(( اختيارُ.... رئيس للبلاد ))
قصة قصيرة للكاتب كيوركيس أغاسي
ترجمة : كاجو كاجو
كانت الساعة الحادية عشرة ليلا عندما فتحت عيني ، لم أعرف إن كنت نائما و استيقظت ؟ أم كنت مستيقظا ونمت ؟ وان كان ما رأيته حلما أم حقيقة تخيلتها !.
هذه الليلة رأيت جدي بلباس أحمر ، غمرني الفرح لأننا سنحلّق في رحلة أخرى الى عوالم جديدة . مهما يكن من أمر هذه الأسفار ، فقد جنيت منها المتعة والعبر.
لقد انقضت سنة كاملة على جولتنا ـ أنا وجدي ـ في رحاب الحياة الأبدية ، كان ذلك الحلم مميزا و مؤثرا ، فقد أحدث تبدلا عميقا في حياتي ، اذ أصبحت مستقيما و عطوفا و محبا للآخرين .
عندما استيقظت ، أو هكذا بدا لي ، ظهر جدي مثل هالة مضيئة ! لوّح بيده ، قلت له وقد نفذ صبري :
ـ كنت قد وعدتني أن نزور الدور ....
قاطعني قائلا : أنا المرشد والدليل وما عليك الا أن تطيعني .
أمسك بيدي ، وبرفة جفن أصبحنا نطير في الفضاء ، ولم يطل بنا الأمر حتى نزلنا بلادا مزدهرة ، دافئة ترابها ناعم مثل دقيق القمح ، أشجار الصفصاف تحيط كقلادة بضفاف نهر ماؤه صاف صلصال . كانت الشقوق تغطي قشرة الأرض الجافة كدليل على خصوبتها .. كنت مشدودا اليها بقوة . أشجار .. نهر مسرع و ملتو ، جبال متدرجة ، منازل مشادة بالأجر المشوي ، قصور و أوابد شاهقة ، آبار تتقيأ نارا .. لم أكن بحاجة أكثر من ذلك لأتيقن مما أرى .. لكن عندما شاهدت التماثيل المنحوتة .. والقاعات الملكية .. بدأ قلبي يرتطم بجدار قلبي ! هذا النهر ، تلك الآبار النفطية ، الأشجار ، وسنابل القمح الذهبية ، البيوت الجميلة و المزينة .
أجفلني صوت جدي :
ـ نعم يا بني .... تلك هي نينوى !
انهمرت الدموع غزيرة من عيني ، سقطت على الأرض الدافئة المتشققة،وبكيت .. بحرقة بكيت .
أشار جدي بسبابته جهة اليمين ، شاهدت هناك مطارا ، كانت الطائرات تحط بكثرة على أرضه ،
والناس بالمئات ، بل بالآلاف ينزلون حاملين حقائبهم وبنادقهم .
قال جدي : أنظر يسارك . شاهدت ميناء كبيرا توضعت فيه مواكب البواخر المحملة بآلاف العائدين .
أما القادمين من الشمال فقد ركبوا السيارات و القطارات والشاحنات والخيول . ومن جهة الجنوب فقد جاؤوا مشاة !!
فقدت القدرة على الكلام . قال جدي :
ـ هذه أرض آشور .. هذه هي نينوى الجديدة . التي أعطيت للآشوريين و البابليين .
سألت متلعثما :
- وطن واستقرار للآشوريين ؟ يا رب .. هل أنا أحلم أم ....؟
- نعم !. نعم !. ولم لا ؟ لا تستغرب ، أوضاع العالم متغيرة ومتبدلة ، وسيختارون اليوم رئيسا للبلاد ! نهضت من مكاني وأسرعت كمجنون ، كان المجتمعون في الساحة الكبيرة أكثر من مليون انسان .
تعالت أصوات الهلاهل والزغاريد ، والطبل والمزمار ، هزّتني أصوات الطلقات النارية ، بدأت عملية اختيار رئيس للبلاد . تطلعت حولي ، لم أر جدي . التقطت مسدسا من الأرض بدأت أشارك الآخرين فرحتهم .
قريبا منّا رأيت كاهنا يعتلي مصطبة ، ويتحدث الى الجمهور ، طلب منهم أن يختاروه لرئاسة الدولة ، قائلا : منذ ألفي سنة كانت السلطة بيدنا والآن أيضا سأتولّى هذا المنصب .
رفع شاب سلاحه بيده قائلا : منذ ألفي عام وأنت ترشدنا الى طريق الفردوس ! ماذا قدمت لنا ؟ وقد جعلت منا خرافا ، معتوهين ، وعميانا ، والآن بعد أن حصلنا على الحرية ، كفّ يدك عنا ، دع الأمور السياسية لنا ويكفيك الشؤون الروحية ، دعنا نعيش الحياة الرحبة مثل غيرنا من البشر !. صوت رصاصة أخرست ذلك الشاب ، سقط أرضا وتخبط في دمائه ، وللحظات قليلة حدث اضطراب عظيم ، بدأ الناس يطلقون العيارات النارية ، ويصيحون : يحيا سيدنا ! يحيا سيدنا ، واشتد اطلاق الرصاص مصحوب بصرخات : عاش السيد ميلر ،عاش سيدنا .
هرولت كالمجنون مستغيثا .. يا اخوتي يا اخوتي ..أيها الآشوريون لا تقتلوا بعضكم بعضا ، اختاروا رئيسكم بهدوء ، اختاروه من القوميين وليكتف الروحانيون بتسيير أمور الكنيسة .
هزت يدٌ كتفي ، التفت .. رأيت جدي ، نزلت عند قدميه ، وبعيون دامعة وصوت مرتجف .. رجوته . أوقف هذا القتال .. لا تترك ...
قاطعني قائلا : أنظر هناك ... رأيت شخصا باللباس العسكري يخطب بين الناس ، فرحت لأن رئيس البلاد سيكون من الجيش ...
تعالت الأصوات من جديد ، صاح البعض ، هذا الشخص من أية عشيرة هو ؟ لماذا لا يكون من قبيلتنا ؟.
اضطرب الحشد وتجددت الرمايات بين القرى العليا والسفلى و بين القرى الجنوبية و الشمالية ، سقط الناس بالآلاف صرعى ، البعض يطالب أن يكون الرئيس من المناطق الجبلية و آخرون يريدونه من القرى السهلية ، الجبليون يحددون اسم العشيرة و القرية ، و آخرون يقترحون اسم العائلة ، وكذلك اختلف سكان القرى السهلية ، كل يريده من قريته ، و أهل القرية الواحدة اختلفوا عليه فيما بينهم .
صرخ أحدهم : اختاروه مثقفا حكيما .
ظهر رجل أشعث الشعر اسمه يونشتاين ، قال جدي : هذا المحترم ليس له مثيل في العالم ، لا يوجد أكاديمي في الدنيا لا يعرفه ، مؤلفاته تتجاوز السبعين ، من الذّرة حتى الكمبيوتر و يكتب في الفلسفة و السياسة .
قلت لجدي : أرجوك هذا أنسب شخص لتدبير أمور بلادنا في هذا العصر . و قبل أن أنهي كلامي مع جدي سمعت أشخاصا يرددون ..
ـ انه ليس مؤمنا .. لا دين له .. انه كافر !
و تعالت الأصوات مطالبة بالموت للملحد الزنديق ... وأعدم يونشتاين بحبل نصب له توّا .
صاح رجل مسن : اختاروا رئيسا من أهل السياسة . ساد الصمت بين الحشد ، وبدا أن اتفاقا لاح في الافق . فرحت لأن رجلا سياسيا خبيرا سيحكم البلاد .
كانت الدماء قد غطّت قدماي ، وهذه المرة أيضا لم تطل فرحتي ! اذ رفع رجل سلاحه عاليا و قال : هذا السيد من أي حزب هو و من أي جناح و بالأحرى الى أية كنيسة ينتمي ؟ ثم لعلع صوت الرصاص ، و تساقط الناس مثل أوراق الشجر. نظرت حولي كانت قدماي قد غاصت حتى الركب في الدماء ، لمحت عدة أشخاص يحتمون بظل حائط يضحكون و يثرثرون !!... سحبت مسدسي و صوّبته الى ظلالهم .. لكن ظلالهم ......!!؟؟
صاح جدي : أحسنت يا بني لقد كشفت مثيري البلبلة و مسببي الفتنة !!
سحبت زناد مسدسي !... الا أن صوت جدي أيقظني ...!
كان نفسي مضطربا و فمي مفتوح .
هكذا اذا جرت الأمور ابان الامبراطورية .....
و كذلك ابان الحرب العالمية الأولى .....