حـكـايــا
أبدل يوسف أبدل
هواجس عصفور ... أبصرت عيناي النور في عش دافئ ,التُقطت أجزاءه بكل عنايةٍ من الحقول الأليفة , ثم بنيت بكل محبةٍ على غصنٍ بنيٍ لشجرة جميلة وارفة الظلال , لطالما ظلت تعني لي الشيء الكثير... فقد كانت وطنا أحببته أكثر من كل أشجار الجوار .
ذات يوم بدأت تنمو على الأغصان فروع غريبة الأشكال , مدببة الأطراف... واخزة النهايات , ظلت أشواكها تؤذي اجنحتي و تدمي قدماي الغضتين حين بدأت أتعلم الطيران و الغناء, فاضطررت ذات شتاء لهجر عشي لاجئاً لشجرة مصقولة الأغصان , في غابة بعيدة خلف البحار .
عشت سعيدا ... إلا أن شوقي لموطني ظل يكبر كل يوم في فؤادي التائق ليوم تزول فيه كل تلك الفروع الشائكة.... علني أتمكن من العودة لعشي من جديد .
السمكة ...تدور و تدور حول نفسها ...
تحاول أن تستكشف حدوداً أخرى تستوعب أحلامها الكبيرة...
لقد بدأت تستشعر نقص الأوكسجين و الطعام و ارتفاع الحرارة في هذا الصيف اللاهب ..
توقفت قليلا ...لتلتقط ما تبقى من أنفاسها اللاهثة المتقطعة كموال ريفي حزين ..
إنها تدور مرة أخرى حول وجعها ..
لن تقتنع أبداً أن هذه البركة الآسنة هي ما تبقى من نهرها الحبيب ..
الخيار العسكري ...دخل البيت مسرعا .
ألقى مريوله الأزرق وحقيبته السوداء , بنزق طفل ٍ تحركه تموجات أمعاءٍ خاوية منذ الصباح .
اتجه نحو ركن ٍ كانت أمه تعد الطعام فيه .
رفع غطاء القِدر فوجده باردا ً و خاويا ً .
لم تطبخ أمه المريضة هذا اليوم أيضا ً....
يسأل أمه عن الغداء , فتطرق رأسها خجلا من استغاثاته الصامتة لطبق من الطعام ..
- خبز ... خبز فقط .
خرج من البيت هائما على وجهه ..
وقف على قارعة الطريق منتظرا قدوم سيارة الطعام العسكرية ...مستجديا بعينيه الحزينتين جندياً كان يشفق عليه كثيرا ببعض الطعام الذي كان يلقيه خلسة كلما سنحت له الظروف .
تناول الجندي ثمرة خيار كبيرة و ألقى بها دون أن يشعر به أحد ٌ ....
تلقفها سعيدا , و عاد إلى البيت ليعد لأمه طبق اليوم .
السلم ...غالبا ما اصطدم بالأبواب و الأسوار و الصخور, بعد أن حمل ذلك السلم بالعرض زمناً طويلاً ً.
ذات يوم .. بدأ الوهن يدب في أوصاله المنهكة الشمطاء.
وقف برهة على رصيف الذكريات متأملاً حياته الرتيبة ....
فكر كثيراً قبل أن يتخذ قراره الأخير ...
(ساحمل هذا السلم بالطول و لو ليوم واحد في حياتي ...)
و حين بدأ بالسير مرة أخرى , تفادى كل الجمادات التي ظل يتعثر بها في العلن و يلعنها في الخفاء .
شعر بالكثير من الارتياح حين وضع شيئاً من أعماق أفكاره في مكان بارد .