طوفان نوح غير التاريخ والإكتشافات العلمية


المحرر موضوع: طوفان نوح غير التاريخ والإكتشافات العلمية  (زيارة 7471 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ehab2005

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 412
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
طوفان نوح غير التاريخ والإكتشافات العلمية


 سحر نافع شاكر
بغداد

سمح لي وقته المشغول دائما أن أُجالسه ساعتين ، تمنيت عند قُرب انتهاءها سريعا لو طالت   سنتين . إنسان لا تمل الانصات الى كلماته وإشاراته وملاحظاته حول أدفأ ما يلامس أعماق النفس البشرية . انه لا يحدثك عن مفردات عالمنا المادي المحيط بنا من كل جانب ،  مرغمين في تعاملنا مع عناصره يوميا ، شئنا ذلك أم أبينا . حديثه يتعامل مع ما تحبه أرواحنا أساطيرها ، أحلامها ، معتقداتها ، ايمانها . انه يحدثك كيف احتفظت حجارة الأرض بكنوز أسرار ملاحم أساطيرها
 المروية ، وجاء الانسان ليكشف ان كل ما روته الكتب المقدسة من أحداث وملاحم ، ودحضه العلم يوما ما وعدَّه خرافة ، عاد اليوم ليُثبت وقائعه بما لا يدع مجالا للشك . وفي مقدمة هذه الأحداث التي  احتلت مكانتها في وجدان الفكر العراقي هي ملحمة الطوفان ، طوفان نوح . الذي تحول فيما بعد الى طوفان كلكامش . تغيرت الأسماء وغابت جميعها عن الوجود ، وعاشت الملحمة ، ملحمة الطوفان .
سأتجنب التعليق وسأجلس مستمعة الى حديث الأب الدكتور يوسف توما مرقس رئيس تحرير مجلة الفكر المسيحي منذ عام 1995 وحتى الآن . دكتوراه اللاهوت العقائدي المسيحي وماجستير علم الأجناس البشرية من جامعتي ستراسبورغ ونانتير في فرنسا .


ملحمة وكتاب

كتاب (طوفان نوح / الاكتشافات العلمية الحديثة بخصوص الحدث الذي غيّر التاريخ) تأليف كل من وليم ريان ووالتر بتمان . صدر حديثاً في بغداد مترجما الى اللغة العربية من قبل فارس بطرس . راجعته للمرة الاولى وأشرفتُ عليه وقدمتُ له ، وراجعه بعدي للمرة الثانية يعقوب افرام منصور.  بدأت فكرة تأليف الكتاب من  قبل العالمين وليم ريان ووالتر بتمان بعد قيامهما بمسح زراعي - آثاري - تاريخي علمي منظم غطى سواحل البحر الأسود . وأصدرا نتائج أبحاثهما ودراساتهما المنجزة خلال مدة زمنية استمرت أكثر من (10) سنوات في هذا الكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1999 . راودتني فكرة تعريبه عند اطلاعي على محتوياته أثناء بحثي عبر شبكة الانترنت عن أجوبة لتساؤلات تخص تاريخ العراق ، قصصه ، وأساطيره ، وتاريخ أقوامه ، مستوطنوه الأوائل ، السومريون . في محاولة لإيجادي الاجابة على السؤال الذي شغل عقول مئات العلماء الآثاريين والمشتغلين في علم الأساطير وعلماء الأجناس البشرية ولا زال : من أين قَدِمَ السومريون ؟ وما هو أصل حضارتهم المختلفة في جذورها وأصولها عن باقي حضارات منطقة الشرق الأوسط ؟ تلك الحضارة التي شغلت الدنيا منذ لحظة اكتشاف أول بريق لمع من خزائن كنوزها ولحد الآن . ومن أجل ذلك عمدنا الى تشكيل فريق عمل متكامل لغرض ترجمة ذلك الكتاب وتدقيقه والتحقق من كثير من التعابير العلمية الواردة في متنه . والحمد لله صدر الكتاب عن مجلة الفكر المسيحي بمساعدة بيت الحكمة ، وجهود الدكتورة آمال شلاش بصورة خاصة . ما دوّن في هذا الكتاب ، هو محاولة لرتق ما محته ذاكرة الانسان ، والذي بقيَّ أثراً منه في الكتب المقدسة في التوراة والانجيل والقرآن الكريم . فهذا الكتاب يكشف لنا كيف ان الحضارات ما زالت الى يومنا هذا تحمل في داخلها ندبات التاريخ وأحداث ملاحمه المتلاحقة .  وقارئ الكتاب المقدس نفسه يراه كتاباً غائصاً في حياة البشر كمجتمعات قديمة أو كأفراد عاشوا يوماً ما في تلك الأزمنة العتيقة . ولهذا ليس هناك تناقض بين ما دوّنه الكتاب المقدس ، وبين حضارة ونظم معيشة تلك المجتمعات لأنه يشهد على هؤلاء الناس الذين استلموا ذلك الوحي ، ويشهد على مفردات وجودهم الانساني واليومي . فالكتب المقدسة لا تنفصم محتوياتها عن حياة وحضارة الشعوب التي كتبتها .
هنا يجب أن نذكر ملاحظة مهمة هي ، انه ليس شرطاً دقة الجانب العلمي في الوحي ، وبالتالي فيما دوّنه الكاتب في أسفار الكتاب المقدس ، ولكن جانبه اللاهوتي الذي لا تناقض  في محتوياته مطلقاً . ان الله يحب البشر ويخاطبهم عن طريق أنبيائه ، والله يستعمل مِنَ  البشر مَنْ يختارهم ، ويستعمل إمكاناتهم ومفردات حضارتهم وأولها لغتهم . وكتابنا اليوم (طوفان نوح) ما كان يرى النور لولا سقوط الاتحاد السوفيتي الذي منح العالمين وليم ريان ووالتر بترمان إمكانية الذهاب الى سواحل البحر الأسود وسبر أعماقه ، لكونها كانت تُعد منطقة عسكرية ممنوعة قبل عام 1992 .  هذا الكتاب هو وجهة نظر علمية تحليلية 100 % ، حيث تبتعد عن السرد التوراتي ، لكنها  لا تتقاطع معه . وقد برهن عملهما العلمي المنظم ان التوراة لا تتكلم عن حدث أو نتيجة دون وجود أساس متين لها . لا يوجد كلام عن ما يعده الانسان اليوم اسطورة (وهو في الحقيقة ليس كذلك) دون أن يكون وراءها أحداث دمغت أعماق الذاكرة الانسانية .
حدث حقيقي بأصغر تفاصيله جرت أحداثه في يوم من أيام الزمان على سطح الأرض ،  ليأتي النبي كاتب السفر ليستعمل أحداث تلك القصة كي تكون درساً يقود القلوب الى عظمة فعل الله في حياة البشر . ولو بحثنا في لغة التوراة العبرية سنجد ان كلمة (درس) تعني (الدرس الشفهي) أي (المروي) .

أصل السومريين

كثيرة هي العناصر التي فقدتها ذاكرة التاريخ ، ويساعدنا هذا الكتاب على قراءتها ومحاولة استردادها من عوالم النسيان . السومريون شعب يختلف عن باقي الشعوب السامية مثل الأكديين والآشوريين والآراميين والبابليين والعرب . انه لا يشبههم ، في مفردات لغته او في أصل حضارته ، هو شعب مختلف . وهذا الاختلاف كان ولا يزال محيرا ، على صعد عديدة .  هذا الكتاب يضع لبُنة قوية في جذور البناء الثقافي لشعب بلاد سومر نحن بأمسّ الحاجة اليه. الذي أشعر بمحبة شخصية دافقة نحوه ، لسبب بسيط فهو أول الشعوب القديمة التي نجحت  في بناء حضارة عظيمة تخلو من العنف . فالزائر لقاعة السومريين في متحف الآثار العراقي سيشاهد رجال الشعب السومري ونساءه بعيونهم الكبيرة المفتوحة ، التي ترنو منذ الأزل نحو السماء . كانوا شعباً متصوفاً . لذلك امتلكوا أقل عدد من الأسلحة ، ولذلك عند ظهور  الأكديين الشعب الأعنف ، على المسرح العراقي ، نجح هؤلاء القادمون الجدد في القضاء عليهم سريعا .  يضم كتاب (طوفان نوح) عناصر جيولوجية وأنثروبولوجية وزراعية وتقنية متنوعة ميزت كل منها حضارة من حضارات الشعوب القديمة ، ومنها شعب أرض سومر . فاستعمال الأصداف ، على سبيل المثال ، الذي اشتهر به الشعب السومري يدعونا الى التساؤل عن  منشأ هذا الحب العظيم للأصداف واستعمالاتها المتعددة . فمن خلال رصد مثل هذه الملاحظات الدقيقة ، نستطيع أن نستنتج بأنهم كانوا شعبا يسكنون منطقة ما في هذا العالم الواسع تتميز بغناها بتكويناتها الصدفية المتنوعة التي كانت تستعمل كتعاويذ . وعند انتقالهم الى منطقة جغرافية بعيدة عن موطنهم الأصلي ، ومختلفة في طبيعة مكونات بيئتها الحياتية عنه ، نقلوا معهم حبهم لهذه المكونات الصدفية الطبيعية واستمرار تعلقهم بها ، رغم خلو منطقتهم الجديدة منها ، وهي منطقة جنوبي العراق .  تتجلى أهمية الكتاب كونه يزخر بالمعلومات الميدانية التي تؤرخ لمراحل تاريخية تفصلنا عنها آلاف السنين ، يجعلني لا أعفي باحثا ملتزماً من قراءته والاطلاع على محتوياته .

ملحمة المياه

الفترة الزمنية التي تعارف الناس على تسميتها فترة الطوفان ، ندعوها (فترة الكارثة العظمى) أو (فترة الحدث الكبير) الذي امتدت أحداثها بين 7200 - 6900 ق. م. كتاب (طوفان نوح) يحاول أن يخبرنا انه لم تحدث خلال تاريخ الانسان ، منذ بداية وجوده على سطح كوكب الأرض الى يومنا هذا ، كارثة أكبر من ملحمة الطوفان . ومن هول ما حدث ، ولأن الأجيال التي جاءت بعد حدوثها بمئات السنين ، ولم تشهد أحداثها الحقيقية ، لم يكن بمقدورها أن تصدق ما  حدث على أرض الواقع ، فحولت المروى عنها لاحقا الى اسطورة . يخبرنا وليم ريان ووالتر بتمان في كتابهما (طوفان نوح) ان كارثة حدثت في منطقة البحر الأسود ، تمثلت في اندفاع كميات هائلة من المياه ولجج هادرة لا أول لها ولا آخر (هذا الكلام مدعم بدلائل علمية مادية ملموسة) انسكبت في مضيق البسفور وطغت مغرقة مناطق مسكونة ومأهولة بسكان ممتدة حوله . كانت المياه المندفعة بقوة خيالية تعادل مئتين مرة قدر حجم المياه المتحركة عبر شلالات نياكارا في وقتنا الحاضر . فهول هذه الأحداث قد نقشت في مخيلة الناس آثارا تحولت مع مرور آلاف السنين الى ملحمة حقيقية في صراع الانسان مع الماء ، للبقاء على قيد الحياة .
فمجموع البشر الذين كانوا مستوطنين ذاك الوادي ، وجاء الماء طاغياً على عوالمهم بكل  عنفه الأهوج ، كانوا يعتقدونه أول أمرهم مطراً ، لأنهم لا يدرون ماذا حدث بالضبط ، انها أول مرة في التاريخ تعلن المياه غضبها . فقد انهمر الماء عليهم من مناطق مرتفعة مغرقاً أراضيهم المنخفضة ، وقضى الآلاف منهم غرقاً في غمضة عين . ونجح آخرون في   الهرب . وتناقل الناس أخبار ما حدث . وتناقلت الشعوب من بعدهم رواية الأحداث لتكتب بلاد بابل بعد 4000 سنة من وقوع أحداث ذلك الطوفان الذي لا شبيه له ، ملحمة كلكامش الخالدة (الطوفان).
أقدم تفاصيل لتلك الملحمة سجلت في عام 2500 ق. م ، بينما الكارثة حدثت عام 7000 ق. م. إذن هناك فاصلا زمنيا مقداره 4000 سنة . فيجب أن نتخيل ، نظراً لوجود هذا الفاصل الزمني ، ان تناقل رواية الأحداث الشفهي يمكن له أن يحرك كثيرا من عناصر الحدث غير الموجودة أصلا ، ويفقد الكثير من المفردات الموجودة في القصة الحقيقية .

سلة الغذاء والملبس

ادى الفرق بين أنواع المحاصيل الزراعية دورا لا يستهان به في تأسيس حضارة الشعوب المختلفة والمحافظة على ديمومتها ، وطرق معيشتها التي تعتمدها في وجودها ، بما يتلاءم  مع ظروفها البيئية . أبسط مثالين يمكن لهما توضيح هذه الفكرة هو ان شمالي العراق كان السبّاق في إنتاج محصول الحنطة ، بينما جنوبه كان سباقاً في إنتاج محصول الرز الذي  يدعى في لغته المحلية (شلب) . لماذا هذا اللفظ الغريب الذي استوطن أرض العراق فقط  دون بقية البلدان ؟ نستطيع أن نخمن السبب إذا عرفنا أن الرز في اللغة  السومرية يدعى (شلبو) . الكلمة سافرت من أرض سومر لتقطع 4000 سنة من عمر الزمان ، لتأتي وتستوطن ألسنتنا ولهجتنا العراقية . العراق الذي أنتج الرز ، يستورده اليوم من باكستان والصين . الشعب الذي أنتج الحنطة وصدرها الى العالم منذ آلاف السنين يستوردها اليوم من كندا . ومثل محصولي الحنطة والرز اللذين هما منتجين عراقيين أصيلين غيرهما كثير . والذي ساعد على إنتاج مثل هذه المحاصيل قبل آلاف السنين هو تطور تقنيتي السقي والري بشكل لا يُعقل خاصة في زمن الآشوريين .   كثير من المناطق في العالم هي مناطق غذاء ، وعلماء الآثار يعلمون جيداً انه حيثما يوجد الغذاء فلا بُدَّ أن تجتمع الشعوب . إذن لمعرفة خارطة توزيع الأجناس البشرية في العالم ، تجب دراسة خريطة توزيع أنواع الطعام وأماكن إنتاجه . وهو بدوره يؤسس لمشكلة ، لكون إنتاج ذلك الطعام يرتبط بعلاقة وثيقة مع اختلاف توزيع قيم العناصر المناخية وتغيراتها  خلال فصول السنة المختلفة ، التي يقود تحديدها بالتالي الى معرفة توزيع مواسم الجفاف والرطوبة في هذا البلد أو ذاك.  لماذا تطورت زراعة الحبوب وأساليب حفظها والتعامل مع خصائص تنوعها في العراق بهذا الشكل المذهل ؟ حدث ذلك بسبب مناخه القاري . حيث الأرض الصحراوية لا تنتج لفترات طويلة من السنة . الصحراء أرض غير منتجة . والعراق أرض صحراوية . ولذلك يجب أن يخترع  من يستوطن هذه المناطق من العالم ألف طريقة وطريقة لحفظ طعامه من الضياع ، وهكذا صنع إنسان العراق الأول ، وكانت الحبوب ، وفي مقدمتها محصولي الحنطة والرز ، أفضل أنواع طعامه المحفوظ .  عندما نعمد الى تصنيف نوعية طعامنا العراقي في الوقت الحاضر نجده يتألف بالدرجة  الاولى من حبوب محفوظة ، بأشكال متعددة ، البرغل والحبية والكبة .. الخ ، كلها في حقيقتها عناصر غذائية محفوظة . إضافة الى تقدم وتنوع زراعة الحبوب في العراق ، نجد الرعي فهو الآخر يشكل بدوره طعاما محفوظا . فلو أخذنا حيوان المعزى على سبيل المثال سنجد اننا نستطيع أن نجني الحليب منها ، ونستخلص منه بالتالي كافة مشتقاته الغذائية من القيمر والجبن . إضافة الى قيامها بتزويدنا بالجلد والنسيج . ومتى ما احتجت الى طعام لي ولأي فرد من أفراد عائلتي أعمد الى ذبحها وطهوها .  إذن حضارة الشعوب هي عبارة عن طرق تعاملها الناجح والدائم مع المأكول والملبوس . وهذا ما عبر عنه المفكر كلود ليفي شتراوس باطلاقه لعبارته (الفكر البري) .

الانسان يحتاج الي أن يعمل فكره لكي يبقي علي قيد الحياة . نستنتج من ذلك كله ان جذور مفردات المطبخ العراقي هو المطبخ السومري . فالطعام الذي ما زال سائداً حتي وقتنا الحاضر في جنوبي العراق هو السمك المجفف وهذه طريقة سومرية في حفظ الطعام النهري .
إضافة الي الطعام المكبوس ، والطعام المملح ، وهي جميعها طرق سومرية في حفظ المأكول أطول مدة زمنية ممكنة .
وإذا انتقلنا الي طقوس التعزية وأعيادنا الدينية والرسمية نجدها مناسبات صممت لجعل الطعام مشاعًا ، وهذا يخلق توازناً لأجسامنا . الفقير لا يستطيع أن يأكل لحماً يوميا ، ولا أحد يستطيع أن يأكل اللحم يوميا ، ماعدا الملوك هم وحدهم الذين كان بامكانهم أن يأكلوا اللحم يوميا ، ولذلك أصابهم "داء الملوك" . تعازينا هي مناسبات تسمح للانسان أن يأكل مادة اللحم أربع أو خمس مرات في السنة . إذا نحن بحاجة الي أن نفهم كيفية التعامل مع خيرات أرضنا وبلدنا ، ونفهم خارطة توزيع عاداته وتقاليد غذائه وأصناف طعامه . لتشكل لنا قاعدة معلومات لفهم البدايات والجذور لمعظم تقاليدنا وعادات مناسباتنا .

الثقافة العراقية

العراق من البلدان النادرة الشبيه في العالم ، حيث اجتمعت علي أرضه مختلف أنواع الأجناس البشرية ، الجنس القوقازي ، والجنس الأصفر القادم الينا مع قدوم جيوش المغول ودخولها بغداد عام 1258م وحتي قبل ذلك . والجنس الأسود المتمثل بالعبيد الذين أشعلوا ثورة الزنج عام 922م ضد العباسيين ، والتي دامت 15 سنة ، وادت دورها التاريخي في المجتمع العراقي لاحقا . أتصور ان الثقافة العراقية انطلقت من أرض العراق في أزمنة تاريخية متعددة وانتقلت الي شعوب العالم المختلفة ، التي تسلمت بدورها عناصر هذه الثقافة وعرفت كيف تستفيد منها وتعمل علي تطويرها بما يتلاءم واحتياجاتها ، ومن ثم نجحت نجاحا فائقا في توظيفها لمصلحة شعوبها ، بينما بات أصحاب هذه الثقافة نفسها يتضورون جوعا . أتمني ان خيرنا لا يذهب لغيرنا . بدعوتي ورعايتي ترجمة كتاب (طوفان نوح) فأنا في الحقيقة عملت علي إعادة تراث ملاحمنا وتاريخنا الي جذوره بعد أن أُخذ منّا ونُقل بعيدا عن مهده .
تاريخ نقل إنجازاتنا الحضارية تشبه تقنية الطب الصيني حين تعرّفها الغرب واستعارها لينكب علي دراستها وتطويرها ثم أعادها الي موطنها الأول أفضل كثيرا من بداياتها . نحن نمتلك قابلية الإبداع وموهبة تجسيد أفكار الإنسان علي أرض الواقع ، ولكن بعدها تصبح هذه الأفكار في ذمة التاريخ ، لافتقادنا لملكة المطاولة . أما الآخرون فيتميزون عنّا بامتلاكهم قابلية تطوير ما صنعته أفكارنا .
أتمني بناء صرح للثقافة العراقية علي أُسس مطاولة جديدة . تؤهلنا لأن نمتلك المكتبات ومراكز البحوث العلمية في مختلف جوانب حياتنا ، التي نحن اليوم بأمس الحاجة إليها . فاليوم لا يوجد من يدعي أنه قادر بمفرده علي امتلاك ناصية العلم دون منازع . العلوم في الماضي كانت مرتبة رفوفاً في جدار . أما اليوم فروافد معرفتنا متداخلة بين مختلف أنواع العلوم العلمية منها والانسانية . هذا الكتاب يكشف عبر كلماته وصفحاته مدي أهمية النتائج المترتبة علي تداخل العلوم في ما بينها ، الزراعية منها ، والتاريخية ، والجيولوجية . ومعارفنا الانسانية ما كان لها أن تتطور لولا هذا التداخل . لا يستطيع عالم الآثار اليوم أو المشتغل في الميدان الجيولوجي كل منهما بمفرده ، سيأتي الأخير ليقول لي ما معني هذا الرسم الذي وجده منقوشاً علي سطح صخرة سوداء في صحاري العراق النائية ، وسأجيبه ان هذا ليس رسماً ، انه حرف . عالم الجينات يستطيع أن يُثبت انه في مكان ما علي سطح الأرض كان هناك نشاط زراعي قبل 5000 سنة . ثم يأتي من بعده عالم الآثار ويجد ان الموقع الزراعي ذاك يمتلك مخلفات صناعية خاصة به ، حيث كانت هناك مواد أولية ، الحديد منها أو النحاس . إذا هذه المخلفات لا بد أن تكون قد دخلت عالم التصنيع بعد 5000 سنة .. وهكذا دواليك .
العالم بمفرده ، أياً كان تخصصه لا يستطيع الاجابة علي جميع الأسئلة . فلا بد له أن يستعين بعلماء آخرين ذوي تخصصات علمية مختلفة ، ليتفحصوا ويدرسوا منطقته نفسها بمنظور علمي وإنساني مختلف ، ولذلك ينضوي العمل الحقيقي اليوم تحت إدارة فريق متكامل من تخصصات علمية وإنسانية متنوعة . العمل الناجح اليوم هو عمل جماعي Team work يعتمد علي تبادل الخبرة العلمية والمعرفة الانسانية ، أياً كان نوعها ، بين أفراده . نحن العراقيين ، تمتعنا منذ القديم بعلاقات قوية مع الشرق .
وتحكي لنا قصصنا وأساطيرنا ان قبلة المنطلقين في رحلاتهم من بغداد كانت باتجاه الشرق . والأحداث المرواة تنقل شخصياتها باتجاه الشرق دائما . الهند كان لها سحر خاص ، فهي تشكل بالنسبة إلينا (عالم الأحلام) .. الصين كانت محط أنظارنا دائما ، وأشهر أمثالنا يقول : أطلب العلم ولو في الصين . ويُعتقد أن كلكامش نفسه كان خط سيره باتجاه الصين أثناء بحثه الاسطوري عن أكسير الخلود . وتذهب سفرة سندبادنا البحري به نحو الشرق ، الي جزيرة مولوك في إندونيسيا بل حتي الفلبين . تجار بغداد في حكاياتنا يذهبون دائما نحو الشرق . لماذا الشرق ؟ ومتي أُستبدل الشرق بالغرب ؟ ادي الغرب دوره مع بداية الاحتكاك البشري الذي قام بين الشرق والغرب، بدءاً من فتوحات طارق بن زياد . صار الانسان العراقي والعربي معنيًا بالغرب . يقال إنه في زمن هارون الرشيد جاء عدد من الرحّالة السويديين ونقلوا الاسطرلاب معهم ، وبواسطته اكتشفوا كلا من جزيرة جرينلند وشمالي كندا .
ألف ليلة وليلة ثروة لا تُقدر بمال . ولكنها ثروة بحاجة الي دراسة . أنجزتُ دراستي المفصلة عن قصة السندباد البحري ، واكتشفت غني معانيها النفيسة ، حيث سفرات السندباد البحري السبع التي ترسم في حقيقة تطور أحداثها ، تطور مراحل النمو في حياة الانسان نفسه ، المتضمنة اكتشاف الأنا واكتشاف الأنت واكتشاف النحن . ليصير بعدها المولود رجلا . وسينشر موضوع الدراسة قريبا . وهناك السندباد البري . السندباد البحري غني ، والسندباد البري فقير. انهما أصدقاء في الليل .. غرباء في النهار . دراسة مثل هذه عن العلاقات الرمزية المتداخلة في أساطيرنا تعكس لنا علامات ذات دلالة علي أحلام اليقظة . وهي قضية نفسية عميقة جدا . ما كان يخطر علي بال مَن دوّن قصص سندبادنا البحري حجم الاستفادة التي منحها إيانا والتي يمكن تلمس معطياتها بعد دراستنا لمضامينها .
اختصاصي علم الأساطير . الدارس للأساطير هو شبيه بمن يجلس علي ساحل بحيرة ويلتقط حصاة صغيرة ليرميها علي سطح مائها الساكن ليتولد بعدها شكل دائري صغير ، يأخذ بالاتساع شيئا فشيئا ، لتتولد بعدها عشرات الأشكال الدائرية المتحدة المركز والمتحركة نحو الخارج .. وهكذا . أطرح هذه الفكرة لأن اهتمامي بالأساطير جاء من حبي للقصص .
عندما كنت طفلا لم يكن في بيتنا جهاز تلفاز . والمذياع لم يدخله الا عام 1956 وأنا عمري سبع سنوات . فمن كان يا تُري يُداعب ويُلهب خيال الطفولة الجامح لديّ ؟ كانت والدتي . كانت "حكاواتية " وقصّاصة لا شبيه لها ، بامتلاكها لذاكرة هائلة . لو سمعت قصة وعمرها 10 سنوات ، ترويها بعد عشرين عاماً وكأنها سمعتها البارحة . كان الناس في الماضي يتمتعون بقابلية حفظ لا تتمتع بها ذاكرة أجيالنا في الوقت الحاضر ، لانعدام وجود عوامل تنوع وتبعثر في زمانهم الجميل كالذي موجود في زماننا .
في أيام طفولتي كانت ليالي الصيف علي سطح بيتنا في مدينة الموصل بالنسبة لي ليالي القصص الجميلة التي لا تنتهي ، أنام علي أحداثها وصراع أبطالها وأبقي الليل بطوله أحلم بها ، كبرت وأنا عاشق للقصص ، ذاكرتي غنية بالقصص . واكتشفت في بدايات دراستي للأجناس البشرية دور القصة في بناء المجتمعات . كثير من المجتمعات تتعامل مع القصص ، والقصص أنواع مختلفة لا أول لها ولا آخر . هناك القصص المصنوعة - المؤلفة ، والقصص الموروثة - المروية القادمة الينا من أعماق التاريخ .. من أعماق أرواحنا نحن . وحسناً فعل كارل غوستاف يونج حينما صاغ نظريته بكلمات تقول : تلعب القصص والأساطير في نفسية المجتمع ما يقوم به الحلم في نفسية الفرد . ولإيماني بدور القصة في صياغة أحلام الانسان منذ لحظات طفولته الي مرحلة شيخوخته تناولت قصة متداولة في شمالي عراقنا الحبيب في مدينتي المحبوبة (زاخو) ، حيث شُيّد هناك جسر آثاري اسمه (الجسر العباسي) . تخبرنا مجريات قصة بناء هذا الجسر بوجود فتاة صُبَّ جسدها الحي داخل جسده الحجري ، انها تضحية بشرية قُدمت للمحافظة علي وجود الجسر من الهدم والضياع. درست القصة وقدمت حولها اطروحتي ونلت درجة الماجستير في تخصص (الأجناس البشرية) وتخصصي هو الوحيد في العراق.
هذه القصة دفعتني أيضا الي أن أدرس البنيوية ، حيث ان مثل هذا التخصص نادر الوجود بدوره في العراق . وهذا يقودني الي إعلان عشقي الدائم الي كتابات علي الوردي لكونه رائدا من الرواد الكبار في علم الاجتماع . أتمني أن يعي المثقف العراقي كونه يمتلك إرثاً شفهياً مستوطناً قلوب وشفاه ناسه ، لو مات أصحابه اليوم فسينقرض إرثه الغالي ذاك الي الأبد . فأي شيخ أو عجوز يموتان ، تموت معهما مكتبة . أدعو الي أن نبدأ اليوم مسحاً إثنوغرافياً لعراقنا من أقصي شماليه الي أقصي جنوبيه، يقوده أُناس لديهم الوسائل والإمكانات والخبرة التي تتيح لهم النجاح في غاياتهم ومقاصدهم . ونعمل علي جمع كل ما تقع عليه أيدينا من قصص وحكايات وأساطير وحكاوي . نسجلها مكتوبة ومسموعة ومرئية ونسعي الي توثيقها ، ونعمل علي إحياء فكرة مجلة التراث الشعبي ، مع العمل علي تطويرها نحو الأفضل . لأن فكرة مجلة التراث الشعبي كانت فكرة جيدة ، ولكنها كانت غير مختصة . كانت مجلة شعبية - تراثية ولكنها غير علمية بحسب مقال المرحوم الدكتور أكرم فاضل (رحمه الله) الذي يعد أحد المؤسسين والأقطاب لهذه المجلة . قال يوما متكلماً حول طبيعة التخصصات العلمية للعاملين في المجلة والمشرفين علي موضوعاتها وإصدارها ، إننا جميعنا غير مختصين ، ولكننا نشعر بوجود حاجة مُلحة لها ، تفتقد اليها ساحتنا الثقافية . لهذا يمكن لفكرة مجلة التراث الشعبي أن تشكل حجر الأساس لبناء مستقبلي لتراثنا العراقي الانساني ، ولكنها لا يمكن لها أن تشكل عنصرا من الممكن أن تستفيد منه الأجيال القادمة كثيرا . إلا إذا لحقنا بالوقت الضائع ، وعملنا علي تأسيس مركز يتفاعل مع بقية مراكز الشعوب المختلفة .
أؤمن ان الشعوب تقف علي أقدامها إذا اتكأت الي ماضي صحيح . الأخوان غرين أنقذا ذاكرة بلدهما ألمانيا ومنحاها قوة هائلة وخلودا وقف عصيا بوجه النسيان . هما أخوان عملا علي جمع أساطير ألمانيا وحكايات عجائزها . واليوم تحولت أحداث قصصهم الي ثروة عالمية ، ولكنها في حقيقتها ثروة ألمانية . فشركات الانتاج الأمريكية واليابانية تتسابق لتحويل ما جمعا الي بيئة مرئية ، عشرات من أفلام الرسوم المتحركة والأفلام السينمائية وأفلام الفضاء الافتراضي في شبكة الانترنت ، وكتب تتسابق دور النشر علي إصدارها بطبعات مختلفة مزينة برسوم تمثل قمة من قمم الفن التصويري .
أتمني تأسيس بيت ترجمة ينقل إرث الشعوب . لأن الشعوب الناطقة بالعربية هي أفقر شعوب العالم في ميدان الترجمة . وتقرير اليونسكو حول هذا الموضوع ، مخيف .
أتمني إننا قبل أن نبدأ بنشر مؤلفات جديدة نعمل علي ترجمة ما كُتب عن إرثنا الحضاري في لغات بلدان العالم المختلفة .
فإذا ترجمنا 500 أو 1000 مؤلف في السنة ، وعملنا علي طباعته علي ورق ذي تكلفة رخيصة كما فعلت الهند منذ عقود . مما يسمح للمثقف بالحصول عليها وشرائها بأسعار مناسبة ، فسيكون عملنا هذا من الأعمال الرائعة .


نقلا عن الأب يوسف توما
المرسل: الأب إيهاب نافع البورزان
بغداد 2/1/2006[/b]