ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية
الدكتور عبدالله مرقس رابي
استاذ جامعي بدأ لابد الاشارة الى أن المقصود برجل الدين في هذه المقالة كل من هو بمثابة المختص في الشؤون الدينية ويقوم بالواجبات الدينية دون غيره من الافراد سواء في الاديان السماوية أو الباطنية أو الوثنية وفقا لفلسفة علم الاجتماع . أما الذي أعني به كل الاديان ولا اقصد دينا معينا لتلافي الالتباس والتفسير الخطأ لما سيرد في المقالة .
تشير الدراسات الاجتماعية والانثروبولوجية للشعوب البدائية والقديمة ان السلطة فيها استندت على الحق الالهي أي(التفويض الالهي).ولاتزال بعض القبائل الطوطمية القاطنة في الغابات الاستوائية والجزر النائية تمارس هذا النوع من السلطة .ففي الحضارات البشرية القديمة استند الملوك والاباطرة في سلطتهم على القوة وامتلاك مصادر الثروة والجاه ,وتأثير شخصيتهم الكارزماتية التي تمتاز بقابليات فذة مكنتهم من التأثير على عواطف واتجاهات الافراد ومواقفهم مما خضعوا وأدوا الولاء المطلق لهم .وقد ساعدهم في تحقيق هذا الى جانب السيف نخبة من كهنة المعابد الذين لقنوا الناس التعاليم الدينية التي بررت شرعيتهم في السلطة حتى ولو كانوا من الظالمين.
ظلت السلطة الدينية في اوربا تؤثر في الحكومات الاوربية والمجتمع بشكل عام الى بداية القرن السابع عشر بعد أن بدأت تلك الحكومات التحرر من السلطة الكنسية والتدخل في شؤونها .وأما في الشرق الاوسط ساد نظام الخلافة بعد انتشار الاسلام والذي يولي الافراد فيه ولاءا دون نقاش فيما يأمر وينهي به الخليفة فهو الاخر تفويض الهي لايجوز الطعن فيه أبدا مهما كانت النتائج من تصرفات الخليفة , دعم هذا النظام وعاظ السلاطين في خطبهم اذ دعوا الناس بان لايشتكون من الخليفة والسلطان وفهم دائما كما يقول عالم الاجتماع العراقي (الدكتور علي الوردي)يتزلفون الى الجلاوزة وأصحاب القوة .وعليه شعر الخليفة أو السلطان من جراء ايحاء هؤلاء الواعظين انه ظل الله على الارض ,حقا له الامر وعلى رعاياه الطاعة العمياء فان عصوا فهم زنادقة ملحدون يستحقون العقاب وعلى سبيل المثال ,لاينكر أحد أن العهد العثماني كان من أشد العهود التي شهدها التاريخ عسفا ولؤما ودناءة وسفكا للدماء ,ورغم ذلك كان الوعاظ يرفعون ايديهم عقب كل خطبة يدعون الله أن ينصر الدين والدولة معا.(الوردي- وعاظ السلاطين).وعلى هذا المنوال تعمل الحكومات التي تستند في شرعيتها على المبادىء الدينية وعلى وعاظ السلاطين.
والان ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية التي تستند في وضع فلسفتها على كتب التفسير والشرائع الدينية ؟
الاحزاب الدينية هي احزاب سياسية يحاول أعضائها الوصول الى السلطة تحت الغطاء الديني مستمدة أيديولوجيتها وفلسفتها الفكرية من المفاهيم الدينية ,وتضع برامجها في ضوئها.وطالما ان كل دين أومذهب يرى في قياساته انه الافضل والامثل بين الاديان أوالمذاهب الاخرى لان مصدرها الخالق .فالمسؤول الروحي لذلك الدين أوالمذهب هو المفوض من الله لتطبيق التعليمات الدينية على الارض .وعليه فان الاحزاب الدينية طالما تستند على التعليمات الدينية فيرى كل حزب هو الافضل والامثل لادارة شؤون المجتمع ,ولاتستطيع اتخاذ القرارات الحاسمة الا بالرجوع الى المسؤول الروحي الاعلى الولي الفقيه أو أي رجل ديني آخر لتكون أفكاره هي الاساسية لاصدار الفتاوى للتعامل مع الوقائع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الشخصية في المجتمع.
ان رجل الدين يستمد أفكاره من الكتب المفسرة لمبادىء الدين وتعليماته ,والكتب المفسرة ,ما هي الا محاولات اجتهادية لاشخاص لايختلفون عن غيرهم من البشر لهم ميولهم وقيمهم وتنشئتهم الاجتماعية وظروفهم المجتمعية العامة التي تأثرت في أفكارهم وفلسفتهم بشكل وآخر.والاهم من ذلك لهم ماهو مكبوت في العقل الباطني من الرغبات التي لايتمكنوا من تحقيقها في حياتهم ,وعليه تعكس تلك الرغبات الشخصية في كتاباتهم ومواعظهم .مما يؤدي الى الاختلاف في مواقفهم وأفكارهم ,بدليل أن أي كتاب ديني الذي هو الكتاب الشرعي لأبناء ذلك الدين يفسر بطرق مختلفة في أزمنة وأماكن متعددة ,وهذا يدل على أن المفسر لايختلف عن البشر العاديين الا بقدراته العقلية مثله كأي مؤلف لكتاب آخر ,فهو ليس معصوم من الخطأ, وليس هناك مايبرر التفويض الالهي له,ولو كان ذلك واردا لاصبحت تفسيرات الكتب الدينية واحدة في كل زمان ومكان.وعليه يؤدي الوقوع في أخطاء قد تجلب على البشر الظلم ونشوب حروب الابادة الجماعية .وهي لاتقتصر على أتباع الديانات المختلفة بل أيضا تنشب بين أتباع الدين الواحد وفي المجتمع الواحد.كما حدث في الامراطورية الرومانية للاختلاف بين المذاهب المسيحية.وماحصل في المجتمع العربي الاسلامي بعد الثورة على الخليفة عثمان بن عفان وبعده الصراع الذي وقع على السلطة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان (الوردي – وعاظ السلاطين). والى يومنا هذا لاتزال أثار ذلك الصراع قائمة بشكل وآخر .وخير مثال على ذلك مانلمسه في بلدنا العراق اليوم والذي ماهوالا امتداد له ,وحصيلته ان الشعب العراقي يقع ضحية للصراع على هذه السلطة التي يدعي كل طرف انه المخول من الله للحكم على البشر وله الاحقية في السلطة.
وماذا نتوقع من الاحزاب الدينية التي تبني فلسفتها السياسية على مبادىء لاشخاص فسروا الكتب الدينية المقدسة التي لاجدال حول محتوياتها قبل الاف السنين .فهي تعتقد ,أي الاحزاب الدينية, ان السلف الصالح كان معصوما من الخطأ والعيب .وبهذا يريدون كل أفراد المجتمع أن يكونوا من طراز الخلق الصالح .وعلى هذا الموجب عليه أن لاننتظر من هذه الاحزاب تحريك المجتمع الى الامام والتقدم به نحو الافضل .حيث أكدت الدراسات الاجتماعية ان المجتمعات البدائية التي تؤمن وتتمسك بتقاليد الاباء والاجداد ايمانا كليا لاتخضع الى التغيير والتطور الا قليلا ,اذ أن الحالة تؤدي الى الجمود الفكري ولايكون التحرك الا في ضوء ما قاله الاجداد .ففي ضوء هذا الايمان لم تبدأ الثورة الصناعية والنهضة العلمية في اوربا الا بعد أن فصلت السلطة عن الدين في بداية القرن السابع عشر ,وقد أحبطت الكنيسة العديد من الافكار العلمية من مجرد اعلان أصحابها عن أفكارهم العلمية الابداعية ,على سبيل المثال قد قيدت العالم المعروف (غاليلو) وحكم عليه بالمراقبة والاقامة الجبرية في داره عن اثباته لكروية الارض في القرن السادس عشر.وذلك الموقف الصارم الذي وقف رجال الدين ضد النظرية التطورية وغيرها ,ولكن فيما بعد صححوا موقفهم فتركوا العلم وشأنه .
ان تاريخ البلاد العربية الاسلامية زاخر أيضا بمثل هذه المواقف ,وبل حتى في العصر الحديث فكل ما اوتي به من الغرب كفر وزندقة حتى لو كان الغاية منه مصلحة المجتمع وتقدمه .وقد اعترض رجال الدين على الاحزاب العلمانية ,واعترضوا على دخول النساء الى المدارس ,وهذا المثل الذي يجسد النظرة الرجعية والجمود الفكري عند رجال الدين ,وقد رفض رفضا قاطعا فقهاء (نجد)في السعودية عندما أدخل الملك عبدالعزيز سعود في بلاده المدارس الحديثة والمحطات اللاسلكية ,فقد أفتوا ان المدارس الحديثة تعلم الكفر والمحطات اللاسلكية تستخدم الشياطين في نقل الاخبار .(راجع الوردي –مهزلة العقل البشري- لمزيد من التفاصيل ص27 ).وترفض الاحزاب الدينية والجماعات الدينية المتطرفة في كل انواع الاديان العديد من القوانين الوضعية التي تشرعها الحكومات العلمانية طالما أنها لاتستند على الكتب الدينية ,وهذا مايظهر جليا في العديد من البلدان مثل ,باكستان ,العراق,ايران,مصر,الجزائر,افغانستان والكويت وغيرها.
ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية التي تتعارض مفاهيمها مع الحرية الشخصية تماما ,فهي باختصار مقتضب تؤكد على خضوع الفرد لمبادىء الدين خضوعا كاملا لانقاش عليه أبدا.بينما تؤكد فلسفة حرية الفرد على الحرية في التعبير عن الراي,حرية الاعتقاد الديني والسياسي,حرية الاختيار لاسلوب الحياة الذي يراه الفرد مناسبا له من العلاقات الاجتماعية والماكل والمشرب والملبس.وهي تؤكد على حرية المراة ومساواتها مع الرجل واختيارها الحياة المناسبة لها.وتؤكد مبادىء الحرية الشخصية على حرية الاعلام,التعليم,الاقتصاد,الاجتماع , السياسة,السياحة والفن .كل هذه المبادىء تؤكدها المجتمعات والاحزاب الديمقراطية ,في الوقت الذي لاتتناسب وفلسفة الاحزاب والحكومات الدينية .فاذا ادعائها بالديمقراطية ادعاء باطل طالما لا تتوفر مبادىء الحرية الشخصية في فلسفتها .
أية ديمقراطية نتوقع منها اذا لم تعط الفرصة في دساتيرها على ظهور التنظيمات السياسية التي تستند في وضع برامجها على القوانين الوضعية .وان ظهرت المحاولات الشكلية للديمقراطية فلا تعدو المنافسة بين الاحزاب الدينية نفسها ,وبالتالي فان مرجعها الاساسي هو رجل الدين الاعلى مقاما في البلد فلا يمكن ان يتصرف الحزب في السلطة ما لم يرجع اليه .وهذا ما نلمسه بوضوح في ايران اذ بين حين وآخر يقابل رئيس الجمهورية الولي الفقيه ,ويزاول رئيس الوزراء العراقي نفس المبدأ للتشاور مع الولي الفقيه وأخذ المشورة منه. على هذا الضوء يمكن القول لافرق بينها وبين الاحزاب الدكتاتورية التي لاتنافسها على السلطة أحزاب اخرى ,فكلاهما لايعطيان الفرصة للمنافسة السياسية .
من الخصائص النفسية لمنتسبي الاحزاب الدينية الازدواجية في الشخصية السياسية ما بين الولاء الى الفقيه والعيش والولاء للوطن المحدد .لكن هاتين الظاهرتين متناقضتين ,فالدين لايلتزم بحدود وطنية ,فكل جماعة دينية متطرفة تحاول بكل الاساليب ,حتى الدموية منها في فرض نظام عالمي وفقا لاحكامها الدينية .فالسياسي الديني يتظاهر بالتقوى ويدعي التدين ,ولكن مع ذلك ذا اتجاه دنيوي يحاول استغلال المفاهيم الدينية في تحقيق رغباته الشخصيةالمكبوتة في العقل الباطني التي من أهمها حب السيطرة والغاء الاخر والاحقية له في ادارة شؤون المجتمع .متناسيا ان الاخرين أيضا قد تلقوا تنشئة اجتماعية استندت على مبادىء دينية لايمكن التخلي عنها مثله .
خلاصة القول يجب أن لاتخدعنا الاحزاب الدينية بانها سياسية في حكمها فهي تتصرف في الظاهر كأنها ديمقراطية ولكن في العقل الباطني لمنتسبيها ماهي الا دكتاتورية ,ولها الحق المطلق في السلطة وهي ظل الله على الارض .وهي تستغل المبادىء الدينية في احداث الصراع الاجتماعي بدلا من استغلال وظيفة الدين السامية في الضبطالاجتماعي والتكافل والتماسك والسلام في المجتمع .
ووفقا لهذه المعطيات والحقائق يجب أن لاتوهمنا الاوضاع السياسية في العراق الجديد بوجود ديمقراطية سليمة فهي حاليا مفروضة على الاحزاب المشاركة في الحكم من قبل الولايات المتحدة الامريكية ,فهي تلزم مشاركة الاحزاب الدينية والعلمانية معا في اللعبة السياسية .واني على يقين لو تخلت هذه الدولة عن العراق ,سوف لن تتوفر أية فرصة للاحزاب العلمانية للمشاركة في السلطة ,فهي تتقيد تدريجيا أمام دكتاتورية الاحزاب الدينية .