الدولة الدينية العراقية.. قيد الطبخ :
باكستانية أم هندية ؟
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com ربما لا يزال البعض يعتقد بان المدخل الى حل الازمة العراقية يتمثل في اقامة صيغة من صيغ الحكم الاسلامي، وقد يجري التعبير عن هذا الاعتقاد بطرق مختلفة، ومعقدة، ايضا، او في خلال زلات لسان، او من موارد الاستعجال في الترويج،
او تحت اغواء نتائج انتخابات الخامس عشر من ديسمبر، او في محاولة نمذجة على مقاس تجربة في اقليم ما.
قبل هذا، حدث في الباكستان العام 1954 ما يشبه هذه الدعوة حين قاد اربعة من علماء الدين الكبار هناك انتفاضة واسعة رفعت شعار"اقامة حكم الاسلام" فلجأت السلطات الى اعتقالهم واحالتهم الى المحاكم، إذْ فاجأهم القاضي بالسؤال عما يعنونه بالحكم الاسلامي الذي يريدون، فلم يتفق اثنان منهم على جواب واحد، فقال العالم كفاية حسين انه يعني "حكم الرسول" وشدد مولانا داود غزنوي على فكرة "الجمهورية الاسلامية" وترك الشيخ عبدالحميد باديوني امر الحكم الى "نخبة العلماء" فيما اكد العلامة تاج الدين انصاري على ضرورة احياء "الخلافة العثمانية".
ومن باكستان الى الهند، لكن قبل هذا ينبغي ان نتذكر الحكمة الصينية التي تذهب الى "ان الماء الذي يأتي من بعيد لا ينفع في اخماد حريق شب تواً" غير ان اطفاء الحرائق بطريقة سليمة - يقول المنطق - يستند، دائما، الى خبرات تيسرت من تجارب الاخرين ومن امثلة ومبادرات بطولية، هنا وهناك، اختصرت اضرار النيران المتوحشة وقللت من فتكها، فالصينيون يحذروننا من انتظار المعجزات وظهور انبياء جدد يتكفلون باطفاء الحرائق، فيما المنطق يحذرنا من ازدراء تجارب الاخرين ومنجزاتهم في مجال احتواء الاخطار المحدقة.
باختصار بلاغي، يمكن القول ان ثمة حرائق في ثيابنا تهدد بالامتداد الى مستقبلنا على الخارطة شبت بفعل معلومٍ ومجهول معا، وقد لا تنفعنا، في سعينا لتطويق ألسنة اللهب واطفائها وصفات بعيدة في الجغرافية والبيئة والتاريخ والوعي على الرغم من نجاعة الوفير منها، ذلك لاننا قبل ان نترجمها الى علاجات ولمسات اعجازية تكون النيران قد اتت على كل شيء، غير ان حاجتنا ماسة للافادة من دروس الاخرين من منظور وطني يحدد ما نحتاج اليه، ويعرف ما نختار.
من الهند يأتينا درس ذو قيمة كبيرة بالنسبة للاسئلة التي تشغلنا لجهة استعادة السيادة واعادة البناء وتحديث البنى ودمقرطة الحياة السياسية وتشييد الدولة الاتحادية وانهاء دوامة العنف والجريمة والارهاب، وفي فاتحة هذا الدرس ما يتعلق بتداخل عمليات بناء الدولة الديمقراطية مع إجلاء الوجود الاجنبي، تلك المعركة السلمية المضنية والجبارة التي قادها المهاتما غاندي وتعهدت بها اجيال الشعوب الهندية فيما بعد.
الحالة العراقية ربما تجد في الهند اكثر من شبيه لها لجهة التنوع والموقع القاري وهوامش عديدة في التاريخ والحياة السياسية، ولسنا هنا في سبيل المقارنة بين الحالين بل في سبيل لفت النظر الى كيمياء الاعجاز السياسي الهندي في عبوره استعصاءات التنافر الاثني والديني لشعب بلغ تعداده مليار وخمسين مليون نسمة يتكلمون الف لغة ولهجة ثمانون بالمائة منهم من اتباع الدين الهندوسي و12 بالمائة مسلمون و4 بالمائة بوذيون و2,3 بالمائة من السيخ ومثلهم تقريبا من المسيحيين.
في الانتخابات التي جرت قبل اقل من عام شاهد العالم كيف كانت اجهزة الكومبيوتر على ظهور الافيال حيث يسجل فيها الشباب المتطوعون بيانات الاقتراع وكيف كان الهنود يديرون اعقد انتخابات على ارث مديد من الصراعات الدموية بشفافية اثارت اعجاب نصف مليون مراقب دولي اعلن غالبيتهم الساحقة بان الانتخابات جرت في جو من النزاهة وان السلطات كانت محايدة، وموظفي الدولة المكلفين بتنظيم العملية كانوا ملائكة، ولم يستغرب العالم ان تتمخض تلك الانتخابات هياكل سياسية حيوية حققت نجاحات مذهلة في ميادين الاقتصاد والعلوم وضبط مفاتيح الاستقرار الاجتماعي والامني.
ثمة في الهند 20 حزبا على المستوى القومي، منها ستة احزاب رئيسة، مقابل 30 حزبا اقليميا، بالاضافة الى احزاب غير شرعية لأنها تعتمد العنف ولا تعترف بالخيار السلمي الديمقراطي، غير ان الحكومات الهندية اخفقت في حل مسألة القوميات(كشمير وأسام) ولجأت، كما هي حكومات العالم الثالث المصابة بعارض الشوفينية الى استخدام القوة ضد هذه الشعوب، او اغواء بعض فئات هذه القوميات للمشاركة في الحياة السياسية، فيما غرقت حركة آسام في اساليب التآمر والعنف وسقطت حركة المطالبة باستقلال كشمير بمحذور الارهاب وصارت احدى جسور شبكة القاعدة الدموية ما اضر بعدالة قضية الكشميريين التحررية.
على ان نجاح الشراكة التاريخية بين الشعوب الهندية، ذات الحضارات المتعددة والمتشابكة، يعود في المقام الاول الى حكمة وانفتاح الاكثرية الهندوسية التي رسخ المهاتما غاندي ثقافة التسامح والسلم في اعماقها، جيلا عن جيل.
والنجاح هنا يوضع في سجل حزب المؤتمر الهندي الذي لم ينأ عن الطائفية والتعصب بل حاربها في منهجية واقعية مديدة، واستطاع ان يصيغ معارف في الديمقراطية واحترام التعددية وادارة خيار المشاركة بصورة حظيت باعتزاز واعتراف العالم كله، حتى وصف علماء سياسيون الانتخابات الاخيرة بمثابة قنبلة ديمقراطية حين اسفرت عن صعود عالم كبير من الطائفة المسلمة الى رئاسة الدولة وخبير اقتصادي لامع من طائفة السيخ الى رئاسة الحكومة فيما يترأس الحزب الحاكم، وهو اعرق الاحزاب الهندية، امرأة من اصل ايطالي هي سونيا غاندي.
وعلى الرغم من ان الهند دخلت في العقود الثلاثة الماضية اربع حروب ضد الصين والباكستان، واغتيل ثلاثة من رؤسائها، فانها لم تشهد إلا عامين من حالات الطوارئ، ولم تخضع للاحكام العرفية ولا مرة واحدة، بل ان جميع هذه الاحداث والعواصف لم تحل بين الصحافة وحرية التعبير والنشر الامر الذي جعل من الهند البلد الاسيوي رقم واحد في حرية الصحافة وفق تقارير منظمة اليونسكو التي لاحظت ان من بين 35 الف صحيفة هندية لم تتقدم اية واحدة منها بشكوى من المراقبة او الحظر او العسف.
كيف صنعت الهند هذا المجد الاسطوري؟ ليس مهما ذلك بالنسبة للعراق..المهم هو كيف نوصل قاربنا الى تلك الشواطئ الآمنة.[/b] [/size][/font]