صمت اللحظة في عجلة النار
قراءة في الحكايا عند كليزار أنور
عبدالكريم الكيلاني
كيف لاتكون الحرب مقدسة وقدمات فيها أبني ؟!!
بهذه العبارة الصامتة واللحظة التي تتفجر صراخا إفتتحت الروائية كليزار أنور روايتها الموسومة ( عجلة النار ) وأظنها قد حاولت إيصال فكرة الحرب بكل أبعادها ودلالاتها المأساوية للقاريء فالحرب ( دمار , تضحية , سلام , حب , موت , ميلاد, صلاة , غربة , .....) عالم غريب تستظل تحت أفيائه كل المتناقضات التي تشكل بنية الحياة الدراماتيكية بتجرد مكنوناتها الموازية للطبيعة ولربما كانت هذه الكلمات سقفا من نذور وطقوس معرفة تستوعب الصور والاحداث التي تجلّت بين دفتي الرواية لتؤطر مفاهيم متجذرة في الانسان ولاسيما الانسان الذي سحقته عجلة النار طيلة عقود عديدة ولازالت رحاها عالقةلاتقبل المغادرة لكنها ورغم قساوتها لم تستطع حرمانه من ممارسة طقوسه الحياتية رغم كل المآسي والنكبات التي عاشها فيها ..
وبما أن أي عمل إبداعي هو بصمة سحرية على جبين الشمس الشاهدة على كل المجتمعات وفي كل زمان ومكان كما أنه توثيق ورؤية من زوايا مختلفة بل هو قراءة تكاد تكون شاملة نوعا ما لكل مايتعلق بالوجود والعدم والاحداث التي تمس الواقع وتتخلل كينونة الانسان .. فقد جاءت هذه الرواية للكاتبة كليزار أنور لتشعل مصباحا في داجية الواقع الحافل بالمرارة والنازف بدماء من المكائد تكاد تفيض لتلتهم رموز ودلالات الجمال والحب لولا الارادة والحكمة والعاطفة التي جبلنا عليها وتشربنا من ماءها والتي إتسمت بها مجتمعاتنا فهي تحاول تذكيرنا بماهية الانسان من خلال راغب عبدالسلام بطل الرواية فراغب هذا الاسم الذي اختارته الكاتبة بذكاء وحس أدبي بمعنى الرغبة في الانطلاق وهو نقيضا للجمود واليأس وعبدالسلام والعبد واضح بمعناه الذي يرتبط بأسم من أسماء الله الحسنى والذي تحاول من خلاله الكاتبة قرع أجراس السلام في ذهن المتلقي وهكذا الأمر مع وفاء أيضا خطيبته التي هجرته بعد أن يأست من عودته وهنا تلعب الصدفة دورها في النقائض بين الاسماء والأفعال والرواية ببساطة تحكي قصة من قصص الحروب التي أبتلينا بها فراغب المأساة والمنزوي منذ سنين في غيبوبته جراء رصاصة إستقرت في الرأس حين وقع في الأسر ............ فجأة إستفاق ليجد بأن والدته قد إستشهدت إثر سقوط صاروخ على المنزل فما كان منه الا أن يحاول من جديد باحثا عن ابتسامة تعيد له بهاء وجهه ورغبته في الحياة وبرغم أن هذا الموضوع قد تكرر لدى الكثير من الروائيين أتت هذه الرواية بأسلوب سردي مختلف وأداء كتابي عال يجعلك تتفاعل مع أحداث الرواية بصفحاتها وفصولها وبشغف لأن المشاعر الانسانية فيها صادقة وقد استطاعت كليزار تحريك أجواء النص خدمة للمعاني السامية فراغب قد وجد فتاته التي ستخرجه من عزلته ( روزين ) الفتاة الكردية التي مسحت بحبها الصادق دموعه لانها وجدت فيه ضالتها وفارس احلامها وهنا أيضا حاولت الروائية الأيحاء بالأمل من خلال أختيارها لأسم ( روزين ) التي تعني (طريق الحياة ) فالحياة لم تتوقف ولن تتوقف مادامت الانفاس تعزف سمفونيتها التي تشعرنا بأننا أحياء سائرين الى المجهول أيا كان ..
تمتلك كليزار أنور مخيلة واسعة ولغة رصينة تستوعب الفعل الكتابي بكل دلالاتها وأطرها المعهودة والمبتكرة وقد استطاعت توجيهها للخروج من أزمة الرواية المجردة الى عوالم أخرى مغادرة موغلة في الأمعان والتنبيه فانتقالاتها الذكية في الاحداث أضافة الى ارتكازها على العلاقات المتشابكة والعواطف الفائضة بين أفراد الاسرة والمحيطين الضيق والواسع شجعت المتلقي على استيعاب الثيمات والمفاهيم المراد ايصالها بسلاسة وعفوية دون الولوج في متاهات لغوية تشتت الذهن وتصم الأذن ( استيقظت باكرا .. فتحت النافذة .. كانت الطبيعة منهمكة في رسم لوحتها الصباحية .. أخذت نظراتي تتداخل في أوراق شجرة التين الممتدة خارج شباك غرفتي لاأعرف كيف رأتني قطة راغب .... قطة بيضاء مبقعة بدوائر سود متناثرة في البياض الناصع ألفتني بعد أسبوع من المغازلة والأستدراج .. ووجدت من السهل أن نستدرج الآخرين نحو الحب ) .....
كما أن الرواية استمدت لغتها من الحس الشعري التي منحتها خاصية أخرى حتى أقترب أو تكاد من الرواية الشعرية لكنها بقيت عالقة على أعراف الأنماط الأدبية محدثة فوضى محببة لدى القاريء مرتدية وشاحا تعبيريا ورؤية فنية لتؤثث فيها جمالية مفعمة بالحيوية زاخرة بالمشاعر الانسانية وهي بهذا تؤسس لبناء عالمها الروائي الخاص بأسلوب أنثوي غني بالمفردات والجمل الشعرية ( عينان صريحتان .. تبزغ فيهما نجمتان حين تضحك . شعرها الأسود الكثيف يتمايل زهوا ........ وأخيرا التقيت بالمرأة التي خلقت لأجلي وخلقت لأجلها ! عندما جلست بجانبها تنفست ملءْ أعماقي .. لاإراديا قلت : عطرك لايقاوم ..... "كل عام وأنت بخير" ألفها بشريط ملون وأقدمها بين يديك , ولتوقد كل كلمات الكون الجميلة والرقيقة والأنيقة شموعا لليلة الميلاد) رواية عجلة النار الصادرة من دار الشؤون الثقافية ببغداد سنة 2002 تحتوي على (130) صفحة من القطع المتوسط وهي لمسة شفافة بل هي فسحة من الأمل وعمل إبداعي ذو مكانة
جلية في خارطة الأدب العراقي تعبر عن ماهية العلاقة بين الأدب والمجتمع وقوة تأثيره في كافة مناحي الحياة .. وتتوافر فيها كافة تقنيات اللغة و( الشعروائية ) المنزوية في مسارها الحدثي وهي إضافة أخرى مهمة للكاتبة كليزار أنور في مجال تشظيها بين الفن القصصي والفن الروائي الحكائي وتمتاز بنثر محمولاتها اللفظية القابلة للتأويل في فضاءاتها المتلونة بآليات التشويق من خلال نسجها صورا فضفاضة في غاية الروعة والجمال تقتنص منها إتجاهات منفتحة محايدة غير منكفئة على ذاتها وهي بذلك تلامس ذائقة المتلقي عبر نقل همومه بأمانة وإخلاص لاتشوبها شائبة بعيدا عن المهاترات اللفظية اللاموضوعية بغية الحفاظ على قدسية الكتابة ..
[/color] [/font] [/size]