مَرِضَ الصائغ فتعافى العراق
حسين أبو سعود
لمن لايعرف الصائغ أقول: انه البروفيسور الدكتور عبد الاله الصائغ ، أديب وشاعر وناقد ومؤرخ من الطراز الأول ، دعته ظروف العراق إلى مغادرته ، واستقر جسده في أمريكا وظل قلبه عالقا بالقباب الذهبية والأضرحة والتكايا والمتاحف والأنهار ،عالقا بدبكات الشمال وجوبيات الجنوب ، والأكثر من هذا فقد غدا هذا الإنسان رمزا وطنيا لاستيعابه الآراء المتناقضة والأفكار المنوعة بتفتح حقيقي فهو يتفاعل معها جميعا ، والصائغ ليس بناء عاديا بل انه صرح شامخ في تاريخ العراق الحديث.
لقد كان الأب الروحي للكتاب والفنانين العراقيين في المهجر فاستطالت أبوته الحانية لتشمل كتاب الداخل والخارج معا ، لقد ساهم الصائغ بأعماله في إنارة العالم بشموع الحب والطيبة ، وقد وجدته مذ عرفته موسوعة في الطيبة والعطاء ، ومن أياديه البيضاء علي انه اختار لي نصا بعنوان ( سجين في حي سكني ) ليكون مادة في مشروعه "النص والهامش" وسمعته يقول لي بصوت متعب عندما هاتفته قبل نشر رسالته من قبل الدكتور احمد النعمان: لقد أعددت النص رغم الآلام يا ولدي .
نعم هكذا، فهو يعتبر الجميع أولاده يرعاهم ويحنو عليهم ويبذل لهم النصح ويعلمهم كيف يكون الحب وكيف تكون الطيبة من خلال دروس مكثفة جدا.
لقد مرض الصائغ وتعافى العراق وشهدنا بمرضه تظاهرة صادقة لأرباب الكلمة في عدة مواقع منها عراق الكلمة والبرلمان وصوت العراق وكتابات وغيرها، نعم لقد وحد مرضه هذه المجاميع من الكتاب والمثقفين ليعطي انطباعا للعالم اجمع بان العراق مازال بخير وعافية ، مع إن من مثله كان يجب أن يشب ويشيب في العراق بين دجلة والفرات وبين عيون المها والقباب ، ينتعش بهواء جبال دهوك ويهيم بنسمات الاهوار، ولكن قدر الأديب العراقي هو الرحيل نحو المنافي البعيدة ، فهو عراقي من خلال ورقة مجردة تحمل صورة وطابعا ليس من حقه أن يتنفس هواء وطنه ويشرب ماءه ، ولا يعرف الفرق بين هواء الوطن وهواء المنفى إلا من ذاق الاثنين.
وفيما يخص التجاوب الرائع للحكومة العراقية ممثلة بدولة السيد رئيس الوزراء الدكتور إبراهيم الجعفري فانه كان متوقعا ، فالرجل يمثل العراق الجديد ،عراق التعدد ،عراق الغد المشرق ،ولو لم يتجاوب الجعفري بهذا الشكل المشرف لتجاوبت الدنيا كلها التي استوعبت نور علمه ووجوده.
وهذا الموقف النبيل فتح الباب أمام كل الأدباء الذين قد يحتاجون إلى رعاية في يوم ما لان العجز والمرض عوارض قد تلحق بالانسان في أي مرحلة من عمره.
وفي هذا الخصوص اقترح بان يُصار الى جمع كل ما يكتب عن الصائغ في هذه الفترة وطباعته في كتاب أنيق بعنوان ( رحلة الصائغ من التهميش إلى الأضواء ) ليؤرخ الفترة من نشر رسالته الحزينة إلى الانتهاء من إجراء العملية وتقديم الكتاب هدية من محبي الصائغ الى الصائغ كشهادة حب كبرى ويوزع على جامعات العالم ومراكزها الثقافية ليعرف العالم اجمع كيف يُحتفى بالمفكرين في العراق الجديد .
ولا أنسى الدور الرائد الذي قامت به الشاعرة وئام ملا سلمان في هذه المحنة بالاتصال السريع بالجهات المسئولة واسميها سفيرة النوايا الحسنة ، وكذلك الأديبة راهبة الخميسي التي هزت بكلماتها ضمائر الحكام ولم يتردد الدكتور الجعفري من القول بان كلمات رسالتها هي التي دعته إلى اتخاذ القرار ، وهذه رائعة اخرى تضاف الى سجله .
أيها الصائغ الجميل: هل عرفت منزلتك الآن في القلوب ،هل اطمئن قلبك ، هل رضيت ؟ فأنت أيها الأب الحاني محاط بالحب كله،وستبقى وتعيش طويلا لتعطي كثيرا ،وأنت لم تكن تحتضر وحيدا بل كنت تنتظر هذه التظاهرة الرائعة فأنت لم تكن صوت المثقفين فحسب بل أنت صوت الجميع من عمال وفلاحين وكسبة ،أنت محاط بالحب والحنان وبلوحات الفنانين وأغاني المطربين ومقامات المنشدين وترانيم الدراويش وقصائد الشعراء وحتى أصوات الباعة في الأسواق الشعبية.
فابتسم الآن أيها الصائغ الجميل فمثلك لن يموت والعظماء قد يتحولون من حالة إلى حالة ولكنهم لا يموتون فمثلك يبقى.
ماذا نحتاج في عالمنا هذا ؟
هل نحتاج في عالمنا لغير الحب ؟
فأنت الحب يا عبد الإله الصائغ .
aabbcde@msn.com[/b][/size][/font]