(ليلة العيد )
ان افضل ما سمعته وشاهدته في باب المروءة والاحسان هو ما حصل ليلة العيد 31/12/2000 . ان امرأة بائسة وقفت ليلة العيد تلك امام حانوت لبيع الهدايا والتماثيل في بغداد ويقصده الناس كثيراً في تلك الليلة لشراء اللعب لاطفالهم الصغار فوقع نظرها على تمثال صغير من المرمر جميل جداً فابتهجت بمرآه ابتهاجاً عظيماً لا لانها بلهاء يستفزها منظر ذلك التمثال مثلما يستفز الاطفال الصغار بل لانها كانت تنظر الى التمثال بعين ولدها الصغير الذي تركته في شقتها ينتظر عودتها اليه بهدية او لعبة العيد كما وعدته فاخذت تساوم صاحب المحل حول سعر التمثال فترة من الزمن تزيد الربع ساعة تقريباً وصاحب المحل مصراً على سعره الغالي جداً بالنسبة لها فاخذت تحسب ما في محفظتها الصغيرة من النقود علمت انها لا تستطيع الوصول الى ثمنه وشرائه وبالمقابل لا تستطيع العودة الى ابنها بدون التمثال فاجبرتها الضرورة التي لايقدرها الا من حمل بين جنبيه قلباً كقلب الام الحنون الرقيق فمدت يدها بخفية الى التمثال فسرقته حيث ظنت ان صاحب المحل لايراها ولا يشعر بمكانها ثم رجعت الى الخلف خارجة من المحل وقلبها يخفق خفقتين مختلفتين في ان واحد خفقة الخوف من عاقبة فعلتها الشنيعة وخفقة الفرح والسرور بالهدية الجميلة التي ستقدمها بعد لحظات قليلة الى ولدها..!! فكان صاحب المحل من اليقظة والحذر وحدة النظر بحيث لايفوته شيء او معرفة مما يدور في محله فتبعها وهو يراقب سيرها حتى عرف شقتها ثم تركها وشأنها وذهب الى مفرزة الشرطة الموجودة في ركن الشارع القريب منه واخبرهم بالقصة فتبعه اثنان من رجال الشرطة للقبض على تلك المرأة وصعدوا جميعاً الى شقتها ففاجأها وهي جالسة بين يدي ولدها تنظر الى فرحهِ وابتهاجه بتمثاله نظرات الغبطة والسرور فهجم الشرطي على الام فاعتقلاها واما الرجل فهجم على الطفل وانتزع التمثال من يده بقوة فصرخ الولد صرخة قوية لا على التمثال الذي انتزع منه بل على امه المرتعدة بين يديه وكانت الكلمة التي نطق بها وهو بين يدي الرجل
(رحماك بأمى يا عمى ) ..!!. وظل يبكي بكاءً شديداً فجمد الرجل امام هذا المنظر المؤلم المؤثر وحينها دقت اجراس الكنيسة القريبة منهم معلنة باشراق فجر العيد فانتفض الرجل انتفاضةً شديدة وصعب عليه ان يترك هذه الاسرة الصغيرة المسكينة حزينة فيكون في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعاً فالتفت الى الشرطيين وقال لهما اظن اني اخطأت في اتهام هذه المرأة فاني لا ابيع هذا النوع من التماثيل فانصرفا لشأنهما والتفت هو الى الولد وطلب منه العفو ومن امه ايضاً ثم مشى الى الامام فاعتذر اليهما عن خشونته وشدته معهما فشكرت له فضله ومروءته وجبينها يتصبب عرقاً حياءً وخجلاً من فعلتها تلك ولم يتركهما حتى اعطاهم كمية من النقود مما جعل عيدهما اسعد واهنأ مما كان يظنان. وهكذا فان ليلة العيد لا تأتي حتى يطلع في سمائها نجمان مختلفان
(نجم سعود ونجم نحوس)اما الاول فللسعداء الذين اعدوا لانفسهم صنوف الالبسة والحلل ولاولادهم اللعب والهدايا والتماثيل ولضيوفهم الوان الطعام والشراب ثم يناموا ليلتهم نوماً هادئاً مطمئناً تتطاير فيه الاحلام الجميلة حول اسرتهم كالحمائم البيضاء حول المروج الخضراء واما النجم الثاني فللاشقياء الذين يبيتون ليلتهم على آحر من الجمر كما يقال يئنون في فراشهم انيناً يتصدع له القلب ويذوب له الحجر حزناً على اولادهم الواقفين بين ايديهم يسألونهم بالسنتهم وباعينهم ماذا اعددتم لنا في هذا اليوم من ثياب ولعب جميلة لنتباهى بها امام اصدقائنا ولعب جديدة نزين بها مناضدنا فيعللونهم بوعود يعلمون انهم لا يستطيعون الوفاء بها فهل لاؤلئك السعداء ان يمدوا الى هؤلاء الاشقياء يد المعروف؟ وهل تسطيع حكومتنا والمسؤولين فى بلدنا الغنى جدا ان يمدوا الى اخواننا وابناء شعبنا المهجرين والمهاجرين من ديارهم لابل والمجودين داخل البلد والمعوزين يد العون والمساعدة نسميه هكذا رغم كونه حق من حقوقهم مسلوبة منهم بالقوة (بحكم الطبيعة ) (حكم القوى على الضعيف حيث القوى يملك على الضعيف حتى نفسه وهواه ) (وشريعة الانسان( العنف وايذاء الضعيف ) ليسجلوا لانفسهم في باب الاحسان والمروءة ما سجل لصاحب محل بيع التماثيل والهديا؟ ولا اعتقد ان رجلاً يؤمن بالله ويحمل بين جنبيه قلباً يخفق بالرحمة والحنان يستطيع ان يمنع عينه من البكاء ولا قلبه من الخفقان عندما يرى في العيد وهو في طريقه الى دار عبادته او خارجاً منها طفلة مسكينة بالية الثوب كاسفة البال دامعة العين تحاول ان تخفي وراء الاسوار والجدران خجلاً من اصحابها ومن بعمرها ان تقع انظارهن على ثوبها وفقرها ورثاثة ثوبها وفراغ يدها مثل ما تمتلئ به ايديهن فلا يجد سبيلاً الا ان يدفع عن نفسه ذلك الالم بالحنو عليها وعلى بؤسها لانه يعلم ان جميع ما تهيأ له من صنوف السعادة والوانها لا يوازي ذرة واحدة من السعادة التي يشعر بها في اعماق قلبه عندما يمسح بيده تلك الدمعة المترقرقة في عينيها.
ان البؤساء يعيشون بسبب محنتهم ويقضون جميع ايام حياتهم في سجن مظلم من بؤسهم وشقائهم فلا تستكثروا عليهم ان يستمتعوا معكم بالفرح والسعادة في كل عام مرة او مرتين وفى الختام نقول.)لا احدا ابدا يحمل فى جنبيه قلبا كقلب ألام ----فالأم هى تاج الرأس وستبقى الى الابد تاج الراس ايضا )
أماه لو رد البكاء الى الحياة الذاهبين لأذبت روحى بالبكاء وبالتوجع والانين
لوعشت لى ماكانت تؤرقنى الليالى ولو ارتويت من الحنان لكان حالى غير حالى
زورينى يوما فى المنام لعلها تشفى جروحى ولعلنى ان بحت بالشكوى اليك ما تبوحى
نعم فما تبوحى أماه ياأماه