"مأدبا وجبل نيبو" في الأردن يحاكيا الكتاب المقدس بعَهدَيه القديم والجديد

المحرر موضوع: "مأدبا وجبل نيبو" في الأردن يحاكيا الكتاب المقدس بعَهدَيه القديم والجديد  (زيارة 14102 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Leila Gorguis

  • leila
  • عضو فعال جدا
  • *
  • مشاركة: 869
  • الجنس: أنثى
  • لبنان .. قلبي !!
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
 
"مأدبا وجبل نيبو" في الأردن
يحاكيا الكتاب المقدس بعَهدَيه القديم والجديد

  



   
جبل نيبو (موقع النبي موسى)
   



ليلى كوركيس / كندا

حين يتحول العالم الى رغيفي خبزٍ واحدٌ معجون بماء الذهب وثانٍ بدموع الفقراء، تنكسر على مشارف كل الهياكل صلوات المؤمنين لتشتعل ثورات وتصير الأديان كتباً "مجترة" ودمىً تحرِّكها خيوطُ الظلام.

كل الأديان دخلت التاريخ من أبوابه العديدة المفتوحة على الفلسفة، الفكر، العلم، الأدب والفن بجميع أنواعه وألوانه الإبداعية بدءاً من الموسيقى مروراً بالهندسة وصولاً الى الرسم والنحت إلخ...  كلها أبدعت لكنها لم تنقذ الإنسان من فقره ولا من جهله أحياناً بل غالباً ما وضعت الحواجز بينه وبين المعرفة والعلم ليظل مكبلاً بعقدة الخوف من اللامرئي.
 
في الأمس البعيد، في زمن الحضارات القديمة كان رجل الدين هو العالم والحكيم في الأمور الدينية الوجودية والعلمية الفلكية والهندسية التي كانت مواداً أساسية ترتكز عليها صفة الكاهن/العالم-الحكيم.
بذلك كان الدين مرتبطاً بالعلم إرتباطاً قوياً فلم يعش القدامى مشكلة الإعتقادات المتضاربة والمتباعدة بين طقوسهم الدينية ومعرفتهم العلمية وخاصة الفلكية منها.

في عام 1789 إندلعت الثورة الفرنسية ومن بعدها ثورات أخرى في تاريخنا غير البعيد، ليصبح إنفجار تلك الثورات بوابة عبور الى حرية الفكر والعلم التي خلصت "الإنسان" من صراعه بين إلتزامه بالروحانية الدينية من جهة وتساؤلاته العلمية من جهة أخرى.
إن تحرر العلم من براثن الدين قد أدى الى إكتشافات كثيرة بدلت العديد من المفاهيم السائدة فيما مضى، فوصل الإنسان على سبيل المثال الى القمر وكواكب أخرى وتغيّر وجه الأرض والسماء بعد أن كانت الأرض تُعتبر المركز الرئيسي والأوحد للحياة، وبعد أن كان الفضاء حكراً على الملائكة والقديسين.
ومن يدري قد تحول الإكتشافات العلمية المتزامنة فضائياً وأركيولوجياً كل الأديان المعاصرة الى أديان كونية كالتي إعتنقتها شعوب الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين وغيرها ...
وقد نضطر الى معاودة  قراءتنا "للكتب المقدسة" بمفهوم جديد ومختلف عما فُرِضَ علينا سابقاً.
وقد لا تتضارب معتقداتنا الدينية مع ما إكتشفه وما سيكتشفه العلم في عصرنا بل سنجد فيما بينهما إرتباطاً وجودياً روحانياً وعلمياً خارقاً ينقذنا من عقدة الخطيئة والكفر اذا فتحنا باب الإجتهاد العقلاني في بحث تنويري حول علاقة القديم بالجديد وتواصله التاريخي.

من الواضح جداً أن المفهوم الديني في عصرنا الحالي قد أخذ شكلاً مختلفاً يتسم بالطائفية الحادة التي تصبو الى السلطة رافضةً الإقرار بالشواهد العلمية والأثرية الملامسة لمحتويات "الكتب المقدسة".

كان لا بد من أغوص سبر تلك المفاهيم إثر زيارتي لمدينة "مأدبا" و جبل "نيبو" في الأردن، المكان الذي وقف فيه النبي موسى ورأى من على قمته "بلاد كنعان" الذي وعده الله بها لأبنائه ولشعبه ولكن دون أن تطأها قدماه، حسب ما ورد في سفر التثنية – الإصحاح 34 من التوراة :


" و صعد موسى من عربات مواب الى جبل نبو الى راس الفسجة الذي قبالة اريحا فاراه الرب جميع الارض من جلعاد الى دان. و جميع نفتالي و ارض افرايم و منسى و جميع ارض يهوذا الى البحر الغربي  و الجنوب و الدائرة بقعة اريحا مدينة النخل الى صوغر.  و قال له الرب هذه هي الارض التي اقسمت لابراهيم و اسحق و يعقوب قائلا لنسلك اعطيها قد اريتك اياها بعينيك و لكنك الى هناك لا تعبر."


وهكذا وصل النبي موسى الى جبل "نيبو" حيث عاش ومات وشاهد من على قمته "بلاد كنعان" ...
مع زيارة هذا المكان "المقدس" نسترجع نصوصاً "توراتية" كثيرة كلَّم الله فيها موسى وأرشده الى "بلاد كنعان". نصوص إعتمدتها الكنيسة ولم تنقضها كون المسيح لم يفعل ذلك، فسُمِّيت بالعهد القديم والإنجيل بالعهد الجديد.
هذا مع إشارتنا الى ان ما كشفته الأبحاث "الأركيولوجية" بعد أن فكت رموز اللغات القديمة قد أكدت بشكل واضح ونهائي على ان نصوصاً عديدة مذكورة في "العهد القديم" قد نُقِلت من نصوص بابلية قديمة.

حين تصل الى قمة "جبل نيبو" يسرقك المكان برهبة موقعه وبسحر طبيعته فتضع مسألة ايمانك أو عدم إيمانك بما كُتبَ جانباً وتتحد مع الطبيعة لتصبح جزءاً منها، فترى فعلاً "بلاد كنعان" على إمتداد نظرك في سهولها وجبالها ومساحتها "البانورامية" الرائعة.
حينها تُدرك أن الطبيعة هي أقوى من الإنسان ومما يُكتب ..  فيها كل الحقائق، وألغازها تتعدى مليارات السنين التي يحدد فيها العلم عمر الكون.

وقتئذ تبدأ بالبحث عن منطق جديد يجمع بين الدين والعلم للوصول الى إستقرار نفسي ينقذك من الصراع الذي ينهش عقلك وايمانك. تدور حول نفسك وتلتفت الى الوراء لتجد مبانٍ شُيدت للحفاظ على هذا التراث، تراث الإيمان باللامرئي، تراث عُبِّر عنه بفنون عديدة كالهندسة والنقش والرسم لتكون كلها شاهدة على عصورها ومرآة لمعتقدات الشعوب ومسيراتها.

قد أقحم القارئ بتساؤلات روحانية إستوقفتني وفرضت علي بحثاً جديداً في الكتب وفي المجهول بعد أن وجدت بأن ما نسميه بالأساطير والملاحم قد لا تكون أوهاماً أو قصصاً خارقة للطبيعة وإنما هي أحداث وتجارب قديمة متداخلة بطبيعة الشعوب القديمة.. أحداث وتجارب لم نفهم ربما مراميها لهذا نجهلها ونخاف أن نصدقها.
وإذا سلمنا بان مسألة نقل بعض نصوص "التوراة" من النصوص البابلية القديمة هي مسألة صحيحة فهذا قد يعني بأن مضمون ما رُويَ في التوراة عن "كلام الله مع الأنبياء" هي أساطير ولكن غير وهمية في معنى الإيمان لدى المؤمن. هذا يعني أيضاً أن النصوص القديمة قد تكون "كتباً مقدسة" في زمانها وعصرها لكنها ظلت إمتدادا لما تؤمن به الأديان السماوية اليوم (اليهودية، المسيحية، الإسلام) كونها تعترف بالتوراة وبالإنجيل.

إن كل ما أورده هو بالطبع قابل للنقاش وللبحث كونه موضوعاً طويلاً ومتفرعاً في إتجاهات تاريخية، لغوية، دينية ،سياسية وثقافية عديدة. ومهما بلغ شأن التحليلات وكبُرَ حجم التناقضات فيما نقرأ ونستخلص، تظل الجوانب الفنية هي الأقوى في مصطلحات التاريخ وإكتشافاته الأثرية.
بمعنى آخر، صدقنا أو لم نصدق ذلك فان توارث النصوص الدينية وغير الدينية هو في الأساس إشارة واضحة الى أهمية تدفق الحضارات وتسلسلها عبر الفنون المرافقة للأديان "الموحدة" و"غير الموحدة"، وتظل الآثار هي الأبقى، تشد المؤمن وغير المؤمن الى جذوره على تنوع جزئيات هويته لتصبح الأديان بفنونها إحدى تلك العناصر والجزئيات التراثية التي في مجموعها تشكل إنتماءه.

حين أخذتُ على سبيل المثال، المعلومات التاريخية والدينية التي تترجمها الأماكن المقدسة وفنون الفسيفساء في مدينة "مأدبا" وجدتُ أن تخطي التساؤلات الروحانية كان أمراً تلقائياً أمام روعة الإبداع فاتخذ الدين أثناء زيارتي وجهاً تاريخياً ثقافياً فنياً ألغى كل الشكوك في نفسي وفي عقلي فراحت عيوني تلتهم كل ما تراه كجزء مهم من تراثي المسيحي الذي زرعته التربية والتقاليد في أعماقي. هكذا لم تعد جغرافية المكان مهمة بل الزمن ولغاته الفنية والتاريخية هي الأهم إذ أصبحت رموز تلك الحقبة وجهاً من وجوه إنتمائي وجزئية مهمة ضمن الجزئيات الأخرى من هويتي.
وهكذا أيضاً إلتصقت جغرافيَّة المكان بالزمان، فالطريق الممتد من جنوب عمان مروراً بمأدبا وجبل نيبو هو الخط السريع الذي كان يسلكه القدماء منذ 5000 سنة للوصل الى مدينة القدس. ها اني وكثيرين من السياح قد سلكنا الطريق نفسه بحثاً عن آثارنا المسيحية التراثية (وما أكثرها في الأردن) بغض النظر إن كنا مؤمنين ام لا.


على طريق مأدبا وجبل نيبو
[/color]

الشواهد التاريخية كثيرة ومتنوعة في تلك الأرض الممتدة من مدينة "مأدبا" المزروعة بالأديرة وبالكنائس إضافة الى "جبل نيبو" المعلق بين السماء والأرض.
فمدينة مأدبا (وهي لفظة آرامية) تقع في منطقة جبلية تطل على وادي الأردن والبحرالميت الذي ينخفض عن سطح الأرض 400 م (المنطقة الأكثر إنخفاضاً في العالم) وتبعد "مأدبا" مسافة 33 كلم عن "عمان".

تُسمى بمدينة الفسيفساء لوفرة هذا الفن في الكنائس القديمة الموزعة في أرجاء المنطقة حيت مرت شعوب عديدة منذ وجودها 1160-1200 ق.م.
في القرن الثاني عشر ق.م. أستولى عليها الأموريون وأحرقوها.
عاش الأنباط فيها طيلة فترة الحكم الروماني الذي وفر لها إزدهاراً كبيراً بسبب موقعها على الطريق التجاري الممتد من بصرى الشام الى البحر الأحمر. ووصل إزدهارها التجاري الى سك نقود خاصة بها يحمل قسم منها إسمها وقسم آخر إسم الهة مأدبا "عشتاروت".
في العصر البيزنطي إنتشرت فيها المسيحية  وشُيدت الكنائس. في سنة 636 م. خسر "هرقل" معركة اليرموك وسيطر العرب على مأدبا.
ضربتها الزلازل على مراحل فكان الأول في عام 746 م. وفي القرن الحادي عشر تعاقبت الهزات الأرضية  عليها بكثافة مما دفع أهلها الى هجرتها خاصة بعد حدوث آخر هزة أرضية التي استمرت أربعين يوماً بصورة متتالية.
ظل قسم من آثارها متصدعاً ومدمراً أما القسم الآخر فبقي مطموراً في الأرض حتى حكم العثمانيون المنطقة.

في مأدبا عدة أماكن مسيحية مقدسة وأثرية، من أبرز معالمها :
"كنيسة مار جرجس" للروم الأرثوذكس التي تعتبر من أهم الكنائس العشر الموجودة في المنطقة
"جبل نيبو" أو "نبو" حيث صعد النبي موسى ليرى "أرض كنعان" ويمضي آخر سنوات حياته.
"قلعة مكاور" القلعة التي قُطِع فيها رأس يوحنا المعمدان.
"السياغة" وتعني المحبسة وعُثر هناك على ثلاث كنائس تزينها لوحات فسيفسائية كثيرة.
"الدير" وهو كناية عن صومعة للرهبان. تشير بعض الآثار فيه الى انه كان مضافة للسياح وللحجاج.

من تلك الأماكن إخترت مكانين كنتُ قد قمت بزيارتهما أثناء تواجدي في الأردن في صيف 2005.



كنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس
[/size][/color]



كنيسة مار جرجس للروم الارثوذكس
[/color]


تُعَد من أهم الكنائس التي يؤمها السياح. تقع على الشارع الرئيسي في وسط المدينة التي تكتظ بالمحلات التجارية والسياحية.
إشتهرت الكنيسة منذ تاريخ إنشائها بأقدم خارطة فسيفسائية للأراضي المقدسة حتى انها عُرِفت ب "كنيسة الخارطة" ويُعتَقَد ان تاريخها يعود الى حوالي عام 565 م.



 
أقدم خارطة فسيفسائية للأراضي المقدسة
[/color]


تتوسط الخارطة أرض الكنيسة وتضم الأماكن الواقعة بين مدينة جبيل (بيبلوس) في لبنان ودمشق في سوريا شمالاً، مدينة ثيبة في مصر جنوباً، البحر الأبيض المتوسط غرباً ومدينتي عمان وبترا شرقاً.
هذا وتصور الخريطة أيضاً عدة مدن وقرى مثل أريحا، نابلس، اللد، يافا، أشدود، عسقلان وغيرها ... أما المدينة المركزية فهي مدينة "القدس". كما وتشمل الرسومات فيها أشكالاً متنوعة من طبيعة المنطقة مثل السمك في الأنهر الكبيرة كالنيل إضافة الى شجر النخيل، النباتات والحيوانات.
هذا وتزدان جدران الكنيسة بأيقونات قديمة أعيد عرضها أمام الزائرين.







جبل نيبو
[/size][/color]


    
مدخل موقع النبي موسى
[/color]

يرتفع جبل نيبو 800 م عن سطح البحر. أصل لفظة نيبو هو "نبا"، اله التجارة عند البابليين.
تستقبل الزوار على مدخل الموقع عدة نصب على طريق تحيط جانبيه الأشجار. طبعاً هو مكان جميل جداً يسوده السكون. هناك تشعر ان السماء قريبة جداً مثل خيمة شفافة وكأنها بحر تخلى عن مياهه وصار بازرقاقه الفضاء. هواء منعش يلفح جسدك ويفتح صدرك فتستسلم بحواسك الخمس لمشيئة الطبيعة وألغازها الجمالية الخلابة.



   

صعد الى قمة الجبل النبي موسى كي يرى "بلاد كنعان" وأمضى هناك السنوات الأخيرة من حياته، حسبما ورد في التوراة.


 
جزء من "بلاد كنعان" كما رآها النبي موسى
[/color]



مواقع المدن وإتجاهاتها كما يراها الزائر من موقع نصب "عصا موسى"
[/color]


أقيم نصب هناك يمثل عصا موسى والأفعى الملتفة حولها. يُقال ان هذا النصب يرمز الى القوة ويحارب الشرور لهذا أعتُمدَ كرمز لعلوم الصيدلة.



عصا النبي موسى في الموقع الذي رأى منه "بلاد كنعان"
[/color]


على قمة الجبل شُيِّدت في القرن السادس كنيسة ايوانية الشكل. يُعتقد ان مكانها هو قبر النبي موسى ولكن حتى اليوم لم يتمكن علماء الآثار من العثور على القبر وبالتالي فلا يوجد اي تأكيد على موقعه أو وجوده.


أمام موقع الكنيسة على رأس الجبل
[/color]


بعض الصور في داخل الكنيسة
[/size][/color]







في نهاية زيارتي وبعد ممارستي للعبة "الكر والفر" في تحليلاتي قررت الإستسلام لرهبة الأمكنة المقدسة وجمال الفنون فيها التي خطَّت لمعتقدات الشعوب تاريخاً لأديانها المختلفة.

وهنا لا بد أن أشير الى انه مهما بدلت نصوص العهد الجديد جوهر المعتقدات المعتنقة قديماً فإن الكنيسة لم تتمكن من محو الطقوس التي ورثتها من الوثنية واليهودية والتي نراها واضحة في مظاهر الفنون المنقوشة والمرسومة في كنائسنا إضافة الى المذبح والهيكل وخدمة القداس بشكل عام. وهذا أمر لا يقلل من شأن المسيحية بل يُثبت انها دين وتاريخ وحضارة لم تنقض بل أكملت ما سبق وبالتالي فان باستطاعة المسيحي المؤمن ان ينتمي إليها في "الجوهر الإيماني" كما باستطاعة غير المؤمن ان ينتمي الى تاريخها الحضاري والفني.

أما مستقبل المعتقدات الدينية فمصيرها قد يصبح مرهوناً بالإكتشافات العلمية والتاريخية الجديدة في المستقبل القريب والبعيد.


[/font][/b]
ليلى كوركيس -  Leila Gorguis
        www.ankawa.com