مقابلة فكرية مع الاب الدكتور يوسف توما


المحرر موضوع: مقابلة فكرية مع الاب الدكتور يوسف توما  (زيارة 5993 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مقابلة مع الاب يوسف توما



بعد مرورعشر سنوات على الزيارة الاولى للاب يوسف توما لمدينة ملبورن وبعد الحاح وانتظار طويل من اقاربه واصدقائه  وصل مرة اخرى مطار ملبورن قادما من سدني.
القى عدة محاضرات روحية وفكرية لابناء الجالية هنا في مدينة ملبورن.
الاب الدكتور يوسف توما  غني عن التعريف لابناء كنيسة العراق و العراقيين بصورة عامة.
بالاضافة الى خدمته ككاهن وراهب فهو معروف في نشاطه الثقافي والروحي والانساني لدى اوساط الثقافية العراقية.
وجدناها مناسبة طيبة ان نقيم معه هذه المقابلة الفكرية.

اجرى الحوار: يوحنا بيداويد


 




 س1
ما هي الرسالة التي تقوم بها اليوم مجلة الفكر المسيحي من خلال المقالات والأبحاث والدراسات المكثفة التي قراناها في أعدادها الأخيرة؟
ج1
ليس فقط في أعدادها الأخيرة، فقد استلم الآباء الدومنيكان في العراق، مجلة الفكر المسيحي عام 1995 وأصدروا العدد الأوّل، في فترة حصار كان يشمل البلد، فكان علينا أن نكون متوازنين بين ما صدر من المجلة 29 سنة قبلنا وبين ما سيصدر في المستقبل. فالرسالة هي رسالة موسوعية تثقيفية لنخبة خلقتها مجلة الفكر المسيحي وأعدّ نفسي من هذه النخبة. فعندما ولدت مجلة الفكر المسيحي في عام 1964 كان عمري 15 سنة، أي إنها أسهمت في تربيتي من خلال مقالاتها وطروحاتها وشخصية مؤسسيها الذين يكبرونني بعشر سنوات تقريبا.

س2
لكنني أرى أن مجلة الفكر المسيحي أصبحت على شكل أبحاث و دراسات مكثفة. .. ملفات ومقالات طويلة لم تكن موجودة في المجلة من قبل؟
ج2
إختلفت ولم تختلف فلكل زمان ضرورات لكن الإحصائيات تدل على تنوّع المقالات فهي اليوم بخمسة أعداد سنوية تحوي أكثر مما كانت تحويه عندما كانت تصدر بعشرة أعداد في السنة، لكنها أصبحت من حيث الكثافة مثل المجلات الكبرى. فحصر المقالات مثل كل المجلات المتخصصة واستعملنا الأحرف الصغيرة لأنها مجلة متخصصة، كما لا تريد جذب القارئ من خلال إعلانات أو الحرف الخشن أو غير ذلك. مجلتنا إذن مجلة متخصصة. وفي محاولة شمولية حاولنا دائما عمل توازن بين كلمة "الفكر" وكلمة "المسيحي" وذلك برغم ما عشنا من تحولات كبرى وتقلبات هائلة مثل الحصار وحرب الخليج ومتغيرات العالم.
واليوم أملنا هو قيام عراق جديد وثبات مسيحية متأصلة تنقل الكلمة إلى مختلف القراء، في الداخل والخارج وقد كانت تحول أن تكون بمثابة واجهة للمسيحية، إلى جانب كونها قديمة فقد أصبحت كموسوعة غنية في مختلف المجالات التي تهم المسيحيين على اختلاف مكوناتهم وأعمارهم.


 
 

س3
من خلال سؤالي كنت أريد أن أعرف هل زاد عدد كتابكم ؟ أم هل شعوركم بالمسؤولية قد زاد اكثر  في طرح المواضيع المهمة؟

ج3
كل هيئة تحرير تحاول أن توازن بين الصعود والإستمرار، وكل عدد يجب أن يكون فيه شيء أحسن من الذي قبله، أعني أن لا يهبط المستوى، ولهذا من الصعب أن نقبل بمقالات تطرح مواضيع أقل جودة مما طرح قبل 10 سنوات ولذا أيضا عدد الأقلام يمكن أن يكون أقل، لان نوعية ما يُكتب هو المطلوب والمقال هو الذي يفرض نفسه وليس كاتبه. فنتناول جوانب إجتماعية أو إيمانية أو مسكونية. كذلك هنالك الجرأة في طروحات جديدة، بلا أن نشكك عامة القراء بل ندعوهم إلى التفكير وعلى قرائنا أن يعرفوا أن الإيمان كالجسم الحي يتطوّر.

س4 
 قرأنا في مقدمة أحد الأعداد الأخيرة من مجلة الفكر المسيحي، عن نظرة جديدة للكنيسة الكاثوليكية حول مفهوم الخطايا الكبيرة (الخطايا المميتة) من خلال رسالة البابا بنديكتس السادس عشر. فهل نعيش مرحلة جديدة من الفكر اللاهوتي؟ وهل حان الوقت لعقد مجمع مسكوني جديد كي يحل المشاكل التي تواجهها الكنيسة اليوم مثل (زواج الكهنة، كهنوت النساء، مفهوم الخطيئة المميتة، الزواج والطلاق، الصراع بين الأفكار اللاهوتية الحديثة والمحافظة)؟
ج4
هناك عدة أفكار في افتتاحية العدد الذي ذكرته، كانت حول المتغيرات الكبيرة التي حصلت في العالم، من بينها مجيء البابا بنديكتس السادس عشر. وهذا التغيير يدخل ضمن العولمة ويدخل ضمن خطابات البابا التي لها صدى كبيرا في العالم خصوصًا حين يشير إلى أهمية العلاقة بين العقل والإيمان الخ. ... نستطيع أن نعدّ هذا البابا لاهوتيًا كبيرًا. وهو يختلف عن سلفه الذي كان أكثر فيلسوفا وطروحاته كانت تختلف. هذا البابا اللاهوتي بدأ مرحلة جديدة.
مع ذلك لا يمكن الكلام عن إمكانية انعقاد مجمع مسكوني فاتيكاني ثالث، لأننا لم نبدأ في الحقيقة بالتطبيق العملي لمقررات المجمع الفاتيكاني الثاني، برغم مرور 43 سنة على نهاية ذلك المجمع.
أما المسائل التي تسأل عنها، كرسامة متزوجين أو كهنوت النساء فهي ليست مسائل جوهرية للإيمان بل تبدو أحيانًا كتيارات أو تقليعة. نقدر أن نعدّها من نتائج زمن ما بعد الحداثة، فالصراع اليوم هو بين الذي يسير في مقدمة القطيع والذي يسير خلفه، أي بين الأفكار اللاهوتية الحديثة والأفكار اللاهوتية المحافظة. ما أتصوره هو حاجتنا إلى طرح أفكار لاهوتية مهمة يحتاج إليها شعب الله في مسيرته، فاليوم شعب الله يصطدم بأشياء تحتاج إلى حل. مثل وجودكم اليوم كجماعة مسيحية في بحر من الشعوب والأديان المختلفة، ووجود هذا الكم الهائل من القنوات الفضائية المتعددة داخل البيوت وداخل غرف النوم يجعل من الضرورة طرح لاهوت جديد. حتى الأسئلة التي طرحتها ضرورات اجتماعية أو عملية، سرعان ما تصبح قديمة. فاليوم، هناك أسئلة تطرح عن قائمة الخطايا الكبيرة والمشاكل الكونية مثل ارتفاع درجات الحرارة، بعض القراء، عندما طرحت موضوعا عن الاحتباس الحراري وارتفاع درجة الحرارة، رأوا فيه شيئا من الغرابة. لكن بعد ذلك كل العالم بدأ يتكلم عن هذا الموضوع وعن ضرورة حماية البيئة. فعلا هي مسألة لاهوتية أن نترك لأحفادنا عالما نظيفا أو مياها نظيفة. ماذا سيحدث لبعض المناطق كاستراليا إذا استمر الجفاف أربع سنوات أخرى؟ لن يبقى هناك ماء يكفي للمدن. وهذا ليس فقط في استراليا بل في منطقتنا، الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. التصحر آخذ في الازدياد. الحقيقة هي أن العولمة اليوم هي عولمة ايجابية من جانب، لأن كل إنسان يمكن أن يطلع على الأخطار، ولكن العولمة سلبية أيضا، لأن من المحتمل أن يضيع الإنسان عندما لا يستطيع إعطاء أجوبة صحيحة.

س 5
أبونا، حول هذه المواضيع،  مثل موضوع البيئة، إذا ما أخذناها من منظور الكتاب المقدس، يعني هذا جزء من الشر إذا لم نعتني بالعالم الذي نعيش فيه، سنصبح سببا في تهديمه وانه شر أدبي من الناحية اللاهوتية. ما هو تعليقكم على هذا الكلام؟

ج5
إن تعامل الإنسان الأناني مع البيئة في هذا الجيل غريب، ونستطيع أن نقول عنه إنه جيل النفط، فاستعمال الوقود الأحفوري، وهو وقود لا ينتَج بل هو مخزون في الأرض وقابل للنضوب، وقود مستخرج مثلما تستخرج مياه جوفية. ففي ليبيا اكتشفوا طبقة مياه جوفية، تجمعت خلال 200 ألف سنة، لكن استهلاكها سيحتاج فقط 50 سنة، ثم ماذا سيعملون بعد ذلك؟ ماذا سيشربون؟ تجميع النفط في العالم تطلب ملايين السنين. لكن النفط سينضب أيضًا بعد 50 سنة، على العالم أن ينتج طاقة قابلة للتجديد، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو طاقة الأمواج وهذا ممكن، يعني اليوم لا يمكن فصل الأخلاق عن طريقة التعامل في الحياة.


س6   
 نعيش عصرا مملوءا من المعرفة، ولكن كثرتها جعلتها مثل مياه الفيضان لا يمكن الاستفادة منها، بحيث لم يعد الإنسان يستطيع أن يستقر على فكر معين حتى خرجت أفكار أخرى تناقضها أو تجددها. فالإنسان يعاني من هذه المشكلة. لا بل انهزم البعض أو استسلم، ولم يعد يهتم سوى بذاته وفردانيته، ولم يعد يهتم بمواضيع الميتافيزيقية. أي بكلمة أخرى أصبحوا من أتباع الوجودية الملحدة اواللاإدرية. فما رأيك بهذا الكلام؟

ج6
بتصوري لا يجوز أن نخلط بين الوجودية الملحدة واللاإدرية، فاليوم الوجودية الملحدة في انحسار واللاإدرية في تقدم. أغلب الفلاسفة والمفكرين إلتجأوا إلى اللاادرية لحماية أنفسهم منذ فشلت الوجودية الملحدة، لما جاءت به من مصائب وكوارث على المجتمع والعالم اجمع.
وكذلك أيضا بالنسبة للمعرفة، فكثير من المؤسسات المعرفية وقعت في ورطة، هناك غليان بركاني في الجامعات العالمية. التحدي هو أن مؤسسات التثقيف هي حقيقة مؤسسات تعليمية، وليست مؤسسات تثقيفية يعني تعلـِّم ولا تثقـِّف. الدليل هو الشرخ الحاصل بين الاخلاق و بين المعارف، إنفصال المعارف عن الأخلاقية جعل البابا يوحنا بولس الثاني يسمي عصرنا عصر "الليل الأخلاقي"، يعني لا يوجد فيه ضوء، لا يوجد لديك دليل تمشي بواسطته أثناء الليل. أي بمعنى الكلمة لا يوجد مسار أخلاقي أو دليل أخلاقي.فالمشكلة التي تخيفنا اليوم ليس التيار الإلحاد اواللاإدرية، بقدر ما هو عودة المذاهب المتشددة والمتعصبة، ودعاة الإنكفاء وخصوصا تيار التوافقية المعاصرة، وهي أكثر خطورة من الإلحاد الذي فشل. التوافقية هي في عدم التماس مع الواقع، فيقولون: "الباب الذي يأتيك منه الريح سدّه واسترح". أنا ما ادري ! ما اهتم ! أنا لا اهتم ! ليس لدي علاقة.
يحاول اليوم تيار التوفيقية إيجاد طريق آخر لكسب الوقت. تعيش في الحاضر، وترفع شعار (متع نفسك) هذا الذي أنت ذكرتها.
فالإنسان يعاني اليوم من مشكلة الفردانية. الإهتمام بالأنا، وهذا الأنا مريض متضخم، إلى درجة جعلته يخاف بإفراط من الموت، يعيش حياته مستغلا الآخرين ويكذب عليهم ويسرقهم. ويعمل كل هذا ليستفيد لذاته ويصعد على أكتاف الآخرين. ولهذا نرى هناك تحولا كبيرا في العالم، من اقتصاد ملموس إلى اقتصاد وهمي، إلى اقتصاد كاذب، إلى رشوة... كلها أشياء وهمية.
وهكذا نجد عدم اهتمام الإنسان بالمواضيع الميتافيزيقية، لأنها لا تخدم الفردانية. ولا يوجد عصر مثل عصرنا فيه خلط الإيمان مع الفأل، بل حتى بالحظ والنصيب وكسب المال. صار كل شيء مبررًا ومسموحًا به من اجل كسب المال.

س7
أبونا ألا ترى أن كثرة أو توسع المعرفة قد اصبح مصدرا للشر؟ أأعني عدم انتظامها تجعلها مصدرا للشر؟
ج7
يحذرنا الكتاب المقدس من الصفحة الأوّلى من أحد أنواع المعرفة، فيقول المجرب لحواء: "يخاف الله عليكما من أن تعرفا الحقيقة"، فوضع المجرب آدم وحواء في شك في حب الله، وقال لهما: "إن أكلتم من الثمرة سوف تعرفون الحقيقة"، أي الحقيقة صارت في الخطيئة، في كسر الوصية. دليل الكاتب هنا، وهو عبقري، أن الإنسان، عندما يخطئ، يريد أن يكسب معرفة، وكل معرفة ليست دائمًا معرفة جيدة، لأنك إذا أصبت بمرض ما يمكن هذا المرض يقتلك، ثم ماذا ستفيدك من معرفتك بذلك المرض إذا ما قتلك؟!

الله دعانا إلى حقائق مفيدة، وتوجد معارف غير مفيدة، المعرفة مفيدة إذا كانت مبنية على المحبة والفائدة.

س8
ألا ترى هذا التداخل الكبير بين المعرفة، أصبح مشكلة الإنسان؟ كيف نستطيع أن نميز بين الخير و الشر بين هذا الكم الهائل من المعرفة وما هي العلامات و الدلائل للتمييز؟

ج8
المسألة في التمييز بين المعارف والأولويات، وليست فقط في التمييز بين الخير والشر، التمييز الحقيقي بين خيرين واختيار الأفضل، لأن علينا الإبتعاد عن الثنائية: خير وشر، أسود وأبيض. اليوم نحن نعيش المشكلة في قالب آخر، إذا كان عمري 20 عامًا الخير بالنسبة إلي يختلف عما إذا كان عمري 70 سنة، أي الخير بالنسبة إلي هو شكل آخر. إذن نحن أمام اختيارات الخير أكثر مما نحن أمام اختيارات التمييز بين الخير والشر. في معرفة اليوم هناك أشياء تعرفها في عمر عشرين قد تفيدك، لكن إذا تعلمتها في عمر 70 قد لا تفيدك.
يلزمنا وضع الأولويات في الخير. توجد أشياء نحتاج إليها في مرحلة ما وبعدها يفوت الأوان. يجب إذن أن نتعلم الأوّلويات قبل كل شيء، فالشاب الذي لا نتركه يتعلم في مرحلة معينة من عمره بعض الأشياء ستضيع حياته. وإذا تعلمها بعد أربعين سنة من عمره سوف لا يستفيد منها. إذن لنترك زمن الثنائية بين الخير والشر، ولنختر الزمن الذي فيه تفضيل للخيرات.
 هناك مثل عربي يقول" إذا متُ ظمآن فلا هطل الطل" يعني إذا مت اليوم من العطش فما فائدة سقوط المطر في اليوم التالي. لذلك يقول يسوع كنت جائعا فأطعمتموني وعطشان فسقيتموني. فلا يمكن أن نتكلم عن المثاليات، بل الأهمية ترجع للأولويات الواقعية وليست للأولويات النظرية.


س8
   ان مهمة الفكر اللاهوتي (علم الله) هي الكشف عن هوية الله وتعاليمه وعلاقته مع مخلوقاته، وبالأخص محبته للإنسان الذي يحمل صورته، أما مهمة الفكر الفلسفي فهي البحث عن حقيقة هذا الوجود والسعادة والحكمة والجمال والمثل والله والملكوت والخلود..... الخ.
أين هي القواسم المشتركة اليوم بين الفكرين وهل لا يزال كل واحد منهما يحتاج إلى الآخر كما قال القديس انسيلم (إن لم تعقل لن تؤمن) والقديس أوغسطين (آمن كي تفهم)؟
ج8
الحقيقة أن توما الإكويني هو الذي ركز على هذه المقولة (الإيمان يتطلب العقل) أي أن الإيمان يتعكز على العقل، الإيمان يحتاج إلى العقل ونستطيع في الحقيقة تقسيم الفكر اللاهوتي والفكر الفلسفي إلى قسمين : الفكر اللاهوتي هو الخط النازل، والفكر الفلسفي هو الخط الصاعد. الفكر اللاهوتي يتكلم عن بحث الله عن الإنسان وكلامه معه، أما الفكر الفلسفي فيتكلم عن بحث الإنسان عن المطلق أي الله، فالفكر اللاهوتي نازل ويشمل سر علاقة الله مع البشر، وكيف تكلم معهم؟ كيف اتصل بهم؟ كيف أرسل لهم أنبياء وفي الأخير أرسل إبنه ليخاطبهم. في اللاهوت ندرس كشف هوية الله من خلال هذا الفكر النازل، و مهمته كفكر هي تفسير رغبة الله بالبشر، يعني "صار الله إنسانًا لكي يصير الإنسان إبنا لله" كما قال القديس ايريناوس من ليون.
 أما الفكر الفلسفي فهو جهد العقل للبحث عن المطلق والبحث عن الأشياء التي تفيد مثل الحكمة والجمال والسعادة والله نفسه، لكن توجد رؤية فلسفية لله تختلف عن الرؤية اللاهوتية عنه تعالى. أعني الرؤية الفلسفية باحثة مثل رؤية أفلاطون أو أفلوطين اللذين تكلما عن الله. أما اليوم فتبدو الفلسفة مريضة، ما عدا ما يحاول عمله بعض الفلاسفة على شفائها. فنجدها في كل الكليات اللاهوت، ووجود جهد لإصلاحها. في اعتقادي كان البابا يوحنا بولس الثاني قد أسهم كثيرًا في شفاء الفلسفة، لأنه كان فيلسوفا كبيرا وأعطى للفلسفة أوراق اعتماد جديدة، وأعاد المجد إليها، وإني أعدّ رسالته (العقل والإيمان) من أروع ما كتب في هذا المجال في القرن 20، وقد قمت بتدريس هذه الرسالة في كلية بابل 4 سنوات متتالية.


س9   
الا ترى ابونا ان العلوم المادية أو العلوم التطبيقية سبقت الفكر اللاهوتي والفكر الفلسفي في تطورها في هذا العصر وربما كلمة (التصحر) التي استخدمها البابا بنديكتس السادس عشر في خطابة الأخير في يوم الشباب العالمي في سدني، هي إحدى دلالات هذا الأمر.
 لماذا حصل أو يحصل التصحر الروحي لدى الإنسان في هذا العصر؟ هل العيب في تخلف العلوم الدينية عن مواكبة الحداثة التي أفقدت الأشياء هويتها وتعاريفها الحقيقية بسبب التغيير المستمر في جوهرها؟ أم فعلا لم يعد الإنسان في حاجة إلى التطبع أو الالتزام بالشعور الديني وأهميته بسبب بيئة حضارة عصره؟

ج9
لا اعتقد أن التصحر الروحي سببه في تخلف العلوم الدينية. يوجد هناك حلقات ناقصة. يعني تقدم الطب ليس بنفس المقياس في كل الدول، ووصول الأدوية في الدول المتقدمة يختلف عن عدم وصول الأدوية في الدول الأفريقية، أتصور اليوم نحن واعون بأن قارة أفريقيا في خطر كبير بسبب مرض الايدز، سوف يموت الملايين بسبب عدم وصول هذه الأدوية إلى أفريقيا، أنا أقارن بين عدم وصول الأدوية إلى أفريقيا وبين عدم وصول المعرفة اللاهوتية الحقيقية إلى كثير من الناس.
إن الفكر اللاهوتي والفلسفي ليسا مختلفين، لكن الحضارة داخل جماعات أو جامعات أو داخل مؤسسات. لاحظ الفرق بين الكتاب والجريدة، فالجريدة تعطيك مقالات والكتاب يشبع الموضوع؟ أعني أغلب الناس تقرأ المقالات ولكن لا تقرا الكتب.
يعني لا نستطيع بمقال أو مقالتين أن نشبع الموضوع، ولهذا للمقالة مذاق. أما إذا ما أثارت جوعك سوف تذهب إلى الكتاب. إذن يجب أن نأتي بالكتاب وهذا غير موجود دائمًا. في مجلة الفكر المسيحي الكثير من المقالات تتطرق إلى هذا التصحر في الفكر الشرقي والمشرقي. هناك أرقام مخيفة، أرقام و تقارير الأمم المتحدة تشير على أن العالم العربي مثلا بالرغم أن سكانه يتجاورون 300 مليون نسمة ويتكلمون اللغة نفسها، إلا أنها أصبحت لغة فقيرة قياسا بلغات العالم الأخرى. فقيرة في الترجمات، وفقيرة بالكتب والنشر، ولهذا قد يكون هذا هو التصحر الذي تكلم عنه البابا وهو شامل للغات في العالم. فإذا كانت الانكليزية والفرنسية والألمانية في التصحر، ماذا يمكن أن يقال عن العربية؟

س10
أقصد هنا التصحر الروحي؟
ج10
التصحر الروحي قابل للدراسة. ماذا يشغل بال الناس؟ أنا أخاف على الناس من الأكلات السريعة! من الروحانية السريعة، من إهمال شعوب بأكملها. فعندما نأخذ طفلا ونحاول أن نعلمه ونعده للمستقبل، ونعطيه تثقيفًا وتعليمًا. كم من شعوب ليس لديها مؤسسات تستلم الطفل وتعلمه، أو مؤسساتها مريضة، أجهزة تعليمية مريضة. التصحر الروحي سببه إهمال كبير للقيم الإنسانية. وابسط مثال في بلدنا العراق، التعليم مبني على الحفظ وليس على التفكير وافتقار جهاز التعليم العراقي إلى ما يساعد الطفل أو الشاب على التفكير ينتج من ذلك أجيال متصحرة، أمية، فارغة، ومسكينة. ولهذا أقول إن إعادة النظر في النظم التعليمية في العالم مهمة جدا. ويمكن أن تقع المسؤولية على اليونسكو أو الأمم المتحدة، لان هذا الشيء يحصل لأربع مليارات من البشر، إن لم يكن أكثر، وهذا شيء مخيف جدا. كل هؤلاء المساكين العاطلين عن العمل، الفقراء. في الحقيقة هذا ليس فقط تصحرا روحيا وإنما تصحر إنساني أيضًا بالأول.


 
 

س11
الصراع موجود بين العلوم الدينية والفلسفية والمادية ولا نستطيع أن ننكر أن العلوم التطبيقية المادية سبقت العلوم بشوط واسع، كذلك نرى الإنسان اليوم أجبر على أن يخضع مبادئ عقله أي يغير عقله أو طريقة تفكيره أكثر مما هي روحانية، لذلك الفلسفة تقول هناك تصحر في المعرفة؟
 
ج11
من الممكن، لكني لا أفهم كلمة "سبقت"، بمعنى الزمني لها، وأنت ما كنت تقصد السباق، إنما التجاوز، عبر الكتب المفيدة حتى تعطي للناس ثقافة اقل من الكتب التي تعطيهم معلومات. الإنترنيت مملوء من المعلومات، لكن لا يمكنه أن يعالج النقص الموجود في الثقافة أو القيم الأخلاقية. ولذا إذا رجعنا إلى تعبير "الليل الأخلاقي" أكيد اليوم هناك ناس قلقون وهناك كثير من الناس المثقفين لكن النقص الغالب هو في القيم. وممكن أن الفلاسفة في القرون الوسطى كانوا يجمعون بين القيم الأخلاقية والمعرفة. مثلا الطبيب الذي يصبح طبيا لأجل كسب المال شيء مؤسف بينما أبقراط الطبيب الإغريقي المشهور وضع القَسَم المشهور ليجعل الطب مهارة أخلاقية. وكل طبيب يؤدي القسم بأن يكون خادما للحياة وليس للموت. طبعا اليوم كثير من الأطباء يؤدون القسم لكن هل يؤمنون بأهميته؟ أتصور أن الفكر القديم حاول الجمع بين الأخلاق والمعرفة، لكن الحديث يفشل اليوم في الجمع بينهما، لنتذكر كل الإيديولوجيات القاتلة كالنازية وغيرها.


س12 بالنسبة إليكم انتم اللاهوتيين ما هو أحدث اكتشاف أو فكرة جديدة أسعدتكم؟ وما هي أهم مشكلة فكرية بقيت مستعصية أمامكم حتى اليوم؟

ج12
لست أدرّس اللاهوت مثلما كانوا يدرسونه قبل 50 عامًا، حين كانوا يفصلون بين
سر التجسد وسر الفداء، أما اليوم فندرّس سر الله والإنسان معًا، فالله يحب الإنسان ولهذا أراد أن يصير إنسانا لكي يخلصه. أعني نجمع اليوم بين سر التجسد والفداء، والمقصود بهذا أنه لاهوت أنثروبولوجي. وبهذا عودة إلى اللاهوت الشرقي الذي أطلق على الله صفة محب البشر (راحم ناشا)، وهذه الفكرة أكثر فأكثر في المستقبل.
أما أهم مشكلة فكرية مستعصية أمام اللاهوتيين، والتي هي مشكلة كبيرة جدا، فهي ظاهرة العنف. ما نريده أهو أن نفهم منابع العنف، وهذا صعب. هل يا ترى نقدر أن نصل إلى منابع العنف، خصوصًا بعدما كشفت العلوم النفسية تلك الغريزة. وما أكثر من نسمع ونرى من أخبار وأحداث مروعة كلها من فعل ذلك الميل إلى العنف الذي فينا.

 
 
س13
 هل هذه مشكلة لاهوتية أم نفسية؟
ج13
 أنا أتصور، المشكلة لاهوتية وفلسفية ونفسية، لذا اهتم الله بها منذ البداية ووقف يخطط لحل هذا الأمر الخطير. فيقول أنا لم أخلقهم  لكي يموتوا بهذه الطريقة ولم أخلقهم لكي يقتلوا الآخرين.
لهذا أتصور العنف هو أخطر مشكلة.


 


س14
في ضوء الهزة العنيفة التي أحدثتها النظرية النسبية للعالم الفيزيائي اينشتاين على المعارف الإنسانية كلها، هل تعتقد أن العلوم الطبيعية على مفترق طرق مع العلوم الفكرية (اللاهوت والفلسفة) اليوم؟

ج14
 أتصور العكس. حان الوقت لهضم النظرية النسبية وتقبلها. وفعلا ميزنا بين الله ونحن، يعني الله هو الله، والإنسان هو الإنسان، أي إذا كان الله يحبني وأنا أحبه، هذا لا يعني أني أصبحت إلها بالمعرفة ولا أن الله صار إنسانا في نقصي أنا. الله كامل وأنا ناقص، الحب يجمعنا والمعرفة تفرقنا. ولذا أسعى نحوه بالتوبة واكتشاف الله من جديد كل يوم. النسبية هنا وضعت كل واحد في موقعه. وضعت الإنسان كإنسان نسبي وقابل للموت، ووضعت الله كمطلق.

س15
اقصد انه لدينا ماهيات مطلقة مثل الله والجمال والخير والحق هذه الأشياء هل شملتها النسبية التي أتى بها اينشتاين لأنها جزء مهم من معارفنا الإنسانية؟

ج15
نعم، لقد مرت علينا فترات صعبة من ناحية الفكر اللاهوتي، وفيه مدارس كثيرة. في سريلانكا لاهوتي تعرض إلى المحاسبة من قبل روما،وهناك أيضا لاهوتيون في أمريكا الجنوبية ( لاهوت التحرير). لكني أتصور أنها مرحلة مرت في تاريخ اللاهوت. أما اليوم فاللاهوت يطرح أشياء بطريقة أخرى، ربما بعد العولمة بدأنا نرى بريقا جديدا للفرق بين الواقع والنظري، بين الصور الوهمية التي تخلقها أوهامنا الاجتماعية والفردية. يعني إننا على مفترق طرق... بل بالعكس صرنا نحن نلتقي في كثير من الأمور، لقد ذهب سادة الشك (نيتشه وماركس وفرويد). وهذه الموجات أتت في نفس الوقت وخلال فترة 30 سنة من بداية القرن العشرين. أما اليوم فقد تجاوزناها، ووصلنا إلى مرحلة أخرى قد تكون: الإنسان ليس في حاجة إلى الله. إقرأ مثلا كتبًا شهيرة مثل: الخميائي، لبابلو كوهيلو وكتاب باسم الوردة لأومبيرتو إيكو. سترى أن الإنسان فيهما لا يحتاج إلى الله، وإنما إلى الألوهة غامضة هلامية.

س16
أليس هذا من إنتاج الفكر المادي،اعني اثرا لإنتاج فكر المادية والذاتية أي الوجودية؟

ج16
لقد عبرنا المادية من زمان وأصبحنا الآن في مرحلة إختلط في الوهم مع الحقيقة.

 س17
إذن رجعنا إلى السؤال الأوّل: إن زيادة المعرفة أحدثت شقا واسعا في المعرفة، في الحضارة والنظرة إلى القيم ؟
ج نعم نعم،

18   بالأمس، قلت في المحاضرة إنك زرت أكثر من 40 دولة فيها مهاجرون من العراق. من خلال المحاضرات والاحتكاك الثقافي لك مع أبناء شعبنا في المهجر كيف ترى محنة الوعي والتطور الفكري والصعود إلى المسرح العالمي بعد أن كان تسلق بعضهم القمم العليا في ارض الوطن في القرن الماضي؟ وما هو العلاج إن لم يصلوا إلى هذه المرحلة؟ أو أين الخلل الذي يمنعهم من الوصول إلى ذلك؟

ج18
يحتاج الجواب على هذا السؤال إلى سنوات دراسة، لأن علم الهجرة، أو دعنا نقول تحليل الهجرة موضوع غير مدروس بصورة صحيحة، وأنا أطرحه فقط على شكل تساؤلات. إن الصدمات التي خلقت الهجرة في 90% من أبناء شعبنا تركته في حالة من الذهول وحالة بحث عن الأوهام. عندما كانوا في العراق حاولنا أن نواجه هذه الأوهام التي اتخذت أهمية كبيرة، كأن يكون الغنى السريع، وإبراز الفخفخة والعظمة، والحصول على المال السريع هو الحل، وكل شيء قابل للشراء وحتى تباع الشهادات والدراسات. أتصور أننا نمر في أزمة كبيرة. لا فقط لا تتركنا أن نصعد إلى المسرح العالمي وإنما حتى في الكواليس لا يبقى لنا مكان.

س19  لكل شعب هوية واحدة، أما شعبنا (الكلداني الآشوري السرياني) بسبب الظروف السياسية التي مرت بها أرض الرافدين اجبر على حمل عدة هويات، وان الصيرورة اللازمة لصهر هذه الهويات في هوية واحدة، التي نحن في أمس الحاجة إليها اليوم هي بطيئة جدا، وقطار التغيير وتقدم الأمم يمر بسرعة. فما الحل الأنسب الذي برأيك يجب أن يقبله كل الأطراف بدون تأخر أو تزمّت؟ وهل تظن انه من الضروري الحفاظ على الهوية التاريخية لشعبنا على الرغم من الصعوبات التي يمر فيها، اعني هل يا ترى، تستحق هذه الهوية كل هذا الجهد الكبير؟ وهل سيكون هناك فائدة كبيرة منها؟

ج19
البحث عن الهوية مسألة ومشكلة كبرى في عالمنا وشعبنا الكلداني الاشوري السرياني هو قطرة في بحر الهويات. يعني المشكلة الكبرى هي هوية العالم الذي نحن فيه، مليارات من البشر تتصارع بينهم هويات عديدة.
وما الحرب الحالية إلا مواجهات كتل بشرية ضخمة لا تجد طريقها في هذا العالم بسبب بسيط: بعضها يقبل التغيير والآخر لا يقبل التغيير والحداثة، بعض الدول الغربية عبرت حتى إلى ما بعد الحداثة، لدينا من جهة ناس يعيشون في المستقبل ومن جهة أخرى لدينا أناس يعيشون في الماضي. والذي يجمعهما هو وسائل الإعلام الذي ينقل صورًا مشوهة عن هذا وذاك. عندما تذهب إلى العالم الشرقي، يعتمدون في تفكيرهم على الماضي ويقولون: الغرب فاشل، بناتهم فاسدات، بدون أخلاق. وحينما تأتي إلى العالم الغربي وتسأله عن الشرق يجيبك بأن كل من لا يفكر مثلنا إرهابي ومتعصب، كلاهما على خطأ وكلاهما يبالغ. إن مشكلة شعبنا اليوم نحن كأقزام نرقص بين العمالقة، يعني هذه الشعوب الهائلة تتصارع على كلمة الهوية ونحن لا نأتي في الميزان بوزن شعرة واحدة، ليس لدينا وزن في الميزان العالمي.

س20
يعني تقصد نحن لا نملك هوية؟
ج20
 لدينا هوية، ولكن هذه الهوية تتأرجح بين وجود مهاجرينا في العالم الغربي، الذين لا يجدون حلا لأنفسهم، في توازن مع العالم الغربي، وإن كان التكيف على المسيحي في الغرب أسهل. لان هذا التكيف يسمى ذوبانا لدى الكثيرين. 95% من المهاجرين قبل 30 سنة ذابوا في هذه المجتمعات. يعني ذابوا بسهولة والدليل الجيل الثاني و الثالث. و 95% من الذين يعيشون في العراق لا يستطيعون أن يساعدوا مجتمعاتهم ولا يقدرون تغيير مجتمعاتهم في قابلية التكيف والتغيير. ولهذا  أرى أننا نملك هوية حقيقية. وقد تكون الهويات التي نركض خلفها هويات وهمية.
 مثلا، في العراق الهوية كانت تكمن في امتلاكك البيت للإستقرار، وأن يكون لك عمل وراتب لكي تعيش. هذا الشيء تم تجاوزه ما بعد الحداثة. الفرد الاسترالي أو الأمريكي لا يشتري بيتا، لأنه يعلم انه سيغير بيته خمس مرات في حياته، ويعرف أن العقارات التي يشتريها اليوم بمليون دولار من المحتمل أن تغدو بنصف قيمتها بعد غد، أو بالعكس يمكن أن يشتري بنصف مليون ويبيعها بخمسة ملايين فيما بعد. فهذا يجعلك لا تستطيع المنافسة، لان السوق متغير وهو على كف عفريت. كذلك بالنسبة للأفكار فهي أيضا على كف عفريت. وحقيقة عالمنا اليوم عالم مجنون وغالبًا  لا نقبل بالهويات إلا كملجأ أو كمسكن أو مهدئ، تذكر أن مصّ الإصبع لا يغذي، والهوية الجماعية في الغالب لا تغذي.

س21
كأنك بهذا تقول للإنسان أنت ضائع ومريض وأنا لا ملك بوصلة توجهك ودواء ليعالجك؟
ج21

 اعتقد أن هذا صحيح من الناحية الاجتماعية.  لكن من الممكن أن يكون الإيمان هو الحل، غير أن الإيمان من المحتمل أن يُستعمل ويُستغل بصورة خاطئة. لذلك أخاف فعلا من البدع التي تستغل الإيمان، وتستخدمه في توجيه الناس المساكين الضائعين فيتحول الإيمان إلى أفيون ومسكن ومخدر من جديد. لهذا أقول: اليوم نحن بحاجة إلى تجمعات حقيقية تساعد الناس على التفكير أكثر من تجمعات تدغدغ عواطف الناس وانفعالاتهم.

س22
على الرغم من مرور قرابة نصف قرن على الحوار المسكوني، وعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة التي نواجهها جميعا إلا أننا لم نلاحظ سوى الخطابات الدبلوماسية بين مراكز الكنائس الكبرى ولا وجود لأي خطوات أساسية أو عملية لفتح الحوار باتجاه وحدة حقيقية ملموسة. لماذا؟ أين الخلل ومتى تبدأ هذه الخطوات؟

ج22
أعتقد أن طرح السؤال بهذه الصيغة يكشف عدم معرفة بمعنى كلمة الوحدة. المسيح نفسه كان يخاف على تلاميذه ولهذا صلى من أجلهم في 4 فصول من إنجيل يوحنا 13- 17. قال : "يا أبت ليكونوا واحدا كما نحن واحد"، يعني اتحاد يسوع مع الله يجمع بين الإنسان والله، واتحاد الكنائس يجمع بين الطابع الأفقي والعمودي فيهم، ولهذا نحن في حاجة كبيرة جدا لنقترب من الله ونقترب من المسيح حتى تتحقق الوحدة. وحدتك مع المسيح هي التي تجمعك بإخوتك، أما إذا أنت أبقيت العلاقة أفقية، لن تبحث عن المسيح ولن تراه بصورة صحيحة يعني إذا أنت آمنت بأن الله أبوك سترى الإنسان الآخر أخا لك. وبالعكس إذا لم تؤمن بان الله أبوك لن ترى الإنسان الآخر أخا لك، مثلما يقول الوجودي الفرنسي جان بول سارتر: "جهنم، هي ذلك الآخر".

س23
الشرق الأوسط هو وطن جميع الديانات السماوية، ويسوع المسيح ولد في ارض فلسطين، لكن وجود المسيحية في هذه المنطقة أصبح في خطر بعد أن تحولت من الأكثرية إلى أقلية، ولازالت كنيسة المسيح الموحدة التي أرادها لم تتحقق بين مؤمنيه. إلى متى تكون هذه الهوة الكبيرة بيننا و بين رؤسائنا الروحانيين الشرقيين؟

ج23
برأيي هناك نوعان من الرئاسة. رئاسة حقيقية، قيادة فكرية، وقيادة روحية. مثلا هل تتصور أن الأم تريزا ليست من القادة الملهمين في القرن العشرين في قيادتها للعالم وتوجيه أنظاره إلى حقيقة وجودنا كمسيحيين في خدمة الفقراء والمساكين.  أتصور ما يظهر على الساحة اقل بكثير من الحقيقة. ظهر يسوع وعاش ومات والإمبراطورية الرومانية لم تحس بوجوده وبيلاطس صلبه على انه مشعوذ أو ثائر، حالم. وبالنسبة إليه صلب أمثال يسوع لم يكن أمرا صعبًا فلم يرف له جفن، فهو غير مبال.
من الممكن اليوم، أن يكون هناك أناس عظماء، لكننا لسنا نعرفهم. خلال 29 سنة كان مانديلا في السجن لم يكن العالم يعلم أنه إنسان عظيم، اليوم نعرف انه إنسان عظيم بل من أعظم شخصيات عالمنا.
إذن يوجد تراكم زمني من الضروري جدا أن ننتظره، وإذا كانت الديانة اليهودية معتمدة على الانتظار، انتظار المسيح، هذا الطابع موجود في المسيحية أيضا، الإسكاتولوجيا تعني انتظار المسيح، فالمسيح لم يأت فقط مرة واحدة، بل سيأتي مرة أخرى أيضا، ولهذا فالديانة المسيحية يجب أن لا تنسى مجيء المسيح الثاني وهو سيوضح الكثير من الأشياء التي كانت ناقصة في المجيء الأوّل. القديس بولس يقول: "إني أكمل في جسدي ما ينقص في آلام المسيح": ويسوع يقول: "سيأتي الروح القدس وسيعلمكم جميع مالا تستطيعون الآن حمله".
إذن الزمن القادم أحسن من الزمن الماضي وهو جواب على سؤالك.
أما إذا كان الشرق الأوسط مهبط الديانات، فاليوم من الممكن أن يكون العالم كله مهبطا للديانات، لأن رسالة يسوع إنتشرت في إنحاء العالم، وكل الشعوب تنتظر مجيئه وأعتقد أن نبوءة يسوع المسيح قد تحققت في قوله: "سيأتون من المشارق والمغارب ويجلسون على مائدة الملكوت وأبناء الملكوت يطردون منها إلى الخارج".


س24
خلال تاريخ الكنيسة حدثت أخطاء، ولكن لا يستطيع احد أن ينكر أن دور الكنيسة في ترويض وتغيير الإنسان من طبائعه الغريزية إلى اللطف وزيادة الضمير والشعور الإنساني فيه، وقد رفعته إلى الأعالي في مفاهيم الإنسانية والقوانين والتحضر... بالاختصار: كانت الكنيسة المعلمة الأوّلى للبشرية.  لكن في بداية القرن الماضي إرتأت الكنيسة التخلي عن التدخل في الشؤون السياسية والعامة للمجتمع الإنساني. وبعد مرور قرابة قرن على هذه السياسة وجدت الكنيسة نفسها معزولة عن العالم، فهل حان الوقت أن تغير نظرتها وتقرر العودة إلى المجتمع والمشاركة في الحياة العامة؟
 وهل ستصبح الكنيسة سبّاقة في طرح حلول لمشاكل الإنسانية وهل هي مستعدة لتحمل المسؤولية؟ ألم يحن الوقت لمثل هذه الخطوة؟

ج24
إن الجواب على سؤالك هذا موجود في عموم هذه المقابلة. أما الدليل على ذلك فهو وجود 4 بابوات خلال الخمسين سنة الأخيرة، من البابا يوحنا 23 (إقرأ إفتتاحية الفكر المسيحي عنه)، ثم البابا بولس السادس، فيوحنا بولس الثاني والبابا الحالي بنديكتس السادس عشر. هؤلاء البابوات الأربعة طبقوا فعلا المبادئ التي تؤكد على أن الكنيسة أم ومعلمة وهذا كان أيضًا عنوان الرسالة الأوّلى للبابا يوحنا 23، وهي أيضا رسالة المجمع الفاتيكاني الثاني. اليوم لا نسمي تدخل الكنيسة في الحياة العامة سياسة. فعندما نقول يجب أن لا يظلم العامل، وإن على كل الشعوب أن تقدر ما فرضه حب الله، مثلما فرضه يسوع المسيح في فصل 24 متى فقال: "كنت جائعا فأطعمتموني، وكنت عطشان فسقيتموني ومريضا فزرتموني"، إذن ليس هذا تدخلا في السياسة. عندما نذكر الإنسان بواجباته الإنسانية وبالحقيقة. أتصور أن هذا الخوف من التدخل في السياسة قد زال زمانه. التدخل في السياسة شيء كان يستخدم ضد الكنيسة لإبعادها وإسكاتها، اليوم تحولت الكنيسة إلى ضمير الإنسان إلى صوت الضمير، فكثيرا من المرات، لا يصدر صراخ في العالم ضد الظلم والقتل الجماعي وضد الحروب وضد التعدي أعلى من صوت البابوات. في إحدى المرات كتبت مقالة كان عنوانها: "البابا يوحنا بولس الثاني تحت الرقابة". الأمريكان وأجهزتهم الإعلامية القوية وضعوا حصارا على البابا يوحنا بولس الثاني ولم يتركوا صوته يصل إلى العالم في التنديد بالحروب. وهكذا حققوا غاياتهم، وهجموا على العراق ودمروه. ولكن صوت البابا صار عليه تعتيم لماذا؟
قالوا له: "أنت بابا" فقط، لكن من يذكر الظالم بظلمه؟ والمعتدي من يقول له: أنت تعتدي. ولهذا فالتهمة هي أن تقول لي بأنك تتدخل في السياسة عندما أدافع عن حقوق المساكين. كثير من الشهداء ذهبوا في أمريكا الجنوبية واتهموا بأنهم تدخلوا في السياسة. بينما كان هؤلاء الآباء والمطارنة مثل روميرو، يدافعون عن حقوق الفلاحين لأنهم كانوا مستبعدين ومظلومين. لهذا تغيرت اليوم كلمة التدخل في السياسة تماما، فإن كانت التهمة آتية من الظالم فهي شرف اليوم.


 

 
س25
نحن نعرف خلال الحرب العالمية الأوّلى أو قبلها أن الظروف السياسية حصرت أو أجبرت أو جعلت من الكنيسة والبابا طرفا في المشكلة، وكانت الكنيسة في ذلك الوقت تتصارع مع القوى السياسية من اجل الأراضي والمال، لكن في النهاية توقفت الكنيسة عن هذا المسار.واليوم الكنيسة عائدة إلى العالم، إلى رفع صوتها كضمير الإنسانية؟


ج25
نعم هناك فرق في خمسين سنة الأوّلى من القرن العشرين و خمسين سنة الأخيرة.
وهناك تحول كبير. اليوم الكنيسة تخلت عن أراضيها وصارت دويلة صغيرة وصار للكنيسة مدينة تدعى فاتيكان، مساحتها صغيرة جدا. اليوم تحررت الكنيسة. وهذا الموضوع واسع ومهم جدا، ومن الممكن لأي شخص أن يبحث عنه، فهناك مصادر كثيرة عن الموضوع. لكن تحوّل الكنيسة من سلطة أرضية إلى سلطة روحية قوّاها أكثر وهذا شيء مفرح لنا. اليوم الكنيسة حرة وكما يقول المثل (المفلس في القافلة أمين)، اليوم الكنيسة فقيرة لكنها قوية في كثير من الأشياء أقوى مما كانت عليه من قبل. ليس من الضروري أن يكون لدي المال حتى أن أكون مؤثرا وليس من الضروري أن املك سلطة حتى أكون مؤثرا ففي صوت الأنبياء الصارخ في البرية قوة هائلة يحتاجها العالم اليوم أكثر من اي وقت مضى.

س26
إذا كانت الكنيسة فقيرة ما هو سلاحها في هذا العالم الذي هو مسلح بعدة أسلحة؟ مثلا أمام الكتل الكبيرة، أمام الاقتصاد العالمي، كيف ترى الكنيسة ستواجه ذلك؟ يعني ما هو الشيء الذي في يديها كي تدافع به عن نفسها في هذا العالم؟

ج26
كثير من الكنائس دخلت في هذا الإمتحان وأنا خائف أيضا على الكنيسة الكاثوليكية أن لا تنجح فيه. سألتني قبل قليل أسئلة عن زواج الكهنة أو كهنوت النساء. هل هذه هي المشكلة الكبرى التي يواجهها العالم؟ أعتقد المشكلة لا تأتي من داخل الكنيسة بل من الخارج. فاليوم لا يمكن أن أنافس شخصا يخدم. ولا يمكن أن أنافس شخصا يسقط في الحضيض. ولا أنافس المسيح المصلوب، ولا يمكن أن أنافس الأم تريزا في قداستها وحياتها. لا أحد يريد أن يعلق على الصليب. اليوم المنافسة والتحدي هما في الخدمة فقط. لذا من الممكن أن تكون الأسئلة الصحيحة التي يجب أن نطرحها، هي كيف نخدم؟ ومن نخدم؟

س27
 يعني هذا هو سلاحكم

ج27
نعم، هذا هو سلاحنا وقوتنا ولهذا ترى في مهجركم قليل جدًا من الدعوات الكهنوتية والرهبانية، لان كل واحد يقول: يا نفسي، وكل واحد يريد أن يُخدَم وقليلون يريدون أن يخدموا ويبذلوا حياتهم.


أبونا يوسف توما، شكرا على هذه المقابلة الطويلة






غير متصل dany.k

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2046
  • الجنس: ذكر
  • ★★★★★
    • مشاهدة الملف الشخصي
يسلمووو عاشت الايادي

★                                       ★               
                              

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صورة للاب يوسف توما لجماعة ملبورن عام 2008