هاي أشسويت بينه عمو فارس ؟!
--------------------------------
فالح حسون الدراجي
كالفورنيا
falehaldaragi@yahoo.comفي الوقت الذي كان فيه مدرس الصحافة الأمريكي ، يشرح لطلابه في الصف التاسع ، من مدرسة فورت لودرديل ، في ولاية فلوريدا الأمريكية ، خصائص الحضارة العراقية الأولى في بلاد مابين النهرين، وعلوم وثقافات وادي الرافدين،وينابيعها الأولى، ويتحدث عن مزايا الأنسان العراقي ، ذلك الأنسان الذي بهر الدنيا بتفوقه ، وأستباقاته الحضارية ، كان الطالب العراقي فارس حسن ، الذي لم يصل السادسة عشرمن عمره بعد ، والمولود في الولايات المتحدة الأمريكية ، يستمع الى أستاذه ، وهويحلق بخياله بعيداً ، فيمضي به الخيال الى العراق ، حيث بلاد أبيه وأمه وأجداده ، فيغمض عينيه برهة ، ليتخيل شكل المدن العراقية، واحدة واحدة ، وليرسم لكل مدينة عراقية صورة خاصة ، فالبصرة في نظره بستان العراق ، وبغداد عيون المها ، بين الرصافة والكرخ ، وأربيل القلعة الكردية العظيمة ، وسامراء الملوية العجيبة ، وبابل الجنائن المعلقة ، والموصل أم الربيعين ، وكربلاء قباب المفخرة الحسينية،والكرادة عنده جسرالوصال المعلق،والجبايش فخرالعراق الجغرافي، والتكوين السريالي الفريد، وديالى هي (أم البرتقال) والقوش شعب الجمال والرقي والمدنية، وكويسنجق منصة الشعراء والعلماء ، ومصنع القادة !! والشامية حقل رزالعنبر، الممتد من مستوى النظر، الى مستوى الخرافة !! وهكذا راح الفتى فارس حسن ، يرسم في مخيلته الطرية ، صورة لكل أرض عراقية ، ويضع علامة فارقة لها، متخيلاً المدن والشوارع والأنهار والناس والحقول كما يتمنى هو ، وكما يشتهي لبلاد أبيه وأمه وأجداده.وحين طلب مدرس مادة الصحافة من طلابه، موضوعاً عن حضارة العراق المدهشة ، وأنسان العراق المدهش ، لم يفعل فارس كما فعل الطلاب الآخرون ، حيث مضوا الى مكتبة المدرسة ، ليستعينوا بكتب التأريخ والجغرافية ، وفهارس الحضارة العراقية ، بل قرر أن يمضي بنفسه الى أرض هذه الحضارة ، وأن يلتقي بنفسه أنسانها العظيم ، أليست هي أرض أبيه وأمه وأجداده ، ثم ألم يكن هذا الأنسان ، هو أخوه ، وأبن عمه، وأبن دمه، وأبن دجلته وفراته ، وأبن عشقه الأبدي ؟! لحظتها أختمرت الفكرة في قلبه تماماً ، بعد أن أعدها العقل أعداداً جيداً، وبدأ بأعداد مستلزمات السفر ، ليبدأ بالجواز( الأمريكي ) أين ؟ ها هوأخرجه من (الكنتور) ، فهو جاهز وصالح للأستعمال !! ثم سأل عن الفيزا الى الكويت ؟ لايتطلب السفرالى الكويت لحملة الجواز الأمريكي أية فيزا !! ومن أين المال الذي تتطلبه الرحلة ؟ هاهي النقود، فألف وثمانمائة دولار،عدا أجورالسفر كافية جداً لسفرة الى العراق! وأخيراً، ماذا بشأن الأجازة المدرسية؟! لابأس عليك يافارس
فعطلة أعياد الميلاد ورأس السنة قادمة،مضافاً لها العطلة المدرسية القصيرة!! أذاً ليتوكل الفتى فارس حسن على الله ، مستنداً على أرث الدم العراقي الطاهر، الذي يسري في كيانه ، ومعتمداً على نياشين القلب وأدلته ، الم يقل حنّا مينا ( أن القلب دليل المحبين ، ومرشد العشاق ) ؟! وهكذا يمضي (الولد السبع) الى بلاد لم يطأ أرضها من قبل ، ولم يشم ترابها ، أو يتعطر بأريجها عن قرب ، ولم يسبح بدجلتها يوماً مثل بقية أولادها ، لكنه يعرفها تماماً ، ويستدل على أزقتها بخياله ، وقلبه، وكل مجساته عن ظهر قلب ، لأنها بأختصار، أرض أبيه وأمه وأجداده ، بل هي أرضه هوأيضاً ، لذا فهي عنده أغلى من روحه ودمه ، وعليه يجب ان يراها اليوم ، وأن يحدثها ، ويعانقها ، ويسبح بأنهار محبتها ، ويغتسل بأريج صباحاتها الندية ، والمقدسة أيضاً، وهكذا يصل الفتى القادم سراً،أرضه (الموعودة) رغم كل المفاجئات التي حدثت معه ، بدءاً من أغلاق الحدود العراقية بسبب الأنتخابات ، ومغادرته الكويت الى لبنان، حيث أقام فترة أسبوع لدى عائلة صديقة في بيروت، وعودته ثانية الى الكويت بعد أنتهاء الأنتخابات ، والدخول من حدودها مع العراق مرة أخرى ، وأنتهاء بأنشغال وقلق أهله الذين لم يكونوا على علم بكل ما حدث لأبنهم ، نعم لقد مضى فارس الى العراق الملتهب بشجاعة وفروسية مذهلة،متحدياً الموت،والتفخيخ، والأختطاف ، ومتحدياً الظروف الصعبة التي تعرض لها ، وتعرضت له هي أيضاً !! وبعد أن تحقق حلمه، ورأى أرضه وأرض أجداده ، وبعد أن شبع من هواء البساتين الكرادية ، وأمتلأت شرايينه بعطرالمحبة الفراتية ( واللفتات الغزالية) ، وتكحلت عيناه بصور أبناء شعبه ، بمختلف الأطياف والأشكال والأزياء ، وبعد أن أنهى المقرر في خياله ، عاد الى الولايات المتحدة ، بمساعدة السفارة الأمريكية في بغداد ، حيث أستقبله أبوه وأمه وزملاؤه الطلاب ،وعدد كبيرمن الصحفيين والمصورين وأبناء الجالية العراقية، وكثيرمن الأمريكيين الذين هزَّهم نبأ السفرة الشجاعة لهذا الفتى العراقي ، وأدهشتهم المبادرة الفريدة ، وما أن هبط فارس من سلَّم الطائرة ، حتى ألتقت عيناه بعيني أستاذه مدرس الصحافة ، أبتسمت عينه أولاً لعين أستاذه، ثم رفع أبهامه له، في أشارة الى أنه أنجزبالملموس المباشر، المطلوب من المادة الصحفية التي أرادها الأستاذ من طلبته، عن شعب الحضارات،وأنسانها العظيم.
وفي صالة المطار سأل أحد الصحفيين ، الفتى فارس حسن قائلاً :- لِمَ فعلت ذلك يافارس ، أقصد لِمَ لَم تقل لأسرتك قبل سفرك ، أو تخبرأحد أصدقائك على الأقل ؟!
أجابه الفتى قائلاً :- لقد خشيت أن لايوافق أهلي، وبالحقيقة فأن ممانعتهم لسفري أمرمتوقع جداً جداً ، بينما كان قراري أنفي السفر الى العراق ، ورؤية بلدي، قراراًحاسماً وقاطعاً لارجعة فيه، أذ لايعقل وأنا العراقي ، أن أكتب عن بلدي سماعاً مثل الطلبة الأمريكيين ، هل ترضى انت مثلاً ، ن يكتب غيرك ( من الأجانب ) عن بلدك ، بصورة أفضل منك ؟!
ثم ، لماذا لا أرى بلدي ، وغيري يراه ، هل هؤلاء الأجانب أحرص على بلدي مني ، أم هم أشجع مني ياترى، بحيث يذهبون الى العراق، وأنا أنتظرالفرصة المناسبة، كما ينتظر المقعدون، من يأتي ليقود لهم عرباتهم، اوأنتظرحلول الأمن والأستقرار،كما يقول البعض من العراقيين في الخارج !! لقد ذهبت الى أرض أهلي وعدت سالماً ، بل ولم يحدث لي أي شيء ، فماذا خسرت أذاً في سفرتي هذه ، مقابل ماربحته من أشياء عظيمة ؟!
وحين سأله الصحفي : ماذا ربحت ياترى ؟
أجابه فارس : - لقد ربحت ثقتي بنفسي ، وربحت علاقتي ببلدي ، وربحت تجربة عظيمة ، قد لاتكرر ، سأتحدث ويتحدث بها الكثير من الناس !!
أنتهت رحلة الفتى فارس الى بلاد العراق ، وعاد سالماً والحمد لله ، ولا أخجل لو قلت له :- ليتك لم تذهب الى العراق يافارس ( يا أبن حسن العراقي ، وشذى العراقية ) !!
أجل ليتك لم تذهب يا أبن أخي ، فقد فضحت جبننا ( نحن عراقيو المنفى والمهجر ) وأحرجت بذهابك رجولتنا ، وأقلقت تشدقنا وغرورنا ، ( وبهذلت كشختنا ونفختنا ) أمام أنفسنا ، وأمام العالم، فنحن الذين ننتظرالأستقرار وحلول الأمن ، ونحن الذين لانذهب الى العراق ألا بعقود مالية خيالية ( وقد لانذهب حتى بمثل هذه العقود ) !! ونحن وليس غيرنا من يتحدث عن الوطن والشعب والبطولة، كل صباح ومساء، دون أن نشارك هذا الوطن وهذا الشعب، بعضاً من جراحه ، أو نقاسمه مصيره العنيف ، ونحن الذين فقط نعترض على الجعفري، حين يتحدث بلباقة عبرشاشة التلفزيون ، بينما نجلس قبالته على بعد آلاف الأميال ( نكرِّز ) حبات الفستق الكولمبي، أو نلطع الآيس كريم ، ونحن وليس غيرنا من ينتقد الوزيرصولاغ ،وهو الذي تتعرض عائلته الى المحن كل أسبوع ، حتى وصل الأمر بأن تختطف شقيقته، ونحن الذين نتهم سعدون الدليمي كل يوم ، بينما الرجل يقاتل أعداءنا شرقاً وغرباً، حتى أصبح مثل السمك ( مآكول مذموم )!! ونحن الذين نشتم أفراد الشرطة العراقية ،ومغاوير الداخلية( براحتنا ) لأنهم لايسرعون لموقع الحدث بالسرعة المطلوبة ، ونلعن ( أبوالخلَّف الجيش) أذا لم يبسط هذا الجيش نفوذه ، على المثلث الفلاني ، والمربع العلاني خلال أسبوع أو أسبوعين !! أجل نحن وحدنا عراقيو الخارج ، الذين نريد من الحكومة كل شيء، ونشتمها في أي شيء ، دون ان نساهم معها بأي شيء، بدليل أن ثلاثة أرباع العراقيين في هذا الخارج ( المدَّلل )، لم يزر بلده ، رغم مرور ثلاث سنوات على سقوط صدام وعصاباته القمعية ، وثلاثة أرباع عراقيي الخارج لم يشترك في الأنتخابات البرلمانية الأخيرة، رغم توفر كل شيء، بدءاً من توفرالأمن والأمان ، وليس أنتهاءً بقرب مراكز الأنتخاب، ويسر الوصول أليها ، ناهيك عن فتح أبواب المراكز لمدة ثلاثة أيام ليل نهار (وبس تعالو)!! نحن(عراقيو الخارج) لانملك غيربيع الكلام، والنقد والأنتقاد المجاني (مع أني لا أريد ألغاء النقد من القاموس الثقافي،والسياسي الوطني) ولانملك غيرالتعرض لهذا وذاك، بسبب وبدون سبب ( فحمدة كَصيرة ، وفطيمة طويلة، وهذا باكَ ، وذاك لغف) بينما شعبنا الجريح في الداخل ، يواجه الأبادة بقوة الحياة ، ورغبة البقاء الصلبة، ويبني مشروعه الوطني والحضاري بأمتياز، رغم العراقيل ، والمطبات ( شنومطبات، كَول ألغام وتفخيخ وعبوات ولاتخاف) !! وها هو شعبنا في الداخل يدبك على أكتاف الموت ببسالة نادرة ، رغماً عن أنوف الزرقاويين ، والصداميين ، وكل أتباع الملل التكفيرية ،وديناصورات التخلف والهمجية ، نعم ذاك هوشعبنا يواجه الأبادة ، بينما نحن في الخارج لازلنا ننتظر(الفرصة المناسبة) لنتكرم عليهم بزيارة قصيرة، ولازلنا نقول لكل من يسألنا عن موعد زيارة الوطن(دننتظرالوضع شويَّة يهدأ، والأمورشويَّة تستقر، وبعدين نروح)!! لذا ، وللأنصاف، لايحق لنا الحديث ، قبل أن نؤدي فريضة الحج لكعبة الوطن الغالي ، ولايحق لنا أيضاً،محاسبة الشرطي، أو الجندي الذي يواجه لوحده الموت كل لحظة ، قبل أن نشارك هذا الشرطي، او الجندي ( ولو معايشة عاد ) بعضاً من همومه ، ومشاكله ، وأن نكون مع الشعب العراقي الصابر، في كل أمر، أجل لايحق لنا الحديث عن أي شيء يخص الصابرين في الداخل، ونحن نتحدث في بيوتنا وشققنا الفخمة والآمنة،عن الظروف الأمنية الصعبة في العراق مثلاً، أو عن الأمن المفقود في بغداد!! فلنستح جميعاً، ونتعظ مرة واحدة، ونحن نرى الفتى ( أبن الخامسة عشر) فارس حسن، يرحل لوحده سراً الى العراق الملتهب، ويتنقل بين مناطقها المعرضة للموت كل لحظة ، دون وجل أو خوف ، نعم لنستحِ جميعاً ( خاصة الذين لم يسافروا للعراق بعد، بحجة الظروف الأمنية الصعبة ) ونسكت ولو قليلاً - وهذا أضعف الأيمان - ونحن نرى هذا الفتى الباسل، وهو يفضح ضعفنا وخوفنا بشجاعته، ويفضح وطنية (الوطنيين المزيفة ) بوطنيته الصادقة والحقيقية، فالعيب كل العيب أن يمضي هذا الفتى - الذي لم يرَ العراق - من قبل، الى حيث الموت والعنف ، والأختطاف ، بينما نرفض ، نحن الذين لنا في الوطن أحلى الذكريات ، وأعز(الحبايب) زيارته، ولو لمرة واحدة في ثمالة العمر!! بخاصة حين يرفض بعضنا - وما أكثرهذا البعض - التوجه بسيارته الهوندا ، أوالبي أم دبل يو، او الأكسس ، الى صناديق الأنتخاب،التي قد لاتبعد عن بيته نصف الميل، أو ربعه (أوست أدراهمه) أوشمرة عصا!!
فشكراً لك (عمو) فارس، وألف شكر لما فعلته، فقد كشفت بفعلك الفريد ذاك، عيوبنا على الملأ، وفضحت سرَّنا تحت ضوء الشمس، وأثبت لنا بالدليل القاطع الملموس، ان الشجاعة الحقيقية ، والوطنية الحقيقية ، يتأكدان بالفعل الحقيقي، وليس ( باللسان الطويل) قطعاً !!