الإساءة إلى المقدسات ... والكيل بمكيالين
( 1 – 2)
د. سمير خوراني
S_khorani@hotmail.comsamirkhorani@yahoo.com(إذا وقعت حادثة، لا تضحك، لا تبكِ، بل فكِّر) سبينوزا
قبل كل شيء أريد ان أبين إني لستُ مع الإساءة لا إلى المقدس ولا إلى غير المقدس، بل لست مع الإساءة إلى أي إنسان كان على وجه البسيطة؛ لسبب واحد، هو أن الإنسان في معتقدي أغلى وأثمن وأقدس كائن في الكون، فهو الهدف الأسمى والقيمة العليا التي تحاول كل الأديان والفلسفات والآيديولوجيات والنظريات السياسية والإقتصادية والإجتماعية أن تقدم أفضل ما عندها عبر التاريخ وتضعه تحت قدميه، ولكن يبدو في نظر بعض الشعوب وبعض الثقافات وحتى بعض الأديان، أن المسألة معكوسة، إذ تضع العربة قبل الحصان، وتجعل المخدوم خادماً وعبداً لمعتقدات وفلسفات، وتجعل من الغاية وسيلة، ولا سيما إذا كانت تؤمن بأن الحرف أهم من الروح، والسكون أهم من الحركة.
بيد أني أريد أن أبيِّن في الوقت عينه، إنني مع حرية التعبير عن الرأي، التي هي من أبسط حقوق الإنسان، مع تحمل مسؤولية تلك الحرية، لكن يبدو أن بعض الشعوب لا تؤمن بحرية التعبير وتحاول جاهدة أن تقصي هذا الحق الطبيعي من ثقافتها، لأنها لم تتعود على هذه الثقافة الحرة والديمقراطية، وكأني بها تعلِّم الدول التي تؤمن الديمقراطية الإستبداد والدكتاتورية والنظام الشمولي.
كما أؤمن بحق الرد والإحتجاج، ولكن بشكل حضاري، وبوسائل متحضرة، تستند على الحوار والمناقشة والمناظرة واعتماد المنطق والعلم والمنهج العلمي، لا بالصراخ والعويل واحراق المباني والممتلكات والإعتداء على الغير ممن لا ناقة ولا جمل لهم في الموضوع.
في شرقنا المتخلف الرازح تحت نير مئات الأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، والمنكوب بالكوارث والمصائب، التي جعلت من الشعوب مجرد قطيع من الأغنام تُساق أنى شاء سائقها، تتحول الأديان إلى هدف أسمى، إلى (مقدس) لا يمكن المساس به، ولا التحدث عنه، إلا بما يريد أهله الثقات، وسدنته العتاة، ومراجعه العظام، وأن مجرد كلام عنه يخالف ما هو سائد ومتواتر ومعروف، ويخترق الأنظمة الكلاسيكية المتوارثة في مقاربة نصوصه وبيان أحكامها في ضوء العلوم الحديثة، والنظريات اللغوية الحديثة في دراسة النصوص، واتباع المناهج الجديدة في شرحها وتفسيرها وتأويلها يعد خروجاً عن الدين وكفراً والحاداً ينبغي الإقتصاص من القائم به، حتى وإن كان من أهل الدين ومعروفاً بعلميته ومنهجيته وغايته في خدمة هذا الدين، والأمثلة غزيرة عن هكذا علماء ومفكرين اتبعوا طريقة جديدة في فهم أمور دينهم ودنياهم، ولكنهم كُفَّروا وأُجرِموا وهُجِّروا وتم تصفيتهم جسدياً تحت شعار حماية الدين من مفسديه. ولا أدري إذا كان الله قد حفظ دينه وذكره الذي انزله، فهل هناك داعٍ إلى هذا الضجيج، وإلى من يكلف نفسه للدفاع عنه؟!
إذا كان الأمر هكذا مع من يريد ان يخدم هذا الدين ويرفع من شأنه ويقدمه للعالم بطريقةٍ مغايرة أكثر تحضراً وأكثر علميةً، كي يتلاءم مع ما يستجد في الحياة من تغيرات وتطورات تبعاً للقاعدة التي تنادي بـ (تغيير الأحكام بتغيير الأزمان)، أقول إذا كان الأمر هكذا مع هؤلاء، فما بالك مع الإساءة إلى ما يعتبرونه مقدساً وفوق مستوى الشبهات؟
وهكذا نجد إن القاعدة الأساسية الأولى التي تتمثل في كون الإنسان الهدف الأسمى والمنشود من كل حركة في التاريخ، تتحول وتنحرف إلى ( الإنسان خادم وعبد مطيع للدين )، وإذا ما أعتدى أحدٌ على هذا الدين، فيجب أن تهب الشعوب هبة رجلٍ واحد للرد على المعتدين بالغالي والنفيس، بالمال والأنفس، حتى يستقيم الدين ويُحفظ إلى أبد الآبدين، وليس مهماً بعد ذلك كم يسقط من القتلى والضحايا، وليس مهما ما يحدث من دمار وخراب وويلات.
المقدس هو ما تصنعه الشعوب لنفسها عبر التاريخ، حين تُسقِط صفات الكمال والجمال والخير والحق والعدالة والبطولة على شخصيةٍ ما، ثم تُضفي عليها هالةً من القداسة، وقصصاً بعضها حقيقي، ولكن معظمها من نسج المخيلة البشرية، فيختلط الحقيقي بالخيالي ، والواقعي بالمثالي، والتاريخي بالأسطوري ، وعبر التواتر تتكون لنا شخصية أو رمز مقدس لا حَقَّ للبشر أن يمسوه بسوء، مع انهم هم الذين صنعوه.
ليس من وكدي أن أشرح كيف يتكون المقدس في حياة الشعوب، ولكن من المعروف أن كل الشعوب لها ما تقدسه، سواءٌ أكان من مصدر إلهي أو بشري، ومن الطبيعي جداً أن تحترم الشعوب ثقافات بعضها البعض، وتحترم أديانها ورموزها الدينية، وهذا الأمر يجب أن يسري على الكل، فليس ما هو إسلامي هو المقدس فحسب، وليس الأسلام فحسب هو الدين الحق والصحيح الذي يدّعي امتلاك الحقيقة، نعم إنه كذلك بالنسبة إلى المسلمين، لكنه بالتأكيد ليس كذلك بالنسبة للشعوب الأخرى التي لها ثقافاتها وأديانها والتي هي الأخرى تدعي امتلاك الحقيقة وتعتقد أنها هي الصحيحة. يجب أن نقرَّ بهذه الحقيقة، ويجب أن نعرف دائماَ إن الأمور نسبية وليست مطلقة، وأن الرب هو رب العالمين، وليس رب اليهود وحدهم، او رب المسلمين وحدهم.
وإذا كان المسلمون في كل أرجاء العالم تقوم قيامتهم ولا تقعد ساعة يتعرض غربي أو مسيحي أو يهودي أو ملحد إلى ديانتهم أو إلى رمز من رموزهم، فمن با ب أولى ان لا يأتوا الفعل نفسه والقباحة نفسها، حين يتعرضون إلى الديانات الأخرى ويسفهونها ويشوهونها ويسخرون منها ومن رموزها وينعتونها بالكفر والإلحاد والزندقة، ويعلنون عليها وعلى أهلها الجهاد المقدس باسم الله( الذي أؤمن جازماً أنه لا يريد إراقة قطرة دم واحدة باسمه لأنه إله محبة)، والذي يريد أن يتأكد من هذا الكلام عليه ان ينصت يوم الجمعة إلى أحد الخطب من أحد المساجد أو إحدى الإذاعات أو الفضائيات ليسمع الإمام الخطيب كيف يصول ويجول في ساحة المسيحية واليهودية والبوذية صعودا نزولاً، مسفِّهاً إياها ومعتنقيها بصفات بشعة ما أنزل الله بها من سلطان، وهو الذي قد يناقض نفسه بأن يستشهد بآيةِ تقول ( لا إكراه في الدين), أو (لكم دينكم ولي دين)، ولكنه قد يختم خطبته بـ : (إن الدين عند الله الإسلام ، ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فأولئك هم الكافرون )، والكافر في شرع الإسلام عقوبته القتل، أليست هذه دعوة لمحاربة جميع الشعوب وقتلها ما دامت ليست مسلمة؟!
ولِمَ نذهب بعيداً ونحن نرى كل يوم عشرات البرامج التي تبثها الفضائيات العربية والتي تستضيف فيها شيوخاً ملتحين متطرفين يبثون فيها سمومهم ويعتدون على بقية الديانات جهاراً نهاراً دون أي إعتبار لمشاعر المؤمنين بها، وقد وصل الإمر ببعضهم أن يهاجم البلد الذي وفر له الأمن والحماية وأعطاه المعيشة الكريمة التي لم تكن تتوفر له في بلده الأم، فكان يدعو إلى الجهاد على الكفار، ويسب قوانين تلك البلاد التي يصفها بدار الكفر والإلحاد، ويدعو المسلمين المقيمين هناك إلى التمرد على تلك القوانين، أهكذا يكون إحترام مشاعر الغير؟ أم إحترام المشاعر والمقدسات هو مقصور على الإسلام والمسلمين حصراً؟
في الأقل كان يجب أن يحترموا ويراعوا مشاعر آلاف مؤلفة من مسيحيي الشرق الذين يعيشون بين ظهرانيهم، ويتقاسمون الحياة معهم في السراء والضراء، والذين لا ينبغي ان يؤخذوا بجريرة سياسات الغرب؛ لأنهم عانوا من تلك السياسة أكثر مما عان المسلمون، وها هو عددهم يتناقص يوماً بعد آخر نتيجة الهجرة التي تسببت بها تلك السياسة وسياسة الرد التي كانت تجابه بها الدول العربية والإسلامية سياسات الغرب، فتترك الحمار وتصب جام غضبها على البردعة( مسيحيي الشرق). فتعتدي على الكنائس وتقوم بتفجيرها. ولا أدري ما علاقة كنائس لبنان والعراق بصحيفة دانماركية أساءت إلى مشاعر المسلمين؟
ولنا عودة.
في الجزء الثاني من المقال سأتناول علاقة هذه القضية بالوضع السياسي في الشرق الأوسط.[/b] [/size][/font]