إضطهاد المسيحيين عار للعراق المعاصر...
سالم حسون
يتابع العراقيون بألم بالغ مايحصل للمسيحيين العراقيين من إضطهاد وظلم وحملات تصفية في جميع المناطق العراقية تقريباً وآخرها حوادث التفجير الشنيعة التي تعرضت لها كنائسهم في بغداد وكركوك ،ويتسائل بمرارة مالذي فعله هؤلاء المسالمون الطيبون كي يجنوا كل هذه الكوارث.
وتشير حوادث التفجير الجماعية وتزامنها في وقت واحد الى الجهات المخططة والمنفذة لهذه الجرائم الفظيعة بحق دور العبادة المقدسة ، وهي نفسها الجهات التكفيرية المتوحشة التي تستهدف مساجد وحسينيات المسلمين في العراق في إعتداءات تحمل الكثير من الخسة وإنعدام الضمير.
ومن عاشر المسيحيين جاراً أو زميلاً أو صديقاً يعرفهم أناساً لا يكذبون ولا يغشون ، ولم يحاولوا الإنتقاص أو الإساءة الى التقاليد الإسلامية المحلية أو الإستهزاء بها يوماً ، فكانوا يفرحون لفرح المسلمين ويحزنون لحزنهم ، وكان ذلك يبرز جلياً في أيام محرم الحرام - في ذلك الزمن الذي الذي كان فيه الفساد الإداري حراماً ! - نرى من المسيحييات من ارتدين السواد ، ومن شبابهم من لا يرى ضيراً في مشاركة أولاد المنطقة في المجالس الحسينية ، وحتى في اللطم ! فكسبوا بذلك إحترام ومحبة الناس جميعاً إلا نفر ممن في قلوبهم مرض .
وكان أكبر دليل على محبة العراقيين لهم نساءً ورجالاً بأنهم منحوا المسيحيات ثقتهم بهن كقابلات بعد أن كان هذا الدور قبلهن يقتصرعلى القابلات اليهوديات ، وأنا نفسي ولّدتني في البصرة -كما ولـَّدت أخي بعدي - قابلة مسيحية إسمها جدة "حلوة " ، كانت تأتي دائماً الى محلتنا بسيارتها العتيقة لأن النساء يفضلنها على المستشفى ، لأن يديها " بركة " مثلما كن يقلن ، ولإنها كانت لا تتقاضى سوى أجوراً زهيدة ، وكنا عندما نرى سيارتها القديمة وهي قادمة نهرع إليها ونحن صغاراً مرحبين مقبلين يديها ، وكانت تعرفنا جميعاً وتتذكر أسمائنا . وبقيت الجدة حلوة على مهنتها المشرفة هذه حتى بلغت من العمر عتيا .
وفي الحقيقة فإن مخطط إيذاء المسيحيين والصابئة وغيرهم لم يكن وليد اليوم بل يعود الى عقود طويلة لكن هذا الإيذاء تصاعد واكتسب صفة الوحشية السافرة بعد سقوط الصنم ، وبعد أن إستبشر العراقيون عموماً والمسحيين خصوصاً بأن عهد الإضطهاد ولى الى غير رجعة ، لكن مجرمي اللون الزيتوني البعثي سرعان ما عادوا بعد أن غيروا سحناتهم البعثية ليرتدوا اللحى والعمائم ، وينظموا أنفسهم في أحزاب سلفية شيعية وسنية، ويبدأوا بفرض شريعة الغاب ، وإلغاء القانون ونسف هيبة الدولة ، وتحويل العراق الى طالبان ثانية تحت سمع وبصر الحكومة الحالية التي لا ترى في هؤلاء خطراً سيما وأن الإثنين يمتلكان قواسم إسلامية مشتركة.
إن جهنمية هذا المخطط تكمن في أنه يلغي والى الأبد حالة التعايش التاريخية القائمة بين العراقيين على مختلف طوائفهم الدينية وألوانهم القومية ويفرض بديله القسري والقمعي الوحيد في أسلمة هذا المجتمع المتسامح بالقوة .
لقد شُرع بتنفيذ هذا المخطط في بادئ الأمر على المسيحيين بأعتبارهم أقلية مستضعفة يعيشون مشتتين في محيط إسلامي متقلب الولاءات ، وفي ظل دولة غائبة فشرع المجرمون بجعل حياتهم جحيماً لا يطاق أبتداءً من سد أبواب الرزق العادية بوجههم ، وقتل مالكي محلات الخمرة منهم بحجة مخالفتها للشريعة الإسلامية ، واغتيال الحلاقين المسيحيين ونسف محلاتهم ، لكن مجرمي ميليشيات الرذيلة حين حرموا الخمرة حللوا المكبسلات وهي أفدح.
ولسوء حظهم فإن الخمرة لم تختفِ بل صارت تباع في السوق السوداء، وصعد المجرمون السلفيون من حربهم ضد المسيحيين وذلك باختطاف رجال الأعمال والمهنيين وأطفالهم طمعاً في فديةٍ مالية خيالية ، ومارسوا أساليب مهينة لاتمس للأعراف البشرية بصلة في فرض الحجاب على المسيحيات العراقية وإجبارهن على التقييد بالطقوس الإسلامية .
ولم يكتف المجرمون بكل ماقاموا به من تنكيل بالمسيحيين بل سعوا الى تدمير محلاتهم وتوجيه الإنذار الى العوائل المسيحية على وجه الخصوص في منطقة الدورة في بغداد لمغادرتها تحت سمع وبصر مغاوير الداخلية والقوات الأمريكية، بدون أن تحرك ساكناً للدفاع عنهم ، وجاءت التفجيرات المتزامنة للكنائس أمس في بغداد وكركوك لتضع الف علامة إستفهام على السهولة التي مرق بها هؤلاء الإرهابيين سياراتهم المفخخة الى مناطق حصينة تنتشر فيها المدرعات الأمريكية كالذباب .
أما تفجير كنيسة كركوك فالمصيبة أعظم ، فهي تقع في منطقة تسيطر عليها الأجهزة الأمنية الكردية بشكل تام .
لقد أدت هذه الأعمال الشريرة ، وإنعدام الحماية الضرورية من قبل الدولة الى هجرة عشرات الآلاف من العوائل المسيحية الى دول الجوار .فهل هناك مخطط لتفريغ وتهجير العراق من المسيحيين ؟
إن كان هناك مخطط كهذا فعلى الدولة العراقية أن توقفه ، وعار علينا كعراقيين أن نسكت عنه أفراداً ومنظمات ، وعار علينا ألا نرفع أصواتنا ضد إضطهادهم وظلمهم فهم يستحقون الحرية والعيش بكرامة في وطنهم العراق.
ليست الحرية في أن نمارس حريتنا الدينية التي حرمنا منها صدام حسين في تأسيس المواكب الحسينية وإقامة العزيات فقط ، بل علينا أن نتذكر أن أخوانا لنا في الوطن وفي التاريخ والجغرافيا من المسيحيين يملكون الحق أيضاً في أن يقرعوا أجراس كنائسهم ، ويمارسون طقوسهم الدينية بحرية ، ويتنسموا عبير الحرية مثلنا فلقد قدموا القرابين الكثيرة مثلما قدمنا ، وربما أكثر -نسبة الى عددهم - ، وعلى الدولة العراقية وإجهزتها أن تفرض بالفعل لا بالقول هيبتها وتقطع الطريق على عصابات التكفير والإجرام وتمنح الأمان للمسيحيين والصابئة.
لا عراق ديمقراطي حر بدون حرية للمسيحيين ، وأن عراقاً خالياً من المسيحيين ليس عراقاً ![/b][/size][/font]