من يدلنا على الخطأ في محاكمة صدام؟
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com عندما يكون الناس، جميعهم متفقون معي(يقول اوسكار وايلد)اشعر كما لو اني على خطأ، وهذا الالتباس يجد تعبيره الآن في ما طرحته وتطرحه محاكمة صدام حسين واركان حكمه، حين شقّت ما هو خطأ الى سلسلة مما يبدو انه صح، ووزعت ما هو صح الى طائفة غريبة قد تظهر بوصفها اخطاء.
بل يظهر في نهاية البحث عن الصح والخطأ انه لم يعد ثمة خطأ أو صح في مجريات هذه المحاكمة الفانتازية، ولا يعرف احد حدود القانون وقواعد العدالة مقابل حدود الانفلات والبلطجة..من هو الضحية ومن هو الجلاد؟
ما الذي يفرّق بين مراسم التجاوز عن مراسم الالتزام؟ أو المسافة بين التعدي على الحياء والذوق العام وبين احترام الحياء والذوق العام؟ وأي معنى لحق الدفاع عن النفس ولحق الدفاع عن الضحايا؟ فالجلاد يملك جميع الحقوق بما فيها حقوق التمثيل، علنا وبالصوت والصورة، بجثث الضحايا، والشهداء لا حق لهم حتى الاحتفاظ بصفتهم شهداء سوى انهم (قتلى) في السياقاتالمهذبة للمحكمة و(مجرمون) على لسان برزان، وقبله البندر.
المحاكمة شفافة الى ابعد حدود الشفافية لدرجة انك لا تجرؤ على خدش وجناتها باية طعون، وعصرية الى ما لانهاية له من التصوّر بحيث ظهر متحدث في البيت الابيض يرد على وقائعها، ومهنية الى اقصى ما تتضمنه المهنية من معاني لدرجة ان يصبح قاتل محترف مثل برزان التكريتي محاضرا فينا، وان تتحول قاعة المحكمة بمن فيها قاضي القضاة والادعاء العام والمحامون والشهود وبضعة مجندات امريكيات يقفن وراء الكواليس، وربما ملايين العراقيين في منازلهم، الى جمهور مهذب ومطيع، وقل الى تلاميذ مدرسة مسحورين بما يقدمه المحاضر من كشوفات في الفكر وعلم السياسة والاقتصاد والمجتمع.
والمحكمة تضرب مثلا في التسامح و"عفا الله عما سلف"..والاصح انها تعدّ رقابنا لمثل هذه المذبحة، ليس لأن جريمة الدجيل تعود الى ربع قرن من السنين، بل لأن حيتان قفص الاتهام لم ترتوي بعد من دمائنا.
حسنا، ليس المهم، ما هو الصح وما هو الخطا، واين مكان القانون من مكان الجريمة، ولماذا يُمنع الادعاء العام والشهود من عبور حاجز القضية(الجنائية) الى خارجها ، فيما يسمح للمتهم بالتجول خارج الحدود بكل حرية؟
نقول: ليس هذا كله مهم.. بل المهم ان يرضى صدام حسين واخوه غير الشقيق برزان التكريتي عما يجري على المسرح، وقبل هذا، ان يكونا راضيين عن حُسن الاستماع لهما، وروعة التفاعل معهما، وعن ضمان وصول صوتهما الى الامة عبر لاقطات شديدة الحساسية اعدّها متخصصون امريكان، وان يكونا مطمئنين الى مجريات المحاكمة التي يعقدانها، هما، لنا، لتجريمنا ثم لإعادة اعدام ضحايا الدجيل مرة اخرى بعد ضم الشهود الذين افلتوا من الموت اليهم، مع فاصل اعلاني للتمثيل بالجثث، وهو حق المتهمين الذين هم " ابرياء حتى تثبت ادانتهم" وينبغي ان يكون مصونا بكفالة الوجود العسكري الامريكي، حتى لا يساء الى سمعته التي يجري ترميمها، بواسطة هذه المهزلة، بجهد جهيد.
ولأن المطلوب هو استيعاب ما يجري باعصاب هادئة تضاهي اعصاب القاضي رزكار محمد امين فنحن نستبعد-هكذا يجب- بما نعرفه من تعريفات قاموسية للصح.
ولأن المحاكمة هي محاكمة العصر فانه، بالنسبة لنا، لا قيمة لما هو صح وما هو خطأ، وهي حصانة اكتسبناها- لحسن الحظ- من مجريات المحاكمة لمن قتل بيدية وباوامره مائة وثمان واربعين عراقيا، ونأمل ان نتمتع بهذا البرود الجميل حين ينهض خمسة الاف طفل وامرأة وشيخ، ضحايا مدينة حلبجه، من تحت التراب ليتحدثوا عمن القى عليهم بالغازات الكيمياوية القاتلة..
انذاك سنقول للضحايا: معذرة ، نحن في محكمة عصرية، تعتمد الشفافية والمهنية، وسنقول لهم انها قضية جنائية لا دخل فيها للسياسة، وسنقول للجميع، انتظروا دروسا اخرى يلقيها علينا صدام وبرزان والغزاوي والنعيمي، فنحن احوج ما نكون لمن يعطينا دروسا في آداب الاستماع.
ــــــــــــــــــــــ
"الذين يحولون الحكام الى طغاة هم نحن".
علي امين [/b] [/size][/font]