شعبنا والهويات البائسة
كاجو كاجو إن الإنسان في بُعده العميق هو كائن بلا هوية ، وهو كجوهر مطلق ، لا يُحدّد ولا يُعيّن ، وهذا ما نجهله أو نتجاهله ، وبما أن هذا الكيان الداخلي الأصيل للإنسان ، لا زال محتجباً بالمحدودية وحس الإنفصال ، فنحن مضطرون للبحث عن هوية ، شأننا شأن كل الآخرين من أقوام وشعوب ، ولكن يجب أن لاننسى هذه الخلفية الشمولية ونحن نسعى في بحثنا ، لتحديد وتعيين هويتنا وانتمائنا القومي ، فبقدر ما ننفتح ويتسع وعينا ، ونستوعب غيرنا ، تكبر هويتنا ونكبر معها ، ونقترب من بُعدنا المبارك ذاك ، وبقدر ما نقلص مدى هذه الهوية ، بقدر ما نعاني العزلة والبؤس وضيق الأفق ، ولا يظنن أحد أن الإنسجام المفترض ، والتي تتمتع به الهوية الضيقة والصغيرة ، هو خير لها ، لأن واقع الحياة المعاش يُبطل هذا الإدعاء .
إن صيرورة نشوء الأمم والشعوب ، ليست كما يتصور بعضنا ـ وأحياناً بعض مثقفينا ـ وسأختصر جداً : انطلقت العشائر والتجمعات القومية لتوسع مجالها الحيوي ، وتمتد على أراض وتجمعات جديدة مجاورة ، تفرض بعض ثقافتها ، وتغتني بما لدى التجمعات الأخرى نتيجة للتعايش ومبدأ التفاعل المتبادل ، تأثراً وتأثيراًً ، فيفقد كلا الطرفين بعضاً من خصوصيته ، وينشأ عبر الزمن ، مجتمع جديد وثقافة جديدة ، وهوية جديدة للجميع ، أكثر رحابة وشمولية .
عندما قدم الآراميون من بواديهم إلى سوريا ، لم تكن هذه فارغة من السكان ، ولم تكن مدنها خالية منهم ، والسيطرة على المدن والأرياف يعني اندماجهم مع السكان الذين سبقوهم .كذلك فعلت القبائل الآشورية ، عنما هبطت من جبالها في شمال بلاد الرافدين ، ولأنهم وسّعوا رقعة الإمبراطورية كثيراً ، عمدوا لاتباع سياسة نقل الشعوب وإعادة توزيعها ديموغرافياً لدمجها وتلافي حركات التمرد على المركز ، وبغية الاستقرار ، لقد اعتبر معظم المؤرخين ،وخاصة ارنولد تويني ، وول ديورانت ، هذه السياسة ناجحة إلى حد بعيد ، وهؤلاء أيضاً لم يفرضوا طابعهم وكل معتقداتهم بالقوة ، بل تناغموا مع الشعوب القاطنة ، واندمجوا معها وشكلوا معاً حالة مجتمعية جديدة .
لولا هذا الاندماج والتفاعل المتبادل ، لما كان بوسع الآرامي البدوي ، والآشوري الجبلي ، أن ينتج حضارته ومدنيته الراقية .
يبدو أن الإنسان يتجه وبلاوعي منه ، إلى تحقيق كيانه الداخلي ، إتساعه ، عالميته ، بل بُعده الكوني ، وهو البرنامج الذي ينطوي عليه ، رغم ما يكابده من مرارة في صراعاته ، إرضاء لأنانيته الفردية والجمعية . إن القوانين الخفية للحياة ، هي التي تتحقق في المحصلة ، وليست رغبة الإنسان وإرادته المخالفة لتلك القوانين ، ولو أن ذلك يتم ببطء شديد ، لا يلبّي تطلعاتنا وطموحنا ، كأفراد تتحدد حياتهم ببضعة عشرات من السنين .
لقد استهلك شعبنا القرن العشرين ، وهو أهم القرون في حياة المجتمع البشري ، في الصراع حول الاسم القومي الجامع له كشعب مفتت في بضعة طوائف دينية متناحرة منذ قرون طويلة ، وما زاد طيننا بٍلّة هو تفرد قادة الطوائف بالسيادة وتقرير مصيرنا ردحنا طويلاً من الزمن ، وهؤلاء لم يختلفوا على الاسم القومي فحسب ، بل على اسم الخالق وخصائصه أيضاً !..
وتحت ضغط الأحداث ، ابان احتلال العراق ، تداعت قوى سياسية واجتماعية لمؤتمر بغداد ، تم الاتفاق فيه على الاسم القومي المركب من اسمين ، ثم من ثلاثة ، وقد استبشرت معظم جماهير شعبنا خيراً بهذا التوافق ، كدليل على توقهم للوحدة ، ورغم مقاومة المعترضين من الأقرباء والغرباء ، تتسع دائرة المباركين لهذا الإنجاز الكبير والتاريخي ، والقادم من الأيام ، كفيل بسحب البساط من تحت أقدام المتقوقعين في أحضان الطاثفة والعشيرة ، وهوياتهم البائسة . لقد تكونت النواة الجاذبة ، فلابد أن تستقطب وتتسع ، مادامت تنسجم مع واقع الأحداث ، وحركة التاريخ .
لن أضيف جديداً إن قلت بأن أي اسم من الأسماء الثلاثة المركبّة ، يصح أن يكون وحده اسماً قومياً شاملاً لشعبنا كله ، إن القراءة المتأنية والمنفتحة لتاريخنا ، تؤكد أن ما تقدم هو حقيقة جليّة ، فنحن لم ندمج ثلاثة شعوب مختلفة ، بل ثبتنا ثلاثة أسماء لشعب واحد ، استُخدم كل منها في مرحلة زمنية مختلفة .
فبم يعلل المعترضون انسلاخهم عن جسمهم الكبير ؟
يعتقد بعض أبناء كنيسة المشرق الآشورية أنهم أمة لوحدهم لا شأن لها بغيرها من الطوائف ،
أو أنهم وحدهم ماتبقى من الآشوريين ، وهذه الدعوة خائبة ومرفوضة من جماهير أبناء كنيسة المشرق الآشورية والقديمة .
ويذهب بعض السريان ذات المذهب ، بدعوى أن السريان هم كيان لوحدهم ، وينتمون إلى الآراميين ، والآشوريين شعب آخر .
وبعض الأفراد يسهر الليالي ، ينبش الكتب والوثائق التاريخية ، ويقلّب الرقيمات ، ليحلل ويركب ، ويستنتج ويستقرئ ، متوخياً العلمية والميثاقية ، وكأن الهوية القومية تحتاج زمرة دموية ، وصفات سلالية ، وكأن الأعراق في منطقتنا لا تزال تحتفظ بنقائها العرقي ، والشعوب لم تختلط بعد ، وكأن الآراميين كلهم ، اختاروا طائفة كريمة واحدة ، وتحاشوا بقية الطواثف ، ومما يؤسف له ، أن هؤلاء ينسون أن الأمة تستند إلى مجموعة عناصر موحدة لأبنائها اليوم ، وأن العناصر التي توحد السريان ( الآراميين ) هي ذاتها ومشتركة بينهم وبين الكلدان والآثوريين ، ماعدا الطائفة ، فهي وحدها تجزئ مع أن المسيحية تجمع .
تلك العناصر هي : اللغة الواحدة ـ الأرض ـ العيش المشترك ـ العدو المشترك ووحدة المعاناة ـ العادات والتقاليد ـ الثقافة والتكوين النفسي وغيرها .. كلها عوامل جامعة وتوحّد ( الآشوري ـ السرياني ـ الكلداني ) .
ليس بعض السريان وحدهم ينبشون ويبحثون ، بل يشاركهم البعض من مختلف الطوائف ، وليس ما يعيب هو البحث ، إنما الهدف من النبش .
إن الكلام عن الأمة و القومية ، والإسم والهوية القومية ، هو كلام في السياسة ، وليس عملاً أكاديمياً يتم في المختبرات فحسب ، والسياسة تعبير عن مصالح حيوية وحياتية ، تتعلق بمصير شعب يعيش على مفترق طرق ، هل ينصحنا الأكاديميون الأعزاء أن ننتظر نيلهم لأطروحاتهم العلمية ؟ وهل يعدوننا بالإتفاق على ما يوحّدنا ؟ وقبل هذا وذاك ، هل يمكن أن يكون الباحث الطائفي أكاديمياً وموضوعياً ؟ إنني آسف ، وأقولها بألم ، إن معظم باحثينا غير موضوعيين ، وفاقدي المصداقية في طروحاتهم ، لأنهم ببساطة طائفيين تقسيميين ، إنهم انتقائيين ، يلتقطون جملة من هنا ، وبحثاً من هناك ، لكي يدعموا دعواتهم التقسيمية ، ولكن إن عثر أحدهم خلال بحثه على ما يجمع ويناقض موقفه المسبق ، يتجاوزه إلى مكان آخر . والعجيب أنهم رغم اختلاف فرضياتهم وتناقضها مع بعضها ، يتمكنون من البرهان (( الأكاديمي )) على صحتها !، واستناداً إلى (( الوثائق )) الدامغة ! .
كفانا ادعاءاً بالعلمية ، أنتم سياسيون أيها السادة المحترمون ، وهذا ليس عيباً ، فالبحث عن صياغة للهوية القومية ، هو نشاط سياسي ، والسياسي لا يزاول عمله في مراكز الأبحاث ، ولا تهمه الحقائق العلمية بقدر ما تهمه مصلحة شعبه ، وكل حقيقة لا تخدم هدفه لا يعيرها انتباهاً ولا يتوقف عندها . وما دام الأمر كذلك ، أين تكمن مصلحة السريان أو الكلدان أو الآشوريين ؟ هل تتحقق هذه المصلحة بالتخندق والانفصال المؤبد والمدعّم بهويات من إخراج الباحثين وتصديق قادة الطوائف ؟.
إلى الوحدة أيها ( السريان الكلدان الآشوريين ) ، وسّعوا هويتكم ، تمددوا أكثر ، ليرتفع شأنكم ،صرنا نخجل من عشائرنا ، و نختنق في محدوديتنا .