أبرز رسائل الانتفاضة الإسلامية على الرسوم
سليمان يوسف
لم تهدأ بعد (ثورة الإسلام) على رسوم (كاريكاتورية) مسيئة للإسلام نشرتها صحيفة(جيلاندز بوستن) الدنمركية في ايلول الماضي ،حيث تسببت هذه الرسوم بانفجار أزمة كبيرة بين (العالم الإسلامي) وبين دولة الدنمرك ودول أوربية أخرى أعادت نشر الرسوم.
وقد فاجأت،السرعة والطريقة التي تفاعلت فيها ردود الأفعال العربية والإسلامية، الكثير من الأوساط في كل من الشرق والغرب معاً، وتركت إشارات استفهام عديدة لدى هذه الأوساط، خاصة ما جرى في كل من (سوريا ولبنان)، أكثر دول المنطقة اعتدلاً وتسامحاً في قضايا الدين.
فهي المرة الأولى التي يتم فيها حرق سفارات وقنصليات دول أجنبية ( الدنمرك والنرويج) في (بيروت ودمشق) من قبل متظاهرين محتجين.وكادت (تظاهرة بيروت) الإسلامية، يوم الأحد الأسود في الخامس من شهر شباط الجاري، أن تشعل (حرب أهلية) جديدة في لبنان بعد أن قام الغوغاء والهمج المندسين بين المتظاهرين بحرق وتخريب العديد من المباني والمحلات التجارية والهجوم على بعض الكنائس في منطقة الأشرفية ذات الغالبية المسيحية، فقد أحدثت التظاهرة اضطراب وتوتر أمني في العاصمة بيروت، ويرجح البعض من احتمال أن يكون هناك أطراف، محلية وخارجية، أرادت تفجير الأوضاع المتوترة وخلط الأوراق في لبنان.
لا شك،أن الجريدة الدنمركية، أكانت قصدت أو لم تقصد ذلك، هي تجاوزت حدود حقوقها في حرية (الرأي والتعبير) التي بررت بها نشرها لتلك الرسوم، لأن هذه الحرية لا تعني قطعاً المساس بعقائد ومقدسات الآخرين والنيل من رموزهم المقدسة.ومما لا شك فيه أيضاً، أن من حق المسلمين الاحتجاج على الاساءات التي لحقت بهم وبدينهم، لكن كان يجب أن لا تتعدى (التظاهرات الإسلامية) حدود القضية وأن لا ترد على الإساءات بإساءات اشد انعكست سلباً على القضية التي دافعت عنها.
فما علاقة (الدفاع عن الرسول والإسلام)،بأعمال التخريب والنهب والهجوم على الكنائس والسفرات وقتل أبرياء مسيحيين في العراق وتهديد بتفجير الكنائس في غزة بفلسطين.
فمثل هذه الممارسات البربرية والأعمال الهمجية وما رفع من شعارات متطرفة-حتى بنظر الكثير من المسلمين- أساءت للإسلام، وربما أكثر من رسوم الكاريكاتوري ذاتها،وربما تعطي الحجة والمسوغ لنشر هكذا رسوم بحق الإسلام .
من الواضح، أن إثارة ( قضية الرسومات) وبهذه الطريقة في العالم (العربي والإسلامي) بعد أكثر من أربعة أشهر من نشرها في الدنمارك،لا يمكن عزله أو تحييده عن الاحتقانات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، وعن العلاقة المتوترة أصلاً بين العديد من أنظمة دول المنطقة من جهة وأمريكا وحلفائها الغربيين من جهة أخرى، لأسباب يدركها الجميع، خاصة لما يحصل في العراق ولبنان وفلسطين.
ويبدو أن الجهات المحرضة على التظاهرات الإسلامية تسعى لإبقاء هذه الأزمة مفتوحة لغايات وأهداف محددة، و لترسل عبر هذه (التظاهرات الإسلامية)أكثر من رسالة سياسية وبأكثر من تجاه، تفسر سبب تراخي وتساهل سلطات الأمن السورية- المعروفة بقدرتها على التحكم وضبط التظاهرات- في منع المتظاهرين من الوصول الى سفارات (الدنمرك والنرويج) وحرقها .
فمن جهة: أرادت (الأنظمة المأزومة) في المنطقة تصدير أزماتها الداخلية الى الخارج وإبعاد الشعوب المقهورة عن قضاياها الأساسية، المتمثلة بالديمقراطية والحريات وتحسين الوضع المعيشي والتعليم واحترام حقوق الإنسان، كما أنها أرادت تخويف هذه الشعوب (المحافظة والمتدينة) من الديمقراطية والحريات بتصوريها، للديمقراطية على أنها: (حرية الإساءة للأديان ورموزها المقدسة وانتهاك القيم والأخلاق العامة).
ومن جهة أخرى: أرادت، هذه الأنظمة، أن تظهر قدرتها على تحريك الشارع العربي الإسلامي الغاضب ضد المصالح الأمريكية والغربية في حال تمادت( أمريكا وحلفائها) في ضغطها ومحاصرتها للأنظمة العربية والإسلامية المستهدفة. ومن جهة ثالثة: وربما هو الأهم من كل هذا وذاك ، أرادت هذه الأنظمة التي تخشى الديمقراطية، القول لأمريكا وحلفائها ولكل المطالبين بالديمقراطية في دول الشرق العربي والإسلامي: (( أن الديمقراطية هي أسهل وأقصر الطرق لوصول هؤلاء الإسلاميين المتشددين، اللذين خرجوا للشوارع للتظاهر وقاموا بحرق السفارات، الى السلطة)) بمعنى آخر ((إفهام المعارضة الداخلية والخارجية بان البديل عنهم هو الإسلام المتطرف)).
ومن جهة رابعة: سعي هذه (الأنظمة المأزومة) الظهور بمظهر المدافع عن الإسلام لكسب (التيارات الإسلامية) المتنامية الى طرفها في معركتها الراهنة مع الغرب الأمريكي والأوربي الضاغط عليها.وبالمقابل أرادت عموم (التيارات الإسلامية)التي كان لها الدور الكبير في التحريض على التظاهر وإخراج الناس للشارع،ابراز قوتها الشعبية والسياسية و الظهور بمظهر المدافع القوي عن قضايا الشعوب العربية والإسلامية وبالتالي طرح نفسها بديلاً عن الأنظمة (القومية واليسارية) القائمة والمسئولة عن تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشعوب المنطقة.
أنهم جميعاً أرادوها معارك (سياسية) وعلى أكثر من جبهة تحت (عباءة الإسلام) وبحجة الدفاع عن حقوق الله الذي ليس بحاجة لمن يدافع عنه ، مستغلين بذلك المشاعر الدينية للمؤمنين وللجماهير المسحوقة ، في الوقت الذي يمنع عليها أن تخرج للاحتجاج على أوضاعها المزرية والمطالبة بتحسين أوضاعها الحياتية.
كما وقد أثارت أزمة الرسوم هذه العديد من القضايا والمسائل الفكرية والأخلاقية والسياسية الشائكة. أبرزها: (اشكالية العلاقة) بين الشرق (الإسلامي) والغرب (العلماني)، وقدرة كل منهما على فهم واستيعاب الآخر بما هي كيانات جغرافية وثقافية وتاريخية متمايزة عن بعضها،وبالتالي رفعت من رصيد نظرية ( صدام الثقافات أو صراع الحضارات) في مقابل أنصار(الحوار بين الثقافات والأديان).
إذ من الممكن أن تتطور الأحداث المأساوية التي سببتها بعض التظاهرات الإسلامية على خلفية هذه الرسوم، أو قد تندلع أزمات واضطرابات ، في هذه المنطقة من العالم أو تلك،حول قضايا اخرى مشابهة، وتزيد من درجة الاحتقان والتوتر بين (الشرق والغرب) الى مستوى يصعب فيه السيطرة على الأوضاع والتحكم بها،و تفقد القوى الأخلاقية أو (العقلانية) في المنطقة والعالم زمام المبادرة وانتقالها الى ايدي فئات غوغائية هوجاء مستهترة، هنا وهناك، منقادة بنوازعها الغريزية والعاطفية، وبالتالي تشكل خطراً حقيقياً على الأمن والسلم العالميين.
كذلك أثارت، الهبات الإسلامية، اشكالية العلاقة بين (الدين والسياسية) في (العالم الإسلامي) وفرص نجاح العلمانية والديمقراطية في المجتمعات العربية والإسلامية وكشفت عن مدى سيطرة الدين على وجدان وعقل (الإنسان المسلم) والدور الكبير والمهم الذي يمكن أن يلعبه (الدين) في تحريك الشارع العربي والإسلامي.
سليمان يوسف ...كاتب سوري آشوري ..مهتم بحقوق الأقليات
shosin@scs-net.org[/b][/size][/font]