المربي كوركيس خمو كوركيس
الشمعة المضيئة التي أنطفأت
بتاريخ 12\11\2008 وفي مستشفى زاخو , توقف قلب المربي الكبير والفاضل كوركيس خمو كوركيس عن عمر يقارب الثالثة والسبعين ,قضاه بمعظمه يعمل بكد وجهد لم يتوقف الا بوقوف قلبه الكبير عن الخفقان
ولد المرحوم في قرية (أشّي)عام 1935 من والدين تقييّن , نزحوا الى تلكيف في أوائل الأربعينات من القرن الماضي في ظروف الحرب الكونية الثانية وهو طفل صغير , درس في مدارسها وكان يعمل في نفس الوقت لمساعدة والده في أعالة أسرته المؤلفة من ولدين وثلاثة بنات في الظروف الصعبة التي كانت سائدة بسبب الحرب . ولروحه الطيبة وبشاشته الدائمة أصبح له العديد من الأصدقاء الذين كانوا يحبونه حيث أستمرت هذه الصداقات لما بعد تفرقهم , حيث أغلبهم سافر الى خارج العراق ولا سيما الى أمريكا . وفي فترة الخمسينات فترة دراسته الأعدادية التي قضاها في الموصل , كان يعمل أيضا في نادي المحامين ليلا, حيث كوّن له صداقات عديدة بين المسؤولين الحكوميين في الموصل آنذاك أفادته لاحقا في حياته التعليمية , وكذلك لأعالة أسرته ولمساعدة شقيقه الأصغر ( الأستاذ ) داود للأستمرار في دراسته لحين تخرجهما من دارالمعلمين الأبتدائية وتعيينهما كمعلمين في قرى قضاء زاخو
تميّز الأستاذ كوركيس بميزة فريدة جعلته محبوبا بين زملاؤه المعلمين وطلبته على السواء فلم يكن يعرف الحقد او الكره أبدا, صديق الجميع , بشوش وصاحب نكتة في أصعب الظروف , مخلص وجاد في عمله , لم يعرف عنه أبدا أن له عداوة مع أحد , متميز بالشجاعة في المواقف الصعبة والعديدة التي كانت سائدة في الشمال بسبب الحروب المستمرة بين الحكومة والأكراد والتي كان الأهالي المسالمون والموظفون الحكوميون ضحايا كلا الطرفين , فكان عليهم أستقبال المسؤولين والموظفين الحكوميون والجيش نهارا , والمقاتلين الأكراد ليلا حفاظا على حياتهم وعوائلهم وممتلكاتهم
وهناك حادثة حصلت في قرية ديره بون الذي كان المرحوم مديرا لمدرستها في الستينات من القرن الماضي , لعل معظم أهالي القرية يتذكرونها وهي ( احتلال الأكراد لقاعدة ديره بون العسكرية ) حيث كانت لهذه القاعدة موقعا أستراتيجيا يشرف على المطقة المحيطة بها لا سيما الى الغرب منها حيث الحدود العراقية التركية والى الجنوب والشرق حيث سهل فيشخابور والحدود السورية العراقية . فحصل الهجوم ليلا من سفح جبل بيخير الى الشمال من القاعدة والمشرف على كل المنطقة .. على القاعدة التي كانت تدافع عنها مجموعة من الفرسان العرب من عشائر اللهيب تقدر بحوالي خمسين فارسا مع مفرزة هاون من الجيش بقيادة ضابط برتبة ملازم يدعى ( طالب ). هوجمت القاعدة من الأكراد بعد غروب الشمس وحلول الظلام بالمدفعية والهاونات بعد أن تسلل المهاجمون وأحاطوا بالقاعدة من الجنوب والغرب كذلك , وكان من سوء حظ القاعدة أن قذيفة مدفع للأكراد أصابت مدفع القاعدة بصورة مباشرة مما تسببت في أيقافه عن العمل نهائيا , ولم يبق للمدافعين سوى الأسلحة والرشاشات الخفيفة والمتوسطة , وأزداد الموقف تدهورا بأصابة الملازم طالب برجله , حاول القسم من الفرسان الهرب خارج القاعدة فكان الأكراد لهم بالمرصاد فقتلوهم , وأخيرا أحتل الأكراد القاعدة فذبحوا الباقين من الفرسان , وأخذوا الضابط أسيرا الى ديره بون تمهيدا لأخذه معهم أسيرا . هنا توسل الأستاذ كوركيس ومعه مختار القرية بالأكراد أن يتركوا الضابط وأن لا يقتلوه أو يأخذوه أسيرا , لأنه سوف تقوم الطائرات الحكومية حال طلوع النهار بقصف القرية وسوف يكون هناك ضحايا كثيرة من الأهالي من دون ذنب أرتكبوه , وتمكنوا من أقناعه فتركوا الضابط وانسحبوا الى الجبال
غير أن هاجس وخوف القرية لم ينته الى هذا الحد , لأنهم يعلمون أن الجيش سوف يأتي صباحا ولا يعلمون ماذا سوف يحصل للأهالي , فأتفق مختار ووجهاء القرية وبفكرة من الأستاذ كوركيس أن يذهب حالا الى القرية المجاورة ( فيشخابور ) ويطلب من مختارها آنذاك ( توما كليانا -المعروف بتوما قاضي ) الذي عرف عنه حكمته ومركزه لدى المسؤولين الحكوميين أن يأتي الى ديره بون ويكون هناك مع مختار ووجهاء القرية قبل طلوع النهار لمساعدتهم في تجاوز هذه المشكلة . وهكذا توجه الأستاذ كوركيس ليلا الى فيشخابور وأستطاع اقناع مختارها وعادا معا الى ديره بون قبل طلوع الشمس
وفعلا حصل ما توقعه كوركيس ووجهاء القرية حيث وصل الى القرية فوج من اللواء الخامس وعدد كبير من الفرسان العرب من عشيرة اللهيب يقودهم اللواء سعيد حمو الذي كان آمر اللواء الخامس حينذاك . والشرر يتطاير من عيون الفرسان العرب لأهالي القرية ولولا وجود اللواء سعيد حمو والجيش الذي معه لحصلت مذبحة لأهالي القرية الذين لم يكن لهم أي ذنب لما حصل سوى انقاذهم الضابط من القتل أو الأسر ,والذي أراد بعض الناجين من الفرسان العرب في القاعدة ألقاء اللوم على الضابط بقولهم (( أنه السبب في ما حصل , لأنه منعنا من الهرب حال وقوع الهجوم ))وهم لا يعرفون أن أفادتهم هذه نجّت الضابط من الأدانة في المجلس التحقيقي الذي شكل عن الحادث
رحمك الله يا أبو بشار , وأسكنك مع مختاريه من القديسين والشهداء في فردوسه السماوي , لأنك كنت أمينا على وزناتك التي استلمتها من الله , فعلّمت , و ثقّفت وخرّجت المئات من تلاميذك اللذين سوف يذكرونك على الدوام , ولا سيما محبيك من أقرباؤك وأصدقاؤك وأخوتك وكل من عرفك , لأنك لم تكن تعرف غير الحب والعطاء والتضحية والأخلاص والأمانة . وسوف تبقى ذكراك معنا ما دمنا أحياء ولا سيما لأخوك وأبن عمك
أبو وميض