مكاشفات: العراقيون.. هل يصعدون نحو الهاوية ؟؟
أ.د. سيّار الجميل*
*مؤرخ وباحث عراقي:
كتب لي الصديق الاستاذ امير الدراجي جوابا فلسفيا عميقا عن تبريكاتي وامنياتي له بسنة ميلادية جديدة .. كان جوابا ينبض بالالم والحسرة ويحتقن بالمرارة نتيجة الاوضاع المأساوية التي يعيشها العراقيون في الداخل والخارج ..
ونتيجة فوضى الابعاد المستشرية في كل اتجاه بعد ان كانت مغمورة تحت الارض لعشرات السنين ، وكأنها اورام انفجرت بكل قيحها وصديدها وادرانها لتلطخ كل تلك الخريطة المتعبة التي كانت ولما تزل على اجمل ما تكون في هذا الوجود . دعوني اسجل لكم ما كتبه لي امير قبل ساعات وهو المعروف بفلسفة طلاسمه الفكرية التي لا يدركها الا من أوتي قدرة جادة على حفريات صعبة للبحث عن المعاني ..- وعندي- ان في ذلك متعة لا تضاهى . كتب هذا الكاتب العجيب الذي يؤثر العزلة بين الحين والاخر يقول لي : " قد تزعجني الاماني حيث نضب ائتمان نظامها .. وحيث اجد تركاتها المؤسية مثلما يعجز غريق عن النجاة اوعن كراهية الهاوية فيضطر الى تقبل فكرة الموت باذلال الهاوية ، وتاليا جعلها قدرا منزلا .. امر مريب ان يتطور نظام الشعور ويتكّيف نحو تقبل الصلح مع الهاوية .. ربما اقبل نتائجها واعترف بواقعها لكنني املك حق كراهيتها لذا لا يمكن التفريط بحق اخير وان تجمعت كل المعطيات على الخسارة لكن الحق ان تخسر كريما وحرا افضل من ان تخسر ضعيفا وذليلا . هكذا بقي للصمت حصة كريمة ووحيدة امام هول الخسارات والهاوية ، كل المنقذين يمارسون الطيران نحو الاسفل وقد سقطت موازين القياس والهندسة، فلاح الاسفل اعلى او العكس ما جعل فوضى الابعاد متحكما بقيمة النجاة قررت الصمت لئلا افسد فرح المحتفلين بالصعود الى قاع البئر .. اعتذر من هذه الطلسمة والالغاز ، لكني اردت ان اشير اليك ايها الاخ الحبيب الى اني ما زلت قويا على المشاكسة ولن يسقط الوهن او المرض قدرتي على رفض الاقدار كلها .. " !! ( انتهى النص (دعوني أحلل هذا الكلام الصعب الجميل .. دعونا نستكشف معا اسرار ما تنتجه الذاكرة السياسية العراقية التي ناضلت طويلا من اجل ثمار طازجة وتشكيلات معاصرة ، فجاء الاخرون من المحتفلين الجدد ليقطفوها بعد ان سحق الزمن كل اولئك المناضلين من المفكرين والمثقفين العراقيين الحقيقيين الذين قرأوا وتعبوا وابحروا نحو التقدم في الحياة .. وعانوا من المشقّات والالام وهم يصعدون نحو الاعالي .. وهم لم يكتفوا بترديد نصوص ولا بتكرار عبارات ولا بلطم خدود ولا بشق جيوب .. لم يكونوا ساذجين تافهين يهيمون في التآويل والترديد .. كانوا من جنس اولئك العراقيين الحقيقيين قبل الاف السنين الذين بنوا قصور نينوى وشادوا جنائن بابل المعلقة وكتبوا كلكامش ورددوا اشعار المتنبي .. الخ انني اجد في الصديق امير صورة طبق الاصل لكل عراقي محطم الخطوات بعد ان تفانى في الحداثة من اجل عراق جديد .. انه يتآكل بالاحباط وهو يرى جوقات المتخلفين والمتحذلقين والسماسرة والكذابين والدجالين والطائفيين والقوالين والانتهازيين واللوتيه والمرتشين والمختلسين والقتلة الارهابيين .. يملؤون بلاد وادي الرافدين .. فكيف لا تزعجه الامنيات وقد اختّل نظام الحياة في كل ارجاء العراق ؟ ونحن نجد بأن العراق ينطلق مسرعا نحو الهاوية وهو غريق لا تنفع معه كل المحاولات وسادة القوم لا يريدون الا الاجزاء ولا يعرفون الا الفتات!
نعم ، ان الموت ارحم من ان يسقط الجميع في الهاوية ، فالهاوية مكروهة كما اعرف من كل الاحرار الذين انجبهم تاريخ العراق منذ زمن طويل ! ثم يلتفت صديقي امير متعجبا متسائلا عن كيفية قبول الصلح مع الهاوية ؟؟ ولا ادري ان كان يعلم او لا يعلم بأن العراق الذي عرفناه منذ عشرات السنين قد هاجر هو الاخر هجرته مع الطيور منذ عهود خلت .. ولم تسمع فيه الا الغربان الناعقة واصوات المجنزرات وهول التفجيرات ! لقد صافح الهاوية كي يجعلها مستقرا له عن قناعة او سذاجة او سماجة .. نعم يا صديقي انه جزء من فوضى الابعاد .. انه امر مريب حقا ان يتطور نظام الشعور عند العراقيين ويتكّيف نحو تقبل الصلح مع الهاوية .. لقد اصبت يا صديقي امير كبد الحقيقة وسيدفع العراق وكل العراقيين ثمنا تاريخيا غاليا نتيجة لهذه المنزلقات .. تقول : " ربما اقبل نتائجها واعترف بواقعها لكنني املك حق كراهيتها .. " . واقول وانا احاورك : ربما لا اقبل نتائجها بالرغم من اعترافي بواقعها المضني ، فان قبلنا بالحصيلة ، فمن هذا او ذاك الذي يحمل مشاعل الاستنارة كي يخّلص العراق من ظلام الهاوية السحيقة ؟؟ واذا كنت يا صديقي لا يمكنك التفريط بحق اخير وان تجمّعت كل المعطيات على الخسارة ، فالحق معك ومع كل عراقي مستنير حقيقي في هذا الوجود ان يخسر كريما وحرا افضل من ان يخسر ضعيفا وذليلا !! واعقّب عليك بأن المستنيرين العراقيين ان خسروا جولة تاريخية في هذا الزمن الردئ ، فانهم سيكونون مشاعل خافتة يزداد وهجها مع توالي الايام وتعاقب السنين .. وستذكرها الاجيال المقبلة بعد قرون وتقول : " هكذا بقي للصمت حصة كريمة ووحيدة امام هول الخسارات والهاوية " .. وهنا دعني اصرخ لأقول : لا والف لا ، فلا يمكننا ان نصمت ابدا ، وخصوصا بعد اليوم .. فالصمت ليس ثمنا امام اهوال خسران العراق وسقوطه في الهاوية !! ربما كان كل المنقذين يمارسون الطيران نحو الاسفل وقد سقطت موازين القياس والهندسة، فلاح الاسفل اعلى او العكس .. لا اريدك ان تصمت يا صديقي فان هناك من ينتظر كلماتك وافكارك وحتى طلاسمك الذكية .. انه ينتظر ان نقول شيئا كي يسترجع توازنه بعد هذا الاختلال العجيب .
انني معك ، ان العراق غدا حقلا من فوضى الابعاد .. وانني اعتقد بأن ربابنته اضعف من ان يكونوا متحكمين بقوارب النجاة كونهم لم يتمرسوا ابدا في مواجهة قيمة النجاة .. اخرج يا صديقي من دائرة الصمت بكل افكارك ، فالصمت دليل الموافقة وما ظننتك توافق على ماراثون السباق نحو الهاوية .. ان صمتك لا يفسد فرح المحتفلين بالصعود النازل نحو قاع البئر .. ولا تعتذر ابدا عن الغازك وطلاسمك ، فانني قادر على فهمها واستكشاف عالم جميل في دواخلها ، متمنيا ان تبقى عصّيا على كل المتكلسّين المهزوزين .. وستبقى فعلا قويا على المشاكسة الصلبة .. وسوف لن يدعك المرض واهنا ابدا انني لا يخامرني الشك لحظة واحدة بأن ماراثون العراق سوف لا يفوز فيه عند نهاية المطاف الا الاذكياء ونخب اصحاب العقل المتمدن والذوق الرفيع والمعاني الخصبة وانوار الفكر وثقل التفكير .. لن يخسر الا اولئك الذين يراهنون على الفراغ والتراجع والانقسام والنظرة الى الوراء وتسطيح الامور وخواء الفكر والروح .[/b]