بوشــكـيـن..


المحرر موضوع: بوشــكـيـن..  (زيارة 3856 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل رحيم العراقي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 372
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
بوشــكـيـن..
« في: 09:03 27/12/2005 »
 
  مؤلف هذا الكتاب هو الناقد والأكاديمي الانجليزي ت.ج. بينيون، وهو هنا يقدم كتاباً مهماً وممتعاً جداً عن حياة أكبر شاعر روسي الكسندر بوشكين، ومعلوم أن حياته لم تكن تقل مأساوية وإثارة عن أدبه وأشعاره. فقد عاش الحياة شعراً ومات بشكل شاعري فاجع، بل بشكل أقوى من الشعر كما سنرى.
 ومنذ البداية يقول المؤلف: ولد الكسندر بوشكين في موسكو عام 1799 في عائلة ارستقراطية كبيرة، وكان عمه مثقفاً كبيراً وشاعراً معروفاً، وهو الذي زرع في نفسه حب الأدب الكلاسيكي الفرنسي الذي تعرف عليه منذ الطفولة وأصبح مولعاً به. وقد درس في ثانوية شهيرة مخصصة لأولاد النبلاء، وتربى على أفكار الحرية وحب الوطن ونظم الشعر ثم نبغ بسرعة وفرض نفسه على أقرانه، وراح يعيش حياة اللهو والاستمتاع لفترة من الزمن في مدينة سان بطرسبورغ الرائعة، وهي محاطة بالمياه من كل الجهات تقريباً،
 ولذلك يشبهونها بالبندقية في إيطاليا. ويبدو أن توجهاته الأدبية الأولى كانت ثورية ومضادة لأفكار الطبقة العالية التي ينتمي إليها، لقد كانت توجهاته ليبرالية، أي متأثرة بأوروبا الغربية وعصر التنوير والثورة الفرنسية. وقد غضبت عليه السلطة ونفته إلى جنوب روسيا، حيث بقي بين عامي 1820 ـ 1824، ثم استلمته عائلته وأجبرته على البقاء في المنزل أثناء اندلاع الثورة ضد القيصر، وكانت تعرف أنه يرغب في المشاركة فيها، ثم تغيرت الأمور بعدئذ وانفتحت السلطة عليه وعندئذ استدعاه القيصر إلى العاصمة لكي يشتغل لديه كمؤرخ رسمي للبلاط وهكذا انتقل من النقيض إلى النقيض بعد فشل الثورة الليبرالية.
 ثم يردف المؤلف قائلاً: في عام 1831 تزوج بوشكين من فتاة رائعة الجمال تدعى ناتالي غونتشاروفا. وراح يعيش معها حياة القصور والصالونات الارستقراطية في موسكو ويبدو أن البلاط راح يحيك بعض المؤامرات ضده من أجل الإيقاع به. وقد أدت في نهاية المطاف إلى حصول تلك المبارزة الشهيرة التي أدت إلى مقتله وهو في الثامنة والثلاثين من عمره. على هذا النحو انتهت حياة الكسندر بوشكين مؤسس الشعر الحديث وهي نهاية فاجعة في عز الشباب.
 ولا تزال تثير الألم في نفوس الروس حتى الآن ولكن كيف حصلت هذه النهاية؟ يقال إن أحد النبلاء الفرنسيين المقيمين في موسكو أغرم بزوجته وحاول مغازلتها، واعتبر بوشكين هذا العمل إهانة له أو انتقاصاً لشرفه فتحداه وطلبه للمبارزة وكانت تلك هي العادة السائدة آنذاك.
 وقد تمت المبارزة بالمسدسات لا بالسيوف كما كان يحصل في القرون الوسطى وهنا يكمن الطابع الوحشي لهذه العادة السخيفة التي انتهت من أوروبا الآن لحسن الحظ. ولكن للأسف فإن بوشكين أخطأ منافسه في حين أن هذا الأخير لم يخطئه فأصاب منه مقتلاً ولكنه لم يمت إلا بعد ثلاثة أيام من ذلك التاريخ وكانت فجيعة للأدب والثقافة والإنسانية كلها.
 ثم يردف المؤلف قائلاً: كان بوشكين أول كاتب روسي يعيش من قلمه ولو جزئياً. وكان قد بذل كل جهده لتنشيط الحياة الثقافية في روسيا بعد عودته من المنفى فقد رفع مستواها عن طريق كتابة العديد من المقالات النقدية في الجرائد الكبرى.
 والواقع أن بوشكين أدهش عائلته منذ الطفولة بمقدرته على حفظ أكبر قدر ممكن من القصائد وترديدها عن ظهر قلب. كما وأدهشهم بمدى سعة إطلاعه على الأدب الفرنسي وبخاصة مؤلفات موليير، وفولتير، وسواهما، ويبدو أنه كان نهماً للقراءة والمطالعة ولا يشبع من الروائع. ومن المؤكد أنه اطلع على قصائد اللورد بايرون وكذلك على أدب شكسبير.
 وقد تفتحت موهبته الشعرية بشكل مبكر جداً. فمنذ سن الخامسة عشرة نشرت له مجلة «رسول أوروبا» أولى قصائده. ومعلوم أنه دخل إلى وزارة الشؤون الخارجية كموظف عام 1816 ولكن القيصر غضب عليه وفصله من الوظيفة ونفاه إلى جنوب البلاد لبضع سنوات بسبب نشره لقصائد ثورية مضادة للسلطة وكناقد ذكرنا ذلك آنفاً.
 وهذا دليل على أنه كان يتميز بطبع متمرد يرفض الخضوع للاستبداد ويعيش الحرية فقد كان بإمكانه أن يعيش مترفاً مدللاً بدون أية هموم أو متاعب لأنه ينتمي إلى أعلى الطبقات الاجتماعية ولأن السلطة كانت مستعدة لفتح كل الأبواب أمامه. ثم لأنه كان غنياً لا ينقصه شيء.
 ولكنه رفض كل هذه الإغراءات والتسهيلات واختار الطريق الصعب: طريق الشرف، والأدب، والدفاع عن المظلومين والمضطهدين وهنا تكمن عظمته وسبب المكانة الكبيرة التي استحقها داخل الآداب الروسية. ثم يردف المؤلف قائلاً: ونلاحظ أن تأثير اللورد بايرون ينعكس على كتابه: سجين القوقاز (1821)، وهو يصف فيه التقاليد العريقة للشعب الشركسي الذي يسكن تلك الجبال الوعرة؛ جبال القوقاز.
 وفي دواوينه الأخرى يتحدث عن أجواء الحريم الإسلامية في منطقة «كريميا» التي نفي إليها لبضع سنوات كما ويظهر تأثره بالقرآن الكريم في بعض نصوصه الجميلة والأساسية وفي قصائد أخرى يتحدث بوشكين عن شعب الغجر الذي خالطه وتعرف عليه وأعجب به وبالتالي فقد كان منفتحاً على كافة التأثيرات الأدبية والفكرية والروحية. ولكنه، وتحت تأثير الأدب الفرنسي لفولتير، نشر قصائد مضادة للدين، وهذا ما أثار عليه غضب القيصر والكنيسة الأرثوذكسية.
 فقد كان هذا العمل يعتبر من المحرمات آنذاك. وتنقسم أعمال بوشكين إلى ثلاثة أقسام: القصائد، المسرحيات الدرامية، النثر، ومن القصائد نذكر: أشعار. مجموعة قصائد، ذكريات إلى تسارسكوي سيلو (1814)، الحرية (1817)، الإعصار (1827)، الفرقان (1828)، صباح شتائي (1829)، السيل العارم (1829)، الغجر (1824)، الخ..
 ومن المسرحيات الدرامية نذكر: بوريس غودونوف، مأساة تاريخية (1825)، ضيف بطرس (1830)، الفارس البخيل (1836) وفيها تأثر بشكسبير، موزار وساليري (1830)، الوليمة في زمن الطاعون (1830)، الخ. وأما فيما يخص كتاباته النثرية الرائعة فيمكن أن نذكر روايته غير المكتملة والتي نشرت تحت عنوان: عبدالقيصر بطرس الأكبر (1827)، وبنت القبطان (1836)، الخ.
 ويعترف جميع النقاد بأن بوشكين هو الذي أسس الأدب الروسي الجديد عن طريق تحريره من التبعية للآداب الأجنبية على الرغم من تأثره بها كلها، وبفضل هذا التأثر بالذات. فقد كان يعرف كيف يتخلص من التأثر بالآخرين لكي يبدع طريقه أو أدبه الخاص. وكل الكتاب الكبار الذين جاؤوا بعده كانوا من تلامذته. نذكر من بينهم غوغول، وديستويفسكي، تولستوي.
 ومعلوم ان ديستويفسكي ألقى خطاباً شهيراً في موسكو بمناسبة الاحتفال بذكراه، وقال بما معناه: لقد كان بوشكين كاتباً كونياً لانه كان روسياً حقيقياً، وكان روسياً حقيقياً لأنه كان كاتباً كونياً. فالكونية ليست ضد الخصوصية على عكس ما يتوهم ضيّقو العقول وإنما هي توسيع لها أو تكميل أو تعميق.
 فبوشكين لم يستطع أن يتوصل إلى الكونية إلا بعد ان هضم تراثات الآداب الأخرى كالأدب الفرنسي، والانجليزي والعربي وصهرها كلها في بوتقة الأدب الروسي والشخصية الروسية.
 والواقع ان بوشكين كان حالة فريدة من نوعها في تاريخ الآداب الكونية. فبإمكاننا أن ندرس الآداب الفرنسية، والانجليزية، والألمانية، والايطالية، والاسبانية، من دون أن نشير إلى كاتب واحد يكون قد أثر على كل من لحقوا به. أما بالنسبة للأدب الروسي فلا نستطيع. فكل من جاء بعد بوشكين مدين له بشيء ما.
 ومن المستحيل ان نتحدث عن كبار الأدباء الروس الذين جاؤوا بعده بدون ان نذكره. لا ريب في انه كان يوجد أدب روسي قبل بوشكين، ولكن الأدب الروسي الحديث ولد معه. هذه حقيقة لا جدال فيها. لقد كان بوشكين أنقى وأصفى شاعر روسي في زمنه، وهو الذي أسس المسرح الروسي الذي كان بدائياً أو فقيراً جداً قبل ظهوره.
 ثم يردف المؤلف قائلاً: كما أنه هو الذي دشّن الرواية التاريخية في روسيا عندما كتب قصة «بنت القبطان» وكذلك كان أول من كتب الرواية الخيالية والشعر الشعبي الذي يسرد الحكايات العامية المنتشرة في تلك البلاد. كان ديستويفسكي يقول: كلنا خرجنا من معطف غوغول.. ولكن ألم يكن معطف غوغول منسوجاً من قميص بوشكين ألم يكن بوشكين هو الذي ألهم زميله الأصغر منه مواضيع رواياته وبخاصة روايته الشهيرة: «الأرواح الميتة»؟
وحتى تورغنييف تأثر به في العديد من كتاباته. نقول ذلك على الرغم من أنه عاش معظم حياته في الغرب. ولم يكن يتردد على روسيا إلا من حين لحين. ويمكن القول إن واقعية ديستويفسكي المهووسة متأثرة به أيضاً.. ورواية تولستوي الشهيرة «الحرب والسلام» استمدت أفكارها من قصة بوشكين «بنت القبطان».. وبالتالي فأهمية بوشكين ليست بحاجة إلى برهان أو دليل. انها واضحة كالشمس الساطعة.
 والواقع ان هذا الرجل الذي كان لاهثاً وراء الكتابة كان لاهثاً أيضاً وراء الحياة. فقد كان ينتقل من محبوبة إلى أخرى، وكان مولعاً بلعب القمار، وثأئراً ضد السلطة الإمبراطورية للقيصر. وهذا ما أدى إلى نفيه لبضع سنوات قبل أن يعود إلى موسكو بعد موت القيصر السابق وصعود نيقولا الثاني على العرش. ثم وقع بعدئذ في حب أجمل فتاة في موسكو، وهي التي ستقوده إلى حتفه..
 ثم يختم المؤلف كلامه قائلاً:
 ويمكن القول إن سقوط بوشكين وهو في عزّ الشباب ساهم في تشكيل أسطورته. فلو انه عاش طويلاً لاضطر إلى تكرار نفسه من خلال كتابات عديدة، ولكان الناس قد ملّوا منه. أما وقد مات وهو في أوج الإبداع فإنه ترك وراءه ذكرى عطرة، ذكرى لا تمحوها الليالي ولا الأيام. لقد حصل له ما حصل للشاعر الانجليزي الكبير: اللورد بايرون الذي سقط في عزّ الشباب أيضاً دفاعاً عن اليونان وحريتها واستقلالها.. وهكذا يموت الشعراء الكبار وهم في عمر الزهور.