المسيحيون العراقيون ومساهماتهم في الحياة الثقافية العراقية
دور رائد في ترجمة الكتب العلمية والفلكية إلى العربية
خالد الحلِّي - ملبورن بنزوع شديد نحو التمسك بالجذور العراقية، وبحرص عميق على التآخي الديني والإثني في العراق، أطل علينا الباحث بهنام فضيل عفاص مؤخراً بكتابه الجديد الذي صدر حديثاً في ملبورن بعنوان "الحضارة المسيحية في العراق"، مع ترجمة كاملة له إلى اللغة الإنكليزية أنجزها المترجم جلال نعوم، وجاء عنوان الترجمة ""Christian Culture in Iraq Across the Ages مختلفاً عنه كما ورد باللغة العربية، وليس خافياً على أحد ما تحمله كلمتي "الحضارة" و"الثقافة" من اختلافات.
في مقدمته القصيرة للكتاب "ستة أسطر فقط" يشير المؤلف إلى أنه أراد له أن يكون موجزاً وشاملاً، وفي خاتمته التي جاءت قصيرة كذلك "عشرة أسطر لا غير"، يثبت كلمة يصفها بأنها طيبة وصادقة كتبها الأمير الحسن بن طلال في كتاب له بعنوان "المسيحية في العالم العربي"، حيث قال :" .. وتبقى الحقيقة أن المسيحيين ليسوا أغراباً بأي شكل عن المحيط الإسلامي في بلادهم، وهو المجتمع الذي اشتركوا وأسهموا في حضارته ومدنيته مادياً ومعنوياً منذ أربعة عشر قرناً ومن دون انقطاع حتى اليوم، وكان إسهامهم بارعاً وبارزاً طوال هذه المدة وحائزاً على ثقة مواطنيهم المسلمين الذين كلفوهم التكلم باسم المجموع في التعامل مع الخارج".
يذكّرنا المؤلف وهو يتحدث عن الحياة الفكرية للمسيحيين في العصور الميلادية الأولى، بأن الأب الدكتور جورج غراف قد خلّد هذا التراث بكتابه "تاريخ الأدب المسيحي العربي" الذي صدر بأربعة عشر جزءً في روما بين سنتي 1947و1953، ويشير إلى كتب أخرى مثل كتاب "عصر السريان الذهبي" للكونت فيليب طرازي المطبوع في بيروت سنة 1946، وكتاب "ذخيرة الأذهان في تواريخ المشارقة والمغاربة السريان" للقس بطرس نصري المطبوع في الموصل بجزأين عامي 1905و1913، وكتاب "اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية" للبطريرك افرام برصوم المطبوع في حمص سنة 1943.
ولدى حديثه عن المسيحية عبر العصور الإسلامية، يركز المؤلف على دورالمسيحيين في الترجمة، والتي نشطت بشكل خاص في العصر العباسي الأول، حيث قاموا بترجمة الكتب العلمية والطبية والفلكية عن اليونانية والسريانية إلى العربية، وكان على رأس المترجمين حنين بن اسحق الذي لقب بـ "شيخ المترجمين".
وبعد أن ينتقل المؤلف إلى العصر الحديث يتناول دور المسيحيين العراقيين في الطباعة، فيعبر عن اعتقاده بأن أول مطبعة تأسست في العراق، هي تلك المطبعة الحجرية التي أدخلها الآباء الدومنيكان إلى الموصل بين سنتي 1856-1857، والتي أقاموا الخوري يوسف داوود مشرفاً عليها فأقدم على طبع كتابه الأول في قواعد اللغة العربية سنة 1859 وسماه "خلاصة في أصول النحو"، وهو أول كتاب في نحو اللغة العربية يطبع في العراق.
ثم ينتقل إلى الحديث عن دورهم في الصحافة، فيذكر انهم أصدروا في مدينة الموصل سنة 1902 أول مجلة في العراق باسم "إكليل الورود"، وقد استمرت في الصدور لمدة خمس سنوات. وعلى صعيد الصحافة النسوية يذكر أن بولينا حسون أصدرت عام 1927 أول مجلة نسوية تصدر في العراق حملت عنوان "ليلى" ، ثم أعقبتها مريم نرمة التي عملت في الحقل الصحفي ما يزيد عن ربع قرن حتى وفاتها في خمسينيات القرن المنصرم.
وبما أن الممارسات الصحفية العراقية المسيحية في الغالب هي ليست موجهة للمسيحيين فقط، بل تخاطب كل العراقيين وتتناول مختلف القضايا والمسائل المشتركة، كان من الطبيعي أن يمر المؤلف بتجربة الأديب والصحفي العراقي الراحل روفائيل بطي، الذي أصدر بالتعاون مع زميله عبد الجليل أوفي عام 1923 جريدة باسم "الحرية"، كانت تعنى بالمواضيع الأدبية إلى جانب السياسة. ثم أصدر جريدة "البلاد" التي توقفت عن الصدور منذ انقلاب 8 شباط الدموي في العراق. كما يتحدث عن جريدة "الأخبار" التي أسسها جوزيف ملكون وجريدة "الزمان" التي أصدرها توفيق السمعاني، وقد استمرت الجريدتان الأخيرتان في الصدور لفترة طويلة، وتوقفتا في الرابع عشر من تموز عام 1958.
وبعد أن يتحدث المؤلف عن دور المسيحيين العراقيين في ميادين المسرح، السياحة والرحلات، الخدمات العامة، يختتم حديثه بالتطرق إلى دورهم في الميدان الطبي، ويقول بهذا الصدد :"لقد برزت في بدايات القرن العشرين نخبة لامعة من الأطباء الذين درسوا في جامعات أوربية وعادوا ليمارسوا مهنتهم في الوطن، ومنهم الدكتور سليمان غزالة (1854-1929) الذي درس الطب في فرنسا، وعين طبيباً في الاستانة ومشرفاً على جميع الولايات العراقية سنة 1912، ثم عين طبيباً في مجلس الصحة، ومارس مهنته إلى جانب استمراره في الكتابة والتأليف، حيث ترك لنا خمسة عشر مؤلفاً في مختلف الميادين الفكرية، وبرز كذلك الدكتور حنا خياط "توفي عام 1959"، وهو يعد أول وزير صحة عراقي، وكان قد طبع سنة 1914كتاباً يحمل عنوان ((لمحة اختبارية في الحمى التيفوئيدية))، وكان أول كتاب طبي حديث يطبع بالعربية في العراق.