُ تجييره لحسابكم كما جرت العادة , دون ان انفي فائدتي , في ملاحظات اخرى , من هذا الحوار.
بقيت نقطة اخيرة أبت خلال هذه الايام ان تفارق مخيلتي من هول الدهشة التي اصابتني وانا اقرأ للاب الفاضل في خاتمة مقاله وهو يدعو القارئ الكريم للمقارنة بين اسلوب مقال لي في الرد على الاخ عمانوئيل خوشابا وبين اسلوب المقال الاصلي و ( رزانته ) والذي حمل توقيع السيد خوشابا , فكانت صدمة حقيقية لي لم اتوقعها على الاطلاق ان تلجأ شخصية ذكية ماهرة ذائعة الصيت بين صفوف شعبنا مثل الاب الفاضل عمانوئيل يوخنا الى المدح والاطراء على مقال كان له شخصيا , على الاقل , اليد الطولى في كتابته , إن لم يكن أب المقال بلا منافس !. والاب الفاضل يعرف قبلنا , بل وينبغي ان يُعلٍمنا , ان مدح النفس وإطرائها يقود الى نتائج عكسية كارثية .
وختاما , ولأن خلفيتي العلمية الفيزيائية لاتمنحني منجما للبركات او حتى صلاحية توزيعها , فانني اتوجه بكل صدق الى الاخ العزيز والاب الفاضل عمانوئيل يوخنا ان يُصلًي الى الرب , له المجد , من اجلنا جميعا , ويستغفر لنا وله .ويسأله ان يهدينا جميعا سواء السبيل لما فيه خير شعبنا , ويمنحنا القدرة ان نجاهر دوما بالحقيقة والحق , سائرين على خطاه , له المجد , مَنْ كان دائما يبتدأ تعاليمه قائلا , الحقً الحقً اقول لكم . .