مسيو شابان، والطير الذي فقد جناحيه
فخري العباسي
إذا كانت الصدفة هي التي شاءت أن لا أكمل سفرتي إلى وجهتي الأخيرة بعد أن أضطر زميلي الذي اقترح علي أن يوصلني معه في سيارته إلى العودة إلى منزله ليلا عندما استلم مكالمة هاتفية عاجلة من زوجته لتطلب منه العودة بسرعة نتيجة إصابتها بحادث منزلي، حيث اقترح على عندئذ أن يتركني في المدينة الصغيرة التي وصلنا إليها توا ولأن أكمل سفرتي بالقطار صباح اليوم التالي، فإن الصدفة هذه هي التي سمحت لي بلقاء مسيو شابان الذي لم أكن أتصور أن التقي به في هذه المدينة الصغيرة.
كان الوقت لم يزل بعد في مقتبل الليل عندما تركت سيارة زميلي بعد شكري له وبعد أن تمنيت له عودة سعيدة وأن يكون مانع عودته خيرا له ولزوجته، وتوجهت إلى مركز المدينة للبحث عن فندق أقضي فيه ليلتي.
كان الفندق الذي قصدته أخيرا صغيرا ومتواضعا تعلو واجهته لافتة صغيرة كتب عليها باللغة الفرنسية (Bienvenue) أي مرحبا بكم وهو ما دفعني إلى الدخول إليه بنوع من الثقة زاد مفعولها عندما رحب بي الشخص الجالس خلف مكتب الاستقبال وهو يبتسم أمامي ونحوي بإبتسامة لطيفة جعلتني أشعر بحسن اختياري قائلا لي بتلقائية هادئة هو أيضا (Bienvenue Monsieur) أي مرحبا سيدي. كان هذا الشخص الذي قدرت أنه في الأربعينات في عمره، أنيقا في ملبسه، طويل القامة، أسمر اللون، بالرغم من مسحة بيضاء بدت على ملامحه، ربما تكون ناتجة عن ابيضاض خفيف يبدوا أنه قد بدأ في غزو شعره الأسود. وتعمقت ثقتي به عندما رحب بي بهذه الطريقة الأنيقة، متحدثا معي بلغة فرنسية متقنة، بحيث إنني شعرت بأنني أمام شخص لا بد وأن أعرفه أو ربما يعرفني هو أيضا.
بعد أن أكملت معاملة حجز الغرفة ودفع مبلغها، توجه نظري إلى لوحة صغيرة كان هذا الشخص قد علقها خلف مكتبه، لوحة جعلتني أحدق بها مستغربا، لوحة ربما لم تسترعي أو لا يمكن أن تسترعي نظر الآخرين، لوحة لم تتمثل إلا في صورة طير مرسومة بلون أسود باهت، طير لا يمكن القول بأنه غير جميل، إلا أنه طير بدون جناحين، نعم طير ببدن كامل، برجليه وذيله ومنقاره وبعينيه اللتين تخيل لي أن دمعة صغيرة تنسكب منهما، ومع ذلك فهو طير لا يمتلك جناحيه اللذان انتزعا منه في هذه اللوحة. بقيت مندهشا وأنا واقف أمام هذه اللوحة التي كنت أحدق يها بحيث لم أصحوا من دهشتي إلا عندما قال لي مسيو شابان، كان هذا هو اسمه الذي عرفته عندما نادته السيدة التي كانت تعمل معه، قبل أن استفيق من دهشتي، قائلا لي وهو يلاطفني : "قد تعجبك هذه اللوحة يا سيدي، إلا إنها وللأسف الشديد ليست للبيع، كما إنني لا أستطيع أن أتنازل عنها بالرغم من قيمتها المادية التي لا تغنيني ولا تغنيك".
قادني مسيو شابان عندما سألته إن كان في الفندق مطعم يمكنني أن أتناول عشائي فيه، بعد ذلك إلى قاعة المطعم، بلطف لا يقل عن لطفه الذي استقبلني فيه وأنا أدخل بهو الفندق وأخذت مكاني وتناولت طعامي وأنا أرى هذا السيد الأنيق في مشيته وهو يتنقل من طاولة إلى أخرى بحيوية جعلت منه محط أنظار جميع الحاضرين ملبيا طلباتهم بسرعة ومتحدثا معهم بلطف ومجيبا على نداءات السيدة العاملة معه والابتسامة تعلو محياه قائلة له خذ الطبق الفلاني يا شابان تارة أو اعطني الفاتورة ياشابان تارة أخرى.
كنت أتناول طعامي بهدوء عندما اقترب مني مسيو شابان بابتسامته المعهودة، قائلا لي : لا بد وأن تكون مرهق الآن يا سيدي، كما إنني مرهق أنا أيضا بعد يوم من العمل المتواصل. ومع ذلك وإذا بلغ الفضول بك حدا تريد به أن تعرف سر لوحة الطير الذي فقد جناحيه، فما عليك إلا أن تنتظر إنتهاء موعد العشاء وترافقني إلى غرفتي الواقعة خلف اللوحة، قائلا لي بابتسامته المعهودة: "تناول طعامك بهدوء ياسيدي، وسوف أراك عندما يغادر الزبائن قاعة المطعم".
ابتسمت أنا أيضا وتناولت عشائي وانتظرت مجيء اللحظة الموعودة التي ما لبثت وأن حانت عندما إقترب مني مسيو شابان وهو يمد لي يديه واضعا ذراعيه حول كتفي كما لو كان يضم أخا له بين ذراعيه وقادني نحو غرفة صغيرة موجودة خلف اللوحة التي جلبت انتباهي حال دخولي إلى بهو الفندق.
لم تكن دهشتي وأنا أدخل هذه الغرفة الصغيرة أقل من الدهشة التي أصابتني وأنا أحدق في اللوحة التي جذبتني عند دخولي إلى بهو الفندق. فقد وجدت نفسي في غرفة صغيرة متواضعة مثل التواضع الذي كان بادياً على محيا مسيو شابو، ولكنها تعرض مع ذلك لمسات إن كانت تعبر عن شيء فإنها عبرت بالنسبة لي عن شخصيته الأنيقة. فبالإضافة إلى بطاقات المعايدات التي كانت مرتبة بطريقة فنية تحمل صورا جميلة لغابات من النخيل الباسقة ومناظر نهرية رائعة تزهو على سطحها قوارب رشيقة وأهوار تبدو وكأنها تفتخر ببيوتها المعمولة من القصب وجبال تغطي قممها أشجار وتنسكب من جوانبها شلالات طالما ألفت عيناي التمتع بهدوئها، كان مسيو شابو قد علق لوحات صغيرة أخرى على جدران غرفته الصغيرة ورتب على طاولة صغيرة أدوات فضية ونحاسية صغيرة لم تكن غريبة علي ولا عليه هو أيضا. إلا أن ما أثار دهشتي أكثر، هي لوحة كان معلقة وسط لوحاته الأخرى. لم تكن هذه اللوحة سوى لوحة الطير التي جذبت انتباهي خلف مكتبه، والتي أضاف إليها جناحين منفردين بعد أن جعلها أكبر حجما من اللوحة الأولى وأضاف إليها ألوان جميلة زينت جناحي الطير وجعلته يبدو فرحا وجاهزا للتحليق بعد أن أزال مسيو شابو الدمعة الصغيرة من عينيه.
عند ذاك قلت له وأنا أبتسم : "أنت إذا يا... مسيو شابان، مثلي أنا من بلدي الذي أحبه كما تحبه أنت أيضا، يا لها من صدفة!" لم يبدو عليه الاستغراب من سؤالي وهو يجيب على قائلا : مسيو شابان، بل قل لي شعبان. هذا هو اسمي وهذا أنا، وهل تخفي الإبتسامة، مظاهر الحزن التي تميزني كما تميزك وتميز كل من ولد في بلدنا الحبيب، بلاد النهرين الأزليين وارتوى من مياه روافدهما وينابيعهما العذبة مهما كان وأينما كان. إنها الميزة التي فرقتنا والتي لا بد وأن تجمعنا، وباجتماعنا كلنا سوية مهما كانت أصولنا وعقائدنا فقط تزول عنا."
ثم استرسل قائلا : " لا أريد أن أطيل عليك. أريدك أن تعلم فقط بأنني هنا منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، جئت مهاجرا وسني لا يتجاوز السادسة عشر من عمري باسمي العراقي شعبان الذي دونته إدارة الهجرة بالاسم الذي لم أغيره، والذي يلفظ باللغة الفرنسية، شابان. وهو اسم فرنسي أيضا. وحصلت على لجوء إنساني بعد مصاعب الرحيل الطويل، جئت إلى هذا البلد وأنا أسود الشعر متمنيا كل عام أن تتيح لي الظروف العودة إلى بلدي بشعري الأسود على الأقل، وها هو الشيب يغزو شعري اليوم وأنا أستمر في تمن ٍ لنفسي بالعودة إليه، بدون جدوى، رغم الآمال التي لا يمكن لي أن أفقدها ما دمت حيا."
عند ذاك قلت له ممازحا : "إذا كان الشيب قد غزا شعرك، فأنت محظوظ، لأن الشيب لم يغزُ شعري أنا فقط وإنما سقط معظمه من رأسي وها أنا أقرب مني إلى الصلع بعد أن التهب شعري شيبا أنا الأخر."
ضحك مسيو شابان من مداعبتي مضيفا : "لنذهب إذا إلى صلب الحكاية، حكاية لوحة الطير المجرد من جناحيه أو الذي فقدهما والتي أثارت استغرابك. لقد عثرت على هذه اللوحة في محل بيع أدوات قديمة بالصدفة أيضا، ورأيت في شحوبها ولونها الباهت مصيري، لذلك فقد اشتريتها. نعم إنها اللوحة التي تعبر عن مصيري. فأنا إنسان نمت جذوري في بلدي وأنا اليوم أعيش في بلد آخر لا تنتمي له هذه الجذور، مثلي مثل طير فقد جناحيه ولم يعد قادرا على التحليق للالتحاق بعشه المفقود.
عندما اشتريت هذه اللوحة لم أفكر بما أفعل بها، إلا إنني وعند وصولي إلى غرفتي، قررت أن أنسخها بالرغم من إنني لست رساما ولا أعرف من فنون الرسم شيئا. قد تكون رغبتي بامتلاك جناحين أحلق بهما، هي التي منحتني هذا الزخم الحيوي الذي دفعني إلى إعادة نسخ الطير وتركيب جناحين منفردين له بألوان أردت أن تشع منها إشعاعات شمس بلادي الدافئة وزرقة سمائها وعذوبة مياه دجلتها وفراتها البعيدين عني مسافيا والقريبان مني روحيا، تعبيرا عن أمالي في لقائه، عندما يأتي اللقاء. وها أنا وكما ترى، وعند انتهاء كل يوم من أيام عملي الطويلة، وأنا أترك مكتبي الصغير ولوحة الطير الباهتة خلف مكتبي لأستلقي هنا أمام لوحة الأمل وأنا أحلم بأن يأتي اليوم الذي أحلق فيه مثل هذا الطير الجميل، لا لكي أخترق سماء البلد الذي أعيش فيه اليوم ولكن لكي التحق بجذوري العميقة، فأنا وإن كنت مثل طير فقد جناحيه، أشعر هنا بإنني شجرة بلا جذور وأرض بلا سماء وليل بلا نهار، بل أنني جزيرة بدون شواطئ، جزيرة أغلقت منافذها وأوصدت الطرق المؤدية لها، بدون أن أفقد أملي مع ذلك كما قلت لك، في استعادة جذوري والتوجه إلى آفاق سماء بلادي الواسعة والرسو على شاطئ جزرها الخالدة."
عند ذاك ناولني شعبان، الذي لم أعد أرى فيه أي ملمح من ملامح مسيو شابان التي أدهشتني مع ذلك لطافتها، فنجان قهوة فاحت منه رائحة الهيل اللذيذة، فنجان قهوة كان يعده بمهارة وهو يتحدث معي بدون أن أنتبه حتى إلى ذلك، ومعه قطعة حلوى طالما نسيتها وتذكرتها وأنا في بلد الغربة الطويلة، قطعة من المن والسلوى، "من السما" كما نسميها في بلد الجذور العميقة.
غادرت غرفة شعبان الجميلة بعد أن شكرته وتوجهت إلى غرفتي وأنا أستذكر كلماته العذبة، ثم وأنا أستلقي على سريري وصورة لوحة طير شعبان الذي فقد جناحيه، ثم استعادهما في لوحته الجميلة، لا تفارق مخيلتي، قائلا لنفسي، ترى كم هم هؤلاء الذين، مثله ومثلي ينتظرون اليوم الذي يستعيدون فيه أجنحتهم ، لا لكي يجوبون بها سماء الهجرة القاسية والبحث عن جزيرة أخرى خالية من شواطئ الأمل ؟ بل أجنحة تتيح لهم العودة إلى أعشاش بلدهم التي طال انتظار الالتحاق بها.
عند ذاك لم أجد نفسي إلا وأنا مستغرق في حلم بل وفي أحلام قد لا تختلف عن أحلام شعبان في استعادة جناحيه المفقودين، أحلام لم أصح منها إلا على صوت جرس المنبه وهو يرن صباح اليوم التالي، والذي أعادني إلى عالمي وعالم شعبان وقسوة أيامه الطويلة المطرزة مع ذلك بسطور الأمل في الاستيقاظ يوما ما مثلي مثل طير يمتلك جناحين متينين يحلق بهما في سماء بلدي الواسعة، تحت إشعاعات شمسها الدافئة، فوق تربتها الخصبة وزرقة مياه نهريها الخالدين، وعلى امتداد جبالها الشامخة وأهوارها الوافرة، وتحت ظلال نخيلها الباسقة التي لا بد وان يتطلع للالتقاء بها والاحتماء بفيافيها العذبة.
- باريس -