عظة العيد ...المطران يوحنا ابراهيم
كبير أنت يا يوسف البار في موقفك !
(1)
يبقى عيد الميلاد حدثاً إنجيلياً وتاريخياً هاماً، ففي ليلة الميلاد دخل الله في تاريخ الشعوب والأمم، وتحققت بذلك النبؤات والرموز والإشارات التي وردت على لسان الأنبياء في العهد القديم. وهكذا فحالة الانتظار التي طال أمدُها، وترقّبها العالمُ كلُّه، خلقت في بعض الأحيان قلقاً في نفوس الكثيرين من الذين كانوا يريدون أن يعيشوا برجاء وأمل، وربما بعضهم قطع هذا الرجاء، واعتقد أن الحدثَ المنتظر لن يتم، والتاريخَ لن يشهد هذا التحول الكبير الذي سيرفع من معنويات الإنسان المتألم، بل يُزيل كل معاني الخوف والرعب والتوتر عنده. لهذا نسمع يوحنا الإنجيلي وهو يشهد بكلمات قليلة ولكن ذات معنى كبير عن حقيقة هذا الحدث الإنجيلي ويقول : الذي رأيناه بعيوننا، والذي شاهدناه، ولمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة 1.
ويوحنا الرائي هو أفضل من عبّر عن الإله المتجسد، بطريقة جعلت القائمين على مسيرة الناموس عند اليهود، أن يفهموا حقيقة حدث الميلاد المجيد، فهو صاحب الاستهلال الإنجيلي : في البدء كان الكلمة 2 وهو الذي بيّن أن يوحنا بن زكريا الكاهن جاء ليشهد للنور 3، النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم. ويتجاوز اللاهوتي يوحنا في حدث الميلاد الوصف التقليدي الذي عرفناه في بقية الأناجيل، ويبيّن بأن العالم كان في هذا الذي وُلد في مغارة بيت لحم، وبه كُّّوِن العالم 4. أما رسالة الميلاد فكانت أن الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله 5. ويختصر يوحنا اللاهوتي المسافات، فيعلن عن حدث الميلاد بأسلوبه اللاهوتي العالي جداً قائلاً : الكلمة صار جسداً، وحلّ بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمةً وحقاً 6.
(2)
ولكن حدث الميلاد كما يظهر، لم يأتِ من دون مقدمات. فكل الذين تنبأوا عن هذا الحدث من أنبياء كبار وصغار في العهد القديم، كان هدفهم أن يُقنعوا العالم بإيمان، بهذا الحدث الذي غيّر وجه التاريخ ! فالمظهر الخارجي لميلاد الطفل يسوع في مغارة بيت لحم كان بسيطاً جداً، وإذا ذهبنا إلى مغارة تلك الأيام، لوجدنا أن كل شيء كان فيها متواضعاً، الموقع الجغرافي، المدخل إلى المغارة، داخل المغارة، ثم المذود الذي رتّبه يوسف استعداداً للولادة. ولكن أنوار السماء أضاءت ظلمة تلك الليلة، والملائكة الذين ظهروا في السماء كانوا من كبار الشهود، وترتيلة الميلاد : المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، والرجاء الصالح لبني البشر 7، دَوَّت في أرجاء المعمورة كلها : المسيح أتى، المسيح أتى. فالنبوءات تحققت، والرعاة الذين كانوا متبدِّين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم استيقظوا، لأن رسالة السماء ظهرت في شخص ملاك الرب الذي مجده أضاء حولهم، فكان الحدث الذي انتظرته الأجيال. هذا المنظر كان غريباً جداً عليهم. لقد اعتادوا أن يُمضوا الليل كلَّه في يقظة تامة للحراسة، ولكنهم أمام منظر الرب الذي وقف بهم خافوا خوفاً عظيماً 8. هل كان هذا الخوف يعبّر عن خوف كل العالم ؟
(3)
هذا هو السؤال الذي يُطرح في هذه الليلة، ونحن نحتفل بعيد ميلاد الطفل يسوع المسيح في مغارة بيت لحم.
كما سبقت النبوءات حدث الميلاد استعداداً لقبول هذا الآتي من ملء الزمان، هكذا تستعد الكنيسة من خلال ثمانية آحاد تسبق عيد الميلاد. وفي كل أحد يقف المؤمنون أمام حدثٍ إنجيلي له علاقة بحدث الميلاد. فظهور الملاك لزكريا الكاهن في الهيكل بينما هو يَكهَنُ في نوبة فرقته أمام الله، ثم ظهوره لأمنا مريم العذراء في مدينة من الجليل اسمها ناصرة، وزيارتها لنسيبتها أليصابات في الجبال إلى مدينة يهوذا، وتسبحة العذراء بعد أن فرحت أليصابات مرحّبة بها وقائلة : مباركة أنت في النساء ومباركة ثمرة بطنك يسوع 9، وبعدها ولادة يوحنا المعمدان الذي عندما سمع جيرانها وأقرباؤها عرفوا أنّ الربّ قد عظّم رحمته لها 10، وأخيراً ظهور الملاك في الحُلْم ليوسف كما يصفه لنا الإنجيلي متّى.
كل هذه الأحداث الإنجيلية مرتبطة بحدث الميلاد. فزكريا الكاهن وابنه يوحنا وأمّه أليصابات كلُّهم بشّروا بالميلاد في تلك البيئة اليهودية الضيقة، وبشارة الملاك لأمنا العذراء مريم هزَّ العالم اليهودي، لأن الحبل كان من الروح القدس، وكما قيل من الرب بالنبي القائل : هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويَدعوُن اسمَه عَمَّانوئيل الذي تفسيره الله معنا 11، قد تم وتحقق.
(4)
ولكن دعونا نتوقف اليوم عند شخصية يوسف البار خطِّيب مريم العذراء، الذي كان الشاهد الأكبر على هذا الحدث الإنجيلي الخطير، ولنتأمل معاً كيف قدّم يوسف شهادته للعالم وهو الذي لم يدرك بدايةً أن يد الله كانت معه وعنايته رافقته، فبدل أن يصبح ربَّ عائلة بسيطة مغمورة مكّونة من والدين وأولاد فقط، أصبح شخصية كتابية شهيرة، ودخل التاريخ من أوسع أبوابه. إذاً في الأحد السابع السابق للميلاد تقف الكنيسة بحسب طقسها أمام شخصية يوسف البار. والإنجيلي متى بعد ذكر نسب يسوع المسيح يقول : أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا 12، ويدخل مباشرةً في موضوع هام سبق الميلاد.
تعطي القراءة من الإنجيل للوهلة الأولى طابع البساطة، إذ يظهر أن يوسف البار لم يسمع بظهور الملاك لزكريا، ولا بحبل أليصابات، ولم تُعلْمه العذراء مريم ببشارة الملاك لها، ولا الحوار الذي جرى بينها وبين الملاك، ولم يصغ إلى نشيد العذراء الذي فيه عظّمت الرب لأنه نظر إلى أتضاع أَمَتِه 13 ولا نعلم شيئاً عن موقف يوسف البار من مكوث خطِّيبته مريم عند أليصابات نحو ثلاثة أشهر. ولكن يبيّن لنا متى الرسول بعض صفات يوسف الذي عَرَف بحبل خطِّيبته، وأهم صفة كانت البرارة، ولأنه كان باراً لم يشأ أن يُشهِرَها، ولكنه أراد تخليَتها سرّاً 14. حتى هذه اللحظة كل شـيء كان يسير ضمن المعقول والطبيعي، ولو عرف يوسف بالأحداث الإنجيلية المذكورة سابقاً، لما تجرّأ في التخطيط للتخلي عن خطِّيبته سرّاً. ولكن عبارة الإنجيلي متّى أنّ يوسف البار فيما هو متفكّرٌ في هذه الأمور، تبيّن أن يوسف الذي ظهر على مسرح التاريخ اليهودي فجأة، لم يكن متسرعاً في تنفيذ الخطة التي رسمها لنفسه. كم كانت مدة هذا الزمن، وكم استغرق هذا الوقت ؟ لا أحد يعرفه. ولكن ملاك الرب ظهر ليوسف في حُلْم، وناداه بقوله : يا يوسفُ بنَ داود، هذه المناداة كانت كافية أن تحرك يوسف البار ليدرك كُنه رسالة السماء، فـ : داود النبي مرةً أخرى يُبعثُ حياً في شخص يوسف، وهذا المنتظر من قبل الأجيال لما بلغ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني 15، فعلاً قد جاء بالجسد إلى الأرض !!
(5)
فإذا نادى ملاك الرب الرعاة في ليلة الميلاد، وقال لهم : لا تخافوا !! ها هي نفس العبارة يستعملها الملاك قبل أشهر مع يوسف لا تخف !! إنّها عبارة ذات مدلول كبير، إن الموقف خطير جداً، والذي لا رجاء له، ولا معرفة له بالكتب المقدسة يصبح الخوفُ عنصراً هاماً في حياته. ولكن هل فعلاً بدّد كلام الملاك الخوف من نفس يوسف ونفوس الرعاة ؟ إنّ عبارة لا تخف ! و لا تخافوا ! تدلّ على خطورة الموقف، خاصةً عند الذين ضعف رجاؤهم، وخفَّ إيمانهم للمنتظر الآتي من ملء الزمان. إنّ يوسف البار بموقفه بعد ظهور ملاك الرب له في الحلم يدعونا إلى أكثر من عمل. فهو أولاً ينبئنا بأن الطاعة الحقيقة لا تكون إلاّ بالعمل بحسب إرادة الله. ونحن نؤمن بأن الطاعة هي إحدى ميزات الحياة الروحية في المسيحية. يوسف من جانبه قبل أن يسمع نداء الله، لم يَحِد عن طريق البرارة، لقد أراد أن يجنّب العذراء مريم أي سوء، رغم أنّه لم يعرف حقيقية ما جرى معها يوم البشارة، لهذا خطّط لأمرين : أولاً، لم يشأ أن يُشهرَها، وثانياً، أراد تخليتَها سرّاً. كم هو عظيم هذا الموقف من يوسف وأمثاله، فكأنّه يعطينا درساً ضدّ الإشاعات والاتهامات وقطع الرجاء والغوغائية بكلّ أشكالها، ولكن يوسف البار أظهر أن برارته تكمن أيضاً في طاعة حقيقية لرسالة السماء، فبعد الحلم الذي ظهر ملاك الرب فيه وبشّره بالذي حُبل به فيها هو من الروح القدس، والتي ستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنّه يخلّص شعبه من خطاياهم، استيقظ من النوم، ونفّذ أمر الملاك. وهذه هي قمّة الطاعة التي تتجلّى في هذا الموقف النابع من برارة يوسف. تُرى هل نرى من أمثال يوسف، من يسمع كلام الله ثمّ ينفّذ ما يريده الله منه ؟ أم يبقى الإنسان متمسّكاً بعناده، ورؤيته الضيّقة، ويتجاهل رسالة السماء، فينغمس أكثر وأكثر في الانغلاق على ذاته، خاصة ما له علاقة بأمور الحياة ؟
(6)
والطاعة التي قدّمها يوسف البار أصبحت شهادة للأجيال، فالملاك يُعلمه بأن هذا الذي حصل، كان كلّه لكي يتمّ ما قيل بالرب بالنبي القائل : هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمّانوئيل الذي تفسيره الله معنا.
إنّ ابن داود من خلال ما ورد على لسان الملاك، عرف بأنّ نبؤة إشعياء قد تحقّقت في أيامه، وكأنّه غاص في أعماق النبؤات التي جاءت على لسان الأنبياء في العهد القديم، ويوسف بن داود عرف من خلال مريم ابنة داود إمكانية أن تحبل العذراء وتلد، وهذه حقيقة أولى رآها بعينيه، وشاهدها، ولمستها يداه، من جهة كلمة الحياة، كما أشار يوحنا الرائي. والحقيقة الثانية هي أن هذه الولادة كانت لكي يصير الله معنا، فطاعته أصبحت شهادة حيّة، في جيل لا يعتقد أن الإيمان هو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمورٍ لا تُرى 16.
(7)
لقد عالج بولس الرسول علاقة الإيمان بالأحداث الإنجيلية في رسالته إلى العبرانيين، عندما تحدّث عن الإيمان الذي من خلاله نفهم أن العالَمِين أُتْقِنَتْ بكلمة الله حتى لم يتكوّن ما يُرى مما هو ظاهر 17.
فيوسف بن داود عرف أنّ حياة الأنبياء مثل : أخنوخ، ونوح، وإبراهيم، واسحق، ويعقوب، كلّهم، مع موسى وبقية الأنبياء، عاشوا بالإيمان، وهؤلاء كانوا شهوداً لما حصل في تلك الأيام، وكلّهم كانوا في انتظار حار لتحقيق الوعد الذي أصبح من صلب العلاقة بين الله والإنسان بمجيء السيد المسيح. وطاعة يوسف التي أصبحت شهادةً للأجيال اقترنت بـ الحرية. إن أهم نعمة أعطاها الله للإنسان هي الحرية، ولهذا ميّزه عن باقي المخلوقات بالحرية. وعندما يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية : لذلك أنت بلا عذرٍ أيّها الإنسان 18، يريد أن يؤكّد بأنّ الإنسان مخيّر وليس مسيّراً، والخطيئة يختارها الإنسان بنفسه، لا تأتيه مبرمجة، تماماً كما أن الموقف يختاره الإنسان لنفسه.
(8)
ويوسف كان مخيّراً في أن يقبل رسالة السماء أو لا يقبلها. كان بإمكانه أن يستيقظ وينفّذ ما خطّطه لنفسه قبل الحلم، أي لا يستجيب لنداء السماء. ولكن الذي حصل أنّه اختار ما رآه صائباً لأنّ السماء كلّمته من تراثه الكتابي وتقليد آبائه، وكان حرّاً في قراره. صحيح أنّه أطاع وقدّم هذه الطاعة شهادة للأجيال، ولكنّه في الوقت نفسه استعمل نعمة الحرية، هذه الموهبة الكبيرة التي علينا أن نعرف مدى أهميّتها في حياتنا، فطاعته إذاً كانت مقترنة بفعل الحرية، التي رفعت من منزلته في عيون كلّ من عرفه. وقد عالج هذا الموضوع أيضاً بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية فهو القائل : لأنّي لستُ أعرف ما أنا أفعله، إذ لستُ أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل، فإن كنت أفعل ما لست أريده، فأنّي أصادق الناموس أنّه حسن، فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطيئة الساكنة فيّ 19.
تحرّر يوسف البار من هذا الصراع، فلقد اختار الصالح بحريّته الكاملة، وعرف أنّ طاعته كانت نابعة من يقينه بأن نبؤات الأنبياء قد تحقّقت، وكل الرموز والإشارات التي جاءت على لسان الأنبياء تجسّدت اليوم في كلمات الملاك له. كم نحن بحاجة إلى أن نجعل من يوسف البار قدوةً لنا في الحياة، أي : أن نطيع الله، ونقدّم شهادة حقيقية لمجتمعاتنا، ونمارس حريّتنا لما فيه الخير لنا وللآخرين، تماماً مثلما صنع يوسف البار الذي عندما استيقظ من النوم، أوّلاً أزال الخوف من قلبه، فقول الملاك لـه : لا تخف أعطته قوة كبيرة لم تكن في نفسه، فخلع عنه نظرة الشك، وتخلّى عن خططه القديمة التي كادت تسيء إلى البرارة الكامنة فيه، واتخذ موقف حارس أمين، يسهر كل اليوم، لإبعاد الأذى عن العذراء مريم أولاً، وإعلامها ثانياً بأن السماء التي كلّمتها بواسطة الملاك يوم البشارة وأبلغتها بولادة عمّانوئيل، قد كلّمته هو أيضاً، فجاءه الملاك في الحلم وأمره بأن يرعاها حتى تلد مخلّصاً يرعى شعبه.
(9)
لقد علّمتَنا اليوم ونحن نستقبل عيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح في مغارة بيت لحم بأن نكمّل فرحة العيد بطاعتنا الحقيقية للربّ الإله، وأن نكون نحن أيضاً مستعدّين لتقديم شهادةٍ لائقة برسالة الميلاد إلى مجتمعاتنا المتعددة بأديانها ومذاهبها، بشرائحها وأطيافها، بتيّاراتها وانتماءاتها، لأنّ المجتمع لا يهنأ إلاّ بالعيش معاً، ولا يزدهر إلاّ لمدّ يد الواحد إلى الآخر. إنّ خيارنا في هذه المناسبة نابعٌ من حريّتنا التي نعتبرها من نِعَمِ السماء علينا. فأنت اليوم علّمتنا كيف نعيّد بفرحٍ روحيٍّ كبير لميلاد طفل المغارة، لهذا فأنت كبير يا يوسف البار في موقفك !
المراجع :
1- 1 يوحنا 1: 1 2- يوحنا 1: 1 3- يوحنا 1: 8
4- يوحنا 1: 10 5- يوحنا 1: 12 6- يوحنا 1: 14
7- لوقا 2: 4 8- لوقا 2: 9 9- لوقا 1: 42
10- لوقا 1: 58 11- متى 1: 22 12- متى 1: 18
13- لوقا 1: 48 14- متى 1: 19 15- غلاطية 4: 4
16- عبرانيين 11: 1 17- عبرانيين 11: 3 18- رومية 2: 1
19- رومية 7: 15 - 17