الراعي و الخراف
[/size][/b]
اصر على اصطحابي _في ذلك اليوم الربيعي_ إلى مركز التدريب الرياضي في المدينة الكبيرة
كان شاباً نشيطاً ينضح الحماس و العنفوان في ملامح وجهه البريء . وافقت على الفكرة التي اتت في محلها بعد يوم كئيب قضيته وحيداً برفقة أوراقي وكتبي .
كان الشارع المؤدي إلى المركز الرياضي عابساً و حزيناً و قد ارتمت على جانبيه بعض الأشجار الهزيلة التي زرعها انسان مجنون لا محالة .
كل شيء يوحي بالغرابة و الذهول ...
وصلنا وعيون المتجمهرين تراقبنا بحذر شديد. شباب مراهقون يقدح الشرر من عيونهم , و تفوح منهم رائحة الأحماض و الكحول .
حاول أحدهم أن يستفسر عن أسباب قدومي فرمقته بنظرة غاضبة أوقفته عند حده .
صاح احد المتجمهرين قائلاً: لماذا لا يفتح المركز أبوابه إلا في وقت محدد من اليوم , أليس من المفروض أن تظل الأبواب مفتوحة طوال النهار ؟
رد عليه شاب صغير في السن : انهم يخافون أن نكسر الأضواء الباهرة التي تم تركيبها مؤخراً.
الجميع مخدرون و كأن قوة سحرية تتحكم بهم عن بعد .
ساقونا نحو المكان الذي سيلقي المحاضر الخطة الجديدة للفريق. مكان الاجتماع غريب الملامح كمخبر كيميائي قديم تفوح منه رائحة الكبريت و النشادر , مغلق من جميع الجهات ذو جدران بنية شاحبة .
نظرت حولي و قد اعتراني احساس بالخوف ... بحثت عن صديقي بين المتجمهرين المحنطين فلم أعثر عليه مما زاد من شعور الخوف لدي .
المحاضر قبيح الوجه قصير القامة جاحظ العينين .
عارض أحد المتجمهرين خطة الفريق الجديدة و كان يبدو اقلهم تخدراً و جموداً , و انطلق غاضباً نحو المحاضر الذي شتمه و لكمه بعنف حتى سالت الدماء من وجهه حارة و غزيرة , و ابتدأت معركة عنيفة طرح فيها المحاضر على الأرض و هاجمه شاب هزيل آخر حاول أن يهرس رأسه بقطعة حديدية ملتويةٍ .
تقدمت بما تبقى من شجاعتي لانهاء الصراع البغيض محاولاً انقاذ حياة المحاضر القبيح بغض النظر عن كونه يستحق ما ناله من ضرب عنيف ,لكني فوجئت بتحوله إلى هيكل عظمي بارد .
صرخت بأعلى صوتي و حاولت أن أهرب مبتعداً ....
القاتل و المحاضر الآن هيكلان عظميان يتصارعان بعنف رهيب .
رؤوس خرافٍ صغيرة ناطقة أحضرها رجلٌ عجوز في سطل باهت اللون مائلٍ للأحمر
كانت الرؤوس المقطوعة تهذي بكلمات استعصى علي فهمها , و كانت الغريزة الوحشية عند المتصارعين تثور برؤية الدم الزكي و الرؤوس المقطوعة التي تلقى أمامها .
منظر وحشي مرعب ...هياكل تتصارع و أفواهٌ مفتوحة تحاول افتراسي ....
اتجه الجميع نحوي و أرادوا استبدال رأسي برأس خروفٍ صغير ..
صداع فتاك كان ينخر في دماغي , فأحسست أن دمائي تحاول الهروب من أوردتي .
استنشقت الهواء الملوث فانتابتني رعشة جنونية و قوة غريبة سكنت اضلاعي فشقيت طريقاً في الزحام المخدر , و بعد مشقة وصلت إلى الباب المؤدي إلى الشارع الحزين ... فتحت الباب بقوة و أذعرني منظر صديقي الذي كان معلقاً على جذع شجرة يابسة منذ زمان بعيد .
كان مقتولاً بطريقة مثيرة للخوف ..
لم أستطع الوقوف عنده و هممت راكضاً في الدرب لوحدي .
امرأةٌ متقدمة في السن سمراء الوجه صامتة العينين كانت تسير في الشارع وحيدة مثلي و هي ترتدي تنورة بنية و عباءة سوداء ...نظرت في وجهي و شتمتني و حملتني مسؤولية فقدان ولدها في الحرب الأخيرة .
نظرت حولي مستغرباً و تفاجات بأني قد ارتديت ملابسها و أنها ظلت عارية تندب ابنها الفقيد .
وصلت إلى الشارع الرئيسي بعد مشقة كبيرة ...
عربات فخمة رسمت عليها أجنحة ذهبية الألوان ...و قفت في منتصف الشارع و رميت التنورة على الأرض و ظلت العباءة السوداء في يدي مستغرباً سبب احتفاظي بها ...
فجأة تغير المكان و الزمان ... شوارع مضاءة و حدائق جميلة تزين بواباتها ثيران مجنحة
يا إلهي انها مدينتي الحبيبة ..... ولكن ما لي لا أرى إلا القليل من الرجال الصامتين ... من هؤلاء اللصوص العابثين في الهياكل المقدسة و القصور العظيمة ... أين اختفى الرجال ؟
سيدة جليلة كانت تشحذ على قارعة الطريق أومت إلي بعينها أن أظل صامتاً فالعسس الآسود قد اغتال كل المتكلمين ...
استيقظت أصوات المآذن من سباتها ( الله أكبر ... الله أكبر) و تلتها أصوات أصوات نواقيس الكنائس ... كانت المآذن و الكنائس تنعي وفاة فاضلة كنت أحبها كثيراً حتى أني وشمت اسمها على ذراعي منذ ان كنت طفلاً صغيراً
كانت النساء تتمايل اثناء سماعها أصوات الكنائس و الآذان و سألت امرأة كانت مسرعة في خطواتها عن أسباب تمايل النساء , فطلبت مني أن أرفع صوتي لأنها لا تسمع جيداً , أعدت سؤالي عليها فردت بكلمات بتمتمات غريبة , تمعنت في ملامحها مندهشاً فقد كانت حبيبتي الراحلة منذ سنين إلى ما وراء الذكرى .
الم تعرفني ؟ ألم تتذكرني ؟...
حاولت أن ألمس يديها و لكنها لم تتوقف عن الهذيان بصوت مبحوح حزين .
قلت لها : انظري ماذا أحضرت لكِ ... عباءة سوداء بلون أيامي و أنت بعيدة عني ..
أخذتها من يدي و حدثتني عن السيدة التي قتلت ليلة الأمس و عن تلوث المياه في النهرين و عن اللصوص و الجرذان التي تكاثرت في هذه الأيام الموحشة البغيضة .
حدثتها عن حبي المقتول و عن الذكريات السعيدة الماضية فسخرت مني و تحولت إلى فأرة صغيرة اختفت في الازدحام النسائي الكبير .
حاولت العودة للبيت ففقدت ذاكرة العودة , و خيال حبيبتي يدغدغ قلبي و فكري و منظر غياب الشمس يزرع الأسى في أعماق نفسي , لكني كنت مصمما على العودة حين أستعيد ذاكرتي .
أبدل أبدل