الحكم الذاتي
بين الحقيقة والوهم
نُشرت في هذه الايام الأخيرة العديد من المقالات، منها التي تمثل مطالب ومنها ما يمثل رداً على مطالب وملاحظات. مقالات طالبت ومازالت تطالب بالـ "حكم ذاتي" لشعبنا الكلداني الاشوري السرياني في المناطق والقرى ذات الاغلبية المسيحية، والمحصورة في منطقة جغرافية محددة، المسماة "سهل نينوى". يملك مثل هكذا طلب شرعيته ومنطقيته من الظروف الجديدة التي طرأت على الساحة السياسية في بلدنا والى الظروف التي مرَّ بها شعبنا المسيحي في الخمسة أو الستة سنوات الأخيرة. يُبرر اصحاب هذا الرأي مطالبهم على أساس ضمان مشاركة سياسية وادراية في ادارة البلد ومؤسساته. وكلّنا صار يعرف بان المشاركة السياسية في المجتمعات الديمقراطية تملك منهجيات وسبل مختلفة، تختلف تماماً عن ما يُنادى به في العراق. أريد أن أعطي بعض الملاحظات بخصوص هذه القضية وتحليل مدى تأثيرها على طبيعة الحياة المسيحية ورسالتنا في هذا البلد الجريح والمتألم بفعل الطائفية والقومية والعنف والقتل...
1. يملك الحكم الذاتي أساسه الدستوري بلا شك. الاعتراض الحقيقي هو المطالبة به بأسم المسيحيين وهذا الأمر بحد ذاته يملك بُعداً دينياً ولا يحق لأحد ان يتكلم بأسمها، إلا لمن أُعطي لهم. ولهذا أقول بان ما يطالب به السياسيون والقوميون، ليس مشروعاً مسيحياً بل قومياً، مكانه محدّد والجماعة التي يشملها محدّدة. فالحكم الذاتي في سهل نينوى شأنٌ يخص أهل سهل نينوى مع بقية المناطق المحيطة به، وهو لا يشمل المسيحيين كلهم.
2. ان تعبير "مناطق تاريخية للمسيحيين" يفتقد الى الكثير من الصحة والدقة ويدخلنا في أشكالية كبيرة مع طبيعة وجودنا المسيحي في العراق ككل! فلا توجد مناطق مسيحية بالمعنى الذي يقصده البعض، اي وجود مناطق ينحصر وجود سكانها على المسيحيين. توجد قرى مسيحية في أقضية ومدن أكبر منها متعددة الشعوب والاديان والقوميات. تأريخنا شاهد كبير على التنوع الثقافي والشعوبي وصورة حيّة على تداخل معقد وتركيبة تعايشية فريدة تمتد الى اكثر من ستة الآف سنة.
3. مثل هذه التعابير والشعارات والمشاريع السياسية، وخاصة في وقتنا هذا، تؤثر على واقعنا الديني وحقيقتنا التاريخية المهمة التي لطالما ميزت وجود المسيحين في هذه البلاد. فقد تعرّض أبنائنا في الكنيسة الى القتل والخطف والاضطهادات خلال الخمس سنوات الماضية، وكان سببها الجهل في حكم الآخر عنّا والجهل في حكمنا عن أنفسنا. فمن السهل علينا ان نفكر ونخطط على حساب حياة الآخرين، وخصوصاً إذا كنت خارج البلد. ومن السهل علينا نشر أفكار سياسية يتحمل تبعاتها المسكين والفقير والمضطهد من ابنائنا!
4. لا يمكن ان نتخلى عن رسالتنا وتاريخنا في العراق ونحصر أنفسنا في مناطق محددة، ومع الزمن ستصبح معزولة ومغلقة على ذاتها. أظن أنه لخطأ كبير وجسيم ذاك الذي سنقع فيه عندما نترك الواقع السياسي المرير والموسوم بالانقسام والطائفية والعنف السياسي يُحدد ويَرسم تاريخنا ومستقبلنا في هذه البلاد. علينا ان نكون نحن من يُحدد واقعنا السياسي وان لا اترك نفسي ضحية وسجين لمشروع سياسي أياً كان خيره وحلوله الحالية والمؤقتة.
5. نحن منقسمون. قوميونا أنفسهم منقسمون بين محافظ ومتجدد، بين من هو موجود في البلد وبين مَن هو موجود في خارجه. فنحن لا نملك موقفاً موحّداً بخصوص القومية. فما زالت انقساماتنا تؤثر على قرارتنا بخصوص هويتنا القومية. البعد عن الواقع يمنعني من تكوين صورة كاملة وواقعية عنه. لذا نرجو من الجميع الحكمة في الفكرة وعدم اطلاق كلمات وشعارات غير مسؤولة، لا تعبر إلا عن أوهام لا تمت الى الواقع بصلة.
أدعوك أيها المسيحي العراقي الى مغامرة أخرى أكبر وأجمل وأنبل: انها مغامرة الانسانية. فلنبني الانسان في كل واحد منّا وفي كل من هم حولنا، ففيه الخير الاعظم والخلاص الاوحد. الانسان صورة الله (تك 1)، الانسان صورة يسوع المسيح (متى 25)، الانسان الحي مجد الله (أيريناوس). فلنطالب بحق الانسان، وبالعدل للانسان، والسلام للانسان، عندئذ فقط يمكننا ان نقول باننا نعيش الانسانية والديمقراطية ونبني بلد صحيح الاساس. فاذا كانت القومية خير، فالانسانية خير أعظم وأكبر. عاشها يسوع وهو يدعونا اليوم لنعيشها.
[