أضواء على الأحداث
مقابلة مع خبير في القانون الدستوري
الدكتور فائز عزيز أسعد
المسيحيون العراقيون والدستور والمواطنة

أجرى المقابلة ظافر نوح كيخوا
في خضَّم التساؤل والقلق اللَّذَين يُميِّزان هذه الحقبة من تاريخ العراق، حول موضوع كتابة الدستور وما يُثيره من شجون وتداعيات، توجَّهت مجلة الفكر المسيحي إلى المحامي الدكتور فائز عزيز أسعد، وهو ذو باعٍ طويل في الرؤية القانونية، إضافة إلى الرؤية الفكرية والسياسية، وله كُتب ومقالات عديدة في الشؤون الدستورية نشرها وأصدت لها مجلتنا، وبعض القنوات الفضائية، من أشهرها "المفهوم السياسي لعلو الدستور" و "انحراف النظام البرلماني في العراق 1925 - 1958" و "نظرة في النظم الدستورية والسياسية العراقية"، نشير على القارئ بالعودة إليها للإستزادة. لكننا أردنا، في هذه المقابلة، تسليط الضوء في نقل تساؤلات وصلت إلى مسامعنا من القرّاء حول الدستور ودور المسيحيين العراقيين. وقد سبق وأصدت المجلة لهذا الموضوع في مقابلة مع الدكتور حكمت حكيم، الخبير والعضو في لجنة صياغة قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية (389/390- 2003، ص 214). في هذا التركيز نبتغي تقديم توضيح للرؤية الحقيقية والمستقبلية لما يعاني منه العراق اليوم من ضبابية في قراءة الواقع السياسي، وموقف السلطات الكنسيّة من ذلك.
J : يبدو أنه بصفتنا مسيحيين عراقيين نقف بين تيّارين: موقف السلطات الكنسية وموقف الأحزاب القوميّة المسيحية، فيتبادر إلى الذهن سؤال بخصوص تقسيم المسيحيين إلى قوميات، وقد ذكر الدستور ثلاث قوميات: كلدانية، آشورية، وسريانية. وجاء رفضٌ من البعض على ذلك، فما هي رؤيتك في هذا الخصوص على أبعاد هذه المرحلة، وما هو تأثيرها؟ - برز في العراق، بعد سقوط النظام السابق، تيّاران، الأول: تيّار وطني عراقي يؤمن بمبدأ "المواطَنة"، وهو غالبًا تيّار ليبرالي لا يعترف بدور للقوميات والأديان والمذاهب في العمل السياسي العام، برغم إيمانه بالدين والقومية. لكنّه يعدّ العمل السياسي العام دائرة وطنية كبرى، أما الحالتان الدينية والقومية، فيعدّهما دائرة صغرى تخص الفرد وأتباع هذه الجماعات. بمعنى أنّه لا يحق للدائرة الصغرى أن تفرض إرادتها على الدائرة الكبرى، ولا يحق للدائرة الكبرى - أي الدولة - أن تفرض إرادتها على الدوائر الصغرى. وهذا يخدم الجميع فلا تخضع الدولة لهيمنة فئة واحدة من المجتمع، ولا تخضع القوميات والأديان لهيمنة الدولة. من المؤسف أنَّ هذا التيار يبدو الآن ضعيفًا غير متماسك، برغم الكثرة العددية للمؤمنين به. والتيار الثاني: هو التيار "الفئوي" القائم على الفرز القومي والديني والمذهبي، وقد فرض نفسه بقوّة على الساحة السياسية العراقية. لقد هيمن هذا التيّار، لا بقوة فكره - فهو ضعيف فكريًا - بل بقوة تنظيمه وبقدراته الماديّة. ويتحمل التيار الليبرالي جزءًا من المسؤولية بسبب ضعفه هو وعدم قدرته على توضيح فكره السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
إنَّ هذا المشهد السياسي الحالي - بل القائم منذ سقوط النظام السابق - قد أضرَّ بالمسيحيين من جهتين، الأولى: أنه أبعد المسيحيين عن ممارسة دور فاعل في الحياة السياسية، والثانية: أنه أوقع بعض المسيحيين في فخ الفئوية نفسه، وبعضهم كان مهيأ للعمل من هذا المنطلق. من الغريب أن تجد من يُطلق عليهم وصف "أقليّة" يدعون للفكر الفئوي، فهذا فكر يقود إلى هيمنة الفئة الأكثر عددًا، فكان يُفترَض بالمسيحي أن يكون أول الداعين للفكر الوطني العام، (إضافة إلى أنه هو الفكر الصحيح). وعليك أن تعلم أنَّ الفكر الفئوي يقود إلى التمزّق حتى داخل الفئة الواحدة نفسها، وهذا ما نجده في العراق. لقد نظر "فولتير" أيام احتدام الصراع الطبقي في فرنسا، قبل الثورة الفرنسية وخلالها، ووجد أنَّ هذه الطبقات قد انقسمت على ذاتها، فقال: "أرى الآن أُممًا داخل الأُمة". ونحن الآن أُممٌ داخل الأُمة العراقية. وها هم المسيحيون يقسّمون أنفسهم، ويتوزّعون على قوميات أساسها طائفي، فهم قد أوجدوا "فئوية مركَّبة"، كما فعل مجلس الحكم، وانجرَّ العراق إلى ما هو عليه.
على مَن تقع مسؤولية الحفاظ على الوجود المسيحي أو تفعيله وطنيًا؟- ما حدث حتى الآن من تفتيت للدور المسيحي الوطني، هو نتاج الفكر الفئوي الذي حوَّل التسميات الكنسيّة إلى قوميات: كيف اعتبروا الكنيسة الكلدانية قوميّة؟ وكيف اعتبروا الكنيسة السريانية قومية؟ لستُ أفهم. فهذه كنائس نشأتْ تاريخيًا باسم طقوسها وهي تستخدم اللغة السريانية كلغة طقسية، ولكن هذا لا يعني أنَّ أتباعها يحملون قومية كلدانية أو سريانية. فأنت تعلم أنَّ المسيحيين في العراق يتوزعون على قوميات عديدة، ففيهم الآراميون (الناطقون باللغة السريانية كلغة أصلية) والآشوريون الذين يرون أنفسهم قومية مستقلة برغم لغتهم السريانية، وفيهم العرب الذين يحاول البعض إنكارهم برغم وجودهم التاريخي في اليمن والعراق والشام قبل الإسلام وبعده، وفيهم التركمان، وفيهم الأرمن، ولست أعلم إن كان يوجد أكراد مسيحيون. إذن، المشكلة ليست فقط في ترسّخ الفكر الفئوي، بل في خلق أو اصطناع قوميات وهميّة تقوم على الأساس الطائفي، الذي هو مرفوض في الأصل، فكيف نأتي الآن ونكرِّسه كقومية؟ أسألك: كيف تكون الطائفة الكلدانية قومية وفيها، عدا الآراميين، العرب، الآشوريون الكاثوليك، التركمان، ومن هم من أصل انكليزي/هندي، والأكراد ربما؟ هذا مَثَل لا غير. إذن، لقد كان المطلوب نبذ الطائفية ونبذ التمييز القومي داخل الجسم المسيحي، واليوم نواجه اصطناع قوميات طائفية، وهذا هو الذي سيقود إلى التشتت والضياع.
إنَّ الحل هو في الاندماج ضمن التيار الوطني العام، وإلا ستكون السلطة الكنسيّة والأحزاب الفئوية مسؤولة أمام الله والشعب عن النتائج. لقد برزت الآن وبوضوح، لدى بعض القادة من السياسيين العراقيين، فكرة "المكونات الثلاث للشعب العراقي" وهم الأكراد والشيعة والسنة، وهذه فكرة مدمِّرة، وهي تعني أيضًا إهمال المكوّنات الأُخرى، وهذه هي النتيجة التي حذَّرْنا منها منذ البداية، فماذا ستفعلون؟ خلاصكم الحقيقي في الحالة الوطنية، لأنها تعترف بالجميع.
هل علينا، ونحن في هذه الحالة، أن نتكتّل ونتقدّم كتيّار مسيحي، ونرفض تمثيلنا من خلال حصَص وتقسيمات معيّنة؟ - قبل أكثر من شهر طلب مني أحد الأحزاب الوطنية أن أدخل في لجنته المركزية، وأنا مسيحي. ماذا يعني هذا؟ يعني أن أؤدّي دورًا ما، وهو ضمن توجـّهي الوطني، وبرغم ذلك اعتذرت لأني أعمل على توسيع التيار الوطني وتأسيس قاعدة فكرية راسخة له، فقلت لهم: "إذا أتيت معكم في اللجنة المركزية، فسوف تحذَر مني الهيئات الوطنية الأُخرى التي أعمل معها للوصول إلى بناء التيار الوطني العام. سيقولون: إنّك تُمثِّل حزبًا"، أما الآن فأنا أتكلم باسم تيار وطني عام، فيقبل الناس كلامي لأني لا أمثِّل مصلحة حزبية.
هذا بالضبط ما أتمناه للمسيحيين، أن ينطقوا باسم الوطن، وينادوا بمبدأ "المواطَنة"، ويعملوا ضمن التيار الوطني، وسيفلحون بإذن الله. أما التقوقع فهو تهميش وضياع، وسيجد المسيحيون أنفسهم في الزاوية غير المرئية من الدار. بل هم هكذا الآن.
ولكن، الفرز السياسي القائم الآن على التوزيع الطائفي، والذي انجرَّ إليه حتى البعض من الإخوة السنة وانتبه إلى خطره الآخرون منهم ومن الشيعة والأكراد، قد يقود المسيحيين إلى التكتل، مُرغَمين غير راغبين. ولكن إن حصل هذا - وأرجو أن لا يحصل - فسيكون الإسم المسيحي هو الواجب أن يُعلَـَن وليس أي اسم طائفي أو قومي (حقيقي أو وهمي).
أليس من واجب السلطة الكنسيّة عدم التدخل في الشأن السياسي المباشر، بل تكتفي بالتوجيه الوطني العام. وفي الوقت نفسه، هل إعتماد القوى السياسية المسيحية على الوحدة الممكنة بين الكنائس، أعني بذلك الكلدانية والآشورية والسريانية، كآمال مستقبلية للمسيحيين، أم هذا وهم في المجال السياسي، وهل هو في صالحنا؟- نعم، الكنيسة مؤسّسة إجتماعية مثلما هي مؤسسة إيمانية، ولا تستطيع أن تتخلى عن دورها الإجتماعي وبضمنه الدور السياسي، ولكن هذا الدور السياسي يجب أن لا يتعدى نطاق التوجيه للخير العام، وليس للمسيحيين فقط. هذا ليس كلامي بل كلام العقيدة المسيحية، وكلام الدستور المجمعي بالنسبة إلى الكاثوليك في الأقل. ولهذا ليس لأي سلطة كنسيّة أن تُسهم مباشرة في النشاط السياسي، ولكنها تطلب من أتباعها الإنتشار وإظهار الروح المسيحيّة في كلِّ نشاط سياسي، لأنَّ المسيحي، في كلِّ عمل، شاهد للصلاح، ويجب أن يكون شاهدَ حق لا شاهدَ زور. وهذا هو الشأن أيضًا مع المؤسسات الدينية الإسلامية وكل مؤسسة دينية.
المشكلة الكبرى الآن، هي الدور السياسي المتزايد لرجال الدين في العراق، وهذا خطر على الدين والدولة. فرجال الدين ليسوا مؤَهّلين للقيادة السياسية، وسيهملون مَهمّاتِهم الدينية والاجتماعية التوجيهية، فتكون النتيجة خراب الدين والدولة، وفي التاريخ كلّ العِبَر. وسأقول لك شيئًا: إذا أردت أن تخُرِّب دولة فسلِّمها إلى رجال الدين، وإذا أردت أن تُخرِّب دينًا فسلِّط عليه رجال الدولة.
لذلك يجب أن يمارس كلّ مِن رجل الدين ورجل الدولة دوره الحقيقي، ولا جمعَ بينهما. ومن هنا جا مبدأ الدولة المدنيّة (لا أرغب مصطلح العَلمانية لغموضه لدى الناس). إنها ليست ضد الدين، بل على العكس إنها لا تمسّ الدين، بل تترك شأنه للناس لأنَّ الدين للشعوب.
أما بالنسبة إلى الشق الثاني من سؤالك، أرجو أن تلاحظ أنَّ ما يُغيظني هو الربط بين وحدة الكنيسة من خلال إلغاء التمييز المذهبي، وبين جمع بعض المسمَّيات الكنسيّة العراقية (الكلدانية، الآشورية، السريانية)، بدعوى أنها عمليّة توحيد كنسي أو مسيحي. وهذا هو الوهم، وهذا هو الخطأ. فالمسيحيون، كما قلنا، ليسوا هؤلاء فقط، وإلا أين ذهبت كنائس كالأرمن واللاتين والروم؟ أليسوا مدعوّين إلى الوحدة المسيحية؟ إذن هذا موضوع آخر، لا علاقة له بالوضع السياسي للمسيحيين. يجب عدم الخلط. وفي الوقت نفسه، لو قلتَ إننا نوحِّد هذه الجماعات الثلاث فنقول: (كلدو آشور سريان)، فهل يعني هذا أنك وحّدتَ هؤلاء؟ كلا، فهذا توحيد تلفيقي أو توليفي ظاهري، وسيبقون يتصارعون داخل هذا الاسم حول القيادة! وهذه هي الحقيقة: ما يحدث الآن هو السعي نحو القيادة مهما كانت، وهذا يذكـّرني بالمثل العربي: إمارة ولو على الحجارة. وأنا لا أتمنى لكم هذا، بل أتمنى لكم إمارة حقيقية ضمن إمارة الوطن.
يطالب الناس بالمواطَنة، وفي الوقت نفسه يجزّئون أنفسهم في النطاق السياسي إلى قوميات وأديان، باعتبارك متخصصًا في الفكر الدستوري، هل ترى إمكانية استيقاظ الوعي الوطني؟ وما هي حقوق المسيحيين في الدستور، وهل هو قائم على مبدأ المواطَنة؟ - مشروع الدستور الحالي لا يقوم على مبدأ المواطَنة، بل كرّس الفكر الفئوي، واعتمد نظرية الأكثرية والأقلية القومية والدينية وهي نظرية خطيرة لأنها تعتمد أغلبية وأقلية ثابتة، بينما الأغلبية والأقلية السياسية (وهي الصحيحة في الفكر الديمقراطي) تكون متحرّكة، وتحتوي دائما كلّ القوميات والأديان والمذاهب، باعتبار أنَّ الأحزاب الوطنية تحتوي هذه العناصر. والأغلبية المتحركة هي الأغلبية السياسية التي تتحول إلى أقلية سياسية بحسب إرادة الناخبين في المجتمعات الديمقراطية، ومن هنا تكون السلطة السياسيّة يومًا لك ويومًا لغيرك، وهذا هو الصحيح. إنَّ تنظيم السلطة السياسيّة بالطريقة التي جاءت في مشروع الدستور - يُفصح، من غير قول صريح، عن هذا التوجّه الفئوي، وهذا قد يصعب إدراكه لغير المتخصّص، ولكنه لا يخفى على الإختصاصي. وأنا أُعدّ دراسة نقديّة عن هذا المشروع وستظهر فيها هذه الأُمور.
أما بالنسبة إلى حقوق المسيحيين، بل وحقوق كل الفئات، فإنَّ النص السليم لضمانها هو النص العام والمطلـَق. كما أنّ في ذكر القوميات والأديان خطر التمييز، ولهذا حتى لو ذُكرَت ينبغي أن يكون ذكرها على نمط متساوٍ، وهذا صعب، باستثناء ذكر اللغات وحقوقِها، لأنها مسألة حيويّة وخاصة. لذلك أُفضّل النص العام، ويمكن، مثلاً، أن تقول في باب الحقوق: "العراقيون، ذكورًا وإناثًا، قومياتٍ وأديانًا، متساوون ولا تمييز بينهم". هنا سيحسّ كل مواطن أنه مشمول بهذا النص، وهو المطلوب. وكذلك في باب الحريات يمكن أن تقول النص العام الآتي: "الحريات العامة والخاصة مُصونة للعراقيين، ذكورًا وإناثاُ، قومياتٍ وأديانًا، ولا يجوز تقييدها إلا بالحدود التي تحمي حرية الآخرين، وفقًا لقانون وقرار قضائي". سأقول لك شيئًا، إنَّ أكثر الدساتير التي تُطنب في تعديد الحقوق والحريات وتُبالغ في ذكر مكوّنات الشعوب هي دساتير الدول ذات النظم الشمولية التسلـّطية. وفي كلِّ الأحوال، العبرة في التطبيق وما في النفوس، ألم أكتب عندكم يومًا: "دستور القلوب قبل الدستور المكتوب".
هل كان تدخُّل السلطات الكنسيّة في الشأن الدستوري صحيحًا أو ذا تأثير على مشروع الدستور؟ - المبدأ أنَّ من حق الكنيسة، كمؤسسة وطنية واجتماعية، كما قلنا، أن تُعطي رأيها في مشروع الدستور، وفي مواد الحقوق والحريات بوجه خاص، ولكن لا بدَّ لها من الإستعانة بذوي الخبرة، وقد حصل هذا في الرسالة التي وجِّهَت إلى اللجنة الدستورية والجمعية الوطنية، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، وكانت تعبِّر عن حسّ وطني، ودعوة إلى إنصاف كلِّ الجماعات ضمن الإطار الوطني. ولكن، أُشعر أحيانًا وكأنَّ السلطة الكنسيّة تتعامل مع العَلمانيين وكأنهم كتّاب عرائض لها، وأرجو أن يزول هذا. إنَّ السلطة الكنسيّة في حاجة إلى خبراء في كلِّ الشؤون، وأرجو أن لا تستعين بالمقرَّبين فقط. إنَّ الحياة ليست دينية فحسب، بل علمية واجتماعية وقانونية وغير ذلك. وعندما تعتمد الكنيسة على هؤلاء يكون قرارها وموقفها من الشؤون العامة سليمًا في ضوء الأًسس الإيمانية، واعتقد أنَّ الكرسي الرسولي يفعل ذلك.
لكن ما أثار استغرابي، بل امتعاضي، ما قرأتُه عن اجتماع عقدَ في الموصل ضمَّ قيادات دينية (مطارنة) وقيادات حزبية قوميّة صدر عنه بيان مغرق في الفئوية وفي إنكار الآخرين، حين اختصروا المسيحيين بأنفسهم، لقد كنت أعتقد أنَّ مطارنة الموصل يمتلكون أفقًا وطنيًا أوسع، فهل هذه زلة عابرة؟ أرجو ذلك. لقد كان هذا الإجتماع محاولة لإخضاع الكنيسة للمصالح الحزبية، ولستُ أُخدَع بالشعارات، ولم أسمع في حياتي أنَّ السلطة الكنسية اجتمعت رسميًا بالأحزاب،لم يحصل هذا في الغرب، فحصل في الشرق!
المرحلة الراهنة مرحلة تمزّق وعدم استقرار وغياب أمني. المواطن يتمنى شيئًا واحدًا وهو اتحاد أبناء الشعب، فلا يكون حديثٌ عن مكونات الشعب العراقي بل عن الشعب كوحدة متجانسة، ولكن ما يحدث هو العكس، بسبب قوى سياسية ألقت بظلالها على الساحة العراقية بعامّةً والساحة المسيحيّة بخاصة، واستغلّت التنوّع الطقسي واللغوي والثقافي. هل يمكن إيضاح ذلك؟ - هذه هي المشكلة، لقد حصل خلط بين الانتماء الكنسي والانتماء القومي، وحتى الوطني، إنَّ وجود كنيسة اسمها سريانية، مثلاً، ليس مشكلة بحدِّ ذاتها، لأنَّ هذا هو إسمها التاريخي وهو مرتبط بلغتها الطقسيّة السريانية التي تأسّست عليها قبل ألفي سنة تقريبًا، برغم استخدامها اللغة العربية أيضًا. ولكن المشكلة أن تعتبر هذه التسمية تسميةً قومية في حين أنَّ أتباع هذه الكنيسة (أي المسجَّلين فيها) فيهم السريان الآراميون وفيهم العرب وفيهم الهنود وهم مقيمون في الهند. فكيف يستقيم هذا الأمر؟ نحن إذن قد أوجدنا مشكلة مصطـَنَعة، فلننتهِ منها، وليذهب كل مسيحي المذهب القومي الذي يريده، والمذهب السياسي الذي يريده، والمذهب الإقتصادي الذي يريده، والمذهب الاجتماعي الذي يريده، ولكن بشرط واحد وهو أن لا يخرج عن الإيمان وعن القيَم الأخلاقية، وأن يكون شاهدًا للحقيقة بقدر ما يستطيع، وهذه هي رسالتنا أمام الله. وليكن شعارنا دائمًا: "يجمعنا الإيمان ولا يفرقنا اللسان".
إنَّ الشعب الآن يريد أن ينتهي من مسألة التصويت على الدستور بنعم أو لا، ماذا لو انتهى الاستفتاء بقبول الدستور بإرادة أكثرية فئوية، هل سنكون سعداء؟ - بالنسبة إليّ، أنظرُ إلى الدستور من وجهين: وجه دستوري صرفْ، ورأيي أنَّ الدستور فشلَ في إعطاء صيغة دستورية سليمة لا في الشكل ولا في المضمون، وسيظهرُ تفصيل هذا في دراستي عنه، وموقفي هنا موقف علمي. ووجه سياسي وهو منحازٌ للفكر الوطني الديمقراطي، وللتوجه التحرّري الاجتماعي الذي يوازن بين فكرتَي السلطة والحرية، وبين فكرتَي الحقوق الفردية والحقوق الإجتماعية، وهذا هو موجز الفكر الليبرالي الحديث الذي لو أُخِذَ به في الدستور، لسعُدَ الجميع حقًا، لأنَّ هذا التوجّه هو الذي يعطي الجميع حقوقـًا متساوية ومساحة موحّدة من الحرية، ولكن، كما قلتُ، غاب هذا الفكر، لأنه لا يملك القوّة، بل الكلمة، وعسى أن تنتصر الكلمة كما انتصرَتْ من قبلُ. فيكون الوطن للجميع، وعندها سيدافع المسلم عني في الجمعية الوطنية وأُدافع أنا عنه بالمقابل، وهكذا بقية الشعب. وبدَل أن نقول العراق "شدَّة ورْد" نقول إنه "بستان". فلماذا نقطف هذا الورد ونجعله "شَدّة"؟! لا يا أخي دعه في بستانه!
نقلاُ عن ظافر نوح
الأب إيهاب نافع البورزان
بغداد 27/12/2005[/font][/size][/b]