"سواقي القلوب"
رواية اولى للعراقية إنعام كجه جي تستدعي الذاكرة وتسائل المكان
[/size][/font][/b]
هدى ابراهيمفي روايتها الاولى "سواقي القلوب" التي صدرت قبل أيام عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت/ عمّان، تشيّد العراقية انعام كجه جي عراقا صغيرا في المنفى، في محاولة تستعين بالذاكرة المتعددة لبلد يحاول ان ينهض من خراب التاريخ والنفوس اللاحق بالماضي والحاضر.
ومن خلال مجموعة من الشخصيات التي التقت خارج موطنها الاصلي ترصد الكاتبة والاعلامية العراقية المقيمة في باريس عناصر اجتماعية وسياسية شكلت ماضي العراق وتكويناته فباتت تسكن نفوس الشخصيات وتحدد مسلكها وشرطها.
تبدأ الرواية على الطريق بين عمان وبغداد، في نقطة طريبيل على الحدود العراقية، لتنتقل سريعا الى باريس. لكن كان كل ما بين الفصلين الاول والاخير اللذين تدور احداثهما على الطريق نحو بغداد في العراق، هوعبارة عن فاصلة معلقة في مكان ما، بين الحياة والغياب.
"لم تكن باريس منفى بل فاصلة جميلة شطرت عمري"، يقول الراوي الهارب من وطنه، قبل ان يضيف بأسى موجها كلامه لصديقه زمزم : " للأمانة لم تكن باريس مكانا يناسب حسرة الهاربين من الاوطان ".
وبجانب الراوي الهارب من الملاحقة السياسية ومن حب فاشل، الى باريس، والذي تهاتفه بين حين و حين من بغداد، حبيبته القديمة نجوى، عدد من الشخصيات التي تنمو ضمن ما يشبه الشرنقة العراقية في حلقة مقفلة تعمها الموسيقى العراقية الاصيلة.
هناك، وفي نفس العمارة، العجوز كاشانية الناجية من مذبحة الارمن والتي تزوجت من كونت فرنسي كان يعمل في حقول آثار نينوى، لتظل بعد موته تهجس بزيارة ارمينيا، حتى فعلتها وندمت.
وهناك زمزم الطالب الذي خذله انتماؤه السياسي الى حزب البعث فهرب الى الخمر وانضم الى مجموعة الاصحاب وراح يصوّر بكاميرا الفيديو كاشانية وهي تروي ذكرياتها، خدمة لاطروحته الجامعية . "حديثك لي عمل وطني" يقول لكاشانية كي يقنعها بان تبوح له بكل التفاصيل التي لا يريد لها ان تندثر، ذات يوم.
هناك سراب، المرأة الشيوعية التي سجنت واغتصبت والتي يقع الراوي في حبها منذ أن عرّفه عليها جبرا ابراهيم جبرا. "بدأت علاقتنا الحميمة من دون خطط هجومية من جانبي او تمنع زائف من جانبها".
الى عالم هؤلاء يحضر من عراق صدام حسين، عراق بداية الحرب مع ايران، الجندي ساري بهدف اجراء عملية تحويل جنسي، فيصبح سارة بدعم مالي من الدولة .
الشخصيات في الرواية تتنوع انتماءاتها لكنها في عناصر منها واقعية، ولا يمكن للقارئ تبين الخيط الذي يتوقف عنده الواقع وينطلق الخيال في نص الرواية: " لقد عرفت فعلا، في باريس، سيدة عراقية تزوجت من كونت فرنسي وباتت كونتيسة "، تقول كجه جي لفرانس برس.
كل واحد من الشخصيات له جذر حقيقي في الواقع، " هناك، فعلا، شاب ذهب لمقابلة صدام و أرسلته الدولة على نفقتها الى فرنسا لاجراء عملية تحويل جنسي، لكن مصيره في الواقع يبتعد عن المصير القاتم الذي تخيلته للشخصية " توضح الكاتبة.
عادة ما كان هؤلاء يتحلقون حول مائدة كاشانية برفقة النبيذ والهموم والموسيقى، بعيدا عن الملاحقة المزدوجة: ملاحقة الوشاة للبعض منهم، وملاحقة الماضي الذي يستمر في راهن الشخصيات القلقة المصابة بالخسارات والفقدان رغم تطلعاتها.
غير ان هذه الشخصيات، وإن هاجرت الى مصير آخر، فهي لم تخرج برحيلها من دائرة الخسارة التي تطال الجميع، فالهارب مثل من بقي يعاني الحروب والحصارات والتعسف ويعيشها في لحمه ودمه.
هل تعيش هذه الشخصيات فعلا في باريس؟ تقول الكاتبة ان " الهجرة، أساسا، لم تكن موجودة في الطبع العراقي . ومن هاجر من العراقيين هاجر مرغماً، ولابد أنه دفع الثمن".
"في كل الشخصيات شيء ما يشبهني" تقول كجه جي حول روايتها التي وإن صورت عالما منغلقا على ذاته مثل قوقعة في"سواقي القلوب" فهي تدخل في وقائعها احداثا من الماضي العراقي و الراهن الباريسي، حيث تتكلم كاشانية عن لقائها بالصائغ عباس عمارة، والد الشاعرة لميعة، وعن الأب جان فييه، عالم السريانيات الفرنسي الذي جرى ترحيله من العراق، و تدور أحاديث ووقائع مع الكاتب الفلسطيني الذي عاش في بغداد جبرا ابراهيم جبرا، و صديقه الصحفي المغربي الباهي محمد.
واذا كان هاجس تملك الذاكرة مهيمنا على الكاتبة فهي تشير الى ان هذا الهم قديم لديها "التاريخ الاجتماعي للناس العاديين هو هاجسي منذ سنوات. كنت اتابع اناساً في بلدي ممن كانت لهم مواقعهم الادبية والسياسية وأحزن لكونهم يشيخون و يرحلون قبل ان يأخذ لهم احد تسجيلاً بالفيديو أو حتى صورة . وانطلاقاً من هذا الهاجس كتبت مذكرات الفنانة البريطانية لورنا هيلزعن حياتها المشتركة مع الفنان العراقي جواد سليم، كما صورت فيلماً وثائقياً عن الدكتورة نزيهة الدليمي، أول وزيرة عربية، وسجّلت ساعات بالفيديو لأول مذيعة عراقية هي المحامية فكتوريا نعمان، قبل رحيلها عن دنيانا ".
تضيف إنعام كجه جي : " الجيل الجديد لا يعرف أحداً من هؤلاء الذين شكلوا، مع آلاف غيرهم، عوالم العراق الثقافية السابقة. و ما عملي سوى جهد بسيط جدا ازاء ما حدث من تشتيت، بل تدمير للذاكرة ".
مصائر هذه الشخصيات التي تتقاطع راهناً يرتبط بالماضي الذي عاشوه في العراق، حيث يبرز السؤال جلياً : ما قيمة النجاح الفردي والخسارة الشخصية إزاء خسارة الوطن؟
"كثير من العراقيين المهاجرين يأمل، اليوم، بالعودة الى العراق، مثل بعض شخصيات الرواية، و بينهم من سارع الى حزم حقائبه، لكنني حزنت حين سمعت تصريحا لوزيرة شؤون المغتربين تناشدهم فيه البقاء في المنافي لأن الامور في الوطن غير مهيأة لاستقبالهم " تبوح كجه جي.
أما بخصوص ولادة فكرة عملها الروائي الاول فتقول : " كانت الفكرة تدور في رأسي منذ فترة، وجاءت الكتابة سريعة خوفا من ضياع الوقت . لقد اضعت عقوداً من حياتي في العمل الصحفي الذي هو أشبه بالكتابة والرمي في البحر". وتضيف " لعّل ما شجعني هو الاستقبال الطيب الذي لقيه كتاب نشرته قبل سنتين عن ادب المرأة العراقية، وتعلمت خلال كتابته كيف أسرق من الوقت وقتاً لخيانة الصحافة" .
وعن رؤيتها لمستقبل العراق تقول كجه جي: "احاول ان أتفاءل، إذ هل بقي في العمر متسع للتشاؤم؟ و هل هناك أسوأ مما حصل ؟ لا حق لنا بالتشاؤم بعد كل العذابات التي عاشها العراق.
" أتشبث بفكرة على نوع من السذاجة، ربما، فكرة العراق الواحد الحر المستقل القوي،العراق الطبيعي الذي يعيش أهله حياة طبيعية، مثل بقية شعوب العالم " تقول الكاتبة التي تواصل اهتمامها بحفظ الذاكرة الاجتماعية العراقية من خلال مشروع كتاب عن يوميات طبيبتين عراقيتين، ام وابنتها، الأولى كانت طبيبة في الارياف في جنوب العراق، في فترة الخمسينات و الستينات من القرن الماضي، و الابنة هاجرت الى كندا وتشاء الصدف ان تعمل في الارياف مع سكان البلاد الأصليين وفي مناطق نائية لا يصلها طبيب إلا بمشقة. (عن وكالة الصحافة الفرنسية – فرانس بريس).
فصل من الرواية
"سواقي القلوب" تتلاقي وتصب في مجرى واحد
[/font][/size]
تملَّكني حب سراب حتى حوَّلني الى انسان سعيد و مجدٍّ . و عكفتُ على ترجمة مسرحية لمارغريت دوراس فانتهيت منها في وقت قياسي، و أرسلتها لتنشر على حلقات في صحيفة كويتية . و لن يستطيع أحد أن يسبر عمق رضاي عن نفسي بعد ذلك الإنجاز إلاّ من مرَّ بسنوات من التعطِّل و الفراغ، و بلغ به الأمر حدَّ الشك في فحوى مجيئه الى الدنيا . بل إنَّني، في فورة من فورات حماستي التي أعقبت الترجمة، شرعت في كتابة روايـة و جعلـت من الخاتون بطلة لها . و كنت أذهب في الصباحات الباردة الى مقهى " كلوني " في بولفار السان ميشيل، و أصعد الى الطابق العلوي، مأوى المتأدبيـن و " أصحاب اللوثات الفكرية " كما يسمِّيهم زمزم، و أجلس بالساعات متمخِّضاً كي ألدَ صفحتين أو ثلاثاً، أقرأها على مسمع سراب عند العشيَّة .
لم أكن أعرف عن سراب سوى أنَّها من الكرَّادة الشرقيَّة، الحي البغدادي الذي كنت قد ولدت فيه أيضاً . و كنا انتقلنا الى مدينة الضباط في حيِّ اليرموك، بعد وفاة والدي، للإقامة في بيت عمَّتي التي كانت متزوِّجة من ضابط في الجيش . كان بيتاً واسعاً ذا حديقة تعلوها شرفة صغيرة تطلُّ على الشارع، من تلك البيوت الجديدة التي بناها عبدالكريم قاسم للضباط . لكنِّي بقيت أحنُّ الى حيِّنا القديم و الى رفاقي فيه و الى السدَّة الترابيَّة التي كنا نجتازها، في خفية عن أعين الأُمهات، لكي نسبح في دجلة .
و إذاً ، فقد كانت سراب ابنة شارع العطَّار، أبهى شوارع الكرَّادة و أقربها الى مدرسة الحكمة التي تعلَّمتُ فيها القراءة و الحساب على يد الست فكتوريا . و كان طولي لا يزيد على الشبرين حين حاولت أن أقود التلاميذ في مظاهرة نسـيت مناسـبتها و لم أعد أذكر منها سوى ذلك الهتاف الذي ألهب حنجرتي و أنا طفل: " سـبع بسـامـير بتوثيتـي و العايف دمَّه يتقدَّم ! " . و قـد تقـدم نحـوي فرَّاش المدرسـة و أعادني الى الصَّف بركلة موجعة من قدمه. شقَّت مؤخرتي .
هل كانت تلك الجيرة القديمة، بيني و بين سراب، كافية لأن تقيم بيننا القواسم المشتركة التي كشفتها لنا ثرثراتنا الطويلة ؟
إكتشفنا إنَّنا كنا نعرف، معاً، بيت المغنيَّة منيرة الهوزوز الذي أقامت فيه خليلة لشاعر معروف. كما كنا نتردد، في الفترة ذاتها، على مخزن رضا علوان لشراء الدفاتر و الأقلام، ونطارد الممثِّل فوزي محسن الأمين لكي يصرخ فينا صرخة مسرحيَّة من أحد أدوار يوسف وهبي فنهرب، مذعورين، الى بيوتنا .
وفي حين أنِّي غادرت الحيَّ في سنٍّ مبكرة، فقد ظلَّت سراب فيه و دخلت الثانوية الشرقية للبنات، وأحبَّت درس التاريخ بفضل الست نظيمة، و تعلَّمت كيف تسير مستقيمة الظهر، لا تتمايل يمنة ويسرة، وفقاً لأوامر لميعة الأورفلي، أشهر مديرات المدارس في بغداد، آنذاك، و أكثرهنَّ حزماً. و فهمت من سراب انها درست، بعد الثانوية، في معهد خاص للُّغات ثم سافرت الى بيروت لتلتحق بالجامعة الأميركية، لكن الحرب الأهليَّة أعادتها الى بغداد قبل أن تنهي الدراسة .
عادت غاوية للسياسة، ميّالة الى اليسار الثوري، لاعبة بالنار التي ستكوي أصابعها بلا رحمة، حسبما روت لي في لحظة من لحظات بوحها النادر .
كيف اكتوت ؟ وبأيِّ نار ؟
حاولت أن أعرف فلم تتجاوب أو تفصح عن المزيد، كما تهرَّبت من الحديث عن حياتها الأجتماعية بعد عودتها من بيروت، ولخصَّت الأُمور بانَّها هربت الى الخارج بعد فترة، عن طريق الشمال، و استقرَّت في باريس لاجئة منزوعة عن ناسها، محكومة بالكآبة، الى أن وجدت عملاً كمترجمة، بالساعة، في مكتب لتصديق الوثائق الرسميَّة يديره لبنانيٌّ.
كيف يكون دربي قد حاذى درب سراب، في أكثر من منعطف، دون أن يتلاقيا ؟ و ما علاقتها بجبرا و الباهي، و هي من ضفَّة و هما من أُخرى ؟
دخلـنا معاً، ذات مساء صيفيٍّ رائق، لمشاهدة فيلم سوفياتيٍّ لكليـموف في سـينما "كوزمـوز" . و لم أتوقع أن أراها تتأثر الى ذلك الحد بحيـث تبكي و تحمرُّ عيناها . وكانت القصّة عن مجموعة من العجائز اللواتي رفضن الإنصياع لأوامر الحكومة بإخلاء بيوتهن و الجلاء عن جزيرة مهدَّدة بالغرق. قبل أن تبتلعهن مياه البحر . و في حين يهرع الأطفال و الشباب الى البواخر التي أرسلتها الحكومة لتسفيرهم، و يلحق بهم الرجال، فإنَّ النساء المتقدمات في السن رفضن أن يُصدِّقن أنَّ وراء البحر أرضاً تصلح لبناء بيت جديد .
هل بقي في العمر متَّسع لترف مثل هذا ؟
أخيراً، تتمكَّن بعثة الحكومة من إقناع إحدى العجائز بالرحيل، فتوافق شرط أن يُسمح لها بوداع البيت الذي تزوَّجت فيه و أنجبت أبناءها السبعة . و تدوم مهلة الوداع نهاراً بكامله، تمضيه المرأة التي احدودب ظهرها في كنس أرضيـة البيت، و تنظيف الحجرات، و تلميـع الخشب، و نفض السـتائر، و وضع المفارش الخاصَّة بالأعياد، و سقي الحديقة، و نثر الحبوب للطيور . و لمَّا تنتـهي من عملها، تضيء كل أنوار البيت، و تقفل وراءها الباب، و تضع المفتاح في المخبأ الذي يعرفه كلُّ أفراد العائلة، و تمضي بعد ذلك الى السفينة التي تغادر بآخر الراحلين .
ثم يُخيِّم ضباب كثيف على المكان، و تحلُّ العتمة، و يطلع الفجر ، بعد ذلك، على أمواج تتلاطم. و لا جزيرة .
خرجنا من السينما و سرنا و كأننا في جنازة . لم نتبادل كلمة . و لمَّا بلغنا زقاقـاً هادئاً، مدَّت سـراب يدها و تشبثت بيدي كأنها تخاف الرحيل وحيدة وسط اللجج الغريبة، حيث لا بيت مضاء ينتظرها في أيِّ مكان .
بدأت علاقتنا الحميمة بدون خطط هجوميَّة من جانبي أو تمنُّع زائف من جانبها . كنا خارجين من عند الخاتون، بعد سهرة استماع لتسجيلات سليمة باشا، وهي واحدة من تلك الجلسات التي اتفقنا على تسميتها "حمَّامات الحنين". و بدل أن أصحبها الى الطابق الأرضيِّ و أسير معها، كالعادة، حتى موقف سيارتها، توقفنا على الدرج، عند باب شقَّتي، ودخلنا دون اتفاق مسبق وكأنَّ جرساً داخلياً دق لدى كل منَّا و أذِنَ لنا بالامتزاج وأشهد أنهّا امتزجت معي، منذ المرَّة الأُولى، في طقس خلاَّب ما زلت عاجزاً عن فكِّ شفرته، حتى و أنا منكَّب الآن على هذه الأوراق، أروي الحكاية بعد سـنوات من غيابها .
وبفضل سراب عرفت كيف تغدو الحواسُّ كمنجات، و حاذيت السرَّ الذي يُحيل ممارسة الحبِّ تمريناً على فعل الخلق . و معها بلغت ضفاف بحيرات لم أتيقَّن يوماً أنَّها كامنة في خبايا جسدي . جسدي الغشيم الذي توهَّمت، من قبل، أنَّني استكشفتـه كهفاً كهفاً و خبرت مجاهـله و شلالاته و مياهه الجوفية .
كانت تستلقي مطوِّحة بذراعيها على امتدادهما الى الخلف، مُتجاوزة حدود الوسادة و السرير، فارشة لي جنَّات لم أُوعد بها . و بخلاف صمتها الذي يغلب عليها في المجالس، فإنَّها كانت تتدفَّق كلاماً كالبلابل أثناء الحب، و تستذكر معلقات جاهلية و خطباً تروتسكية و شُتيمات لطيفة و مقامات عصمليَّـة و مزاميـر توراتيـة و أُغنيات من الزمن البائد . و أحياناً، كان يصـدر منها خليط من ولـولات غير مفهومة، مثل حداء الندَّابات أو وَهوَهات الدراويش ، أُحاول أن أستذكر شيئاً من كلماتها، فيما بعد، لكنها تهرب من طرف لساني مثل الأحلام التي تتبخَّر من الرؤوس عند الإستيقاظ . و من شدَّة استغراقها في تقطير رحيق لذَّتها، كانت تراودني خشية غامضة من احتمال ارتحالها الى منطقة حسيَّة قصيَّة، بعيدة عنِّي، فلا أدري كيف أُجاريها . لكنَّها، في وهلة ما من وهلات الحضور و الغياب، كانت تشُّق تسبيلة جفنيها شقاً ناعساً يكفي لأن ألمح الدعوة في نظرتها، فألتحق بها الى رَبوَتـها و أنا مطمئن الى سُكنـاي اليـها و سُكناها إليَّ .
هل هو الغرام الذي يأخذ بيد الشهوة و يقودها، خطوة خطوة، الى تخوم تلك الكفاية التي ما بعدها كفاية ؟ أم هي الأُلفة بيني و بين عراقيَّة من بنات جلدتي، كرَّادية أفهم إشاراتها و تفهم إشاراتي، توصلني الى تلك اللََّّذة المطمئنة المصفَّاة و المصطفاة للممسوسين من البشر فحسب، أحباب النخيل و الزعفران ؟
أسألها و نحن ممدَّدان و أعيننا الأربع مشرعة على سقف الغرفة :
ـ من دلَّكِ على غابتي يا بنت الناس ؟
و أسمع صوت البلبل يغنِّي في شبه العتمة الذي يلـفُّنا بردائه :
ـ أنا قلبي دلي .. لي لي .. ليـــلي...
كيف يمكنني، بعد كلَّ ذاك الجموح، أن أستقبل غراب البين الذي نقر، ذات نهار أجرب ، على شبَّاك سعادتي ؟
ما زلت، حتى الساعة، قاصراً عن إدراك ما جرى لسراب من اعتلال بعد أشهر قصار من امتزاجنا. إنَّ الجسد العبقريَّ في بذل الحب لا يمكن إلاَّ و أن يكون محصَّناً ضـد الداء، محروساً بالشموس وماء الفرات و تمائم العافية. هكـذا كنـت أفهم الأشـياء وأروز المحن والمسرَّات وأفرز زفرة الهمِّ عن نَفَس الصعداء كما تُفرز حبَّات الرز العنبر عن الزؤان .
كيف اختلطت الأُمور بهذه السرعة ؟ أم هو الغرام المُدوِّخ فتك بها و امتصَّ رحيق عسلها، مثلي، حتى الثمالة ؟
قلت لها، مفتوناً بتوارد الخواطر، وهي داخلة عليَّ ، ذات ضحى، و بيدها باقة من نرجس الربيع، إنني جئت لها بباقة من الزهر ذاته. فتأملت باقتها الملفوفة بورق بنفسجيٍّ ثم باقتي الموضوعة في المزهريَّة وردَّت على ملاحظتي مستعيرة المثل الشعبي الذي يفكفك براغي الحبَّابين و الحبَّابات :
ـ ألا تعرف كيفَ تغدو القلوب سواقي ... تتناءى ثم تتلاقى و تصبُّ في مجرى واحد؟
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
اضغط واطلب الرواية من مكتبة نيل وفرات
انعام كجه جي
inaam.kachachi@wanadoo.fr