تعقيب على مقال القس المهندس عمانوئيل يوخنا
(نقاش هاديء للحركة الانشقاقية لنيافة الأسقف مار باوي)
[/b]
شليمون داود أوراهم*
المقدمةاطلعنا مؤخرا على مقال للقس المهندس عمانوئيا يوخنا، منشور في موقع عنكاوا الموقر بالعنوان أعلاه، وبجزئين.
ويخوض الكاتب الفاضل في تفاصيل عديدة يبدو أنه قد نظر إليها وإلى معانيها من وجهة نظره الشخصية التي تختلف بطبيعة الحال عن وجهة نظر الطرف الآخر. لا سيما وأنه يتهم البعض باعتقادهم أنهم يمتلكون كل الحقيقة، بينما يبدو واضحا أنه هو أيضا يعتقد أنه يمتلك كل الحقيقة، والواقع أن لا أحد من البشر يمكنه الادعاء أنه يمتلك كل الحقيقة حتى ولو كان راعيا جليلا رئيسا لكنيسة، إذا لا شيء مطلق في هذا الكون إلا الخالق، وجميعنا بشر ضعفاء أمام الكامل القدوس.
لكننا وقبل الدخول في تفاصيل هذا التعقيب نود أن نشير إلى ملاحظتين:
أولا: لسنا هنا بصدد الدفاع عن نيافة الأسقف مار باوي سورو بأية صيغة كانت، مثلما لسنا بصدد الخوض في شؤون كنيسة أخرى شقيقة أيا كانت، ولا أن نكون طرفا في الظرف الذي تمر به.
ثانيا: أكتب هذا التعقيب بصفتي الرسمية كمسؤول قسم الإعلام في مقر بطريركية الكنيسة الشرقية القديمة ورئيس تحرير مجلة الكنيسة الرسمية (الأفق). وهو يتركز على بعض الوقائع المتعلقة بالكنيسة الشرقية القديمة تحديدا، والتي أشار إليها القس المهندس عمانوئيل يوخنا، مع المحافظة الكاملة على مساحة التقدير والاحترام الذي أكنه لشخصه الكريم.
التفاصيل:
يتعلق مقال القس المهندس عمانوئيل يوخنا بالإشكالية التي حدث مؤخرا بين المجمع السنهادوسي لكنيسة المشرق الآشورية ونيافة مار باوي سورو الأسقف في هذه الكنيسة.
ويستفيض ويسترسل في التحليل والمناقشة ويتطرق إلى أمور عديدة لسنا بصددها في هذا التعقيب رغم ملاحظاتنا الكثيرة عليها.
وفي محضر تحليله لهذه الإشكالية وأسبابها وتبعاتها يشير إلى موضوع الوحدة الكنسية بشكل عام، ومشروع الوحدة بين كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة بشكل خاص.. مستعرضا بعض الخطوات التي تمت في هذا الشأن، ومقدما صورة ليست بالضرورة دقيقة أو مقبولة لدى الطرف الآخر، من خلال تقديمه الأمور وكأن رئاسة كنيسة المشرق الآشورية كانت السباقة على الدوام في المبادرة بهذه الشأن، بينما قابلتها رئاسة الكنيسة الشرقية القديمة بممارسات غير متجاوبة آخرها السماح لنيافة مار باوي بإقامة القداديس في أبرشياتها في الولايات المتحدة.
وبهذا الصدد يقول القس عمانوئيل في الجزء الأول من مقاله حرفيا: ( اما اذا كنتم تقصدون بالوحدة الكنسية مع كنيسة المشرق القديمة.. فما الجديد في هذه الدعوة؟
صحيح انه كان هناك تاخرا في انضاج وتحقيق الخطوة الاولى في مسيرة الوحدة هذه والمتمثلة بالاعتراف الكامل بالسلطة البطريركية لقداسة البطريرك مار ادي الثاني، وصحيح انه كان هناك، عبر اكثر من ثلاث عقود، تناقضات وافتقار الى رؤية وموقف واضح من حقيقة ان كنيسة المشرق القديمة كنيسة شقيقة قائمة، الا ان هذه الخطوة الاولى قد تحققت في المجمع السنهاديقي المنعقد عام 1998 ومسالة السير في خطواتها اللاحقة هي مسالة وقت وهو مرهون بالاساس (مثلما يعرف نيافتكم جيدا) بالطرف المقابل، الذي فرضت ازماته الداخلية عليه التريث، اكثر من ارتهانه اليوم بموقف كنيسة المشرق الاشورية التي اتبعت قرارها السنهاديقي السابق الذكر بدعوة اخرى في المجمع الاخير بارسالها رسالة بهذا الخصوص الى مرجعية كنيسة المشرق القديمة تدعوها فيها الى عقد مجمع سنهاديقي مشترك للاتفاق على تفاصيل توحيد الكنيسة.
كما ان قرار سنهادوس 1998 اتبعته الكنيسة بخطوات قد تبدو بروتوكولية ولكنها كبيرة التاثير والمدلول من قبيل قيام قداسة البطريرك مار دنخا الرابع باقامة القداس الاخير في كنيسة مار عوديشو لكنيسة المشرق القديمة في شيكاغو قبل تهديمها لاعادة بناءها، اضافة الى فتح ابواب كنيسة مار سركيس امام كاهن كنيسة المشرق القديمة لاقامة الخدمات الطقسية طوال مدة السنتين اللتين تطلبهما اعادة تشييد كنيسة مار عوديشو..
وهذه خطوات حملت الكثير من معاني ومدلولات المحبة والاخاء والنوايا الوحدوية بعكس خطوة نيافتكم الاخيرة في اقامة قداس عيد الميلاد في شيكاغو في كنيسة مار عوديشو للكنيسة المشرقية القديمة في خطوة اقل ما يقال عنها انها ابتغت تحقيق اكثر من هدف تتناقض جميعها مع الادعاءات او النوايا الطيبة للوحدة.. ). انتهى النص.
ونلاحظ هنا أن المجمع السنهادوسي لكنيسة المشرق الآشورية لم يكن حتى عام 1998 يعترف بالسلطة البطريركية للكنيسة الشرقية القديمة. وهذا أمر له مدلولات كثيرة لكنني سأضعه الآن جانبا.
وبشأن مدلولات المحبة والأخاء والنوايا الوحدوية التي يتحدث عنها القس عمانوئيل يوخنا في مقالته، نقول:
في لقاء مع قداسة أبينا البطريرك مار أدى الثاني، أجرته معه مجلة الأفق الصادرة عن بطريركية الكنسية الشرقية القديمة وسينشر في عددها الجديد الذي سيصدر بعد أيام بمشيئة الرب، يقول قداسة مار أدى الثاني:
(وفيما يتعلق بنا فإن أقرب الكنائس إلينا تاريخيا ولاهوتيا وطقسيا هي كنيسة المشرق الآشورية برئاسة أخينا قداسة البطريرك مار دنخا الرابع، حيث لا تختلف كنيستينا إلا بالتقويم. وقد ظلت مشاريع الوحدة بيننا في مد وجزر منذ عام 1980.. وحسب ظروف هذه الكنيسة الشقيقة، وقد تلقينا أواخر العام الماضي 2005 رسالة من قداسة مار دنخا الرابع بشأن مشروع الوحدة، تضمنت دعوة إلى عقد مجلس سينودوسي مشترك للكنيستين لمناقشة كل ما يتعلق بالأمر. لكننا نرى أن ما يُعرض على العلن.. يخالف ما هو مخفي.
فالذي يتحدث عن الوحدة يفترض أن يمتلك الإرادة الحقيقية لها ويضع أساسا سليما للمشروع معززا بطريقة التعامل، وهذا ما لم نلمسه من الأخوة في كنيسة المشرق الآشورية، فعندما خالف أحد كهنة كنيستنا وخرج عن قانون الكنيسة وتم إيقافه.. سرعان ما قام الأخوة في كنيسة المشرق الآشورية بقبوله كاهنا فيها، وقد حدث هذا مرتين.. في استراليا وفي الولايات المتحدة، فضلا عن قيام الأخوة الرعاة في كنيسة المشرق الآشورية بإرسال أسقفين إلى أبرشيتنا في الهند بهدف ضمها إليهم، وقد استعمل الأسقفان خلال زيارتهما هذه وسائل عدة من إغراءات مالية أو تهديدات لتحقيق هذه الغاية التي تحققت لهما فعلا وانضم أساقفة كنيستنا والكهنة والرعية إلى كنيسة المشرق الآشورية!!.
ومن جهة أخرى، والكلام لا يزال لقداسة مار أدى الثاني ضمن اللقاء، فالمعلوم أن نيافة الأسقف مار عمانوئيل إيليا أسقف كنيستنا في الولايات المتحدة الأميركية والذي وإن كان قد تخلى عن مسؤولياته في كنيستنا، فإن قرارا رسميا عن السينودس المقدس لكنيستنا لم يصدر بشأنه حتى اليوم. لكن قداسة مار دنخا الرابع سمح له بإقامة القداديس في رعيات كنيسة المشرق الآشورية، مع ملاحظة أن إذاعة الكنيسة تقوم بالإعلان عن هذه القداديس قبل إقامتها، في الوقت الذي لا يتم فيه الإعلان من خلال هذه الإذاعة عن القداديس التي يقيمها قداسة مار دنخا نفسه وهو بطريرك الكنيسة ورئيسها. مما يدل على أن ذلك يتم لأغراض إعلامية ودعائية كما هو واضح.
وبعد هذا كله، فإن بعض الأخوة في كنيسة المشرق الآشورية عاتبونا قبل فترة لأننا سمحنا لنيافة الأسقف مار باوي سورو قبل فترة بإقامة القداس في كنيسة رعية مار عوديشو في مدينة شيكاغو والتابعة لكنيستنا الشرقية القديمة!!.
فإذا كانت النوايا صادقة في تحقيق الوحدة لماذا هذه الممارسات غير الودية التي تعتبرا تدخلا في الشؤون الداخلية وترسيخا للتباعد والاستقلالية.
نحن لا ندين أحدا "لا تدينوا لكي لا تُدانوا" لكننا نتمنى من الآخرين أن يسلكوا بصدق ووضوح مثلما نفعل نحن، لا أن يعلنوا شيئأ ويضمروا شيئا آخر. أو أن يستغلوا مسألة الوحدة للتغطية على أزمة ما وصرف الأنظار عنها، أو لإقناع المؤمنين بحرصهم على الوحدة.. ولكن قولا لا فعلا). انتهى النص.
ثم أن الرسائل التي تم تبادلها مؤخرا بين نيافة الأسقف مار باوي سورو والمجمع السنهاديقي للكنيسة المشرق الآشورية، تكشف حقائق أخرى كثيرة تتعلق بهذا الأمر، لسنا بصدد التطرق إليها هنا حرصا على الحيادية وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
نقول للأب الكريم.. القس المهندس عمانوئيل يوخنا بكل تقدير واحترام: إن الأمور لا تؤخذ بالنظر إليها من جانب واحد فقط.. بل ينبغي الاستماع إلى جميع الأطراف. وإن الحقائق إذا تطلب الأمر توضيحها فثمة وثائق وأدلة كثيرة يمكن إبرازها لإثبات الأمر. وأن الكنيسة الشرقية القديمة إذا كانت قد مرت ذات يوم بأزمة داخليه فهو أمر لا ننكره وقد انتهى وزال، وهي مسائل قد تحدث مع مختلف الكنائس، والكنيسة الشرقية القديمة هي اليوم مستقرة في كل حلقاتها الإدارية والرعوية.
وإن الدعوة الصادقة إلى الوحدة الكنسية تحتاج إلى الإرادة الحقيقية الصادقة.. نكرر: الإرادة الحقيقية الصادقة. أكثر من حاجتها إلى خطوات إعلامية ودعائية وممارسات يمكن وصفها بـ (كلمة حق يراد بها باطل).
ختاما: أكرر تقديري واحترامي لشخص القس المهندس عمانوئيل يوخنا. مؤكدا على حق الجميع في إبداء آرائهم وتصوراتهم التي لا تكون بالضرورة صائبة على الدوام وقد تكون مجرد آراء شخصية غير رسمية.. شأنها شأن آراء أي شخص يود الخوض في تفاصيل معينة من باب حرية التعبير عن الرأي. وأنا بهذا التعقيب إنما أتمم واجبي ضمن مسؤوليتي المشار إليها أدناه.
وفي لقاء مجلة الأفق مع قداسة مار أدى الثاني بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة في العراق والعالم، تفاصيل أخرى بشأن مشاريع الوحدة الكنسية، وسنرسل اللقاء كاملا إلى موقع عنكاوا الموقر عند صدور العدد قريبا بمشيئة الله.
ولتكن نعمة الرب المقدسة معنا جميعا في كل حين.. آمين.
* مسؤول قسم الإعلام في مقر بطريركية الكنيسة الشرقية القديمة[/font][/size]