عندما تسقط الاقنعة
ملحق: تعقيب على مقال السيد شليمون داود
نشر السيد شليمون داود، مسؤول قسم الاعلام في بطريركية كنيسة المشرق القديمة ورئيس تحرير مجلة (الافق) مجلة كنيسة المشرق القديمة، وسكرتير تحرير جريدة (بهرا) للحركة الديمقراطية الاشورية، مقالا على صفحات موقع عنكاوة بتاريخ 19 كانون الثاني 2006 بعنوان (تعقيب على مقال القس المهندس عمانوئيل يوخنا) يمكن للراغبين بقراءته الاطلاع عليه عبر الرابط التالي:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,24745.0.htmlونظرا لما تضمنه المقال من نقاط وايضاحات تتطلب مني الرد او التعقيب عليها فاني انشر هذا التعقيب.
اولا: كنت اتمنى على صديقي السيد شليمون داود التريث بنشر مقالته لحين اكتمال نشر الاجزاء المتعاقبة من مقالي (عندما تسقط الاقنعة) فذلك كان سيغنيه عن اصدار الاحكام المجتزئة على مقالي او تقويلي ما لم اقله.
ثانيا: مع اختياره لعنوان مقالته، فان السيد شليمون ابتعد عن التوصيف الصحيح عندما سمى مقاله بانه (تعقيب) على مقالتي.
فالحقيقة التي تظهر جلية لقارئ مقال السيد شليمون انه ليس تعقيبا على مقالي بقدر ما هو (ايضاح) منه، بحكم موقعه الاعلامي في كنيسة المشرق القديمة، لاسباب قيام كنيسة المشرق القديمة في شيكاغو بفتح ابوابها لنيافة مار باوي (الموقوف عن الخدمة بقرار المجمع السنهاديقي المقدس لكنيسة المشرق الاشورية) لاقامة قداس عيد الميلاد فيها وبمشاركة كاهن وشمامسة وابناء رعية كنيسة المشرق القديمة (التي تحتفل بعيد الميلاد بحسب التقويم الشرقي لا الغربي) في طقوس واحتفالية عيد الميلاد مع نيافته وبشكل بدا للجميع (الا للسيد شليمون) على انه موقف دعم وتاييد وتضامن مع نيافة الاسقف مار باوي في شقه لكنيسة المشرق، وبانه موقف لا يتواءم (وقبل كل شيئ) مع احترام الكنائس الرسولية للمرجعيات السنهاديقية للكنائس الشقيقة.. وهو موقف بدا واضحا للجميع (الا للسيد شليمون ولانصار مار باوي في تمرده وانسلاخه عن الكنيسة) على انه خطوة محسوبة من نيافة مار باوي لجر كنيسة المشرق القديمة الى ساحة الصراع بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات ونتائج ومواقف سلبية (ومن بينها جهود توحيد كنيستي المشرق الاشورية والقديمة) لا حاجة بنا لتكرارها فقد ضمناها وبوضوح وشفافية في اجزاء مقالنا.
وفيما عدا ايضاحه لاسباب فتح كنيسة المشرق القديمة في شيكاغو ابوابها لنيافة مار باوي، فان مقال السيد شليمون لم يتضمن ما اسماه (تعقيبا) على مقالي الا النزر اليسير من الشذرات والعبارات المبتورة والتقويلات التي ساتي عليها في هذا النقاش مثلما ساتي على مناقشة الايضاحات التي تضمنها المقال بشان فتح الكنيسة ابوابها لنيافة مار باوي.
ثالثا: يبتدا المقال بالدفاع الضمني عن نيافة مار باوي وتمرده على الكنيسة وبتقويلي ما لم اقله، حيث يصدر حكمه القطعي علي باني اعتقد بامتلاكي الحقيقة!!! في حين ان جميع مقالاتي تضمنت الاعتراف الصريح او الضمني مني بان ما اكتبه هو رؤية وقراءة شخصية للامور قد تصيب او تخيب. فمن اين استنتج السيد شليمون باني اعتقد بامتلاك الحقيقة؟ هل له ان يقتبس المقاطع او الاسطر التي تضمنها مقالي والتي اوحت له بذلك؟
ام تراه بتثبيته التهمة علي يحاول تبرير ادعاء مار باوي بامتلاكه الحقيقة دون غيره، وهو الادعاء الذي التزمه ومارسه مار باوي عمليا عندما رفض اجماع اعضاء السنهادوس المقدس وشكك في شرعية السنهادوس..
ويضيف السيد شليمون بان له ملاحظات كثيرة على المقال وانه لا يتفق مع الكثير مما ورد فيه بشان انشقاق مار باوي.. ولكنه ومن دون ان يذكر ملاحظاته وماخذه، التي نرحب بها لاغناء الحوار والنقاش، يقفز الى الاستنتاجات والاحكام كما سبق على سبيل المثال من اتهامي باعتقاد امتلاكي الحقيقة المطلقة!!
اني لعلى ثقة بان السيد شليمون يدرك ان تفاديه النقاش وايراد الملاحظات لا يسمح له ان يطلق الاحكام والاستنتاجات وطلب قبولها من القراء على انها حقائق.. الا اذا كان الزميل شليمون تعمد في ذلك!!
رابعا: مرة اخرى يُقوِلني الاخ شليمون ما لم اقله.. حيث يستنتج من مقالي ما يلي بالنص الحرفي في رده:
(... ومُقدِماً صورة ليست بالضرورة دقيقة أو مقبولة لدى الطرف الآخر، من خلال تقديمه (اي انا في مقالي عندما تسقط الاقنعة – الكاتب) الأمور وكأن رئاسة كنيسة المشرق الآشورية كانت السباقة على الدوام في المبادرة بهذه الشأن، بينما قابلتها رئاسة الكنيسة الشرقية القديمة بممارسات غير متجاوبة آخرها السماح لنيافة مار باوي بإقامة القداديس في أبرشياتها في الولايات المتحدة). انتهى الاقتباس.
انا لم اقل ذلك مطلقا بالنص الصريح او بالتفسير الضمني.. بل على العكس تماما، فقد قلت بالنص الصريح ان كنيسة المشرق الاشورية تاخرت في اقرار الخطوة الاولى للتوحيد بتاخيرها لمدة 30 سنة الاعتراف الكامل بحقيقة وجود كنيسة مشرقية رسولية شقيقة هي كنيسة المشرق القديمة. وفيما يلي الاقتباس الحرفي لما ورد في مقالتي بهذا الشان: (صحيح انه كان هناك تاخرا في انضاج وتحقيق الخطوة الاولى في مسيرة الوحدة هذه والمتمثلة بالاعتراف الكامل بالسلطة البطريركية لقداسة البطريرك مار ادي الثاني، وصحيح انه كان هناك، عبر اكثر من ثلاث عقود، تناقضات وافتقار الى رؤية وموقف واضح من حقيقة ان كنيسة المشرق القديمة كنيسة شقيقة قائمة، الا ان هذه الخطوة الاولى قد تحققت في المجمع السنهاديقي المنعقد عام 1999 ... )
فكيف واين قرا السيد شليمون في مقالي استنتاجه اعلاه!!!
خامسا: وكذا الامر في مسالة الوضع القائم بعد 1999 من خطوات لتوحيد الكنيستين، فما جاء في مقالي هو ان كنيسة المشرق الاشورية دعت الى مجمع سنهاديقي مشترك لمناقشة مختلف الامور واقرار توحيد الكنيستين، وهو المجمع الذي لم يتحقق في حينه (المدى القريب بعد 1999) بسبب ازمة داخلية مرت بها كنيسة المشرق القديمة (وهي ازمة يعرفها الجميع وبينهم السيد شليمون الذي يقر بذلك في مقاله)..
وانا لم اتحدث عن الواقع الحالي لكنيسة المشرق القديمة.. فالسيد شليمون يدرك تماما اني على مقربة ودراية باوضاع كنائسنا، ولم يكن مبررا له توجيه الاتهام الضمني التالي: (وأن الكنيسة الشرقية القديمة إذا كانت قد مرت ذات يوم بأزمة داخليه فهو أمر لا ننكره وقد انتهى وزال، وهي مسائل قد تحدث مع مختلف الكنائس، والكنيسة الشرقية القديمة هي اليوم مستقرة في كل حلقاتها الإدارية والرعوية). انتهى الاقتباس.
وهنا لا بد من تكرار التذكير بحقيقة ان المجمع السنهاديقي الاخير لكنيسة المشرق الاشورية قد كرر الدعوة لهذا المجمع المشترك مما يعكس ارادة ونية صادقة للانتقال الى ممارسة والتزام توحيد الكنيسة عبر لقاء مشترك لاباء الكنيستين بهداية الروح القدس وليس عبر المنابر الاعلامية.
ودعاءنا الى الرب ان يلتئم هذا المجمع المشترك باقرب فرصة ولتخطو الكنيستين خطوة تاريخية بتوحيد الكنيسة وليتحقق بذلك الحلم الذي طالما انتظرناه جميعا.. بل وان تحققه في هذا الظرف بالذات سيكون اكثر من مجرد توحيد كنيستين بل سيكون موقفا كنسيا وقوميا يعيد الاعتبار للكنيسة والامة ويعيد ثقتها بنفسها وبمستقبلها.
ان ما نامله بنية خالصة ان تقابل المرجعية السنهاديقية والبطريركية لكنيسة المشرق القديمة بايجابية موقف كنيسة المشرق الاشورية الذي يعكس التزاما وارادة واعية وكاملة في تحقيق الوحدة.
واذا اجاز لنا قراء هذا المقال استعارة المصطلحات والتعابير الصحافية لتوصيف الوقائع فانه يجوز لنا القول مجازا ان الكرة كانت في ملعب كنيسة المشرق الاشورية الى عام 1999 ولكنها الان في ملعب كنيسة المشرق القديمة.سادسا: المؤسف ان يرد في المقال معلومات تفتقر الى الدقة (رغم امكانية التحقق وبسهولة من خطأها)، مما يثير التساؤل عن الغاية من ايرادها رغم خطأها، حيث يقول السيد شليمون ان كنيسة المشرق الاشورية في شيكاغو تعلن اقامة القداس من قبل نيافة الاسقف مار عمانوئيل ايليا (اسقف كنيسة المشرق القديمة) في حين انها لا تعلن قيام البطريرك مار دنخا بذلك!!! يقول السيد شليمون بالنص الحرفي:
(... مع ملاحظة أن إذاعة الكنيسة تقوم بالإعلان عن هذه القداديس قبل إقامتها (اي القداديس التي يقيمها نيافة مار عمانوئيل - الكاتب)، في الوقت الذي لا يتم فيه الإعلان من خلال هذه الإذاعة عن القداديس التي يقيمها قداسة مار دنخا نفسه وهو بطريرك الكنيسة ورئيسها.) انتهى الاقتباس
يا سيدي شليمون، اسمحوا لي ان اقول انكم جانبتم الحقيقة كثيرا بل وتجنيتم عليها..السياق المعمول به، والذي يدركه جميع ابناء الجالية في شيكاغو، هو ان الكنيسة تعلن في برنامجها الاذاعي الاسبوعي كل يوم سبت اسماء الاكليروس الذين سيقومون بتقديس القربان في مختلف رعيات الكنيسة في شيكاغو في يوم الاحد التالي، ويتم ذلك بطبيعة الحال بايراد اسماء الاكليروس بحسب رتبهم تنازليا بدءا بقداسة البطريرك ثم المطارنة والاساقفة والاركذياقون والكهنة.. وبالطبع فانه اذا كان قداسة البطريرك لا يقوم بتقديس القربان في الاحد التالي فانه لا يذكر اسمه، وكذا بالنسبة للجميع..
اتمنى ان يكون هذا الادعاء من قبل الاخ شليمون هفوة معلوماتية غير مقصودة وليست نتيجة الاصابة بداء الاعلام التضليلي بحكم تواجده وعمله في اكثر من مرفق اعلامي.
اما بشان اسباب فتح الكنيسة لابوابها لنيافة الاسقف مار باوي، وهو جوهر مقال السيد شليمون، فانه يورد نقلا عن قداسة البطريرك مار ادي الثاني جملة ملاحظات ونقاط تتطلب منا التعقيب عليها بروح المحبة والاخوة وحرصا على اغناء الحوار من جهة، وخدمة لمسيرة وحدة الكنيسة من جهة اخرى، فنقول:
اولا: لقد مر الانقسام في كنيسة المشرق الى كنيستين ورئاستين (التقويم الغربي والتقويم الشرقي مجازا) او كنيسة المشرق الاشورية (كما سميت منذ 1976) والمشرق القديمة (كما سميت في الثمانينيات)، بثلاث مراحل تاريخية وكما يلي:
- المرحلة الاولى بين 1963 و 1968 حيث كان الوضع فيها انقساما بين رعيات الكنيسة واباءها ومطارنتها وعلى راسهم غبطة المطران الراحل مار توما درمو (قداسة البطريرك مار توما درمو لاحقا).
وفي هذه المرحلة لم تكن كنيسة المشرق (التقويم الشرقي) قد تبلورت بشكل كنيسة برئاسة بطريركية مستقلة.
- المرحلة الثانية بين 1968 (سنة رسامة قداسة البطريرك الراحل مار توما درمو للسدة البطريركية) و1999 وهي سنة اقرار كنيسة المشرق الاشورية بالسلطة البطريركية لقداسة بطريرك كنيسة المشرق القديمة بكل ما يعنيه هذا الاقرار من نتائج.
- المرحلة الثالثة والمبتدئة بعام 1999 والمستمرة الى اليوم والقائمة على الاعتراف والاقرار بكنيسة المشرق القديمة كنيسة رسولية شقيقة ومتكافئة مع كنيسة المشرق الاشورية من حيث البناء والمرجعيات والسلطات الاكليروسية.
(طبعا نحن لا نتحدث عن كنيستين بمعنى الاختلاف في اللاهوت والطقوس والقوانين وغيرها، فالكنيستين مشتركتين في لاهوت وطقوس وقوانين واحدة فيما عدا بعض التغييرات الطفيفة التي قامت بها كل من الكنيستين بعد 1968 في مجال الطقوس والقوانين السنهاديقية).
ثانيا: ما يمكن قوله بالنسبة للمرحلة الاولى (1963 – 1968) فانه من المؤسف ان كنيسة المشرق (الاشورية) وتحديدا قداسة البطريرك الراحل مار ايشاي شمعون (وبحسب معلوماتنا التي قد تكون غير كافية) لم يقم باية مبادرة لاصلاح ذات البين مع غبطة المطران (حينها) مار توما درمو.. ان خمسة سنين كانت كافية لحل اي سوء فهم او اختلاف وكان ذلك سينجينا من انقسام الكنيسة.. ولسنا هنا بصدد تحليل او اصدار الاحكام على هذه الفترة وتفاصيلها، خاصة واننا لا نمتلك من الوثائق والمراسلات ما يمكن الاعتماد عليه، اضافة الى الظروف الذاتية والموضوعية للكنيسة واكليروسها وضعف (واحيانا انعدام) التواصل فيما بينهم او بينهم وبين عموم ابناء الكنيسة.
المهم فيما يخص في هذه المرحلة ان غبطة المطران مار توما درمو لم يعلن كنيسة منفصلة باسم توحيد الكنيسة وعصرنتها وبقيت الكنيسة موحدة الرئاسة الكنسية وانحصر الاختلاف في نقطتين، اولاهما ايقاف المطران مار توما من قبل البطريرك مار شمعون (وليس من خلال مجمع سنهاديقي) والثانية الاختلاف في التقويم.
(من الجلي للعيان ان هناك فارقا جوهريا بين الراحل مار توما درمو الذي بحسب مقاييس الدكتور ادور عوديشو وشلته كان اميا لا يعرف كتابة اسمه!!! (راجع كلمات الدكتور ادور والدكتورة اكنس وغيرهما في الاحتفاء بانشقاق مار باوي في قاعة كنيسة سان هوزي في 13 ت2 2005) وبين الدكتور الاسقف مار باوي (كما يطيب لانصاره تسميته). فالانشقاق لم يكن هدفا وغاية حتمية لمار توما درمو، ناهيك عن انه وهب حياته ونذرها لحماية الكنيسة وهويتها وتراثها وطقوسها حتى بات علما من اعلام الكنيسة في تاريخها الحديث بعكس الاسقف مار باوي الذي سعى الى الانشقاق مع سبق الاصرار والترصد والتخطيط منذ سنوات، اضافة الى ما يبديه نيافته من الاستهانة بهوية الكنيسة وخصوصيتها الثقافية والحضارية وليدخل تاريخ الكنيسة من اكثر بواباته عتمة الا وهي بوابة التقسيم والشرذمة)
ثالثا: اما المرحلة الثانية، فهي التي ابتدات برسامة البطريرك مار توما درمو للسدة البطريركية وهي الرسامة التي كرست الانشقاق وبات هناك كنيستان مستقلتان من حيث الرئاسة والسلطة الكنسية والمرجعية السنهاديقية والبطريركية.
وما يميز هذه المرحلة هو ان الكنيستان دخلتا في حالة الصراع على كل المستويات، الاكليروس والعلمانيين وصولا الى تدخلات الحكومات والانظمة ناهيك عن الصراع على عائدية الممتلكات الكنسية.ولسنا بحاجة للتفصيل في مفردات وتفاصيل هذا الصراع خاصة وانه بات جزءا من الماضي المؤلم. ولكننا سنكتفي، ولتعلقه بموضوع النقاش، بالاشارة الى احد مظاهر الصراع وهو انتقال الاكليروس من هذه الرئاسة الكنسية الى الاخرى، سواء كان الانتقال اثناء تازم علاقة الاكليروس بمرجعيته (وهي الحالة السائدة) او الانتقال "السلس" من دون خلفيات ازمات (وهي حالات نادرة).
ففي هذه المرحلة (ثلاث عقود من السنين) انتقل مطارنة واساقفة من هذه الرئاسة الى تلك سواء بمبادرات شخصية او بـ"صفقات ومفاوضات" وراء الكواليس..
فقد انتقل نيافة الاسقف مار دانيال من كنيسة المشرق الاشورية الى كنيسة المشرق القديمة.
وفي المقابل انتقل غبطة المطران مار افرام ونيافة الاسقف الراحل مار بولص (وكلاهما في الهند) مع كهنتهما ورعياتهما الى كنيسة المشرق الاشورية.
كما انتقل العديد من الكهنة (في الوطن والمهجر) من هذه الرئاسة الى الاخرى وبخاصة كلما كان احد الكهنة يعيش ازمة مع مرجعيته الاسقفية فـ"يقفز" الى الضفة الاخرى ليلقى الترحيب وفي احيان كثيرة (كما في المانيا) الترقية والمكافاة!!
لا يمكن لاي من الرئاستين الكنسيتين ان "تنزه" نفسها من هذه الممارسة وتتهم الرئاسة الاخرى، فالحقيقة المطلقة والمعروفة والتي لا يمكن انكارها هي ان كلتا الرئاستين والكنيستين مارستا "اصطياد" اكليروس الكنيسة الاخرى كلما استطاعتا الى ذلك سبيلا. (قد يكون من المفيد ايراد تجربتي الشخصية في هذا السياق.. فشخصيا، عندما مرت علاقتي بمرجعيتي الكنسية في العراق او اوربا بازمة، لا يمكن انكارها، فقد اتصل بي العديد من ابناء كنيسة المشرق القديمة ممن تربطني معهم علاقات صداقة واحترام (بل واتصل بي غبطة المطران مار طيمثاوس شليطا، مطران كنيسة المشرق القديمة في اوربا) وعرضوا علي اقتراح الانتقال الى كنيسة المشرق القديمة.. وهو امر رفضته جملة وتفصيلا لقناعتي المطلقة بان اكون جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة.. واي اكليروس ينتقل من رئاسة الى اخرى يتحول الى جزء من المشكلة.. لقد كنت وما ازال وسابقى مؤمنا بحتمية توحيد الكنيستين وبامكانية تحقيقه بتوفر النية والارادة الصادقة لذلك بين رئاستي الكنيستين، وقد نشرت كتابا بعنوان (كنيسة المشرق الموحدة: امل قريب ام حلم بعيد) واعيد طبعه في الوطن واستراليا وتضمن موقفا وتفصيلات ووثائق ورؤية واضحة للمسالة، وجاء في البرنامج المقترح فيه لتحقيق الوحدة نقطة واضحة برفض انتقال او قبول اي من الاكليروس من هذه الكنيسة الى الاخرى..
ولهذا السبب، ورغم الازمات مع المرجعية الكنسية، بقيت علاقتي وثيقة وقائمة على الاحترام بكلتا الكنيستين ومرجعياتها البطريركية.).
كما اتصفت هذه المرحلة، وبسبب عدم وضوح الرؤية والموقف من كنيسة المشرق الاشورية تجاه كنيسة المشرق القديمة بتعددية المواقف والبرامج لتوحيد الكنيسة اختلفت بل وتناقضت بين برنامج سابق واخر لاحق ولكنها كانت جميعا قائمة على عدم الاعتراف والاقرار بالسلطة البطريركية لبطريرك كنيسة المشرق القديمة.
رابعا: اما المرحلة الثالثة والتي انطلقت مع المجمع السنهاديقي لكنيسة المشرق الاشورية في عام 1999 والذي اقر بشكل لا لبس او تردد فيه بكنيسة المشرق القديمة وسلطتها البطريركية الرسولية، واطلق المجمع بناء على ذلك دعوة لتوحيد الكنيسة ورئاستها البطريركية وهيكليتها يتم مناقشتها واقرارها بمجمع سنهاديقي مشترك بين الكنيستين (ما زالت كنيسة المشرق القديمة لم تعلن موافقتها او رفضها على عقده).
من من ابناء الكنيستين لم يلحظ وبالممارسة العملية الانتقال من المرحلة السابقة الى هذه المرحلة، سواء على المستوى "البروتوكولي" او على مستوى المشاركة في الخدمات الكنسية ولمختلف الدرجات الكهنوتية وغيرها..
طبعا هذا لا يلغي ان هناك، في الكنيستين، مواقف متشنجة ولكنها لا تمثل يقينا الموقف الرسمي للكنيسة بقدر ما تمثله من موقف شخصي للقائم به سواء كان اسقفا او كاهنا او اداريا.
ان ما يجب الانتباه اليه وتوكيده هو ان هذه المرحلة تعتبر مرحلة متقدمة في طريق توحيد الكنيستين وانها تعني، من بين ما تعنيه، طي صفحة الماضي والتحرر من اسره ومن تفاصيله وفي المقدمة منها "اصطياد" الاكليروس او خلق المتاعب او تعميقها من قبل هذه الكنيسة للكنيسة الاخرى.. ولا يمكن، لمن يمتلك الرغبة والارادة الصادقة لتوحيد الكنيسة ان يعيش المرحلة الحالية بروح المرحلة السابقة التي باتت جزءا من الماضي ولا يمكن باي حال من الاحوال البقاء رهينة لها او التصرف كردود فعل انتقامية انظلاقا منها.
فمن غير المسموح لاي من الرئاستين وهي تبشر وتعلن مرحلة الحوار الوحدوي القائم على الاعتراف والاقرار بالاحترام والتكافؤ المتبادلين بين الكنيستين ان تقوم بالتصرف بوحي ورد فعل على مواقف وممارسات تنتمي الى مراحل سابقة. وبوضع النقاط على الحروف وتسمية المسميات باسماءها فيما يتعلق بموضوع المقال، فانه ليس من المنطق والحكمة بشيئ ان تبرر كنيسة المشرق القديمة تعاملها مع نيافة مار باوي وحركته الانشقاقية اعتمادا على مواقف من كنيسة المشرق الاشورية في الفترة التاريخية التي سبقت عام 1999.
كما لا يمكن لاي من الرئاستين او اكليروس الكنيستين او مثقفيهما اطلاق الاحكام المسبقة دون خوض حوار التوحيد تحت قبة المجمع السنهاديقي المشترك.. فما لا يمكن لنا الاتفاق فيه مع الاخ شليمون اتهامه لدعوات كنيسة المشرق الاشورية بتوحيد الكنيسة وعقد المجمع المشترك بانها (كلمة حق يراد بها باطل).
خامسا: بين نيافة الاسقفين مار عمانوئيل ايليا ومار باوي سورويورد السيد شليمون في مقاله مقاربة غير عادلة بين قيام نيافة الاسقف مار عمانوئيل (اسقف كنيسة المشرق القديمة في اميركا) بتقديس القربان في كنائس ورعيات كنيسة المشرق الاشورية في شيكاغو، وبين قيام نيافة الاسقف مار باوي بتقديس القربان في رعيات كنيسة المشرق القديمة في اميركا.
اما اوجه عدم العدالة في المقاربة هذه فهي ثلاث:
1- ان نيافة الاسقف مار عمانوئيل ليس موقوفا عن السلطة الاسقفية في كنيسة المشرق القديمة بعكس مار باوي الذي اصدر المجمع السنهاديقي المقدس لكنيسة المشرق الاشورية قرار ايقافه عن السلطة الاسقفية وبحسب السلطة والصلاحيات التي يتمتع بها السنهادوس، وهي سلطات وصلاحيات تدركها وتقرها كنيسة المشرق القديمة.
فنيافة الاسقف مار عمانوئيل ما زال اسقفا من اساقفة كنيسة المشرق القديمة وعضوا من اعضاء مجمعها السنهاديقي. وان جل ما في الامر هو انه في خلاف او ازمة مع مرجعيته الكنسية يتمنى الجميع ان تزول باقرب فرصة ممكنة، واني لعلى يقين بان كنيسة المشرق الاشورية هي اول المستعدين للمساهمة في حل الازمة بل ودعت وحثت على حلها.
بل وان التزام كنيسة المشرق الاشورية لقرارها السنهاديقي لعام 1999 بالاقرار والاعتراف الكامل بالسلطات والرتب الكنسية لكنيسة المشرق القديمة (كما مر ايراده) يجعل من المستحيل عليها ان تعتذر عن فتح ابواب كنائسها ورعياتها لاسقف جليل غير موقوف من اساقفة كنيسة المشرق القديمة.
اني لعلى ثقة ان السيد شليمون كان اول من سينتقد اعتذار كنيسة المشرق الاشورية عن فتح ابواب كنائسها ورعياتها لمار عمانوئيل، وكنا سنقرا له القول والتشكيك بان كنيسة المشرق الاشورية في الوقت الذي تقول فيه باعترافها وقبولها بالسلطات والرتب الكنسية لكنيسة المشرق القديمة وفي الوقت الذي تدعو فيه الى الوحدة فانها تمنع اسقفا غير موقوف من تقديس القربان في كنائسها!!!!
الجدير بالذكر هنا ان نيافة مار عمانوئيل قام بتقديس القربان في كنيسة مار عوديشو لكنيسة المشرق القديمة مثلما قام بتقديس القربان في كنائس كنيسة المشرق الاشورية.. فهل المطلوب من كنيسة المشرق الاشورية ان "توقف" الاسقف مار عمانوئيل اذا كانت كنيسته ومرجعيته البطريركية والسنهاديقية لم توقفه!!!
ان اقرب مقاربة للوضع الحالي لنيافة الاسقف مار عمانوئيل هو الوضع الذي مر فيه نيافة الاسقف مار سركيس في كنيسة المشرق الاشورية منذ عدة سنوات وكانت كنيسة المشرق القديمة قد فتحت له ابواب رعياتها وكنائسها (حتى قبل 1999) ولم يشكل ذلك سببا لنغوص او الم او عتاب في كنيسة المشرق الاشورية!!
2- ان نيافة الاسقف مار عمانوئيل، وبخلاف نيافة مار باوي، لم يسع الى تقسيم الكنيسة وشقها.فنيافته ملتزم بوحدة الكنيسة التي ينتمي اليها بل هو من المؤمنين والداعمين لتوحيد كنيسة المشرق القديمة وكنيسة المشرق الاشورية.
وهذا يجعله في موقف مخالف تماما مع نيافة الاسقف مار باوي الذي سعى ويسعى وبسابق اصرار على شق كنيسة المشرق الاشورية الى كنيستين.
وهنا نهمس في اذان اباءنا واخوتنا الاحبة في كنيسة المشرق القديمة بالقول ان نيافة الاسقف مار باوي في سعيه المحموم لترسيخ كنيسته الجديدة فانه لن يتردد، بل سيسعى حتما، الى اقتطاع ابناء ومؤمنين من كنيسة المشرق القديمة الى كنيسته الوليدة.
الامر كان سيختلف لو ان نيافة الاسقف مار باوي قرر الانضمام الى كنيسة المشرق القديمة، فعندها الامر يكون بصيغة اخرى من حيث انه ليس شق وانقسام جديد في الكنيسة.
3- ان فتح كنيسة المشرق الاشورية ابواب رعياتها في شيكاغو امام نيافة الاسقف مار عمانوئيل هو بعلم ودراية كنيسة المشرق القديمة في شيكاغو التي لم تعترض صراحة او ضمنا على ذلك.طبعا كنيسة المشرق الاشورية ليست بحاجة للاعتراض على فتح كنيسة المشرق القديمة ابوابها لنيافة مار باوي، ذلك انها قدمت نسخا تحريرية ورسمية من قرار مجمعها السنهاديقي بايقاف مار باوي الى المرجعية البطريركية لكنيسة المشرق القديمة ورعيتها في شيكاغو.. وكنيسة المشرق القديمة ككنيسة رسولية شقيقة تدرك النتائج الطبيعية والمترتبات المنطقية لهذا الايقاف.. وهو خيار متروك لكنيسة المشرق القديمة ومرجعيتها البطريركية والسنهاديقية بين دعم الانشقاق وبين مترتبات المقررات السنهاديقية.
سادسا: باستثناء الزميل شليمون ومناصري انسلاخ مار باوي وانشقاقه عن كنيسة المشرق، فانه، وبحسب معلوماتي، لا يوجد من ينظر الى فتح كنيسة المشرق القديمة ابوابها لمار باوي الموقوف عن السلطة الاسقفية بانه امر طبيعي واعتيادي يماثل فتح كنيسة ايطالية او مكسيكية او كورية بابها لنيافته.
شخصيا افتقر الى المقدرة لاقناع ذاتي وخداعها بان هناك تماثلا كهذا.
الجميع متفق على ان ذلك كان موقفا تضامنيا وداعما ومساندا لمارباوي وانشقاقه، ولعل الاركذياقون اويقم، راعي كنيسة المشرق القديمة في شيكاغو، هو اول من يدرك ذلك وانعكس في عدم مشاركته هذا العام في تقديم تهاني عيد الميلاد المجيد الى قداسة البطريرك مار دنخا الرابع بخلاف كل الاعياد والمناسبات السابقة!!!!
سابعا: فان مجرد نشر السيد شليمون مقاله لتوضيح اسباب فتح الكنيسة ابوابها لمار باوي هو اقرار ضمني بان ذلك يتضمن امرا غير طبيعيا او مالوفا مما تطلب قيام الاخ شليمون ايضاحه!!وختاما، اذ اعبر عن اعتزازي وتقديري الكبيرين للاخ الحبيب شليمون داود وحضوره واداءه الاعلامي في مجلة (الافق) لكنيسة المشرق القديمة وجريدة (بهرا) للحركة الديمقراطية الاشورية فاني اكرر تمنياتي، على نفسي اولا، وعلى الجميع بالابتعاد عن تبرير المواقف الخاطئة او الاتيان بها بناء على ردود افعال لا ترتقي الى مستوى مسؤولية حماية مؤسساتنا الكنسية والقومية واركانها من عبث الساعين وراء الامجاد والسلطات والامتيازات الفردية والشخصية المغلفة بادعاءات وشعارات من الوحدة والعصرنة والتحديث.. كما اتمنى على نفسي وعلى الجميع الابتعاد عن الرؤية الضيقة للامور، شخصية كانت ام كنسية مذهبية ام سياسية حزبية، بل وجوب النظر الى الامور بمقدار خدمتها لمستقبل شعبنا وكنائسه ومؤسساته ووجوده ومستقبله في الوطن والمهجر..
اؤكد ما سبق لي ايراده ان التوحيد لا يتحقق بالانشقاق.. والتحديث لا يتحقق بالتمرد.. والعصرنة لا تتحقق بالفوضى.. مثلما ان رفض الانشقاق والتمرد والفوضى لا يلغي حقيقة الحاجة الملحة للتوحيد والتحديث والعصرنة.. والرب يبارك..القس المهندس
عمانوئيل يوخنا
المانيا في 26 شباط 2006
ملاحظة: اعتذر عن تاخر نشري هذا المقال بسبب زيارتي الى الوطن لمتابعة برامج وخطط عمل منظمة (كابني)..[/size][/font]