استشهدوا من اجل الاسلام في (ياكلافيا)
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com اوقفني جاري البريطاني من اصل كشميري ليسألني عن الحال والاحوال، لكن هذه المرة بدا انه لا يكتفي بالتطمينات الجاهزة عن الصحة وما حولها، بل تمادى في لفأفأة والتأتأة وفاجأني، في الاخير، بالسؤال ، لأول مرة، عن العراق واخبار "المجاهدين" هناك، وهو الامر الذي اعتبرته خارج سياق المجاملات العادية في ما بين جارين في بلد لا تسمح فيه تقاليد الجيرة، عادة، بتخطي حدود السلام والكلام عن الجو وما يشغل بال سكان الحي من خدمات وحوادث تمس حياتهم..
قلت له بشعور خليط من التعجب والامتعاض الخفي: "انهم بخير، هل تريد ان تلتحق بهم؟" قال بجدية وسرعة ورجاء اثار استغرابي وسخطي: "لا، انما لي اخ شاب يفكر بالانضمام الى المجاهدين في العراق، ليموت هناك بين الاستشهاديين".
وعلى الرغم من انزعاجي وحيرتي وشعوري بما يشبه اللدغة، فقد اعجبتني فكرة الاستطراد في ضبط الاعصاب مع جاري الذي لا يزيد عمره على الثلاثين عاما والذي لم يحدثني سابقا عن العراق او الجهاد او السياسة وما حولها، وهو يحاول ان يلبي رغبة اخيه بالانتحار في العراق في سيارة مفخخة او عربة زبل ملغومة، لكني عزمت على خلط المعلومات والاوراق بطريقة تهكمية، ربما كاحتجاج داخلي على نية هذا الرجل العدوانية في قتل عراقيين ابرياء او اغتيال مجموعة من رجال الشرطة او تفجير شاحنة في بناية او ترويع اطفال وعائلات..
قلت له في لهجة جدية المظهر: ان طرق الوصول الى العراق مغلقة الان، بل ومستحيلة، وان مفارز الجيش والشرطة والامريكان قرروا قتل اي اجنبي يقع بايديهم من دون محاكمة، قال بسرعة: لا يهم، ان اخي يريد ان يموت هناك، ويا ليت ان يموت بعد ان يقتل امريكي او عراقي كافر ومرتد، قلت: لكن، لا سبيل الى الوصول الى هناك، قال، إذن، كيف يصل الى فلسطين؟ قلت: الطريق الى فلسطين اصعب..
تأمل الرجل المشطور بين الهند وباكستان وبدا لي انه حائر قدر ما هو مصر على تامين وصل اخيه الى "الجنة" لينتظره هناك ريثما يودع عائلته ويحل بعض مشاكلهم المعلقة..
قال باستسلام صوفي: ما الحل؟ ارجوك ان تساعدني، قلت (وكاني كنت متشوقا ليسألني هذا السؤال): سأدليك على بلد آخر يحتله اليهود والامريكان والروس والهنود والطريق اليه سالكا، وقتل جنود الاعداء في غاية السهولة.
عندما سمع صاحبي اسم الهند انتفض، وقال: "وانا ايضا سأذهب بعده، للانتقام من الهندوس الزنادقة..ساكون مجاهدا استشهاديا من اجل كشمير والعراق وفلسطين وافغانستان والشيشان.. فما اسم تلك البلاد وما الطريق اليها؟.
الحقيقة، لم اكن لاتوقع ان يتدحرج الكلام الى هذا المجاز.. فان جاري المضلل بكذبة الجهاد في العراق ووهم الوصول الى الجنة، والمعبأ لحد الاستعداد لارتكاب مذبحة مروعة بحق الابرياء من اجل الاسلام، بدا لي ساذجا وبسيطا، لكني احببت المضي في اللعبة الملفقة عن بلاد مزعومة لا وجود لها على الخارطة مفتوحة للمجاهدين ليقتلوا عساكر العدو والكفار..¨
قلت: "يمكنك ان تراجع اي مكتب للخطوط الجوية وتقطع تذكرة من لندن الى (ياكلافيا) وحين تصل مطارها ستجد المجاهين هناك بانتظارك ليأخذوك الى قواعدهم" والحق اني سألت نفسي: من هي ياكلافيا، لكني لم اشأ ان ادخل مع جاري في المزيد من الجدل حول (ياكلافيا) التي ركبتُ اسمها الزائف من الخاطر، من دون تفكير ولا سابق تخطيط، فرصدت على وجهه امارات الانتصار والفرح، وقد انهال عليّ بالثناء والشكر الوافر والامتنان للقدر الذي ارسلني اليه، وكاد ان يقبّل يدي..
قال: هل انهم مسلمون هناك في ياكلافيا؟ قلت: نعم، وغالبيتهم مجاهدين، لكن الكفار يحتلون نصف بلادهم المقدسة، ثم اردفُت: وهناك في ياكلافيا يقاتل كثير من المجاهدين العراقيين من معارفي، وقلت: يمكنني ان اعطيك رسالة الى واحد منهم ليسهّل انتحاركما، انت واخيك، هناك باسرع وقت. قال: سانقل الى اخي هذه البشرى العظيمة، وسيفرح بها، وربما سيبكي من شدة الفرح .
في غضون ذلك لمحت دمعة طفرت من عينيْ جاري، الموزع بين الهند وباكستان، دمعة ثقيلة وقد حرتُ في التعامل معها، ولم تخفف من احتقاري له، خشية ان يخف احتقاري لاولئك الذين يقتلون ابناء بلدي الابرياء في العراق..اولئك الذين بدأت تجندهم ايديولوجيا الكراهية في اوربا وتظهر وجوه بعضهم على الشاشات الملونة .
ــــــــــــــــــــــــ
..وكلام
ـــــــــــــــــــــــ
"الشعور بالاذلال قد يجعل من المرء أعمى".
نهرو[/b][/size][/font]