2006: عام العواصف والمفاجآت
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com في مطلع كل عام ينشغل المحللون في التصدي لسؤال افتتاحي: ماذا ينتظرنا في هذا العام من تحولات ومفاجآت؟ ثم تنصرف الاجابات شرقا وغربا وفقا لوجهة نظر كل محلل ومعنيّ بالتساؤل والزاوية التي يقف فيها والقراءة التي يخرج بها، وتحتل التوقعات الطائشة حجما وافراً في نسبة الاجابات.
على الصعيد العراقي لا يمكن اعتبار اثارة السؤال عما سيحدث عام 2006 بمثابة ترف، او مناسبة لتسويد صفحات الجرائد بالتمنيات وتمارين التنجيم عن طالع المرحلة المقبلة، فلم يقتصر الاهتمام بالشأن العراقي وبما تخفيه الايام المقبلة على العراقيين وحدهم، ولا على الكتاب والصحفيين، ولا على السياسيين واصحاب القرار السياسي، بل امتد بالعرض والطول الى جميع الدول الاقليمية، بل ودول العالم كله، والى كل مراكز الدراسات والتحليلات والبحوث والمعارف السياسية، فضلا عن الدوائر العسكرية الاستراتيجية ومخططي السياسات الدولية على حد سواء.
وليس جديدا في القول ان لهذا الاهتمام الواسع بالملف العراقي والمشغولية في قراءة مستقبل الاحداث من قبل العالم ومراكزه المختلفة له ما يبرره في واقع الامر، ذلك لان بؤرة التوتر التي اندلعت في العراق عقب سقوط صدام حسين وتدويل السيادة الوطنية استقطبت جميع الحساسيات والصراعات الدولية والاقليمية الى الميدان العراقي، بل واصبحت الاراضي العراقية، بما تضمه من امتيازات اقتصادية وجغرافية ملتقى صراع المصالح والاستراتيجيات الدولية بما يجعل المستقبل، والمستقبل المنظور تحديدا، على هامش احتمالات وتطورات اكيدة تنطلق من دورة الاختلالات التي تصيب الاستقطابات او التي تؤدي الى انكسار حلقة من حلقات التوازن.
وتشاء لوحة التحليل، من اية زاوية نظرنا اليها، ان تكشف عن ترابط شديد بين الراهن العراقي قيد التغيير وبين الاوضاع الاقليمية، وبمعنى ما، فان احداث العام الجديد وتطوراته على الصعيد العراقي ستتأثر بالتوازنات الاقليمية وربما بالسياسات والاجراءات التي تتخذها الدول المجاورة من التهديدات الامنية التي تواجه العراق ، فاذا لم تتراجع اعمال التدخل في الشؤون الداخلية والدفع نحو تغذية الاستقطابات والاحتقانات المحلية والتسهيلات و(غض النظر) عن المتسللين الاجانب نحو الاراضي العراقية فانه سيكون من المتعذر ان يتوقع المرء تحسنا كبيرا في عملية تطبيع الاوضاع، ومن السابق لاوانه القول ان حلقة من الحلقات الاقليمية ستكسر لصالح احتواء الاخطار الامنية في العراق.
وهنا سيقترب السؤال الافتتاحي من الغام الحقل الاقليمي ليصبح على الوجه التالي: ما ذا تنتظر البيئة الاقليمية من تطورات وتصدعات واحداث تؤثر مباشرة على الوضع العراقي وتخفف من دوامات العنف وعدم الاستقرار؟ وسنجيب عليه بالقول: ان بوادر التطورات في اكثر من خاصرة اقليمية تبدو واضحة لبصر المحللين، وقد تكون تصريحات نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام، قبلنا بها ام لم نقبل، احد مؤشرات العاصفة التي تتجمع على تخوم المنطقة.
وفي هذا العام ستضرب المفاجآت السياسية اكثر من حلقة عربية راكدة، وبخاصة هذا القوس الاقليمي الذي يحيط بالعراق، بعد ان استطاعت غالبية الانظمة فيه استيعاب الزلزال العراقي، وتجنب استحقاقاته، وتحجيم عملية التغيير التي كانت ستنطلق منه.
لكن هذه الانظمة استنفذت جميع طاقاتها الاعلامية وخزينها الدعوي والتكتيكي لتقول لشعوبها بلسان فصيح: انظروا الى العراق..هذه هي الديمقراطية التي تطالبون بها..انها الفوضى..انها التفجيرات والفتنة والاقتتال الداخلي، بل ووضعت بعض الانظمة كل ثقلها اللوجستي والسياسي الى جانب قوى البربرية التي ارادت "تحرير" العراق من الاحتلال عبر هدّ آخر حجر فيه، وعبر تدمير حياة الملايين، ونسف شبكات الماء والكهرباء والمشتقات النفطية والادارة، وقتل الشرطة والسياسيين والموظفين،وقطع الطرق، واختطاف وقتل واهدار دماء الاجانب، ودك كل ما يمت الى الدورة الاقتصادية بصلة، ولم يكن لمجموعة من العصابات التكفيرية والمتخلفة والاجرامية، مهما كانت حسنة التنظيم والارادة والتسليح ان تقوم بمثل ما قامت به الجماعات الارهابية في العراق لو لم تتلقى اشكالا متطورة من الدعم المباشر من اطراف من خارج الحدود.
اقول، ان هذه الانظمة استنفذت، منذ اشهر، كل ما تملكه من امكانات، وتمر الان في مأزق التعامل مع الملف العراقي، وقد فشلت في ثني العراقيين من الوصول الى صناديق الاقتراع ثلاث مرات، كما هُزمت في اكثر من محاولة لتلفيق مقاومة غير زانية، وعجزت عن اضرام الفتنة والحرب الاهلية بين الطوائف العراقية، في حين بدأ ميزان المواجهة الداخلية في العراق يميل في غير صالح الارهابيين ومشروعهم الاجرامي بعد ان انضمت الى العملية السياسية فئات قاطعتها، وبدأت ملامح الاعياء والحيرة تظهر على سلوك هذه الانظمة وهي تسعى الى عقد صفقات مقايظة مع الامريكان قد تضمن لها السلامة من اسئلة المرحلة الثقيلة.
وإذْ تقف المنطقة على حافة برميل داخلي آيل للانفجار في اية لحظة، فان المفاجأة الاولى التي تسبق هذا الانفجار ستتمثل في تصدعٍ يضرب تمركز السلطة وحلقاتها الضيقة، هنا او هناك، وقد يجد هذا التصدع تعبيره في تفتت الوحدة الشكلية للتحالفات الحاكمة، وقد يلعب سياسيون منبوذون ومطاردون ومعارضون، وربما دعاة وراء القضبان، دورا كبيرا في احداث هذا العام، وقد يمتد التفتت الى مفاصل الاقتصاد والقروات الوطنية واستقرار السوق.
وعلى الرغم من صعود التطرف، الاسلامي بخاصة، في المنطقة وتنامي الارهاب وفكره الاجرامي، وانتشار شعارات وطبول الحرب الفارغة واللفظية ضد اسرائيل وامريكا، إلا ان مشكلات هذه الدول الداخلية ذات الصلة بالاستبداد السياسي، وغياب الديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان، وانتشار البطالة بمقاسات مخيفة، ووصول الفساد الى اعلى الحلقات التي تدير الحكم، وتردي مناسيب المعيشة وحقوق القوميات والاقليات الدينية ستتقدم هذا العام على سواها من العوامل الاساسية التي تؤدي الى صناعة وتفجيرالاحداث واشتعال الصراعات والمواجهات في المنطقة، وقد تسفر هذه المواجهات عن مفاجآت لم تكن لترصدها عيون وخيالات المحللين..مفاجآت قد تمتعنا بمشاهد اكثر من صدام داخل اكثر من محكمة.
عراقيا، سيصرف عام 2006 الحراس الذين يعتقلون "المسكوت عنه" من الخدمة، ليخرج الى الهواء الطلق بشيرا باعادة الامور الى نصابها والمياه الى مجاريها، وستدور عجلة الاحداث مرتين لتقف عند تلك النقطة التي سيتعرى فيها سجانوا الممنوعات امام المرآة.
سيهدأ الضجيج يوما من ايام هذا العام الجديد، وستنهض الاسئلة النائمة من سباتها عمن فسد وافسد، ومن هرَب وهرّب، ومن كاذب وكذّب.. آنذاك سيقول المذنب خذوني، وآنذاك كما قال ناصر الهرمزدي" :الشرير يباهي بالشر، والخيّر يستحي من الخير، فما ابعد احدهما عن الاخر" وآنذاك كما اكد الفضل بن سهل: "من احب الازدياد من النعم فليشكر، ومن احب المنزلة فليكف، ومن احب بقاء عزّه فليُسقط دالّته ومكره" .
وفي يوم من ايام هذا العام ستزدحم شوارع العراق بمظاهرات المسكوت عنه، المحرر من الاعتقال، مطالبا بمحاكمة من هرب من القضاء، وبمساءلة من خدع الرأي العام، ومحاسبة من تستر على العيوب والمآثم، وبالقصاص ممن اهدر الدماء البريئة، وتجريم من اجرم بحق الملايين، وعذره في ذلك ان الجمعية الوطنية استقرت على اربعة اعوام، وان الوزارة استندت الى انتخابات، وان دواعي التواطؤ مع الانتهاكات والعيوب سقطت، واسباب استمرار المحاذير والاحترازات من الحقيقة تداعت..وان اللحظة لحظة الصدق، والساعة ساعة الحقيقة.
وإذْ تأجل تحرير المسكوت عنه من ربقة الاسر، وقضبان الزنازين، لاعتبارات تتعلق بحراجة الظروف، وحساسية المرحلة، فان عامين ونيف كافيان للعودة الى فريضة الحساب وفروض المراجعة، والى موجبات الاصلاح ورد الحقوق الى اهلها، انطلاقا من حقيقة ان تصويب المسار لا يمكن ان يتحقق من دون المكاشفة، وقبل هذا، من دون رفع القدسية عن الاشخاص، وازاحة الهالة عن الاسماء، ونزع العصمة عن الدعاة، ولا شفاعة إلا لمن وضع نفسه موضع المراجعة، فيما هي موقف حضاري، ولا حساب إلا لمن وضع حاله موضع العناد فيما هو ثقافة التخلف .
انه عام جديد. وأجدّ ما فيه اننا سنقطف فيه ثمرة صبر ايوب الجميل.