مما لاشك فيه أننا مع حرية الصحافة وحرية التعبير، ولكننا فى ذات الوقت ضد الإساءة لأى دين من الأديان، فما أثارته الجريدة الدنماركية المغمورة محدودة الانتشار والتأثير «يولاندز بوستن» منذ عدة شهور من زوبعة إثر قيامها بنشر بعض الرسوم الكاريكاتورية التى أساءت إلى مشاعر المسلمين يتنافى تماما مع مبادئ الحرية، فالقواميس السياسية عرفت الحر بأنه الشخص الذى يأتمر بما أمر به القانون ويمتنع عما نهى عنه. وقد عرف إعلان حقوق الإنسان الفرنسى حرية التعبير فى المادة «11» منه حيث نصت على أن «لكل مواطن الحق فى حرية التعبير والكلام والكتابة والنشر على أن يكون مسئولا عن ذلك فى الحدود التى يضعها القانون»، كذلك فى المادة «29» من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر فى العاشر من ديسمبر عام 1948م، وتنص على أن «يخضع الفرد فى ممارسة حرياته وحقوقه للحقوق التى يعينها القانون». والسبب فى ذلك كله هو أن يلتزم الشخص فى ممارسته لحرية التعبير عدم الاعتداء على حقوق الآخرين. وما حدث من إساءة وردود أفعال يجب ألا يمر مرور الكرام، بل علينا أن نكون حكماء ونتخذ منه دروسا وعبرا. أولا: من اللازم أن نتخلى عن عقلية المؤامرة التى تدعونا دائما لأن نقول إن الغرب يعادى الإسلام ونكف عن ظننا بأن ما فعلته الصحيفة ما هو إلا جزء من هذا المخطط. فالغرب فى حريته التى لا تعرف خطوطا حمراء ولا تحد بسقف لم يسئ للإسلام فحسب، ولكنه أساء أيضا للمسيحية عدة مرات، فتارة يصور الغرب السيد المسيح وكأنه شاذ جنسيا وتارة أخرى يقولون عنه أنه تزوج من المجدلية، وذلك إما عن طريق الأفلام السينمائية أو الروايات، فعلى سبيل المثال لا الحصر توجد رواية الكاتب الأمريكى دان براون «شيفرة دافنتشى» التى منذ صدورها فى الولايات المتحدة الأمريكية فى مارس عام 2003 تحولت إلى ظاهرة فى عالم النشر، فمنذ أن صدرت وهى تتربع على المركز الأول فى قائمة الكتب الأكثر مبيعا فى الصحف «النيويورك تايمز» و«الوول ستريت جورنال» و«البابليشيرز وويكلى» و«السان فرانسيسكو كرونيكل»، وقد بيع منها أكثر من 10 ملايين نسخة، بالإضافة إلى نصف مليون أخرى بالفرنسية وترجمت إلى أكثر من أربعين لغة من بينها العربية، وفى الرواية يتوقف الروائى عند لوحة العشاء الأخير ليوناردو دافنشى ليقول لنا إن الحوارى «التلميذ» الذى كان يجلس عن يمين السيد المسيح لم يكن سوى امرأة هى مريم المجدلية، ويؤكد لنا الروائى فى نهاية روايته أن المسيح كان يحب المجدلية وتزوجها، وهذا يتنافى تماما مع ما جاء فى الإنجيل، وكذلك هناك الفيلم السينمائى «الإغواء الأخير للمسيح»، الذى أدى ظهوره قبل سنوات إلى حملة احتجاج واسعة، ومن هنا فالغرب لا يسىء للإسلام فحسب، ولكنه يسىء أيضا للمسيحية وذلك بدعوى حرية أسىء استخدامها. ثانيا: مما لاشك فيه أن ردود الفعل العنيفة تسىء إلينا، وقد تؤكد ما يظنه الغرب فينا بأننا شعوب همجية غير متحضرة، فالردود الانفعالية كمقاطعة البضائع الدنماركية أو الأوروبية، هذا أمر قد يضرنا ويضر مصالحنا الاقتصادية، هذا فضلا عن أنه سوف يسىء إلى أصحاب المصانع والعاملين بها الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما حدث، وكذلك فإن الاعتداء على الكنائس وعلى السفارات الأجنبية هو أمر مرفوض تماما، فكل هذه الأمور ستؤدى إلى اتساع هوة الصراع وتسىء لعلاقاتنا ومصالحنا مع العالم، كما أنه لا تجوز معاقبة الشعوب والحكومات على أخطاء قلة نادرة من غير المسئولين، فالمسئولية عن الجريمة شخصية، وإذا تمسكنا بتعميم الخطأ، فإننا بذلك نوجد لأنفسنا المزيد من الأعداء، وكذلك يجب ألا ننسى فى غمرة انفعالاتنا أن الدنمارك والنرويج وغيرهما من دول أوروبا يدافعون بقوة عن قضايانا العربية، وبالتالى فليس من الحكمة أن نعادى العالم كله فى وقت واحد، ولذلك فإن الحل الأمثل يكمن فى اللجوء إلى القضاء الأوروبى ورفع قضية ضد الصحف التى نشرت الرسوم المسيئة وليس فى المقاطعة والتدمير والخراب. ثالثا: إذا كنا نرفض أن يسىء الغرب الخارجى إلى معتقداتنا فعلينا فى الداخل أن نحترم نحن معتقدات الآخرين ومقدساتهم، فالاعتداء على الكنائس سواء فى الأقصر أو محرم بك هو أمر غير حضارى وبه مساس واضح بمقدسات الآخر الدينى المغاير، فما معنى أن يقوم مجموعة من الغوغاء بالاعتداء على كنيسة بدعوى أنها غير مرخصة؟ وهل من يصلون فى الشوارع والأزقة حاصلون على رخصة؟ وهل حق العبادة يحتاج إلى رخصة يمنحها بشر لبشر؟! أليس فى هذا انتهاك واضح لمقدسات الآخر؟! وكذلك إذا كنا نلوم صحيفة دنماركية على نشرها لبعض الرسوم المسيئة فما معنى أن نقوم نحن بنشر الكتب المسيئة ونعطى لها رقما من الهيئة القومية لدار الكتب؟! ففى الأسبوع الماضى وأثناء تجولى فى معرض القاهرة الدولى للكتاب لاحظت وجود العشرات من الكتب التى تهاجم المسيحية وتزدرى بها، وهى معروضة على الملأ جهارا نهارا، كتب تهاجم الديانة المسيحية وتتهم المسيحية بالشرك وتقول أن المسيحية دين الوثنية، كما أن هناك «سى. دى» يوزع مجانا يحوى العشرات من هذه الكتب مثل: لماذا كسروا الصليب؟ - الإله الذى لا وجود له - النصرانية من الواحد إلى المتعدد - هارونى أم داودى الجنسى - الجنس فى العهد اليهودى القديم - الكنيسة والانحراف - أمة بلا صليب - أسلموا تسلموا - العقائد الوثنية فى الديانة النصرانية - الشماس الذى أسلم، ومن المؤسف أن هذه الكتب جميعها تحمل رقما صادرا من الهيئة القومية لدار الكتب. فإذا كنا نرفض أن يسىء الغرب إلينا فلماذا نسىء نحن إلى معتقدات الغير الذى يعيش معنا وبيننا؟! إن علينا قبل أن نشير بإصبع الاتهام إلى الآخرين أن نتأكد من أننا أبرياء من ذات التهمة وعلينا قبل أن نتبرم من الجليد المتراكم على عتبة بيت الجار أن نزيل ما تراكم منه على أعتاب بيوتنا أولا!؟
القس: رفعت فكرى سعيد
موضوع منقول من
http://www.amcoptic.com/