بركة دم اسمها 8 شباط
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com الشعارات الفارغة تستدرج البشر الى الشوارع او الى المتاريس، ليس من اجل تحسين شروط حياتهم، لكن من اجل سياسيين مهووسين بالزعامة، ومُثلٍ ملتبسة، او من اجل تنظيم قتلهم بالجملة، ولا يهم ان يكونوا مغفلين او صادقين، فالحائط بين الغفلة والصدق ليس سميكا، وهذا ما حدث ذات صباح عراقي من يوم جمعة شباطية باردة قبل ثلاث واربعين سنة، إذ امتلأت شوارع بغداد، فجأة، ببدو حلوا من مضارب بعيدة وبشعارات عروبية لها اسنان جارحة، وجنرالات مطرودين من الجيش، وصبية وشقاوات من احياء تمتد على طرفي النهر، ثم انهمر الرصاص من كل مكان على مكان.
كان عبدالكريم قاسم، وقد ارتكب خطايا قاتلة، هدف الانقلاب الاول، وكان مرافقه الشجاع وصفي طاهر هو الوحيد الذي وضع في اذنه جمرة الغضب في تلك اللحظات المتوترة: انظر سيدي.. الى اي مآل اوصلتنا؟ غير ان الانقلابيين الشباطيين واشقيائهم سرعان ما نظمّوا مذابح شوارع ففتحوا النار على حي الاكراد في باب الشيخ وسكان الكاظمية وحصدوا طلاب مدارس وعمال بناء ونساء وجماهير عزلاء زحفت نحو وزارة الدفاع في باب المعظم تعلن استعدادها للقتال ضد الانقلاب الدموي، قال لهم قاسم من شرفته: اذهبوا الى منازلكم.. بعد ساعات سنقبض عليهم..
وبعد ساعات كان (الزعيم) امام محكمة من رعاع وشقاوات عقدت لدقائق في دار الاذاعة وانتهت برصاص كثيف طال قاسم ومرافقيه الشجعان الذين ازجوا له نصائح بالحذر، وانتهى للتو حكم الجمهورية الاول.
اما بركة الدم، فقد صارت تتسع، بالطول والعرض: اكثر من ثلاثين قاطع اعدام يعمل ليل نهار في السجون والثكنات العسكرية في طول البلاد وعرضها، وثمة مدارس صارت معتقلات، وثمة مسالخ بشرية للتعذيب حتى الموت اقيمت في قصر النهاية ومقرات الحرس القومي، وثمة مذابح بالجملة، وحملات تاديب وانتقام لم تسلم منها عائلة، حروب بربرية، وبيان رقم 13، ومقاومة شرسة في كل مكان من اجل ان لا يمر الانقلاب.
ثم حربا ضروسا ضد الشعب الكردي، وذلك قبل ان ينقلب الشباطيون على انفسهم بعد شهور، فيرتوي البعض من دم البعض الآخر، وتمشي الساطور على رقاب الكبار والصغار على حد سواء، وتدور بينهم طواحين الاتهامات بالتجسس والتآمر والخيانة والغدر والاجرام، ثم ينبري صالح السعدي، احد قادة الانقلاب، في صحوة ضمير مختزٍ، ليعترف بالصوت والصورة، انهم جاءوا يوم الثامن من شباط الى معقل عبد الكريم قاسم "بواسطة قطار امريكي" فاُسدل الستار على جميع الشعارات الصاخبة، والهرطقة، وعلى الحمية الزائفة دفاعا عن العروبة، وتحرير فلسطين، ونشيد "الله اكبر فوق كيد المعتدي".
على ان القضية لم تنته، فصولا، عند هذا الحد، فقد خرج بعد بضعة اعوام، شخص اسمه صدام حسين، بشعارات فارغة اخرى، الى واجهة المسرح، وكان نفسه من ابرز شقاوات التعذيب في قصر النهاية ومقر اللجنة الاولمبية في الاعظمية، وشاءت مهازل التاريخ ان يقتدر هذا الطالع، من القاع الآسن لمذابح الثامن من شباط، على مد بركة الدم القاني لاربعين سنة عراقية شباطية اخرى.
..وكلام مفيد
" لا شئ يصيّرنا عظماء مثل الالم العظيم".
قاسم امين [/b][/size] [/font]