عن الكراهية وجيرانها
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com الكراهية ثقافة عنصرية، تبدأ من شكل بسيط لردود الافعال ثم تنتهي الى افعال غريزية مدمرة والى تشكيل عصابات قتل وتمثيل بجثث الاخرين الذين هم، في الغالب، من جنس آخر، وربما، من نفس الجنس والدين والقبيلة.
وللكراهية اتباع ومفكرون ومصادر تمويل ايديولوجي، والغريب ان بعض المشتغلين في ترويج هذه النزعة المتوحشة لم يتعرضوا للاذى او التمييز او التنكيل، لكنهم برعوا في توليف مكاره تغذي نزعات التنكيل على الهوية، وهم وراء فكرة العزل العنصري(الغيتو)الذي يقضي باقامة مستعمرات سكانية من طائفة(او قبيلة او اتباع ديانة) واحدة مقابل مستعمرات من طائفة اخرى على خطوط تماس قابلة للاشتعال دائما.
علينا، ان نستعجل التساؤل المشروع ما اذا كان الوضع العراقي يتجه الان الى مثل هذا المصير الكارثي، بعد تزايد الهجمات الاجرامية المسلحة على دور العبادة التابعة للطوائف الدينية وعلى الكنائس، ثم على المزدحمات والاحياء باستهداف سكان محددين لتضاف الى السجل الاكثر اجراما لنظام صدام حسين الذي نكّل بالكرد بأسم العرب وبالشيعة بأسم السنة وبالمسيحيين بأسم المسلمين، كما ان علينا ان نعزز هذا التساؤل بالبحث عمن يستفيد من اثارة غرائز الكراهية بين الطوائف والاديان والقوميات، ومن يستثمر محاولات اقامة غيتوات هنا وهناك في مدننا وحواضرنا، محروسة بالحراب وبخرافات وادعية عفا عليها الزمن.
ومن هنا قدّم ويقدم انبياء الكراهية مشروع العودة الى الغابة باقامة المستعمرات المسكونة من لون سكاني واحد كحل لمشكلة "التعايش المستحيل" المزعومة بين سكان موزعين على خصوصيات مختلفة، وهكذا يعني –اذا ما استشرى هذا الورم- اجهاض مشروع الدولة العراقية الاتحادية الحديثة، كما يعني الحاق الهزيمة بالنداءات المتبصرة التي تحذر من انياب هذا الغول الذي فتك بدول وامم وتسبب في تخلف امم وشعوب يشار لها بالبنان، والمشكلة ان اصحاب مشروع العزل السكاني يتصدون بضراوة لأي نقاش او جدل او بحث لجهة تطويق هذا المنزلق السحيق، وهدفهم من ذلك هو ايقاع البلد في جبرية جديدة يصير معها الفصل السكاني قدرا لا عودة عنه.
ولا تتوانى قوى الكراهية في مجتمعنا عن التخفي وراء الجملة الدينية المقعّرة وآيات القتل في صياغة استحالات العيش المشترك بين السكان، قفزا فوق الرسالة التي ضمنتها الكتب الروحية بدعوة البشر-وليس المسلمين فقط- وبصرف النظر عن انتماءاتهم واديانهم وطوائفهم الى التآلف والتعاون والتعايش والانسجام، وليس الى التنافر والصدام والمعاداة، ومما له مغزى يتمثل في ان نزعة الكراهية المنفلتة في بعض الجيوب الطائفية بدأت تستمد لوازمها السياسية والفكرية من خارج حدودها، وحصرا من الثقافة العنصرية حيث اسست الكراهية منصات وهيئات ومراجع تفتي باجازة الابادة والصهر حلا للاختلافات القومية والطائفية والدينية والقبلية.
وطبقا للعالم البايولوجي الالماني كونراد لورنز صاحب الاختبارات الاساسية حول سلوك الكراهية لدى الحيوان فان الانسان الذي ينحدر الى هذه العاهة كرد فعل ضد النوع المتعايش معه انما يشكل خطرا على النوع الانساني كله، وربما يقصد بان كراهية النوع غريزة استعارها بعض البشر من بعض الحيوانات.
واستطرادا، فان ثمة نتائج مبكرة لانتشار فكر الكراهية بين السكان الاقل وعيا، وتتمثل في تسييس الغيتو الطائفي وتحويله الى مشروع سياسي، وهو الاخطر على مستقبل التغيير في العراق، وصار يعبر عن ذاته في تردي مناسيب الثقة بين الفئات السياسية وانتشار رائحة التآمر ولغة الكيد والاتهام، وباختصار، انتشار نزعة سوء الظن بين فرقاء العملية السياسية التي اطاحت بالدكتاتورية.
ان إساءة الظن، في السياسة، من بعض اجواء انعدام الثقة.. لكن الثقة بالآخر لا تعدو عن كونها معيار اخلاقي يلاحِظ الكثيرون انه تراجع، للاسف، الى ابعد الحدود من التداول في بازار السياسة العراقية، فقد يصادف ان نسمع من السياسيين مَن يقول: اننا نتعامل بعيدا عن معايير الثقة أوعدم الثقة، فالسياسة-يزعمون- ليست مؤسسة عائلية تفترض ان يثق افرادها ببعضهم، وقد يقول آخر: دع الثقة في المنزل حين تكون متوجها الى السياسة، لكن عليك ان تحمل الحذر وتضعه نصب عينيك، وذهب برنارد شو منتقدا انحطاط القيم في المجتمع الاستهلاكي الى القول: يمكنك ان تجد في سوق السياسة، هنا، كل شئ إلا سلعة الثقة، لقد علمونا سوء الظن ببعضنا.
وفي حالة الاستقطاب الشديد التي يعيشها الراهن السياسي العراقي بات من الصعب ان تطلب من بعض اللاعبين في الساحة الثقة ببعضهم بعد ان تبادلوا الاساءة والشكوك والتجريح، بالصوت والصورة، وقد عبّر مراسل امريكي مرة في نيويورك تايمزعن استغرابه من كثرة ما يستخدمه بعض الساسة العراقيين من عبارات تنم عن الكراهية لزملائهم وسوء الظن ببعضهم، وقال "يبدو ان الامر له صلة بضعف علاقتهم بالقيم الرياضية" وقال مواطن خليجي قاتلَ في بلدة القائم قبل ان يصحو على باطل السبب الذي دفع به الى هناك وينسحب عائدا"اول درس نتعلمه حين ندخل الاراضي العراقية هي ان لا نثق باحد، وان نسئ الظن حتى باصحاب المنازل التي تستضيفنا".
وليس من قبيل التجني في القول بان روابط الثقة وحسن الظن تراجعت الى حد بعيد في الساحة السياسية العراقية في حميّة التنافس الانتخابي وغداة اعلان نتائج الانتخابات، ويبرز هذا حتى بين دوائر وحلقات صغيرة من الانشطة السياسية، مما تجسد في خشونة اللغة ومطاعن الغش واطلاق الاتهامات القاسية وفي طائفة من التصريحات والتلميحات والمعلومات التي تتناقلها الصحف واجهزة الاعلام الاخرى حول فخاخ ومحاولات استدراج واستغفال وايقاع وغيبة وتزوير وإفساد وما يتصل بارث التآمر الذي كان نظام صدام حسين يكرسه في صفوف الحلقة التي تحيطه، وليس الحديث المنقول عن(المتهم) برزان التكريتي خلال الجلسة السرية للمحكمة الجنائية عن خطايا النظام السابق، وانعدام اجواء الثقة بين اركانه سوى فاصلة واحدة من الميراث البالي لذلك النظام.
وإذْ كان صدام حسين لا يثق باقرب الاتباع ، مهما تفانوا في خدمته والدفاع عن نظامه، فانه حوّل سوء الظن الى مبدأ صارم في التعامل حتى مع الجمهور، بل ان سوء الظن وعدم الثقة والريبة دخلت في مفردات ولوازم إذلال الملايين وجرها معصوبة العيون الى حروب كارثية متصلة، ويحسن هنا ان نلفت النظر الى ما كان يدعيه الدكتاتور السابق من (فراسة) في قراءة امارات الخيانة على جبين ايٍ من أزلامه، وهو التجسيد الحي لسوء الظن حين يصبح اداة من ادوات الحكم والسياسة.
والسؤال المشروع هو: هل ان الطبقة السياسية العراقية سقطت في محذور الثقافة الصدامية، ام انها ستخرج من هذه (الوعكة) الصحية الى الهواء الطلق؟ ومتى؟ .
ــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــــ
“إعتزل الشر، فان الشر للشر خُلق”.
الكندي