أوتاد


المحرر موضوع: أوتاد  (زيارة 3228 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ناظم علي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 141
    • مشاهدة الملف الشخصي
أوتاد
« في: 13:51 19/01/2006 »

 

حضارة الأثينيين في مجال علم السياسة, حضارة سامية راقية لم تصل إليها حضارة قط على مستوى الحرية السياسية, خصوصا حرية التعبير, ويعود الفضل الى العباقرة الثلاثة: سقراط وأفلاطون وأرسطو, في تقعيد هذا العلم الذي لم تبرع فيه أمة من الأمم القديمة أو الحديثة عدا الحضارة الأوروبية المعاصرة, التي لم تتمكن من التخلص من آثار العصور الوسطى الظلامية, إلا بالعودة الى التراث اليوناني القديم, مما ينفي أكذوبة التأثير الحضاري العربي في الحضارة الغربية, لأن هذا التأثير لم يصل أبداً الى علم السياسة, فضلا عن محدودية تأثيره في بقية المجالات سواء العلمية أو النظرية, وهذه قصة أخرى.
العالم اليوم يعيش في ظل أنظمة دستورية تقرر سيادة الأمة ومبدأ الفصل بين السلطات, وتقييد السلطة الحاكمة بدستور, والإقرار النظري بالحريات الفكرية وحقوق الإنسان, وكل هذا بفضل الفكر اليوناني خصوصا أثينا كما تجسدت في القرن الخامس قبل الميلاد, حين كتب أفلاطون »جمهوريته« وأخذها عنه الفارابي المعلم الثاني كما يطلق عليه, حيث ان أرسطو هو المعلم الأول, وأين تراث الفارابي اليوم في عالم المسلمين? لا شيء, وأرسطو في »السياسة« وهو أول كتاب مفصل في علم السياسة لم يكتب مثله منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى هذه اللحظة, وأشك أن احداً من المثقفين المسلمين قد اطلع عليه اليوم, هذا إن سمع بالعنوان?!
الفكر اليوناني هو الذي بحث في علم نشأة الدولة وقام بأنسنتها, أي جعلها إنسانية في وقت كانت جميع الحضارات تتعامل مع السلطة كشيء إلهي مقدس, وما الفراعنة عنا ببعيدين. وكان الاستبداد يعم جميع مناطق العالم وهو الفكر الذي توصل فيه الفلاسفة بعقولهم إلى القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية التي تم تحويلها على يد المفكرين الغربيين اللاحقين إلى حقوق قانونية ليتم وضع أسس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعيش فيه بنو الإنسان اليوم بشيء من الكرامة, وتبشرنا شواهد العولمة على انتشاره وفرضه على الأنظمة الاستبدادية ولو بالقوة قريبا.
لولا الفكر اليوناني العظيم وتوابعه من الفكر الغربي السياسي المعاصر لعاشت شعوب العالم في غياهب الظلم والاستبداد, لقد أثر هذا الفكر في الحضارة الرومانية التي أسست التدوين القانوني للقانون الوضعي الذي يعم العالم اليوم, وتخيلوا لو أن العالم اليوم يعيش بلا قوانين وضعية أو دولية (القانون الدولي), ماذا سيحدث للمجتمعات الإنسانية? ومن عظمة هذا الفكر أن احداً لم يتمكن من نقضه عقلياً, ولذلك برغم كل الحضارات التي سادت ثم بادت, ظل هذا الفكر سائداً إلى هذه الساعة.
لذلك لا يمكن لأي قسم من أقسام العلوم الاجتماعية ان يتجاهل تدريس هذا الفكر سواء في الفلسفة, أو السياسة أو علم الاجتماع, لكن المشكلة ان الذين يقومون بتدريسه غير معنيين بربطه بالواقع, وكذلك الامر مع الحكومات الاستبدادية التي نقلت الدساتير ومباني البرلمانات وأقامت نظم حكم ديمقراطية مظهرية, لكن بقيت الروح السياسية والاجتماعية خالية من جوهر الديمقراطية.
لقد دعا الاثينيون الى مجتمع ديمقراطي, في حين توقف الجميع - باستثناء الغرب - عند عتبة نظام الحكم الديمقراطي الذي مات في القرن التاسع عشر وما عاد له قيمة في القرن الواحد والعشرين, لأن العالم الحر تجاوزه الى ما فوق ذلك بكثير, في حين بقيت معظم شعوب وحكومات العالم في القرن التاسع عشر!

* أستاذ في جامعة الكويت 
 أحمد البغدادي